طابع فورموزا قصة قصيرة مصطفى مدثر مهداة لروح الفنّان باقر موسى
"هل رأيته؟" “طابع فورموزا؟” تدخل رشاد سائلاً بوجه متهدل وصوت أجش. رد أنس: "رأيته بالأمس، عليه صورة مدفع قديم يحلّق فوقه طائر”. قال صابر: “أتشوّق لرؤيته." قال أنس: “أعجبني لونه.” تدخل رشاد مرة أخرى مطيّراً يده في الهواء وهو يقول: “تركواز لونه، تركواز.” لاحظ صابر أن كلمة تركواز خرجت متأثرة بزكام رشاد المزمن فابتسم، ووجم أنس. "ليتني أحصل على هذا الطابع!" تمنى صابر في نفسه. نبح كلب في ركن الميدان. عاد أنس يقول لرشاد بصوت كالهسيس: "لماذا تكذب؟ لم تكن معنا." ابتسم صابر، وأشاح عنهما، فقد أحس بتثاقل رشاد على أنس. ورفع رشاد يده فلعق أسفل ابهامه، من عادة تلازمه، ثم أسرع مبتعداً. كانوا قد تلاقوا، كعادتهم، في ذلك الوقت من اليوم، حين يسترخي الكبار، بعد أخبار الثالثة من راديو أم درمان، في ضجعة الحر والصحف والدخان. وحين تسللوا بعد ظهيرة ملتهبة، كانت الأزقة قد أخلتها الرمضاء، إلا من باعة متجوّلين بوجوه مكفهرة ودم فائر. تواثبوا يتفرقون في ميدان الكرة. سأل رشاد وهو متضايق من (كدّارة) أخيه التي استعارها: "أين تقع فورموزا؟" رد صابر كأنه يتذّكر: "لا أدري، سمعت بها عند أستاذ خالد." تدّخل أنس: "أعتقد في أفريقيا." قال له صابر هامسا: "شاطر. متى فتحت الأطلس آخر مرة؟" وانخرط الرهط في تمرير الكرة بسرعة، محدثين فرقعات تتخللها صيحات، وحولهم جمهور من الصبية، وفيما وراء الصبية كانت السماء جنساً في النحاس يزحف غرباً. جلس صابر على النجيل، خارج الملعب، يرصدهم وهم يلعبون. تزامن ركلهم مع شريط أداره في خياله، عن براعته السابقة في لعب الكرة لكنه انصرف عنه بحبور نحو شاغله الجديد، أن يحتاز طابع فورموزا، قال: حتى ولو لأجل اسمها فقط، "فطابعها سيغدو نادراً قريباً وتكون له قيمة معتبرة، فورموزا يقال إنها لم تعد موجودة، إذاً اختفاؤها سيزيد من الشغف لاقتناء طابعها"، هكذا أعلمهم أستاذ خالد، وقال إن الطابع يأتي بأبعاد كبيرة مقارنة بالطوابع المنتشرة مثل طابع الهند. الهند كما رآها صابر على الخريطة بحجم قارة، بينما فورموزا تكاد لا تبين. ظهر هذا الطابع الجديد في حياتهم فجأةً. لا أحد يدري كم هاوٍ اقتناه، ربما واحد فقط هو الذي يعرفه أستاذ خالد. لم يستوعب الصبية أن البلد كلها بها طابع واحد لفورموزا. مر بذاكرة صابر ما قاله رشاد يوماً في صوت تحفه السخرية: "فكّر معي، لا أحد ينتظر خطاباً من فورموزا" شك صابر أن رشاد يقصد تخذيل الصبية من الهواية لسبب لا يعلمه. ما أدهش صابر هو أن رشاد ادّعى معرفة بمصادر الطوابع وهو لا يجمعها. كان ذلك أمر جديد فالناس يعرفون عن رشاد براعته في تقليد أبطال السنيما أو تقمص شخوص يخلقها في حكاياته تحت عمود النور. تلك كانت هواياته. تمعن صابر ذكرى يوم بعينه، لمعت في ذهنه وهو قاعد خارج ملعب الكرة. فتحت أم صابر الباب فرأت الصهدَ يمشي ملَكاً على رمل الطريق. صاحت بهم في الوهج: "كيف تلعبون في هذا الحر؟ وأنت، ألا تؤلمك هذه العصا تحت إبطك؟ أدخلوا!"، ويدخلون لحين إرضاءً لها. كانت تلك أيام دأبهم، كانوا صبيةً تناقلتهم أخبار الطوابع فتساءلوا عن العواصم والممالك وما تركوا، حتى حكايات الطغاة. كانت تحركهم تلك الأيام أشواق لرؤية "الناس في قلب الملايو" كما أنشد كابلي، ويعلو عندهم كعب مَن احتاز ألبوماً للطوابع أو حمّض فيلماً في عُقر داره. وفي أحاديثهم كانت تقفز لا النافية وكلا الزاجرة وحمى الضجيج، مثل كرات اللستك، ترتد فيتغالطون. سألوا عن أهون المصادر للطوابع وما عرفوا أكثر من طوابع مصر والهند، وما يأتي به المسافرون، وساد السأم بين بعضهم ممن ارتاد سوق الهنود، فطابعات الهند المجلوبة منه كانت على شكل واحد، بينما شحت في السوق طوابع الدول الأخرى، أو تعذّر تحصيلها، إلى أن برز نجم طابع فورموزا. كانت هواية جمع الطوابع من الأشياء التي يشعلها الصيف. وفي صيف طابع فورموزا كان التنافس بين الهواة قد ارتفعت وتيرته، وبرز رشاد، الذي عاد مع أبيه من اغتراب في الحجاز. كان يكبرهم بعدد من السنين، وله تاريخ متعثر في المدرسة، ولم تكن له سابق علاقة بجمع الطوابع البريدية، بل تفرّد بين أولاد الحي بقدراته الاجتماعية، فكان محبوباً للأمهات، متردداً عليهن بالسلام ومعطراً مجالسهن بما لديه من أخبار داوية، بعضها مفبرك يفقعه أمام الناس كالبالون. ذلك اليوم، حين نادتهم أم صابر للدخول من الحر، انزعج صابر من أن رشاد، الأكبر منه سناً، لم يمض في حاله، كما توقع صابر، بل دخل معهم، ولم يشرب الماء ويخرج كما فعل الآخرون، بل سأل صابر بابتسامة خبيثة أن يريه طوابعه. كان صابر قد جمعها داخل غلاف من انشائه. وأول ما رأى رشاد كان ذلك الرص لطابع جمهورية الهند، الذي كان، أكثر شيء عند المبتدئين من الهواة في المدينة. قال رشاد ساخراً "هذا الطابع في كل مكان، ودائماً صغير الحجم وبه نفس الصورة، خريطة الهند، هذا لا يعد شيئاً قيماً! لماذا ليس لك طابع من الجزائر؟" وساء ذلك الكلام صابر فقال بضيق: "هذا الطابع له نسخ مختلفة!" وأحجم عن التطرق لاختلاف اللون أو المناسبة في الطابع، لأنه قرر أن يكشف لرشاد عن عدد لا بأس به من طوابع دول أخرى فقام، يتأبط عصاه، ليخرجها من حرزها، ولكن رشاد وقد غلّ عينيه الحسد، لم يبد اهتماماً بها، بل غادر ويداه معقودتان خلف ظهره. وسرعان ما احتاز رشاد نفسه عدداً من الطوابع. وعلمت الثلة أن تلك الطوابع ليست لرشاد، بل اشتراها والد أنس من محل إغريقي بالخرطوم ليشجع ابنه على الهواية. كان أنس قريباً لرشاد، قليل الظهور في أزقة الحي، وحتى لو ظهر فإنه يكون منعزلاً عن الصبية، ويتحرك بجسد متهدل وعيون ناعسة. بعد أيام من تفشي خبر طابع فورموزا، اجتمعت الثلة وذهبت لأستاذ خالد، الذي حدّثهم قليلاً عن فورموزا، ثم فتح لهم البوماً أنيقاً وضع في احدى صفحاته ذلك الطابع، وقال إنه أتى به إثر عملية تبادل مؤقت مع صديق في الخرطوم، لكنه لا