قبل نحو مائة عام كان افتتاح خزان سنار وكان انطلاق المشروع العملاق، مشروع الجزيرة، النموذج الأبرز والأكبر من نوعه في القارة الافريقية. ولا يقلل من شأن المشروع أن تأسيسه تمّ بيد المستعمر، اليد التي سفكت دماء الأنصار في "النخيلة" "وكرري" "وام دبيكرات"، وهي نفس اليد التي قتلت ضباط ثورة ١٩٢٤ رمياً بالرصاص، وقبل ذلك قتلت الأنصاري الثائر "عبدالقادر إمام ودحبوبة" وأخمدت ثورته قبل أن تستفحل.. هذه الخلفية الدموية لا تقلل من أهمية مشروع الجزيرة الذي ربما سعى المستعمر من خلال إنشائه إلى التكفير عمّا ارتكب من جرائم في حق الوطن والمواطن، و إلى إشغال الناس بما هو أنفع وإلهائهم عن حقبة "المهدي وخليفته" التي، ورغم جانبها المشرق، لم تكن في معظم سنواتها سوى سلسلة من الحروب المهلكة في الداخل والخارج معاً. هذه الأراضي الخصبة الممتدة بين النهرين الأبيض والأزرق، ظلّت على مرّ القرون ملكاً مشاعاً للقبائل والعشائر المنتشرة في هذه المنطقة، ومرتعاً لماشيتهم ومصدراً للاكتفاء الذاتي من الذرة الرفيعة والخضروات من خلال المساحات الصغيرة التي يكتفون بزراعتها بالطرق التقليدية. قيام مشروع الجزيرة على أسس حديثة مبنية على دراسات جدوى فنية واقتصادية واجتماعية، أحدث نقلة كبرى وأدخل مفاهيم غير مسبوقة بالنسبة للسكان المحليين الذين رأوا بأعينهم أن مياه الأنهار يمكن أن يغيِّر الإنسان مسارها وينقلها لآلاف الأميال غرباً وشرقاً عبر قنوات ري حديثة لزراعة ملايين الأفدنة على مدار العام بدلاً من الزراعة الموسمية المحدودة والمعتمدة على فيضان النهر في الخريف! قضى مشروع الجزيرة على سطوة القبيلة واحتكارها لانتماء الأفراد عندما وفّر للملايين القادمين من أصقاع البلاد المختلفة مساحات ممهدة ومهيأة لزراعة أنواع مختلفة من الحبوب والفول والخضروات بجانب السلعة النقدية الرئيسية، القطن، فأصبح الجميع مرتبطين في تنوعهم ومتجاورين في مساكنهم واسواقهم رغم اختلاف القبائل. ربطتهم قنوات الري المشتركة (والحواشات) المتلاصقة والمحاصيل الموحّدة، فتلاشى الإحساس بالقبيلة وقوي الانتماء للوطن النقلة الكبيرة التى أحدثها المشروع العملاق لم تقتصر على الكتلة السكانية داخل المشروع وإنما امتد تأثيرها الى أبعاد أعمق وآفاق أرحب وأوسع باتساع الوطن. حصة المشروع في الناتج القومي الإجمالي كانت الأعلى، على مرّ العقود، وتراوحت ما بين ٣٥% و ٤٠%. التحوُّل في وضع المشروع حدث بعد الانقلاب العسكري في يونيو ١٩٨٩م على الحكم المدني المفوّض من الشعب بحجة انقاذ البلاد وصيانة سيادتها وحماية حدودها وإنهاء حرب الجنوب..الخ، ولكن وعلى عكس الشعارات المرفوعة، انتهت حرب الجنوب بتقسيم الوطن الى دولتين واستفحلت حروب دارفور وجبال النوبة سقطت (الانقاذ) بسواعد أبطال ثورة ديسمبر المجيدة، التي سرعان ما تعرّضت لسلسلة من المؤامرات والتحركات المضادة وصولاّ إلى انقلاب أكتوبر ٢٠٢١ على الحكم المدني الانتقالي، وما نتج عنه بعد ذلك من خلاف ومجابهات عسكرية بين طرفي الانقلاب ابتداء من ابريل ٢٠٢٣ وحتى تاريخه. لا بد من إيقاف هذه الحرب التي أهلكت الحرث والنسل والعودة إلى مسار الحكم المدني الديمقراطي. بالرجوع إلى شيخ المشاريع، مشروع الجزيرة الذي أصابته قرارات نظام الانقاذ (الاصلاحية) في مقتل عندما أُخضع المشروع لإعادة هيكلة غير مدروسة، فكان الدمج والبيع والتسريح لإنسان المشروع ومصانع المشروع ومحالج المشروع ومطاحن المشروع وورش المشروع العملاقة ومحتوياتها من المكائن والآليات والسيارات..الخ. لا شك في أن المشروع قد عانى في العقود الأخيرة من الترهل الاداري ومن العجز الواضح عن توفير احتياجات العملية الزراعية من تقاوي وسماد وآليات زراعية وقنوات ري صالحة لتزويد (الحواشات) بحاجتها من المياه..الخ، إلا أنّ معالجة هكذا نقص، لا يكون بشطب وإلغاء الهياكل الفنية والإدارية والنقابية الخاصة بالمشروع، واستبدالها بما سْمي (بلجان التسيير) (وشركة الهدف) بسائر الأقسام والتفاتيش بالمشروع، فكان ضررها أكبر من نفعها. الصورة الحالية للمشروع العظيم لا ترضي أحد، فلا يعقل أن تتعطل هذه الشبكة الطويلة من قنوات الري التي صُممت بعمل هندسي بديع وتدرُّج في الأحجام والأعماق لتحقيق مفهوم الري الانسيابي، تتعطل وتعجز كل هذه الشبكة عن نقل إكسير الحياة إلى حقول القطن والقمح والذرة، فتعطش النباتات وتصبح هشيماّ تذروه الرياح وهي على مرمى حجر من الماء! التقارير الصحفية في الآونة الأخيرة (٢٧/١٢/٢٠٢٥) أشارت الى الوضع الكارثي لشيخ مشاريع السودان والمعاناة الهائلة للمزارعين بمختلف أقسام المشروع وهم يلجؤون لفتح القنوات يدوياً مما يستغرق زمناً طويلاً لحين وصول المياه للمناطق المزروعة، فيما يلجأ البعض الآخر لفتح مسارات للمياه بطرق غير قانونية فيما يعرف شعبياّ “بالناكوسي”، أما بعض المزارعين الذين يملكون قدرة مالية لجأوا لتأجير عمالة لتنظيف القنوات (بالمناجل) بواقع 8 آلاف جنيه للعامل في اليوم الواحد. لا أدري كيف لشبكة من قنوات الري المتدرجة من (الميجر) إلى (الكنار) الى الى (الترعة) الى (ابوعشرين) الى (ابوستة) بأطوال تزيد عن ١٥٠ ألف كيلو، أن ينتهي بها المطاف إلى طمي وأوحال تغطيها الأعشاب! أين ذهبت "الكراكات" "والتركتورات" وآليات الهيدروليك الصفراء العملاقة؟ أعتقد أن من أولى قضايا مرحلة ما بعد الحرب الحالية قضية انقاذ مشروع الجزيرة وانتشاله من هذا الوضع الصعب الذي لا يسر عدواً ولا صديقاّ. انقاذ مشروع الجزيرة هو انقاذ للمواطن والوطن، فالجزيرة هي سُرّة السودان وهي منطلق التنمية والنهضة الحديثة التي شهدتها البلاد..
الجزيرة هي البوتقة التي صهرت الجميع وأعادت صياغة الفرد السوداني ليكون انتماؤه للوطن بشموليته وإنسانه وموارده التي يعم خيرها الجميع بلا استثناء.
الجزيرة هي نموذج التعايش السلمي بين مجتمعات متعددة السحنات واللغات والعادات، ربطت بينها أواصر المحبة والتعاون والمصالح المشتركة.
في ضوء هذا الواقع، تصبح المطالبة بانقاذ المشروع واعادته سيرته الأولى ضرورة لا تقبل التأجيل أو التسويف.
على الحكم المدني القادم بعد إسكات البندقية أن يضع على رأس أجندته إنقاذ مشروع الجزيرة على مراحل مدروسة تتضمن خطة إسعاف عاجل لقنوات الري كأولوية لا تقبل الانتظار.
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة