المؤرخ الكسول ولوثة التجريف الآلي!! كتبه الأمين مصطفى

المؤرخ الكسول ولوثة التجريف الآلي!! كتبه الأمين مصطفى


01-16-2026, 10:25 AM


  » http://sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=505&msg=1768559150&rn=0


Post: #1
Title: المؤرخ الكسول ولوثة التجريف الآلي!! كتبه الأمين مصطفى
Author: الأمين مصطفى
Date: 01-16-2026, 10:25 AM

10:25 AM January, 16 2026

سودانيز اون لاين
الأمين مصطفى-السودان
مكتبتى
رابط مختصر






دخل المؤرخ الكسول القاعة متأخراً، وهو يجرّ وراءه حقيبة ممتلئة بالاقتباسات المستعملة. لم يكن في الحقيبة كتاب واحد، بل أوراق صفراء كُتب على هامشها: “ثورة، إنجاز، مشروع حضاري”. جلس على المنصة بثقة من يعرف أنه لن يُسأل، فالجمهور – كما قيل له – من الهتيفة، والهتيفة لا تقرأ.

نهض القاضي، وكان رجلاً نحيلاً يشبه ضميراً نجا من المقصلة، وقال:
– أنت متهم بتزوير التاريخ.
ابتسم المؤرخ الكسول ابتسامة العارف بأسرار البلاط، ورد:
– بل أنا شاهد عصر، شاهد عاطفي، والرومانسية – كما تعلم – تعفي من الدقة.
ضحك الجمهور. فالرومانسية في هذا البلد كانت بديلاً عن الوثائق.
قال القاضي:
– تسمي الانقلاب ثورة، وتزعم أن الفرمانات الديكتاتورية ممرّات للإنجاز.
أجاب المؤرخ وهو يرفع صوته كخطيب فقد صوته من كثرة الدجل:
– الثورة لا تحتاج إلى أخلاق، الأخلاق ترف برجوازي. المهم التسوير… تسوير الدولة، تسوير التعليم، تسوير العقول.
همس أحد الحضور:
– وهل في الإسلام تسوير؟
تجاهله المؤرخ، وأكمل:
– سُمّيت إنقاذاً، ولو لم تُنقذ أحداً. سُمّيت إسلامية، ولو لم تجد في الإسلام خُلُقاً واحداً يدعمها.
عندها تقدم شاهد غريب، رجل بملابس مدرس قديمة، يحمل طبشيرة مكسورة.
قال:
– قبل عام 1969، كنا نُخرج من المرحلة الوسطى من يترجم خارج الحدود بطلاقة. اليوم، الطالب لا يعرف الإنجليزية، ولا يحسن العربية.
قاطعه المؤرخ الكسول بازدراء:
– هذا هو التطور! ثورة فرنكشتاينية كمية، قد لا تبلغ العلم، لكنها تُخيفه.
سأل القاضي:
– وماذا عن التعريب؟
أجاب الشاهد:
– تراجعوا عنه، كما يتراجع السارق عن المسروقات إذا انكشف أمره.
هنا ضرب القاضي بالمطرقة:
– التعليم لا يُبنى بالفرمان، بل بالحوار. بالحرية، بالديمقراطية.
ضحك المؤرخ وقال:
– هذه مصطلحات مستوردة. نحن نبني المناهج بإلهام القائد الملهم.
رد القاضي ببرود:
– الإلهام لا ينجح ممتحن" إلا انه لانبي".
دخل محامٍ شُمولي، واكاديمى اشعث، تفوح منه رائحة الأكاديمية الاحتضارية، وقال:
– نعم، أخطأنا في تسوير التعليم. اعترفتُ بذلك للصحافة. البخرات كانت مسلكاً دارجاً.
سأله القاضي:
– ومن دفع الثمن؟
صمت المحامي الشمولى. فالصمت هنا كان جزءاً من المنهج.
في الزاوية، وقف موظف قديم من خريجي “الغردونية”، وقال:
– ذاك التعليم الموجَّه خلق أماناً وظيفياً، أبعدنا عن الفساد. أما اليوم، فالترقية بسور الولاء، والتمكين، وتزوير الدرجات.
نظر القاضي إلى المؤرخ الكسول:
– ماذا تقول؟
أجاب المؤرخ، وقد بدأ صوته يخفت:
– أهل الثورة قد غفروا.
رد القاضي:
– والهتيفة قد كفروا.
ساد الصمت. ثم أُغلقت المحكمة، لا بحكم، بل بسؤال معلّق:
هل يغفر الله حقوق العباد للعباد، أم أن هذا – أيضاً – من شرع الجاهلية باسم المشروع الحضاري؟
خرج المؤرخ الكسول، يمشي خلف كاب وبوت، يتمنى أن يمضي القهر ولا يفوت.
أما التاريخ، فبقي في القاعة، ينتظر من يكتبه بلا كسل، وبلا لوثة.