يملكه. اشتعل حماس الصبية، وصابر بينهم، عند رؤية الطابع. وتطلع صابر إلى الطابع فرأى صورة المدفع وذلك الطائر المحلّق، تماماً كما حكوا عنه، وازداد شوقاً لاقتناء نسخة من الطابع. كان أستاذ خالد خبيراً في تحميض الأفلام الفوتوغرافية بجانب جمعه للطوابع، ولقد رُوي عنه أنه كان يذهب لرئاسة البريد بالخرطوم ويتحدث مع المدير في شأن الطوابع وعند سماع هذه الرواية، فغر الصبية أفواههم إعجاباً بالأستاذ لكنهم عرفوا لاحقاً أن مدير قسم الطوابع عمه. كان منزل أهل أستاذ خالد، بناءً خرسانياً مركباً، في واحد من أزقة الحي. كانت أغلب البيوت (قِشرة) من الطوب الأحمر يتوارى خلفها الجالوص (الطين). وأستاذ خالد هو مَن علمهم الهوايات، فحاكى بذلك أباه المعلم، وكان يهوى أشياء أخرى مثل رعاية الشتول. ويأتيهم بالأخبار، يقرأها من الصحف، ويرويها لهم بنفْس برود الحدث اليومي، وبصوت جادٍ ورصين، رغم أن الصحف حاضرة في مشهد طاولة الغداء في منازل الحي، فقط رهط الأشقياء لم يكونوا يقرأون خارج أسوار المدرسة إلا ما كان واجباً عليهم. كانوا يميلون أكثر لسماع الراديو والأحاجي. كان لصابر طوابع من عدد من الدول، تنجانيقا، وهيلفيتيا، وهذه كان اسمها غريباً عرف من خالد أنه اسم قديم لسويسرا وكان عنده طابع عليه أحرف DDR وما استطاع أن يحل لغز حرف الD الأول، إلاّ من عم له جاء من أوربا لزيارتهم فقال له هي "دويتش" وعلّمه الاسم: جمهورية ألمانيا الديمقراطية، وحاز صابر طابعاً من كينيا يذكّره بجومو، (مثلما امتد كضوء الفجر يومُ)، من نفس أغنية كابلي كثيرة الإنشاد تلك الايام. وفي ركضه الحثيث نحو الهواية، قام صابر بمراسلة هاو من سوريا، وجد عنوانه في مجلة الكواكب. أختاره من قائمة بها أسماء عدد كبير من الهواة، وكم فرح عندما ناداه أبوه بعد أيام وناوله الخطاب الذي أتى به ساعي البريد وكان اسم صابر على ظرف الخطاب. وأرفق ذلك الهاوي مع رده، صورة شخصية له، يبدو من مظهرها أنها عتيقة وكان أولى أن يحتفظ بها صاحبها. وفي الصورة رجل مسن حوله عدد من الأطفال، أحدهم في عمر صابر. وكان هناك سهم مرسوم في الصورة، يشير إلى الرجل. بدا الهاوي، الذي ستفشل مساعيه مع صابر، مفاخراً بأسرته ونافخاً صدره وفوق ذلك كان أصلعاً. وقد علقت والدة صابر على صورة الشائب الذي يهوى الطوابع وقالت لصابر: "والله ياهُو، انت الوداك تصاحب زول قدر جدك شنو؟" فقال لها "إنه من سوريا يا أمي، لقد تحصلت على طابع من سوريا." ولم يفكر أن يرد على خطاب الرجل كما لم يعلّق أبوه على الأمر. ثم قام أحدهم بسرقة ذلك الطابع السوري. كانت سرقة الطوابع مستعرة، ذلك الصيف. عرف صابر من أين تأتي أحسن الطوابع، إنها من أعماق سوق أم درمان، في مزالق الترام وارتطام السكك وعربات الكارو، الأماكن التي لا يمشي إليها الصبية إلاّ خلسة. وأحسن الطوابع عنده كانت تعني تلك التي عليها خاتم البريد، أو بمعنى آخر مستعملة. لم يكن جمع الطوابع غير المستعملة مزاجاً أول عهده بالهواية. لقد ابتدأ هوايته بنظرةِ أن الخاتم يفسد صورة الطابع، فالسماح بهذا التشويه يعنى أن الخاتم أهم من الطابع. وأزعجه هذا الاستنتاج، فحَلُم ذات ليلة أنه يمتطي طابعاً طائراً، كبساط الريح، وبأطراف مشرشرة، يقطر منها حبر. وتغيّر فهمه رويداً فصار يرى جمالاً في أثر الخاتم على الطابع، رغم أنه أحياناً يغطي مساحة من الطابع. الأمر كما رآه هو أنه كان هناك موظفو بريد يضعون الختم على استحياء، وفي طرف الطابع، كأنهم متعاطفون مع الهواة، كما كانت هناك أيضاً الفئة الباغية التي ينهال الواحد منها على الطابع كما لو أنه يبغي سحقه، والطابع لا تنقص قيمته، حتى لو أرهقه الخاتم. كانت أسرار وأمزجة الهواية تروج في المجلات، وفي الأماسي عند لقاء صبية الحي، ومنهم مَن فضّل الطابع ذا الختم وقال بمتعة أن ترى الأسد في طابع كينيا خلف غيوم الخاتم. الغريب أن خالد نفسه، معلمهم المحبوب، كان قد أطلع صابر على طوابع غير مختومة أشتراها له قريب له في سفرة لإنجلترا، ولأن خالد هو مَن صنع مزاجهم في اقتناء الطوابع المستعملة، فلقد أحس صابر بالخجل أنه يحتاز طوابع غير مختومة. كان رشاد كثيراً ما يلح على قبضهم في الأماسي ليحكي لهم وهم جلوس تحت عمود الانارة، في ركن من الجامع، عند ست الطعمية، فيؤخرهم عن توصيل الطعمية الساخنة إلى بيوت أهلهم. حكى رشاد مرة أن الفاضل، وقال إنه من حي أخر، تتبّع ساعي البريد حتى رآه يسلم الهندي خطاباً، يقصد بالهندي أحد تجار سوق الهنود، ودخل الفاضل الدكان وراء الساعي فزجره الهندي قائلاً: انتظر يا ولد، وأسرع يفض الخطاب كأنه ينتظر خبراً. ثم دخل بائع الماء البارد، فأشار الهندي المشغول بالخطاب إلى الولد فشرب الفاضل بارداً على حساب الهندي وجلس يتلوى فسأله الهندي وقد فرغ من الخطاب: ماذا تريد يا صبي؟ وقد عدَه مبتعث من زبونة، فقال له الفاضل وهو يتمطى: أريد الطابع الذي على الخطاب، يا عم! فاستشاط الهندي وحمل عليه فطرده. صاح أحد الصبية: هذا التاجر (تعبان)، أعرفه، لا تأتيه كثير من الجوابات! وقال آخر: سمعت الأولاد يذهبون لصندوق القمامة أمام الدكان، ولا يسألون صاحب الدكان! قال رشاد: نعم، لكن ذلك يعرضهم لخطر الزجر، كما أن بعض التجار لديهم كريزة. ثم أضاف بتعبير خبيث على وجهه: "هل فكرتم أين تذهب ظروف الجوابات؟ ودار محتضناً عمود النور، إذ لم تكن ست الطعمية قد وضعت عدتها لذلك المساء، ثم قال بصوت عالٍ: "إنها قصة ممتعة سأحكيها لكم." وباغته رجل من الذاهبين للجامع بعبارة: بلاش كذب يا رشاد، وبرغم ذلك تزحزح الصبية لسماع القصة وهم متفّنون (غائصون) في التراب، كما يفعلون عند سماعه. قال بهدوء، مشرفاً بثقله على كلمة كنز: "كان هناك كنز من الطوابع في ميدان الأسكلا.." رشاد كان يكبرهم سناً، برأس يشبه خارطة أفريقيا في نظرة جانبية، وبأنف دائم الزكام، وهو لا ينفك يتنخم، ويدعك أنفه بيده، أحياناً كثيرة باليمنى، ثم يحكي بلا توقف، لأنه يخلط الواقع بالخيال. ورغم تعثره في المدرسة فلقد كان معروفاً بالدهاء وبغريب الكلام، لا أحد يعرف من أين يأتي بما يقول، مثل حديثه لهم أن طائرة مجهولة حطت في فناء منزلهم ذات ليلة. أغلب رواياته كانت مخيفة خاصة تلك المصاحبة لرمية الطعمية الأخيرة، التي تكون بعد صلاة العشاء، لأنها تتسبب في تأخر الصغار الذين أتوا من أجل الطعمية وسمعوا القصة فشقت عليهم العودة في الأزقة المظلمة إلا أن يعينهم رجل كبير. أما أحدث رواياته التي كان يعمل عليها فقد جاءت ملتبسة ومثيرة للجدل وقد اسماها الرحلة للأسكلا لكنه لم يكملها. في إحدى الأمسيات، وتحت عمود النور، برقت عينا رشاد وهو يشرح كيف أنه "في موعد معين بعد صلاة الجمعة" ويمر على الصبية بعين فاحصة وابتسامة ساخرة ويواصل: "قام عمال البلدية بتفريغ صندوق القمامة الموضوع في ركن من ميدان الأسكلا. إنه صندوق كبير يسع بطنه عدداً من الأشخاص." ضحك الصبية لكلمة بطنه. فصرخ رشاد: "كل ظروف الجوابات والطرود تنتهي هنا، من كل السوق." ثم عاد بصوت خفيض: "ورأى حماد ذلك المنظر فنزل من حصانه وجثا على ركبته يتفحص ظرفاً فوجد عليه الطابع الذهبي، فصاح برفاقه لقد وجدته، ألم أقل لكم إنه أنسب مكان لجمع الطوابع! فصاح أحد رفاق حماد: وماذا يا حماد عن الجيف والكلاب؟ فلطمه حماد وقال له: الكلاب والقطط؟ نحن نأكلها عند الشدة!" وضج الصغار بصيحات القرف والاستنكار، وهاجوا. وفي محاولاته اليومية لتخليق قصة الرحلة للأسكلا، تحدث رشاد خلال بضع ليال كزعيم فقام بترشيح بعض الحاضرين بمهام لكنهم اعتذروا. قال أغلبهم نخاف الكلاب والبوليس وصاح أحدهم: لا أغامر بحياتي من أجل طابع، وصاح آخر: خفراء السوق لا يرحمون. ووسوس العقلاء منهم بأن رشاد لا هواية له في جمع الطوابع وأن في الأمر إنّ. لكن صابر أيقن من شيء واحد هو أن المغامرة التي يتحدث عنها رشاد جديرة بالقيام، ولذلك لم يعلّق حين وقع اختيار رشاد عليه. وبالمثل علم رشاد أن صابراً متشوق لاستكشاف مصدر جديد للطوابع، وسمعه يقول: تعبت من سؤال الناس إن أتاهم خطاب من خارج السودان، أو أن أشتري الطوابع الجاهزة. ولم يخف صابر تشوقه فهو مثل رشاد يحب المغامرة، ولكن "لا أحد يريد أن يغامر،" قال له رشاد وهو يسف الطحنية من الورقة بعد أن وزنها له اليماني. وطلب صابر شيئاً من اليماني، فقال اليماني: ما عندي. ألتفت صابر لرشاد وقال له: "أذهب معك." قالها بثقة. ورمى رشاد ورقة الطحنية بقناعة الواثق، فشالها الهواء وحطها في وجه صاحب الدكان. وكانت السماء تمطر بالخارج، لسوء حظ رامية الطعمية. الخطة، كما وضعها رشاد، هي أنه في يوم الجمعة، بعد الغداء، حين يعود الناس من الصلاة، يذهب ثلاثتهم فيما أسماه رشاد بالرحلة إلى الأسكلا، بحثاً عن الطوابع الثمينة. كانوا، رشاد وأنس وصابر. أنس مثل رشاد، لم يعرف عنه جمع الطوابع. لقد كان اشراك رشاد لقريبه مفاجأة لصابر، لكنه أحجم عن الكلام في هذا الأمر.
الأسكلا ميدان يقع غرب الجامع الكبير، يعج كل يوم ما عدا الجمعة، باللواري وعربات الكارو، بحركة الحمّالين وبالبضائع ينقلها الخشب والكرتون إلى قلب المتاجر، وفي ركن هذا الميدان صندوق ضخم للنفايات له باب وقفل. فكان خط سيرهم إليه يخترق حيهم شمالا ليدخل حي السردارية فيمشوا بزقاق ترابي ضيق تحت سور مدرسة الأحفاد، وبذلك يتفادون شارع الموردة المطروق للكبار، مشاةً أو راكبين في الباصات. ثم يعبر ثلاثتهم من مثلث البازار في ركن مدرسة الأحفاد، ولكن ها هو شارع الموردة الذي يتحاشون السير فيه ينكشف أمامهم، فيهربون منه عدواً إلى نصب سلاطين أمام الضبطية، يحوّمون حوله في رقصة قصيرة، بطريقة الهنود الحُمر، ويختفى رشاد ليعود بسيف من عُشر ويروح في حوار صامت مع النصب بينما صنابير النصب تريق الماء العذب في القِبل الأربع، ويلتفت رشاد فلا يجد جمهوره، فقد حجل صابر إلى حيث النيم الكثيف حول مبنى الضبطية، النيم الذي ارتاح من ثرثرة الناس تحته بفضل إجازة الجمعة. تمدد صابر فوق مدفع معطوب يربض أمام مدخل الضبطية وأحس أن أنس يراقبه. بدا له أن أنس، الجديد في مثل هذه الرحلات، ليس فقط غير حافل بالمكان، بل هو جائش النفس كأنه ليتقيأ، لكن أنس، على حين غِرة، فاجأه بضربة على كتفه ونظرة متحدية. لقد أدهش ذلك صابر، أدهشته القبضة المتحفزة على جانب أنس. ربما هو قانع من صداقته، بوقفته تلك التي رآها صابر مراراً، من الصبية الذين أرادوا أن يختبروا اختلافه، لكنه لم ينكسر أمامهم بفضل الطاقة الشبحية، كما كان يقول، دون أن يشرح لهم أمر هذه الطاقة الشبحية، وفي خضم تلاطم الأفكار في ذهن صابر، هتف رشاد: هيا بنا، قبل أن تغرب الشمس. وأخذوا يدبون في الردهات الطويلة لمباني المجلس البلدي، حذر أن يراهم أحد من كبار الأهل وهروباً من الغبار تكشحه الرياح المباغتة، ثم يقطعون شارع العرضة إلى زقاق متعرج وطويل، يقع غرب شارع الموردة ومواز له، يفضي بهم إلى ميدان برامبل الذي كان أكثر إثارةً للصبية، كونه محطٌ للناس من شتى الأعمار، ولرواد المطاعم وفيه المواصلات وعابرو السبيل، وفيه مرج وضجيج، إذ فيه دار سينما قِدّيس. ولولا إلحاح رشاد ولكزُ أنس لوقف صابر زمناً أطول أمام لوحة العرض السينمائي لذلك المساء، لقد كانت ل (ذهبَ مع الريح)، الفيلم الاجتماعي الكبير. ثم يمشي الثلاثة تحت مبنى البريد، في شارع الصياغ نحو ميدان الأسكلا. كان صابر قد تحسب لكل هذا المشي بوضع قطعة قماش تحت إبطه حتى لا تحدث له تسلخات. لقد استعاد علاقته باليابسة، لكنه يخشى الأرض الصبب، ويستقيل عن الأزقة الصاعدة فيلتفُ حولها، وكي لا يضّيع زمناً، فهو ينشغل بأغنية يمتطيها، وما إن يصل ينساها. لكنه الآن في طرق معبّدة وشوارع مرصوفة، في قلب الميدان ومعه رشاد، بينما تأخر عنهما أنس في ناصية، حيث وقف يفرك أنفه، وقد استثارت الروائح الكثيرة حساسيته المزمنة. وقف أنس يفكر في طوابع أبيه التي قال رشاد أنه لا يذكر أين وضعها، هل تكون في هذا المكان الموحش البعيد؟ كان الميدان ساكناً، لا حس فيه. دار رشاد حول مقلب القمامة، وتفحص واجهات المحلات المغلقة بمظلاتها البالية. ثم قال لصابر: "هيا نكسب الوقت، أطلع أنت أولاً وأقوم أنا بالمراقبة، هناك خفير تحرك بين المحلات." أحس صابر بمعقولية تقسيم الأدوار فهو لم يكن يحسب لأنس أي دور في البحث عن الطوابع فضلاً عن وقوفه بعيداً كالمتفرج. كان الصندوق المعدني، ضخماً في حجم غرفة، عدا أنه بلا سقف وتفيض عنه مخلفات الصنائع من صاغة لترزية. ألقى صابر نظرة لوم لرشاد وهو يرى كلباً يخرج من فرجة في باب الصندوق المقفول بقفل صدئ. قال رشاد: كلب واحد ليس مشكلة. هيا بنا، وفي حماس رمى صابر عصاه وشب بكفيه ممسكتين بالمعدن الساخن، ورفع جسده بخفة فوقع داخل الصندوق، وطفحت الأوراق وأشلاء الكرتون. وجال رشاد ببصره حول الميدان بحذرٍ وتوقع، بينما بقي أنس في مكانه، بعيداً عنهما، صريعاً بمزيج رائحة الصندل والكيروسين، ينز من بين المحال. غاص صابر وسط شرائح الورق المقوّى وقطع القماش والبلاستيك والمعلبات الفارغة، ووجد عدداً من مظاريف البريد وشنط الطرود، وجد طابع الملك جورج الخامس وطابع من الهند لم يره من قبل، ثم عدداً من الطوابع المحلية (أغلبها ذلك الذي عليه صورة الجندي بالشورت)، وأختام عشوائية من كوستي ومن بورتسودان. وطفق يقطع الركن الذي عليه الطابع من الظرف ويحشر في جيوبه حتى امتلأت. وفي الأثناء، كان رشاد ينصت للحركة في الفُرجة بين متجرين، فوقف يعتصر الصمت، وفي لحظة صاخبة طار صابر من الصندوق دافعاً بظرف يمسكه في الهواء، وهاتفاً بأعلى صوته: فورموزا. ثم ارتطم بالأرض وهو يولول: لقد وجدته، طابع فورموزا وجدته! دوّت صرخته مسننة مثل بقايا عمل المخرطة القريبة، وملوّنة كقصاصات الترزية، أيقظت خفيراً آخر، كانت قد دمدمته عطلة الجمعة تحت أغطية كرتونية، فقام إلى نبوته لكنه لم يجد سوى واحداً من (أولئك الصبية) يعبث في المهملات، فصاح: هيا غادر يا ملعون، موزة في عينك. لم يلفت اهتمام الرجل مما هتف به صابر سوى كلمة موزة. لم تعن له شيئاً تلك الصرخة المفردة المصممة من الدهشة والنصر واللقية مجتمعات. التقط صابر عصاه، وركض الثلاثة من حيث أتوا. ما توقفوا إلاّ بعد أن تأكدوا أن الخفير لم يكن وراءهم. وأخذوا يلتقطون أنفاسهم وصابر محكم قبضته على طابع فورموزا، نفس القبضة التي يمسك بها عصاه. قال صابر والأنفاس تعود لوقعها المعتاد: وجدت الكنز، عدداً من الطوابع، دول كثيرة. قال رشاد: ولكنك هتفت فورموزا! قال صابر: نعم، لا أصدّق، فورموزا الآن في مجموعتي! قال صابر بوجه صارم: "لا، هاتها، لقد أفزعتنا بصرختك فورموزا، ونبّهت الخفير!" فغر صابر فاه وهو ينظر لرشاد. فقال رشاد: "هيا سلّمها لأنس فوراً" قال صابر في استنكار: "لماذا؟ وجدتها أنا، فهي (حقتي)! زمجر رشاد: "هيا أعطها له، لقد وعدتُه أنا بذلك، لا تعاند!" ولكن صابر وقف في إباء وقد أغضبه حديث رشاد ثم قال: "لا!" فهجم أنس عليه، لكنه استطاع أن يلقي عصاه ويطيح به، وتدحرجا. ثوى صابر بين الأسف على (كرفسة) الطابع والحنق من العدوان عليه، وتعارك الصبيان حتى انتهرهما عابر سبيل، ففضا التحامهما، وواصل ثلاثتهم السير بنفس طريق العودة، لم يفترقوا ولو أن رشاد صار أقرب لأنس وجرى بينهما حديث عيون مموّه بأصوات مختلطة مثل المواء، وصابر لا يراهما لكنه عرف ماذا يفكران فعقد عزمه أن يواصل التحدي للنهاية، حتى يبلغوا أهلهم. عبروا خلف دار السينما عائدين، ونسي رشاد وأنس الطوابع الأخرى التي تحدث عنها صابر. كان قد سبق لرشاد أن حكى لأنس عن طابع فورموزا وقال له إنه أكبر قيمة من كل الطوابع التي اشتراها له والد أنس، ولم ينتظر أن يسأله أنس عن كيف ضاعت تلك الطوابع. قاوم صابر الرغبة في اعطائهما من الطوابع الأخرى التي في جيوبه على سبيل الصلح، لقد أحس بالظلم، فهو من بحث عن الطوابع ووجدها، لماذا لا يعودا للميدان مرة أخرى. وكذلك لم يكن هناك اتفاق على القسمة، بل كان الفهم أن كل واحد يأخذ دوره في البحث. أما صرخته عندما وجد الطابع فلقد أحس بأنها بالفعل كانت فظيعة، أخذ يشك في أنها كانت صرخة رعب، كما في أحلامه تلك الأيام. واقتربوا من مبنى البلدية وهم يسيرون في صمت، وفي ردهة طويلة في المبنى جرت جولة ثالثة من العراك الصامت بين صابر وأنس حول طابع فورموزا دون أن يتدخل رشاد الذي وقف في أول الممر يلعق أسفل ابهامه. كانا قد تعاركا بإيجاز قرب تقاطع شارع العرضة واستجابا لزجر من عامة الناس فتوقفا. أحس صابر أن لا بد له من الجلد، لقد اقتربوا من الحي وقد يظهر أحد من الكبار ليفض هذا النزاع قبل أن يتدخل رشاد لنصرة قريبه، لكنه لن يتنازل عن الطابع، رغم أنه لاحظ أن أنس، بالذات في المعركة الأخيرة التي جرت على بلاط ردهة في مبنى البلدية، لم يكن خصماً سهلاً في النزال ومع ذلك وباحتفاظه بالطابع، أحس صابر أنه لم ينهزم أمامه، لقد انتصر على كثيرين من قبل حتى خرجت عليه يوماً والدة أحد خصومه وسألته: انت الله خاطئ عليك! تذكر صابر هذا السؤال العجيب من جارتهم، أثناء عراكه مع أنس، وكان هو قد ضرب ابنها بعصاه رداً على اعتدائه. لقد ظن أنها عبارة خارجة عن الذوق، في الأساس. ووافقه أبوه في هذا الفهم لكنه لم يعلّق تعليقاً يُذكر، كما تهرّبَ معارفه عند سؤاله لهم عما إذا كانت العبارة مؤلمة. ثم تلقى صابر، ضربة أخرى من أنس، تسببت في انزلاق الطابع بين قبضته ومقبض عصاه، لكن أخته الكبيرة قالت له، فيما بعد: لماذا أنت منزعج؟ لقد فعلت لك ذلك من قبل، ألا تذكر طابع المغرب؟ المكواة الدافئة ستعدل طابعك، فلا تهتم. ولم يحك لها ما جرى وكيف أن المشاجرة توقفت عند مشارف الحي الغربية، حيث ظهر الثلاثة قادمين متعبين إلى المنازل مع آذان المغرب، لحظة أن بانَ بعض المصلين يقصدون الجامع. كان كل واحد من الثلاثة يفكر كيف يبرر غيابه عن البيت، وما الذي جناه من الرحلة إلى ميدان الأسكلا. وكان ظل صابر طويلاً كظل المنتصر. انتهت
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة