د. عبد الله حمدوك وصمود، حين تُؤجَّلُ الحقوقُ إلى المؤتمرات وتُرهنُ المواطنةُ لأمزجة التاريخ كتبه

مرحبا Guest
اخر زيارك لك: 02-04-2026, 08:09 AM الصفحة الرئيسية

منتديات سودانيزاونلاين    مكتبة الفساد    ابحث    اخبار و بيانات    مواضيع توثيقية    منبر الشعبية    اراء حرة و مقالات    مدخل أرشيف اراء حرة و مقالات   
News and Press Releases    اتصل بنا    Articles and Views    English Forum    ناس الزقازيق   
اراء حرة و مقالات
نسخة قابلة للطباعة من الموضوع   ارسل الموضوع لصديق   اقرا المشاركات فى شكل سلسلة « | »
اقرا احدث مداخلة فى هذا الموضوع »
02-01-2026, 03:16 PM

خالد كودي
<aخالد كودي
تاريخ التسجيل: 12-31-2021
مجموع المشاركات: 217

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
مكتبة سودانيزاونلاين
د. عبد الله حمدوك وصمود، حين تُؤجَّلُ الحقوقُ إلى المؤتمرات وتُرهنُ المواطنةُ لأمزجة التاريخ كتبه

    03:16 PM February, 01 2026

    سودانيز اون لاين
    خالد كودي-USA
    مكتبتى
    رابط مختصر






    31/1/2026 خالد كودي، بوسطن

    أولًا: عن اللقاء مع راديو دبنقا وسياقه
    في مقابلته مع راديو دبنقا بتاريخ 31 يناير، قدّم د. عبد الله حمدوك رئيس القوي المدنية المسماة "صمود" تشخيصًا واسعًا لأزمة السودان الراهنة، وضع فيه الحرب داخل إطارها الإنساني والسياسي، وأكد مركزية الدور المدني، وفشل معادلة الشراكة المدنية–العسكرية، والحاجة إلى عقد اجتماعي جديد. كما شدّد على أن أي مبادرة دولية لا معنى لها إن لم تنبع من صوت السودانيين أنفسهم، وأن الأزمة ليست حادثًا عابرًا بل أزمة دولة تتطلب إعادة تأسيس عميقة.
    هذه الملامح—في معظمها—لا خلاف عليها من حيث الجوهر: توصيف الحرب ككارثة إنسانية وسياسية، الإقرار بخراب الشراكة مع العسكر، والتنبيه إلى أن "الحلول المستوردة" بلا سند داخلي تتحول إلى إدارة للأزمة لا حلّ لها. بل يمكن القول إن هذا التشخيص يلتقي مع ما راكمه السودانيون من خبرة مُرّة عبر عقود: أن الدولة القديمة لا تنتج سوى إعادة تدوير العنف
    غير أن موضع الاختلاف لا يكمن في تعداد "القضايا الكبرى" نفسها—فالعلاقة بين الدين والدولة، والمواطنة المتساوية، ودور الجيش، والهوية؛ كلها بالفعل قضايا تأسيسية—وإنما يكمن في كيفية وضعها داخل الجملة السياسية: أي في تحويلها من مبادئ يجب أن تكون فوق التفاوض، إلى مواد تُحال إلى "مؤتمر دستوري شامل" بوصفه المكان الذي تُحسم فيه. حين يقول الدكتور عبد الله حمدوك إن:
    "القضايا الجوهرية المطروحة مثل العلاقة بين الدين والدولة، والمواطنة المتساوية، ودور الجيش، والهوية، وهي قضايا يجب أن تكون في صلب أي مؤتمر دستوري شامل."
    تبدو العبارة في ظاهرها متوازنة، لكنها في باطنها تُحمّل هذه القضايا معنى إجرائيًا خطيرًا: أن المواطنة المتساوية—بوصفها حقًا—تُعامل مثلها مثل مسائل قابلة للاجتهاد السياسي، وتُربط بعملية تفاوضية قد تتأخر أو تُختطف، او يقرر المؤتمرون ضدها، أو تُدار بمنطق القوة... الخ...
    وأهمية هذا الفارق—في السياق السوداني تحديدًا—ليست أكاديمية ولا لغوية. إنها تمسّ صميم أسباب الحروب ذاتها. فالحروب في السودان لم تبدأ لأن الناس اختلفوا على تفاصيل دستورية، بل لأن الدولة القديمة ظلت تُنتج، بصورة ممنهجة، مواطنةً طبقية/ثقافية/جهوية/ عقائدية: مركزٌ يحتكر تعريف "الوطن" ويُصدّر الهامش إلى خانة التبعية، وجيشٌ يتصرف كمالك للدولة لا كأداة لحمايتها، وهويةٌ رسمية تفرض نفسها معيارًا للانتماء، ودينٌ يُستعمل—حين تُتاح الفرصة—كسلاح رمزي لإقصاء المختلفين... ولا شنو؟
    لهذا، فإن إدراج "المواطنة المتساوية" ضمن أجندة "مؤتمر دستوري" بوصفها موضوعًا يُحسم داخل التوافقات، يعيد إنتاج الفخ الذي عاشته البلاد مرارًا: تأجيل الحق باسم اللحظة الدستورية، ثم اكتشاف أن اللحظة الدستورية نفسها تُدار بميزان القوة القديم: سلاحٌ يفرض سقف النقاش، ومالٌ يشتري المنابر، وعلاقاتٌ خارجية تُعيد ترتيب الشرعيات، وخبرة بيروقراطية تُصيغ النصوص بما يضمن بقاء الامتيازات.
    المفارقة أن السودان دفع ثمن هذا المنطق منذ الاستقلال: كلما حُوِّلت الحقوق الأساسية إلى "ملف" مؤجل، عادت الدولة إلى صورتها الأولى، وعادت الحرب بوصفها اللغة الوحيدة التي يفهمها من حُرموا من الاعتراف. لذلك لا يكفي أن تكون المواطنة المتساوية "في صلب المؤتمر"، لأن موضعها الحقيقي يجب أن يكون فوق المؤتمر: كسقف غير قابل للمساومة، وشرطٍ سابق على أي ترتيب دستوري.
    وبهذا المعنى، يصبح الخلاف مع تلك الفقرة تحديدًا خلافًا حول فلسفة السياسة لا حول جدول أعمالها: هل تُبنى الدولة على حقوقٍ غير قابلة للتأجيل، ثم تُترجم إلى مؤسسات؟ أم تُبنى على مساومات، ثم يُطلب من المساواة أن تنتظر دورها؟
في السودان، الإجابة ليست نظرية: كل تأجيل للمساواة كان دائمًا مقدمةً لحرب جديدة. ولنناقش هذا.

    ثانيًا: خطأ التأجيل – حين تتحوّل الحقوق إلى حيلة نُخبوية مُقنّعة
    المعضلة ليست في استدعاء القضايا إلى النقاش العام كما أسلفنا اعلاه، بل في إدراج المواطنة المتساوية نفسها ضمن سلة ما هو قابل للاجتهاد والتأجيل، وربطها بإطارٍ تفاوضيٍّ هشّ—مؤتمر دستوري قد ينعقد أو لا ينعقد، وقد تُصاغ موازينه مسبقًا لصالح من يملك المال، أو العلاقات الدولية، أو الخبرة البيروقراطية، أو السلاح، أو المنابر والصوت الأعلى. هنا تحديدًا تتحوّل السياسة من سعيٍ للعدالة إلى تقنية إدارة امتياز.
    في التاريخ السوداني الحديث، هذا الخطأ ليس عارضًا، بل نمطٌ متكرر. فمنذ الاستقلال، أتقنت النخب المركزية لعبة التأجيل: تأجيل حسم سؤال المواطنة، وتأجيل تفكيك الدولة الوراثية، وتأجيل الاعتراف بالهامش بوصفه شريكًا كامل الحقوق. كل مرحلة انتقالية قُدِّمت بوصفها "استثناءً" يبرّر تعليق المساواة، وكل أزمة استُخدمت ذريعة لإعادة ترتيب الأولويات بحيث تبقى بنية الدولة نفسها—الدولة التي تحفظ الامتيازات التاريخية— ومراكز القوي على حالها.
    بهذا المعنى، لم يكن وضع المواطنة المتساوية على طاولة "النقاش الدستوري" سهوًا مفاهيميًا، بل احتيالًا سياسيًا محسوبًا: تحويل الحق غير القابل للتصرّف إلى بند تفاوضي، وإغراقه في لغة التوافق والمرحلية، إلى أن يفقد صفته القاطعة. فالمواطنة هنا لا تُنكر صراحة، بل تُميَّع؛ لا تُلغى، بل تُرحَّل؛ لا تُرفض، بل تُربط بشروط لا تنتهي!
    والمفارقة أن هذا المنطق يعيد إنتاج ما عرفه التاريخ الإنساني مرارًا: حين تُحوَّل المساواة إلى "موضوع نقاش"، تتشكّل تلقائيًا مجالس تمثّل—في حقيقتها—تحالفات الامتياز والعنصرية والجهل، مهما تلحّفت بلغة العقلانية. هكذا شُرعِنَت "نقاءات الدم" في أوروبا الإقطاعية، وهكذا قُنِّنَت العبودية في الأمريكتين، وهكذا تأسّس الفصل العنصري في جنوب أفريقيا. في كل هذه الحالات، كان الشعار واحدًا: دعوا المجتمع يناقش إن كانت فئة ما تستحق المواطنة والمساواة.
    والسودان ليس استثناءً. فكل مرة أُجِّلت فيها المواطنة باسم الحكمة، أو الواقعية، أو تجنّب الصدام، انتهت المرحلة إلى إعادة إنتاج الدولة ذاتها، وتراكم الغضب ذاته، وعودة الحرب بأسماء جديدة. لم تسقط تلك البُنى عبر مؤتمرات توافقية، ولا عبر صِيَغ وسطية، بل حين أدرك الناس—متأخرين—أنهم يُدارون بوصفهم مواطنين من درجة ثانية، وأن التأجيل ليس طريقًا للاستقرار، بل آلية لإدامة الهيمنة.
    الخلاصة القاسية التي يفرضها التاريخ—السوداني والعالمي—هي أن الدولة التي تؤجّل المساواة لا تُحضِّر للسلام، بل تُحضِّر للانفجار. وأن النخب التي تُتقن فنّ التأجيل لا تحمي الوطن، بل تحمي امتيازاتها، إلى أن يأتي يوم تُنتزع فيه الحقوق لا بوثائق تفاوض، بل بقطيعةٍ أخلاقيةٍ وسياسية لا رجعة عنها!!

    ثالثًا: المعيار الكوني – المساواة ليست رأيًا
    منذ أن تبلورت القاعدة الحديثة لحقوق الإنسان—ولا سيما مع ميثاق الأمم المتحدة والإعلان العالمي لحقوق الإنسان—خرجت البشرية، نظريًا وقانونيًا، من منطقٍ طالما دمّر المجتمعات: منطق الاستفتاء على الكرامة. فالمساواة أمام القانون لم تعد احتمالًا ثقافيًا، ولا خيارًا دينيًا، ولا تسوية سياقية، بل أصبحت قاعدة آمرة في القانون الدولي، سابقة على الدستور ومتعالية على التوازنات السياسية. إنها مبدأ لا يُعلَّق على مؤتمرات، ولا يُجمَّد بذريعة الاستقرار، ولا يُرحَّل باسم الواقعية
    هذا التحول لم يأتِ من فراغ. فقد نَبَّه أرسطو—رغم قيوده التاريخية—إلى أن غاية السياسة هي العدل، وأن فساد النُّظم يبدأ حين تُعرِّف العدالة تعريفًا انتقائيًا. ثم جاء جون لوك ليضع أساس العقد الاجتماعي القائم على المساواة الطبيعية في الحقوق، لا على الامتيازات الموروثة. وبلغ هذا المسار ذروته مع إيمانويل كانط حين جعل الكرامة قيمة مطلقة لا تُقاس بالمنفعة ولا تُساوَم بالسياسة، مؤكدًا أن الإنسان غاية في ذاته لا وسيلة في يد الدولة.
    أما حنة آرنت فقد لخّصت الدرس الحديث بقولها إن الحق في أن يكون للإنسان حقوق هو الأساس الذي بدونه تنهار كل الشرعيات. وبمعنى أدق: حين تُعاد المساواة إلى طاولة النقاش، تكون الدولة قد بدأت—موضوعيًا—في نزع الحق في الحقوق.
    ليس التاريخ القديم ببعيدٍ عن هذه الحقيقة. فإصلاحات سولون في أثينا، وانتفاضات العامة في الجمهورية الرومانية، وحركات العبيد والطبقات الدنيا في مدن المتوسط، جميعها مثّلت لحظاتٍ حاسمة انحازت فيها السياسة—ولو جزئيًا—لفكرة أن الانتماء المدني لا يُقاس بالنسب أو الثروة أو الإثنية أو الدين، بل بالاشتراك في الحقّ العام. صحيح أن تلك التجارب كانت ناقصة ومحدودة الأفق، لكنها أكدت قانونًا تاريخيًا ثابتًا: الثورات تتقدّم حين تُوسِّع دائرة المواطنة، وتنهزم حين تُقنِّن الإقصاء.
    وانطلاقًا من هذا، فإن أي خطاب سياسي—مهما حسنت نواياه—يعيد إدخال المواطنة المتساوية إلى ساحة "النقاش الدستوري" لا يفعل سوى التراجع خطوة إلى الوراء، ويُضفي شرعية—مقصودة أو غير مقصودة—على إنكارها أو تمييعها أو تأجيلها. فالمبدأ الذي يحتاج إلى تصويت كي يُعتمد، هو مبدأ لم يُحسَم بعد في الوعي.

    أليس من الغريب—بل من الفاضح تاريخيًا—أن تُدرج المواطنة، في القرن الحادي والعشرين، بوصفها موضوعًا "للتفاكر"؟ كأن البشرية، بعد قرون من الفلسفة والثورات والقوانين والدماء، ما تزال مطالَبة بأن تُقنع نفسها بأن الناس في السودان المعاصر متساوون، مؤسف حقيقة!

    رابعًا: لماذا تثور الشعوب؟
    التاريخ الاجتماعي والسياسي يعلّمنا درسًا بسيطًا:
الناس لا تثور لأنهم فقراء فقط، بل لأنهم مُهانون؛ لأنهم غير متساوين.
عندما يشعر الإنسان أن الدولة لا تعترف به مواطنًا كامل الحقوق—بصرف النظر عن دينه أو لغته أو عرقه—تتحول السياسة إلى صراع وجودي، لا إلى منافسة برامج.
    السودان لم يشهد حروبه الطويلة لأن "الدستور لم يُكتب جيدًا"، بل لأن الدولة—منذ الاستقلال—قامت على مواطنة انتقائية، وشرعية ثقافية–دينية تُعطي الامتياز للبعض، وتطلب من الآخرين الانتظار.

    خامسًا: العلمانية – ليست قضية هوية بل قاعدة حقوق
    من هذا المدخل، تصبح العلمانية ليست "خيارًا أيديولوجيًا" ولا "حلًا وسطًا" بين التيارات، بل مبدأً فوق دستوري يحمي المساواة نفسها.
العلمانية، هنا، لا تعني إقصاء الدين، بل منع الدولة من التمييز باسم الدين. إنها الضمانة الوحيدة لحياد الدولة، ولأن يرى كل المواطنين أنفسهم فيها دون قيدٍ عقدي أو ثقافي.
    ووضع العلاقة بين الدين والدولة—بهذا المعنى—في خانة "قضايا تُناقَش لاحقًا" يُفرغها من جوهرها الحقوقي، ويُبقي باب التمييز مفتوحًا تحت مسميات التوافق والخصوصية.

    سادسًا: الدرس التاريخي – حين يُراد لنا أن نتعلّم ما تجاوزته البشرية
    حين يُقال إن المواطنة المتساوية تُناقَش لاحقًا، فنحن لا نمارس واقعية انتقالية، بل نُعيد إنتاج منطقٍ تاريخيٍّ مكشوف. هذا هو منطق اختبارات الأهلية السياسية في الولايات المتحدة قبل حركة الحقوق المدنية، حيث جرى تفريغ المساواة من مضمونها عبر شروطٍ إجرائية أنيقة—القراءة والكتابة، الضرائب، "حسن السيرة"—صُمِّمت لاستبعاد السود والفقراء دون تسميتهم. المشكلة لم تكن غياب الدستور، بل تحايل النخب على المبدأ. وكما نبّهت حنة آرنت، فإن الخطر الأعظم يكمن في تحويل الحق إلى إجراء، والعدالة إلى ملف إداري. هذا بعينه ما يتكرّر في السودان حين تُؤجَّل المواطنة باسم المؤتمر الدستوري، أو تُربط بـ"مرحلة لاحقة"، أو تُعلَّق حتى "يستقرّ" البلد.
    وحين تُربط المساواة بالهوية أو الثقافة أو "خصوصية المجتمع" أو "أغلبيته المسلمة"، نسمع صدى قوانين الفصل العنصري ونُظم الامتياز العِرقي. لم يُنكر المبدأ نظريًا، بل جرى تعطيله عمليًا باسم "التقاليد" و"الطبيعة الاجتماعية"... هكذا بُرِّر حرمان الأغلبية السوداء في جنوب أفريقيا، وهكذا أُقصي السكان الأصليون في المستعمرات. وفي السودان، تُستدعى الحيلة نفسها لتبرير دولة غير محايدة ومواطنة مُجزّأة. هنا يتبدّى تحذير جون لوك: الحقوق الطبيعية سابقة على الدولة، وأي سلطة تُقيّدها باسم الثقافة تنقض أساسها...
    أما اشتراط "الإجماع" على الحقوق الأساسية، فيستحضر تاريخًا أشد قتامة: محاكم ومجالس تشريعية قرّرت—بهدوء قانوني—أن النساء قاصرات، وأن العبيد ممتلكات، وأن المختلفين دينيًا رعايا ناقصي الأهلية. لم يكن العنف صاخبًا؛ كان عقلانيًا، قانونيًا، مدنيا ومباركًا بنخبٍ "مستنيرة". وهذا هو الخطر في السودان: أن يُمارَس التمييز عبر التفاوض لا الصراخ، وباسم الحكمة لا الكراهية. وكما يذكّر جون رولز، فإن العدالة لا تُقاس بتوافق الأكثرية، بل بمكانة الأضعف؛ وما يحتاج إلى تصويتٍ ليُعتمد لم يُفهم بعد!
    الخلاصة العلمية واضحة: تأجيل المواطنة، أو ربطها بالتوافق، أو إخضاعها للهوية او الأغلبية المدعاة ليس حيادًا ولا براغماتية، بل احتيالٌ نخبوي مُجرَّب. نتائجه واحدة حيثما طُبّقت: إدامة الامتياز، إعادة إنتاج الدولة الإقصائية، ثم التعجّب من انفجار الغضب. ومن يدّعي "المدنية" وهو يعيد فتح سؤال إن كانت المواطنة حقًا غير مشروط، لا يقود المجتمع إلى الأمام، بل يدفعه إلى الخلف—إلى حيث علّمتنا التجربة أن الثمن لا يُدفع نقاشًا، بل دمًا.

    خاتمة: ما الذي يجب أن يكون فوق الدستور؟
    إذا كان السودان—كما قيل—يقف أمام خيارين تاريخيين، وإن كانت ثمة قناعة متزايدة بالحاجة إلى عقد اجتماعي جديد، فإن جوهر الاختيار التأسيسي الحقيقي لا يبدأ من شكل الحكم ولا من هندسة المؤسسات، بل من السقف الذي لا يجوز للنقاش أن يطاله. فالتاريخ، في السودان كما في غيره، يبيّن أن الأزمات الكبرى لا تنشأ من خلافات إجرائية أو نقص في الصياغات، بل من العبث بالمبادئ التي يُفترض أن تكون خارج دائرة المساومة منذ اللحظة الأولى للتأسيس.
    أول هذه المبادئ هو المواطنة المتساوية: لا بوصفها بندًا سياسيًا أو نتيجة حوار، بل باعتبارها حقيقة قانونية وأخلاقية سابقة على الدولة نفسها، وشرطًا لوجودها. فالمواطنة التي تُؤجَّل، أو تُربط بالمؤتمر، أو تُعلَّق باسم "الخصوصية"أو "التوافق"، ليست مواطنة، بل وعدٌ هشّ سرعان ما يتحوّل إلى أداة إقصاء. والتاريخ لا يعرف ثورة اندلعت لأن الدساتير كانت ناقصة الصياغة، لكنه يعرف—ويقينًا—ثورات انفجرت لأن المساواة وُضعت موضع تفاوض.
    وثاني هذه المبادئ هو العلمانية، لا كخيار أيديولوجي أو تسوية ثقافية، بل كقاعدة حقوقية فوق دستورية تضمن حياد الدولة تجاه معتقدات مواطنيها. فحين لا تكون الدولة محايدة، تتحوّل تلقائيًا إلى طرف؛ وحين تصبح طرفًا، تنتفي عنها صفة الحَكَم، وتنهار وظيفتها الأساسية: حماية الحقوق على قدم المساواة. وكل التجارب التي حاولت "تكييف" العلمانية أو تأجيلها، انتهت—مهما حسنت النوايا—إلى إعادة إنتاج الدولة التمييزية بأشكال جديدة.
    أما الدولة ذاتها، فلا ينبغي أن تُفهم كساحة تسويات بين قوى سياسية متنافسة، بل كإطار سيادي لحماية الكرامة والحقوق. فالدولة التي تُدار بمنطق المقايضة—حق مقابل استقرار، أو مساواة مقابل توافق—هي دولة تُقايض وجودها ذاته، لأنها تنقل الصراع من السياسة إلى أصل العقد الاجتماعي، وتفتح الباب لانفجارات أعمق وأطول أمدًا.
    من هنا، فإن دور المؤتمرات الدستورية—في سياق أي عقد اجتماعي جديد—ليس إعادة فتح الأسئلة التأسيسية، بل ترجمة المبادئ المحسومة أخلاقيًا وتاريخيًا إلى مؤسسات قابلة للحياة. فالمؤتمر الذي يناقش ما إذا كان المواطن متساويًا، أو ما إذا كانت الدولة محايدة، لا يؤسّس دولة جديدة، بل يؤجّل لحظة انفجارها.
    الخلاصة التي يفرضها درس التاريخ واضحة: مستقبل السودان سيتحدّد بالموقع والموقف من قضايا التأسيس، لا بالخطاب ولا بحسن النوايا. فالتأسيس—بمبادئه فوق الدستورية—وفي مقدّمتها المواطنة المتساوية، العلمانية بوصفها حياد الدولة، الجيش القومي الجديد الخاضع للسلطة المدنية، اللامركزية الحقيقية، العدالة التاريخية، والحق في تقرير المصير—هو الشرط الواقعي لوقف الحرب وبناء سلامٍ مستدام؛ لأن أي سلام لا يُنهي جذور التمييز ويعالج اختلالات الدولة البنيوية لا يتجاوز الخراب، بل يُعيد إنتاجه.
    في هذا المعنى، يأتي تحالف تأسيس بوصفه انحيازًا للمبدأ قبل الإجراء: وقف الحرب يبدأ بإزالة أسبابها البنيوية—الدولة التمييزية، الجيش غير القومي، ومركزية السلطة—لا بتجميدها أو إدارتها. وقد تغيّر مركز القرار؛ لم يعد بيد النخب التقليدية ولا حكرًا على الخرطوم، ولا تنتظر الثورة إذنًا من أحد.
    أما من يضع المساواة—ومعها العلمانية والعدالة التاريخية—على طاولة المساومة، مهما ادّعى الواقعية، فلا يصنع استقرارًا، بل يُرسّخ دورة الانهيار ويدفع المجتمع نحو انفجارات متكرّرة بلا بوصلة تأسيسية ولا أفق تاريخي واضح.

    النضال مستمر والنصر اكيد.

    (أدوات البحث والتحرير التقليدية والإليكترونية الحديثة استخدمت في هذه السلسلة من المقالات)























                  


[رد على الموضوع] صفحة 1 „‰ 1:   <<  1  >>




احدث عناوين سودانيز اون لاين الان
اراء حرة و مقالات
Latest Posts in English Forum
Articles and Views
اخر المواضيع فى المنبر العام
News and Press Releases
اخبار و بيانات



فيس بوك تويتر انستقرام يوتيوب بنتيريست
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة
About Us
Contact Us
About Sudanese Online
اخبار و بيانات
اراء حرة و مقالات
صور سودانيزاونلاين
فيديوهات سودانيزاونلاين
ويكيبيديا سودانيز اون لاين
منتديات سودانيزاونلاين
News and Press Releases
Articles and Views
SudaneseOnline Images
Sudanese Online Videos
Sudanese Online Wikipedia
Sudanese Online Forums
If you're looking to submit News,Video,a Press Release or or Article please feel free to send it to [email protected]

© 2014 SudaneseOnline.com

Software Version 1.3.0 © 2N-com.de