أعاد مقطع الفيديو المتداول للأستاذة الإعلامية لينا يعقوب، مديرة قناة العربية في الخرطوم، وهي في طريقها إلى مدينة الحديد والنار عطبرة لإجراء تحقيق صحفي حول التطورات السياسية بالمدينة، تسليط الضوء على إشكالية قديمة ومتجددة تتعلق بموقف الحزب الشيوعي السوداني من المشاركة في أي نشاط عام مشترك، حتى وإن كان نشاطاً إعلامياً بحتاً. فالمكالمة الهاتفية التي جرت بينها وبين أحد كوادر الحزب، وكشفت عن اعتذاره الصريح عن المشاركة استجابة لتوجيه حزبي، لم تكن مجرد موقف فردي عابر، بل نافذة كاشفة لطبيعة إدارة القيادة لعلاقتها بالفضاء العام، وحدود الحركة المسموح بها لكوادرها.
ذلك الكادر، الذي اعتذر للأستاذة لينا بعد فشله في إقناع قيادة الحزب بأهمية المشاركة في تحقيق صحفي تلفزيوني تجريه قناة واسعة الانتشار، لم يكن حالة استثنائية. فقد باءت جميع محاولات فريق القناة للتواصل مع كوادر أخرى في المدينة بالفشل، إذ اعتذر الجميع امتثالًا لقرار قيادة الحزب المتواجدة بعطبرة. والمفارقة أن هذا المنع يأتي مع معرفة تامة بقدرات كوادر الحزب الشيوعي، الذين يثبتون، كلما أُتيحت لهم الفرصة، حضوراً مؤثراً في المنابر السياسية، والنقابية، والإعلامية، والثقافية، بفضل رصيدهم المعرفي، وخبرتهم التنظيمية، وصلابتهم في الدفاع عن قضايا الجماهير.
في كثير من النقاشات والندوات المفتوحة، يشكل حضورهم عنصر توازن فكري حقيقي، ويسهم في رفع مستوى الحوار العام، وكشف تناقضات الخطاب السائد، وتقديم بدائل واضحة في قضايا الديمقراطية، والعدالة الاجتماعية، وبناء الدولة المدنية. غير أن تعطيل هذا الحضور، عبر قرارات المنع والتحفظ، يُفرغ هذه المنابر من صوت نقدي مهم، ويجعل تأثير الكوادر محصورًا في الدوائر الضيقة أو النقاشات غير المعلنة.
وربما يزيد الأمر تعقيداً أن هذا المنع الصارم لا يُطبق على الجميع بالقدر نفسه، إذ توجد استثناءات محدودة لكوادر بعينها يُسمح لها بالظهور في بعض النوافذ الإعلامية للتحدث باسم الحزب. غير أن المفارقة المؤسفة أن هذه الاستثناءات، في كثير من الأحيان، لا تخدم صورة الحزب ولا خطابه السياسي. فبدلاً من تقديم طرح فكري رصين ولغة حوار مقنعة تعكس عمق التجربة التاريخية للحزب، يظهر بعض هؤلاء بصورة متدنية في مستوى الخطاب، وضعيفة في التحليل السياسي والاقتصادي، ومحدودة في القدرة على الاشتباك الجاد مع الأسئلة المعقدة المطروحة في الساحة.
ويرجع ذلك، في الغالب، لا إلى نقص في الكوادر المؤهلة داخل الحزب، بل إلى معيار الاختيار نفسه، القائم على الموالاة للقيادة وترديد خطابها الجاهز، لا على الكفاءة والاستقلالية الفكرية. فيتحول الظهور الإعلامي من فرصة للتأثير والإقناع إلى مجرد تكرار آلي لمواقف القيادة، دون اجتهاد أو إبداع أو قدرة على الدفاع النقدي عنها أمام الرأي العام. وبهذا المعنى، لا يختلف هذا النمط من المتحدثين كثيراً عن "الخبراء الاستراطيجيين" الذين تعج بهم الفضائيات، والذين يملأون الشاشات بضجيج الخطاب وفقر المحتوى، دون إضافة حقيقية للنقاش العام " حاجة تغيظ".
والأسوأ من ذلك أن الحزب نفسه يخسر تراكماً سياسياً كان يمكن أن يتحقق عبر التفاعل المباشر مع الجمهور، وتوضيح مواقفه، وتصحيح الصور الذهنية المغلوطة التي تُلصق به، عمداً أو جهلاً. فبدل أن يكون فاعلاً في تشكيل الرأي العام، يتحول إلى كيان حاضر بأفراده، غائب بمؤسسته، وقيادة تكبل طاقاته بدل أن تطلقها.
إن تغييب الكوادر المتميزة عن المشهد لا يضعف فقط قدرة الحزب على التأثير الخارجي، بل يحرم الساحة السياسية من مساهمات فكرية وتنظيمية كان يمكن أن تلعب دوراً محورياً في لحظة وطنية شديدة التعقيد. كما أنه يكرس صورة حزب يخشى انفتاح قواعده على المجتمع أكثر مما يخشى خصومه السياسيين.
بهذا المعنى، فإن واقعة الفيديو ليست حدثاً عابراً، بل مؤشراً على أزمة ثقة عميقة بين القيادة والكوادر، وأزمة في تصور دور الحزب ذاته: هل هو حزب يسعى لقيادة الرأي العام والتأثير فيه، أم تنظيم يكتفي بالمراقبة من الهامش؟ وفي سياق حرب وانهيار دولة، فإن كلفة هذا التردد لا تُحسب على الحزب وحده، بل تمتد إلى مجمل القوى المدنية التي تحتاج اليوم إلى كل صوت علني، شجاع، وقادر على الاشتباك مع الواقع بلا مواربة.
_______________________________________________ عاطِف عبدالله قسم السيد Atif Abdalla Gassime El-Siyd
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة