بلا شك بان مسؤولية النخب والأحزاب والكيانات السودانية في إفشال مشروع بناء دولة القانون والمؤسسات كبيرة واخرها هذه الحرب العبثية التي حصدت الاخضر واليابس. ومع تجاوز الحرب يومها الالف ثمة دينامية إيجابية بدأت تتشكل حيث تتزايد الضغوط هنا وهناك تجاه استنئاف المفاوضات وإحلال السلام. بيد ان أية عملية سلام بعد كل هذا الدمار غير المسبوق ، ينبغي ان تبدأ بمعالجة شواغل المتاثرين مباشرة او من القواعد وتكون بالوضوح والشفافية لقفل الباب امام اية محاولات لتمويهها بتسويات فوقية لا تلامس جذور حروب السودان الأبدية، وبصورة خاصة يجب تفادي اخطاء إتفاقيات السلام المتعددة التي لم تجلب للسودان إلا مزيدًا من الحروب والنزاعات. وبما ان دوافع حروب السودان تتمحور حول اطماع الاطراف الداخلية والخارجية في مواصلة نهب الثروات ،ينبغي احاطة وتحصين اية جهود قادمة للسلام برعاية ومشاركة شعبية واسعة Bottom-up Approach وتعزيزها بسياسات واطر مؤسسية لضمان سيادة الشعب علي موارده الطبيعية . وذلك بالتوازي مع إتخاذ الخطوات اللازمة للحد من آفة الفساد وبحيث تتخطي في نفس الوقت عقلية تقسيم الثروة والسلطة بين النخب الفاسدة وامراء الحروب. وهذا بدوره امر يستدعي ابعاد جميع الاحزاب والكيانات والايديولوجيات التي تسببت في حروب السودان، حيث انه، كما اشار العالم الالماني أنشتاين (لا يمكن حل مشاكلنا المستعصية بنفس العقلية التي تسببت فيها). ومع ظهور بوادر جديدة لتحريك ملف السلام ، يقف المواطن السوداني اليوم امام سؤال مصيري - هل يمكن ان تقود المبادرات الخارجية الى سلام لم تكتمل شروطه في الداخل ؟ وهل يمكن لمثل هذه المبادرات معالجة جذور الازمة السودانية؟ نعم، اذا صاحب ذلك إرادة وطنية صادقة لطي صفحة الحروب مع ومعالجة اسبابها الى الابد وذلك بالوقف الفوري لنهب ثروات البلاد وبتهيئة فرص اقتصادية مستدامة للجميع ولا سيما بعد ان فقدت مئات الاسر ممتلكاتهم وسبل عيشهم . بيد ان هذا الامر يتطلب من اي اتفاق سلام قادم البدء بوضع ارضية صلبة لدولة المؤسسات والقانون لضمان توزيع مكاسب السلام على اوسع نطاق وذلك بتحسين ادارة الموارد الطبيعية للدولة ولتلبية الاحتياجات الاساسية لكل السودانيين . ونحسب ان ادماج السودان في النظام التجاري الدولي القائم على أسس وقواعد شفافة من شأنه ليس فقط ايجاد الارضية لتعزيز فرص استدامة السلام بل أيضًا معالجة الأسباب التى انتجت وادت الى هشاشة الدولة السودانية وذلك بقطع الاكسجين عن النخب الريعية الفاسدة . وضمن سلسلة المقالات حول اهمية التسخير الاستراتيجي لملف انضمام السودان الى منظمة التجارة العالمية لبناء السلام الدائم نواصل فى هذا المقال تسليط الضوء على احكام اتفاقية تيسير التجارة (المادتين ٤و٥) .
المادة ٤ اجراءات الاستئناف او المراجعة:
تشير هذه المادة الي انه في الحالات التي يري فيها التجار انهم تاثروا بشكل مباشر نتيجة قرارات او اخطاء من جانب الجمارك ، يصبح من المهم ان تقوم سلطات الجمارك ، عند الطلب بتقديم شرح لاسباب قرارها او اهمالها مع اعطاء التاجر الحق في الاستئناف امام السلطة المختصة . يهدف هذا الحق الى حماية التجار ورواد الأعمال من القرارات او الأخطاء التي ترتكبها سلطات الجمارك والتي قد لا تكون متوافقة مع القوانين و اللوائح التي تكون سلطات الجمارك مسؤولة عن إدارتها و تنفيذها . فضلا عن ذلك يمكن ان تكون عملية المراجعة التي تقوم بها السلطة المختصة والقرارات الصادرة عن هذه المراجعة وسيلة مناسبة لضمان التطبيق الموحد للقوانين والتشريعات ذات الصلة . وكما يلاحظ مقارنة بنصوص المادة العاشرة من اتفاقية الجات هناك توسيع في إجراءات المراجعة سواء كانت هذه الإجراءات ادراية او قضائية.
المادة ( 5 ) تعزيز النزاهة والشفافية:
تحتوي هذه المادة علي التزامات تتعلق بمراقبة الحدود وعمليات تفتيش الاغذية والمشروبات وأعلاف الحيوانات . ففي الحالات التي تقوم بها الدول الاعضاء في المنظمة باصدار إشعارات لتعزيز مستوى المراقبة او التفتيش على هذه البضائع ، تلزم هذه المادة الدول الاعضاء بأن تبني عمليات المراقبة او التفتيش المطلوبة على أساس المخاطرة ، وان يتم تطبيق هذه الاجراءات بشكل موحد على منافذ الدخول ذات الصلة ، وان نقوم بسحب هذه الإجراءات فورا عند عدم وجود مبرر لها وان تقوم على وجه السرعة بنشر إعلان عن إنهاء هذه الإجراءات . كما تطالب هذه المادة ايضا بإخطار المستورد عند حجز بضائعهم ، وإذا اثبت الفحص الأول على انها سلبية يتعين على الدولة العضو القيام بفحص عينة ثانية اذا طلب منها ذلك . ويدرك المستوردين لهذه البضائع انها تخضع لعمليات رقابة صحية تهدف الي حماية المستهلكين من المنتجات التي ربما تكون غير صالحة للاستهلاك عند طرحها في الاسواق. وعندما يكون هناك اي اغذية غير امنة تعد جزءا من الحصة فان سلطات الرقابة غالبًا ما تفترض بان الكمية بأكملها غير صالحة . وينبغي ان يعتمد تحليل المخاطر علي الدليل العلمي المتاح مع ضرورة تطبيقه بطريقة مستقلة وشفافة.
.عموما تكتسب احكام اتفاقية تيسير التجارة والاطار القانوني لمنظمة التجارة العالمية اهمية خاصة للسودان ولا سيما في مرحلة ما بعد الحرب لقدرتها علي دعم وتعزيز استدامة اي اتفاق سلام قادم وذلك بايجاد البيئة القانونية والمؤسسية اللازمة لتوزيع مكاسب السلام علي اوسع نطاق. فضلًا عن تقليل التكاليف المالية والزمنية للتجارة وزيادة مستويات الشفافية والنزاهة وحكم القانون لتمكين ملايين السودانيين من استعادة سبل معيشتهم وفتح مسارات جديدة للسلام الدائم المدعوم من القواعد الشعبية .
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة