يا سادتي، قبطتي كبيرة أن أقدم، من أحبّ واصطفى من آلة الفن والتشكيل، إنّ صح التعبير، على سبيل الاستعارة. يُعدّ أستاذنا وخالنا العالم الصوفي والتشكيلي الذي سبق زمانه، إبراهيم الصلحي، واحدًا من أعمدة الفن التشكيلي في العالم العربي وإفريقيا على الإطلاق، ويمكن القول، دون مبالغة أو مغالاة، إنه وبجدارة، الأب الروحي للفن التشكيلي السوداني الحديث، ومؤسس مدرسة الخرطوم التي أعادت صياغة العلاقة بين الحداثة والتراث، وبين الهوية المحلية واللغة البصرية العالمية.
وُلد الأستاذ الصلحي في حي العباسية، في أحضان بيت جدنا شيخ الصلحي العريق، وعلى مقربة من بيت جديّ العالم الفلكي الريح العيدروس، في فضاءٍ كان مشبعًا بالعلم، والأدب والصوفية، وفوق هذا وذاك بالروح، والتقاليد الراسخة. هناك، بين ميدان الربيع، والعباسية، وشارع الأربعين، تشكّلت ملامح طفولته الأولى، وترسّخت ذاكرته البصرية والوجدانية. في تلك الجغرافيا الإنسانية، تعلّم القرآن، وتشرّب الفقه والسنة، لا بوصفها معارف منفصلة، بل كنسق حياة، وإيقاع يومي، وصوت داخلي ظل يرافقه حتى لوحاته المتأخرة.
هذه العلوم لم تبقَ حبيسة الذاكرة أو الطقس، بل تسللت بهدوء إلى تجربته الفنية المتميزة، حدث ولا حرج، لتصبح جزءًا من نسيجها العميق البعيد لكينونة الأشياء. ففي الخط عنده يتبدّى أثر المصحف، كما وينبثق الإيقاع البصري ليستبطن روح الذكر، وفي الفراغ والصمت المهيب يذكر نفسه بسكينة الخلوة. ومن هنا، يمكن قراءة أعماله بوصفها تعبيرًا عما يمكن تسميته ـ دون تردّد ـ الفنّ الصوفي التشكيلي السوداني.
اسمحوا لي يا سادتي فقد يبدو المصطلح جديدًا، وربما خارج القوالب النقدية الجاهزة لشخص عشق الأدب والصوفية والفن، بيد أنني أتعمد في سياق هذا المقال خلقه؛ إذ أنني أعرف الشيخ مولانا إبراهيم الصلحي عن قرب، وأعرف جذوره الروحية والإنسانية، كما وأعرف من أين نبع خرج! الأستاذ بجدارة ليس فنانًا يستعير الصوفية كزخرفة رمزية، بل هو وبكل ما تحمل هذه الكلمة من معان: ابن بيئتها، وناتج أسئلتها، وحامل قلقها الوجودي. صوفيته سطحا يرسم عليه خطوطه٠، ولكن هو من المواضيع المرسومة في برزخ الفن والأرواح، وحالة وجودية تتجليى في كثير من صورها وتجلياتها الفنية، في الخط العربي، في الصمت، في اللون، في سطح النيلين عندما يلتقيا في تؤدة وحب، وكذلك في أوجه الشظف، كما في التقشّف، والانكسار، والبحث الدائم عن معنى الوجود.
الأستاذ إبراهيم الصلحي قريب منّا، لا فنيًا فحسب، بل روحيًا وأسريًا؛ ولهذا فإن الحديث عنه لا يكون وصفًا من الخارج، بل شهادة من الداخل، ومن ذاكرة تعرف كيف وُلد هذا الفن، وكيف ظل وفيًا لجذوره، حتى وهو يعبر العالم كلّه.
تجربته مع السياسة في السودان
تفتّحت تجربة أستاذنا إبراهيم الصلحي الفنية في زمنٍ مضطرب سياسيًا وثقافيًا، زمنٍ لم يكن فيه الإبداع محايدًا، ولا الفن بمنأى عن السلطة. ومع اشتداد القبضة السياسية، تعرّض للاعتقال، وأُودِع سجن كوبر، حيث ذاق صنوف القهر والعزلة لما يقارب اثني عشر عامًا من عمره. سنوات ثقيلة، لم يُعامل خلالها بما يليق بمقامه الإنساني ولا بقيمته الفنية والفكرية في بلاده.
في تلك العتمة، لم يكن السجن جدرانًا فحسب، بل امتحانًا قاسيًا للروح. ومع ذلك، لم تنكسر التجربة، بل انكفأت إلى الداخل، حيث أخذ الفن شكل الصبر بقولة: لا يغلب عسرٌ يُسرين، وإنّ مع العسر يُسرا، وأخذ الصمت بكل تجلياته وأشكاله معنى المقاومة السلمية، وبعدها خرج الصلحي من السجن مثقلاً بالأسئلة، لا بالضغينة، حاملاً ذاكرة مشروخة، لكنها قادرة على التحوّل إلى أثر.
لاحقًا، اضطر إلى مغادرة السودان، ليعيش في إنجلترا لاجئًا. غير أن المنفى لم يكن نهاية المسار، بل مساحة إعادة تشكّل. هناك، شقّ طريقه بثبات نادر، وفرض اسمه في المحافل العالمية، دون أن يساوم على جذوره أو يهادن رؤيته. ظل السودان حاضرًا في أعماله، لا كحنين عاطفي، بل كجوهر روحي ومعرفي لا ينفصل عن التجربة.
المفارقة المؤلمة أن كثيرًا من التقدير لم يأتِ إلا بعد أن ذاع صيته عالميًا. عندها فقط بدأ الاحتفاء الرسمي، بينما كان تلاميذه، منذ البدايات، يعرفون قيمته الحقيقية. فقد كان لهم المعلّم والأب الروحي، الذي فتح لهم أبواب الفن التشكيلي، وكشف لهم أسراره العميقة، لا بوصفه تقنية فقط، بل طريق معرفة.
علّمهم صوفيّة الفن، تلك التي لا تُدرَّس في المناهج، ولا تُلتقط بالعين السريعة؛ صوفيّة يعرفها أهل أمدرمان، ويستشعرها السودانيون في إيقاع الحياة، وفي العلاقة بين الخط والذكر، وبين الصمت والمعنى وبين النيل والصحراء وبين الخلوة والمسيد. لذلك لا يزال يكنّ له طلابه كل الفضل، والولاء، والاحترام؛ لأنهم لم يتعلّموا على يديه الرسم فحسب، بل تعلّموا كيف يكون الفن موقفًا، وكيف تصير اللوحة سيرة حياة.
لوحة العدد
ليست لوحة إبراهيم الصلحي مشهدا يُرى، بل كيانا يُصغى إليه. أنت لا تواجه ألوانا وخطوطا بقدر ما تواجه طبقات من الذاكرة، كأن اللوحة سرداب داخلي، يحتفظ بأصوات وتجارب لم تُكتب. في أعماله، لا يتقدّم الشكل على المعنى ولا ينفصل المعنى عن الشكل؛ كلاهما يولدان معًا في لحظة صمت كثيف.
الخط عند الصلحي ليس أداة رسم، بل أثر روح. ينحني ويتكسّر ويتوارى، ثم يعود، خارجًا من رحم الكتابة، متمرّدًا على القراءة، مختارًا أن يكون إحساسًا لا عبارة. أما اللون، فمتقشّف ومتأمّل؛ درجات التراب والسواد والظلال القديمة تحيل إلى أرضٍ مثقلة بالتجربة، تعرف أكثر مما تقول. وحين يظهر لون حاد، فإنه يأتي كجرح أو كشف، لا كزينة.
الإنسان في حضرة الصلحي حاضر في هذه الأعمال رغم غيابه. لا وجوه مكتملة، ولا ملامح واضحة، ومع ذلك يحدّق بك سؤال وجودي: من نكون حين نفقد أسماءنا؟ وماذا يبقى منا حين نصير أثرًا؟ هنا تتقاطع الحداثة مع الذاكرة لا بوصفها صراعًا، بل حوارا عميقا. فالحداثة عند الصلحي ليست قطيعة مع الجذور، بل إنصات جديد لها، كأن اللوحة صلاة بلا كلمات.
الزمن في أعماله غير خطّي؛ الماضي والحاضر يذوبان في لحظة واحدة، عصيّة على التأطير. والتلقي ذاته طقسٌ بطيء، تدخل فيه اللوحة أكثر مما تنظر إليها. كل خط ضرورة، وكل فراغ معنى، وحتى الصمت جزء من النص البصري. فالفن هنا لا يشرح، بل يوقظ.
خاتمة
في اللوحة يتجلّى الصّلاح الصلحي في عظمة الإبداع بوضوح صامت. لا تقدّم نفسها بوصفها موضوعًا محددا أو سردا مباشرًا، بل كحالة ما في برزخ بين السماوات السبع. تبدو الخطوط كأنها في حالة ذكر، تتقدّم وتتراجع في دأب متواصل كالصوفي عند الفيتوري وعند أهل الذكر بأمدرمان، فتظهر وتختفي دون لأي، وكأنها تسطر في كل لحمة ونفس ما لا يُقال. اللون، بحضوره المحسوب، لا يملأ الفراغ بل يجاوره، تاركًا للعين أن تُكمل المعنى وللذاكرة أن تعمل.
هنا في مقام الصلحي لسنا نرى الإنسان في حالة الكمال المتقن، بيد أننا نشعر بحضوره في نورانية الخلق والابداع. نجدنا لا نقرأ حكاية واضحة من خللاها، لكننا نخرج مثقلين بإحساس عميق بالزمكان (الزمان والمكان)، وبالهشاشة المرهفة، وبأسئلة مفتوحة تصاحبنا ربما إلى أن يأذن الله بالرحيل إلى عوالم اللاهوت والجبروت. أنّ هذه اللوحة يا سادتي الكرام لا تطلب الفهم المتسارع المتجهم، بل صبر جميل في تأملات الوحي والإيحاء؛ وهي لا تمنحنا إجابة على تساؤلات الألوان والخطوط الصلحية، بل تضعنا في مواجهة أنفسنا، عارين كما خلتقنا أمهاتنا ... كما في يوم البعث، والبعث هاهنا ... في وحي الصوفية الصلحية.
وهاهنا يكمن جوهر تجربة إبراهيم الصلحي: فنّ لا يرفع صوته، لكنه يغيّرك دون أن تحرك ساكن. فنّ يجعل الرؤية شكلًا من أشكال الإصغاء والخلوة، ويحوّل اللوحة من سطح معلّق إلى أثر يبقى في الوعي واللاوعي، لذلك تظل أعماله حيّة، خالدة، مفتوحة، وقادرة على كشف الحجاب مرة بعد مرة، لكل من يقترب منها بقلبٍ منصت، ولله في صلحياته شؤون.
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة