الاحتشاد الأعمى:غباء طبيعى(الكورس) في السهل الرمادي، حيث لا أشجار تُظِلّ ولا سماء تُلهِم، عاش القطيع مقسومًا إلى ثلاثة مستويات، لا يعترف أحدها بالآخر، رغم أنهم يسيرون في الاتجاه نفسه… نحو الهاوية. المستوى الأول كانوا يُسمّون الحافظين. يحفظون المسارات، الشعارات، وأصوات الأوامر. إن سألتهم: لماذا نسير؟ قالوا: هكذا سِرنا دائمًا. وإن سألتهم: إلى أين؟ ردّوا بالنص ذاته، بلا فهم، كأن الكلمات سياج يحميهم من التفكير. المستوى الثاني هم التائهون. لا يحفظون شيئًا، لكنهم يسيرون بلا هدى. يخشون التوقف أكثر من خشيتهم السقوط. يرون الضباب، يشعرون بالخطر، لكنهم يقولون: إن كان الجميع مخطئين، فالوهم أرحم من الوحدة. أما المستوى الثالث… فكانوا الأخطر. التابعون على باب الجهل الطارق. لا يعرفون، ولا يشكون، ولا يتساءلون. يطرقون باب الجهل كل صباح، وحين يُفتح، يدخلون شاكرين، لأن الجهل لا يطلب منهم مسؤولية. وفوق الجميع، لم يكن هناك قائد حقيقي… بل مكبّر صوت صدئ، يكرر أوامر متناقضة، وكلما فشلت خطة، قال الصوت:
هذا متوقَّع.
وهنا، كانت قوانين مورفي هي الدستور غير المكتوب: إن كان هناك طريق خاطئ، فسيسلكه القطيع. إن كان هناك احتمال للانهيار، فسيحدث في أسوأ لحظة. وإن كان هناك أمل صغير، فسيُدهس أولًا. الغريب أن القطيع بدأ يحب الصوت. يضربه، يُرهقه، يضلله… ومع ذلك دافعوا عنه. قالوا: لولا الصوت، لضِعنا. كانت تلك متلازمة ستوكهولم في أنقى صورها: الضحية تحب سجانها، لأن السجان على الأقل يُعطي أوامر، أما الحرية… فتُعطي أسئلة. وفي يومٍ ما، توقف أحد التائهين، نظر خلفه، وسأل سؤالًا بسيطًا جدًا: "من قال إن السير واجب؟" لم يُجَب. لم يُهاجَم. بل حدث ما هو أسوأ: تجاهله القطيع تمامًا… ثم داسوه وهم يواصلون المسير. وفي نهاية السهل، لم تكن هناك جنة ولا جحيم، بل مرآة ضخمة. رأى كل فرد نفسه، وسمع الحقيقة الوحيدة التي لم يُسمح بها يومًا:
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة