إن أنت أكرمت الكريم ملكته، وإن أنت أكرمت اللئيم تمردا.
اسمحوا لي يا سادتي أنني بدأت ببيت الشعر أعلاه، وهو في حد ذاته حكمة وعبرة لأولي الألباب. وبهذه الحكمة العربية الخالدة يمكن اختصار ما حدث عقب مباراة التنافس على المركز الثالث في كأس أمم أفريقيا بالمملكة المغربية، حين استُقبل المدرب المصري ومنتخب بلاده استقبالًا يليق بتاريخ مصر ومكانتها: بالحليب والتمر، وبكرم مغربي أصيل لا يحتاج إلى شهادة من أحد، وحدث ولا حرج!
غير أنّ ما صدر لاحقًا من تصريحات، وما رافقها من نبرة متعالية أثناء المؤتمر الصحفي المصاحب، بدا منفصلًا تماما عن روح الرياضة، ولا يليق لا بمدرب بحجم حسام حسن، ولا بمنتخب عريق، ولا بدولة عظيمة مثل جمهورية مصر العربية.
جاءت خطابه بلغة انفعالية، صلفة، وعنجهية، استحضرت شعارات من قبيل: مصر أقوى دولة، مصر أم الدنيا، سبع نجوم، وتطرقت — بشكل مؤسف — إلى جمهور عربي في دولة أفريقية بعبارة "مش عايز أقول"، بيد أنّه قالها لاحقا، حيث جرى التلميح إلى أن الجمهور المغربي لم يشجع المنتخب المصري، وهل تشترى الجماهير، أليها حرّة فيمن آزرت، والأدهى من ذلك جاءت عبارة شقيقة إبراهيم حسن التي كانت تنمّ عن تنمّر بيّن وغضب وتجهم: "خمسين سنة وإنتو مشفتوش بطولة". جملة حقيقة لا أجد مصطلح بأن أصفي إلا بالصَّفِقَة.
ولأن الوقائع لا تُدحض بالشعارات، فإن العودة إلى سجل المنتخبات في كأس العالم تظل أبلغ ردّ على كل خطاب متعال أو محاولة لتضخيم الذات خارج ميزان النتائج. فالمنتخب المغربي يا سادتي وعلى امتداد مشاركاته المونديالية، قدّم حضورًا تصاعديًا، تُوّج بإنجاز غير مسبوق في مونديال قطر 2022 حين بلغ نصف النهائي، كأول منتخب عربي وأفريقي يحقق هذا الدور، بعد أن تفوق على منتخبات عريقة من مدارس كروية كبرى، مثبتًا أن ما تحقق لم يكن ضربة حظ، بل ثمرة عمل وتخطيط واستقرار.
في المقابل، يظل الحضور المصري في نهائيات كأس العالم محدودًا، سواء من حيث عدد المشاركات أو النتائج المحققة، دون تسجيل انتصار واحد في تاريخ مشاركاته المونديالية حتى الآن، مع الغياب عن نسخة قطر 2022 التي صنعت فيها الكرة العربية والأفريقية مجدًا غير مسبوق.
ولا يقتصر الأمر على التاريخ فقط، بل تؤكده تصنيفات الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا)، حيث يتقدم المنتخب المغربي بثبات في الترتيب العالمي، متربعًا على صدارة المنتخبات الأفريقية وضمن كوكبة أفضل المنتخبات عالميًا، بينما يحتل المنتخب المصري مرتبة متأخرة نسبيًا، تعكس الفجوة القائمة في الأداء والنتائج خلال السنوات الأخيرة. إن هذه المعطيات، بعيدًا عن الانفعال والإنكار، تؤكد أن كرة القدم تُقاس بما يُنجز داخل الملعب، لا بما يُقال خارجه، وأن احترام المنافس والبلد المضيف يظل واجبًا أخلاقيًا، لا منّة فيه ولا فضل.
وعلى صعيد آخر والحق يُقال: أهل المغرب كرام، لكنهم — مثل كل الشعوب الحرة — يجعلون من بلدهم خطًا أحمر، خاصة حين يتعلق الأمر بالكذب أو النفاق أو التنمر. فالمغاربة لا يطلبون الشكر، لكنهم لا يقبلون تشويه الحقائق.
أما الحديث عن الناموس في طنجة، وعن الإقامة في بنسيون، والطعن في جودة التنظيم، فذلك كلّه لا يخرج عن كونه محاولات واهية للتمويه عن الإخفاق الفني والتدريبي، والهروب من مسؤولية الخروج من المنافسة.
وللعلم، فإن “البنسيون” في التصنيف الفندقي درجة دنيا، بينما الفندق الذي أقام فيه الوفد المصري فندق خمس نجوم من أجمل وأرقى فنادق طنجة، وهو ما وثّقه - ويا للباردوكس - فيديو صوّره فلاح مصري بنفسه من أمام الفندق، ففضح الرواية بدل أن يدعمها.
يا سيادة الكابتن حسام حسن، ويا سي إبراهيم حسن ليس من شيم أهل مصر الكرام أن يعضّوا اليد التي أكرمتهم.
نحن نعرف المصريين، نعيش معهم، نشرب من نفس الماء، ونشهد — عن تجربة — أنهم شعب كريم، وفيّ، جميل الخصال. وما صدر لا يمثلهم. من هذا المنبر، وبصفتي كاتبًا عربيًا حريصًا على الأخوة لا الخصومة، أعتذر إلى الشعب المغربي عن هذا الهراء، وعن هذه الصفاقة، وعن هذا التنمر غير المبرر.
بعد الهزيمة أمام المنتخب النيجيري، خرج المدرب المصري متحدثًا عن أن الإخفاق لا يعكس حقيقة مستوى المنتخب، وأن المباراة حُسمت بتفاصيل صغيرة، وأن الإرهاق وتراكم المباريات أثّرا على الأداء، مضيفًا إلى ذلك انتقادات للتنظيم والإقامة، في محاولة واضحة لتخفيف وقع الخسارة وصرف الأنظار عن القصور الفني داخل المستطيل الأخضر.
غير أن الحقيقة الواضحة لكل من تابع اللقاء أن نيجيريا كانت فولاذية، حاضرة ذهنيًا وبدنيًا، بطلًا في كل أطوار المباراة، أسدًا لا يُشق له غبار، فيما ظلت المحاولات المصرية خجولة ومحدودة أمام مرماها.
وهنا يبرز السؤال المشروع: لماذا لم نسمع مثل هذا الكلام من محمد صلاح؟ وهو النجم العالمي الذي يحظى بمحبة وتقدير خاصين في المغرب.
كان بإمكانه - لو شاء - أن يقول ببساطة ونُبل: لقد استُقبلنا أحسن استقبال، وحُظينا باحتفاء كبير، لكننا أخفقنا أمام منتخب قوي استحق الفوز. فهكذا يتحدث الكبار.
هاردلك لمصر، وهاردلك للشعب المصري الحبيب، وهنيئًا لنيجيريا بالميدالية البرونزية. كرة القدم مستديرة؛ يوم لك ويوم عليك، لكن الأدب لا يخضع للنتائج، والروح الرياضية لا تُهزم بركلات الترجيح.
عندما نحلّ ضيوفًا على بلد في بهاء المغرب، وألق تاريخه، ورقي شعبه، فإن أقل ما يُنتظر منا هو الاحترام، وقول الحقيقة، أو الصمت الجميل.
تحيا المغرب، وتحيا مصر،
يحيا السودان، وتحيا أخوّة العروبة في صفاء وسلام.
٭٭٭٭٭٭٭٭٭٭٭٭٭٭٭٭٭٭٭٭٭٭٭٭٭٭٭٭٭ محمد بدوي مصطفى (كونستانس، ألمانيا في الثامن عشر من شهر يناير ٢٠٢٦)
إعلامي سوداني مقيم بألمانيا - أستاذ جامعي ونائب برلماني سابق عن حزب الخضر الألماني.
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة