لم تكن المؤسسات التعليمية في السودان بمنأى عن لهيب الحرب المشتعلة وويلاتها، فقد طالت أعمالُ النهب والتخريب المدارس ودور التعليم في المدنِ والقرى، وتحولت قاعات الدراسة والفصول والمكتبات إما إلى ثكنات عسكرية ومتاريس القناصين، أو مأوى للنازحين، أو أبنية خربة تسكنها العناكب والخفافيش… ولا يزورها الأطفال إلا لقضاء حوائجهم عند (الزنقات). فضاعت الكتب والوسائل التعليمية، وتشتت المعلمون بين أنياب الموت ومخالب النزوح واللجوء.
ان ابتعاد الطلاب عن مقاعد الدراسة لما يقارب الثلاث سنوات متتالية، كفيلة بأن يضع جيلاً بأكمله أمام هوة حجيم الفاقد التربوي، وما يترتب عليه من آثار نفسية واجتماعية واقتصادية.
لكن بارقة أمل هناك وهنالك بدأت ترسل وميضها لترسم فرحة دامعة بعد حزن دامي! تتمثل هذه الفرحة في السماح لأبناء المناطق التي يسيطر عليها الدعم للمواطنين بالقيام بمبادرات “نفير التعليم” رغم قسوة الظروف المعيشية والأمنية.
نعم كما قرأت -عزيزي القارئ- نحن لا نتكلم عن الدعم الحكومي أو إلتزام الجهات الرسمية بتوفير المعلم والكتاب المدرسي وراتب المعلم أو صيانة دور المؤسسات التعليمية، إذ “ليس في النار للظمآن ماءُ” وإنما حديثنا عن ( السماح) للمواطن بالتعبير عن رغبته في التدخل لحل مشكلة أطفاله الذين لم يعد يأبه أحد لمستقبلهم سواه.
فبرزت بارقة أمل في بعض أجزاء مناطق سيطرة شلة التأسيس… مستبشرين بعودة النشاط التعليمي، وهي فرحة تُرجمت عملياً بحملات مبادرات ونفاير (ج نفير) لاعادة تحريك عجلة التعليم. فقد شهدت مناطق عديدة في شرق نيالا، مثل شعيرية، مهاجرية، لبدو، صليعة، كليكلة، ياسين، وغيرها، حراكًا مجتمعيًا واسعًا، هبّ فيه الأهالي وأبناء المناطق بالداخل والخارج لتقديم التبرعات والمساهمات العينية والمالية، بهدف إعادة الأطفال إلى المدارس وترميم ما يمكن ترميمه من الفصول، في رسالة واضحة مفادها أن التعليم أولوية للحياة البشرية، شأنها شأن الأكل والشرب اللذان لا يمكن الاستغناء عنهما حتى في أثناء اشتداد المعارك.
ورغم هذه المبادرات المشجعة، ما زالت ثمة أسئلة جوهرية تفرض نفسها بقوة، يتوارى المواطن المسكين خوفاً عن طرحها على (حكومة التأسيس) ، ان جاز لنا تسمية ذلك وهي :
هل سيمح ايضاً لطلاب مناطق سيطرة الدعم السريع بدراسة ذات المنهج التعليمي المعمول به في مناطق سيطرة الجيش؟
وإذا كان ذلك كذلك، فكيف تُدار عملية الامتحانات المركزية وحتى الولائية في ظل الانقسام الجغرافي والأمني الماثل الآن؟
وهل سيحمي ويسمح الطرفان للطلاب والمعلمين بالتنقل إلى مراكز الامتحانات دون عوائق أو تعريض الاطفال لخطر القصف والاعتقالات والتصفيات وقطع الطرقات؟
وبما أن التعليم في معظم مناطق سيطرة حكومة السودان شبه مستقر، فما هو الدور المنتظر من حكومة التأسيس في الاستعداد لإعادة فتح المؤسسات التعليمية وتأمين البيئة اللازمة للتعليم؟
بل ما هي خطتها الرسمية لاستئناف العملية التعليمية برمتها ؟
إن الإجابة على هذه الأسئلة ضرورة يفرضها الواقع بإلحاح، وأي تأخير أو غموض أو تعقيد في هذا الملف يعني تمديد حبال أزمة أطفالنا وتوطيد دعائم الجهل والأمية وسط هذا الجيل القائم الذي كان يعوّل عليه في المستقبل القريب في مهمة إعادة إصلاح ما أفسده الأولون وإنقاذ البلد من حماقة العسكر و سذاجة الساسة.
وبين مبادرات المجتمع وتساؤلات المواطن، تبقى المسؤولية الكبرى على عاتق السلطات الحاكمة لوضع رؤية واضحة، تضمن حق الأطفال في التعليم، وتعيد للمدرسة دورها الطبيعي كمساحة للأمل، بعيداً عن حظيرة الخصومة المدمرة التي لا ناقة لأطفالنا فيها ولا ورل!
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة