أن قراءة التاريخ الإعلامي في السودان، للأسف تبين أنها مرتبطة بالعملية السياسية في البلاد، و عندما يسقط النظام، تتطلع القوى الجديدة أن تحاكم العاملين في أجهزة الإعلام، كما تحاكم القيادات السياسة في النظام السابق، دون أن تتعرف على ماهية البيئة التي كانوا يعملون فيها. و هذه المسألة ليست ناتجة على عدم فهم فقط، و لكنها مرتبطة أيضا؛ بمصالح ضيقة جدا لقيادات حزبية آوكلت لها إدارة الفترات الانتقالية.. و بالتالي يصبح الإعلامي متهما و يجب أن يطرد من وظيفته، لكي يشغلها كادر حزبي لا يملك القدرات المطلوبة.. هنا تأتي أزمة الإعلام في البلاد.. و الإجابة على السؤال لماذا لا يصبح إعلامنا في مصاف الإعلام الآخر في المنطقة أو العالم، و الذي أصبح يحتكر المشاهد و المستمع في كل مكان؟ أن الإعلام في السودان إذا كان المسموع و المرئي، لا يفتقد للكوادر الإعلامية، فيه طاقات إبداعية عديدة، و مدربة و لها خبرات طويلة في العملية الإعلامية، و أيضا هناك شباب إعلامي يمتلكون طاقات ابداعية و أفكار تقود للتغيير و أداء إعلامي جيد داخل السودان و خارجه.. و هؤلاء ليس في حاجة إلي جلب قيادات و طلائع من الخارج، أنما يحتاجون إلي توفير الوسائل و المتطلبات التي يحتاجها العمل.. و أن يصبحوا بالفعل سلطة رابعة في البلاد قولا و فعلا، و ليس شعارات تردد لا أثر لها في الواقع.. أن العمل الإعلامي يحتاج للبحث عن الحقائق و يشير إلي السلبيات، و فضح كل الممارسات التي تتعارض مع القوانين و الوائح، و محاربة الفساد و المحسوبية و الولاءات الضيقة في العمل، و غيرها من المحبطات.. أن إشكالية الحكومات السودانية، أنها لا تعطي الفرص الكاملة لقيادات الأجهزة لإنجاز مقترحاتهم بالصورة التي يقدموها من أجل تطوير خدمة الإعلام، بل يصبح التخطيط و الاتصال محصور في القيادة السياسية، أو السياسيون الذين تأتي بهم السلطة الحاكمة على قمة الأجهزة الإعلامية.. و هذا يرجع لتاريخ تأسيس الأجهزة الإعلامية نفسها، حيث لم تكن حاجة وطنية من بنات أفكار العقل السوداني، إذا نظرنا للتاريخ؛ نجد أن الإذاعة أسسها الاستعمار البريطاني في 1940م لخدمة مصالحه لأخبار السودانيين بمجريات الحرب الثانية.. في عام 1962م تم تأسيس التلفزيون بمنحة مقدمة من دولة المانيا الاتحادية.. و ليس دراسة لحوجة البلاد لجهاز تلفزيوني يخدم المواطنين و يرفه عليهم.. الإذاعات الإقليمية تم تكوينها بمنحة تقدمت بها اليابان للسودان عام 1978م، الهدف منها أن يتحول السودان في أستيراد أجهزة وسائل الاتصال و الإعلام من الغرب إلي الصناعات اليابانية.. كأن العقل السوداني كتلة جامدة لا يستطيع أن تكون له خيارات في الأجهزة التي يعتقدها الأصلح لمؤسساته .. في عام 1982م بدأت فكرة أن تصبح الإذاعة و التلفزيون هيئة واحدة، و مستقلة عن وزارة الثقافة و الإعلام، على أن تتيح مساحة من الحرية للهيئة الجديدة، على ان تتحرك فيها بعيدا عن المراقبة الصيقة للسلطة التنفيذية في الدولة، و لكن بنية الدولة و النظام الحاكم لا يستطيع أن ينفذ مثل هذه الفكرة، لآن الاتحاد الاشتراكي نفسه كسلطة سياسية قياداته لا تملك مثل هذه الرفاهية في الحرية، و رغم تأسيس الهيئة و بقانون يعطيها هذه المساحة في الحركة، لكن الرصيد الديمقراطي لمثل هذه الفكرة معدوم في أجهزة الدولة .. أن البقاء على "الهيئة القومية للإذاعة و التلفزيون "مسألة ضرورية و أن لا تكون تابعة للسلطة التنفيذية، و يتحكم فيها وزير الإعلام، و السودانيون عندهم الديمقراطية شعار، و ليس سلوكا يطبق، و هناك قانون للهيئة أن تكون مستقلة تابعة إشرافيا فقط لمجلس السيادة، و التبعية جبرية حتى تأخذ ميزانيتها من الدولة.. في انتفاضة 1985م و في الفترة الانتقالية " كنقابة عامة للهيئة القومية للإذاعة و التلفزيون" ناقشنا الفكرة مع وزير إعلام الفترة الانتقالية الدكتور محمد بشير حامد و كان مرحبا، و قدمنا له مسودة لقانون الهيئة على ان يقدمها إلي النائب العام عمر عبد العاطي، و كل مرة نسأل السيد الوزير يقول تحت المراجعة، و قبل أخر أسبوع اكتشفنا أن الرجل لم يقدمها، و هو خارج السودان، الجميل في الأمر؛ كنا مع اتصال مع اللواء عثمان عبد الله الذي كان مؤيدا للفكرة تماما، على أن لا تكون الهيئة تابعة للسلطة التنفيذية، و خاصة الذين سوف يكونوا في السلطة حزبيين، كل يحاول أن يخدم حزبه، اللواء عثمان اتصل بالنائب العام عمر عبد العاطي، و قال له الرجاء أن تسرع بتقديم قانون الهيئة لأخر اجتماع للمجلس قيادة الثورة و الوزراء.. و حملنا مسودة القانون لعمر عبد العاطي أنا و الأستاذ الشفيع إبراهيم الضو، و تم إجازة القانون. لكن للأسف فوجئنا بعد تشكيل أول حكومة برئاسة الصادق المهدي تتعدى على القانون.. جاء محمد توفيق أحمد وزير الثقافة الإعلام و رفض الوزارة إذا ليس له علاقة بالهيئة القومية للإذاعة و التلفزيون، و طلب الصادق المهدي رئيس الوزراء خطاب من مجلس السيادة بتكليف أشراف وزير الثقافة و الإعلام على الهيئة القومية للإذاعة و التلفزيون. نفس اليوم الذي استلم فيه الوزير خطاب الإشراف جاء زائرا للأذاعة، و وضعنا "لافته" مكتوب عليها نرحب بالوزير المشرف.. رفض أن يدخل الإذاعة و ذهب للتلفزيون مباشرة ،و اجتمع معهم. اليوم الثاني ذهبنا إلي مجلس السيادة و للسيد أدريس البنا الذي أصدر خطاب الإشراف.. و ذكرنا له أن الخطاب يخالف القانون، و بالتالي سوف نذهب للمحكمة الدستورية، و يؤسفنا أن الأحزاب التي ناضلت من أجل الديمقراطية هي التي تريد اجهاضها.. أعتذر و أكد أنها بالفعل تخالف القانون، ثم قال ارجو أن تمهلونا وقت بسيط لكي نصحح الخطأ.. القانون أهميته يعطي مساحة حرية للهيئة في الحركة لدعم ماليتها، من خلال إنتاج ثقافي و رعاية للفنون بكل أشكالها, الاتصال بالمنظمات و الملحقيات الثقافية للدول في إيجاد فرص للتدريب من أجل العاملين في الأجهزة، و تدخل الهيئة في مجال الاستثمارات بإنشاء قاعات اجتماعات و مؤتمرات ، و مسارح و أماكن للعرض للفنون التشكيلية. و يكون هناك مجلس للهيئة مكون من مناديب لعدد من الوزارات و الاتحادات و الهيئات العاملة في مجال الإعلام و الثقافة مهمته أن يجيز ميزانية الهيئة/ و المشاريع و الاقتصادية و البرامجية، و يجتمع كل ثلاثة شهور لتقييم الأداء كما أن المجلس يعين القيادات في الإجهزة لكن من العاملين في مؤسساتها و ليس من خارجها.. أعتقد أن هناك قيادات إعلامية، و أيضا شباب إعلاميين قادرين على التخطيط و تطوير العملية الإعلامية إذا اتيحت الفرصة لهم... نسأل الله حسن البصيرة..
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة