في نهاية الأسبوع الماضي، انكسر شيءٌ في قلب الجالية السودانية بمملكة البحرين، وارتجف وجدانها على وقع خبرٍ لم يكن أحد مهيأً له؛ إذ غيّب الموت قامةً سامقة، ورجلاً من طرازٍ نادر، المستشار القانوني المعروف، نائب رئيس مجلس إدارة جامعة البحرين للتكنولوجيا، والإعلامي الكبير، ورئيس النادي السوداني الأسبق، الأستاذ الدكتور أحمد كمال الدين محمد حسن عزالدين، والذي انتقل إلى جوار ربه يوم الخميس، وشيّعته جموع المحبين إلى مثواه الأخير في مقبرة المحرق يوم الجمعة 9 يناير 2026.
لم يكن رحيله خبرًا عابرًا، بل فاجعةً توزعت أصداؤها في البيوت والمجالس والمنصات، فنعته جامعة البحرين للتكنولوجيا، وتوالت كلمات الرثاء من المؤسسات والجهات والأفراد، وكلها تشترك في معنى واحد: “إننا فقدنا إنسانًا استثنائيًّا قبل أن نفقد اسماً ومكانة”. كان الفقيد ـ رحمه الله ـ رجلًا أجمعت القلوب السودانية، حيثما وُجدت، على محبته واحترامه. سبّاقًا للخير، قوامًا بالواجب، حاضرًا حين يغيب غيره، ومبتسمًا حتى في أشد اللحظات قسوة. من يلقه لا ينسَ ابتسامته الصادقة، ولا تواضعه الذي لا يتكلفه، ولا حديثه الذي يلامس العقل قبل القلب.
كان د. أحمد كمال الدين ملاذًا آمنًا لكل من ضاقت به السبل، وملجأً لمن تشتت أمره؛ يقصده الناس مثقلين بالهموم، فيغادرونه وقد حملوا معهم عونًا أو نصيحةً أو رأيًا سديدًا يضيء الطريق. لم يكن يسأل عن اسمٍ أو صفة، ولم يفرّق يومًا بين من يعرفه ومن لم يعرفه؛ فبابه كان مفتوحًا، وقلبه أوسع من كل الأسئلة.
تكوّنت شخصيته العلمية والفكرية في رحاب جامعة الخرطوم في عهدها الذهبي، ثم واصل مسيرته الأكاديمية في جامعة ليدز البريطانية، جامعًا بين عمق المعرفة وسعة الأفق. واتسعت علاقاته وتشعبت داخل السودان وخارجه، فكان حاضرًا في المشهدين القانوني والإعلامي على حد سواء؛ ساهم في تأسيس وكالة الصحافة الإسلامية، ومجلة “أرابيا” في بريطانيا، ومجلة “سوداناو” الناطقة باللغة الإنجليزية، كما كانت له إسهامات قانونية وإعلامية متعددة، من بينها عمله مستشارًا بالإدارة القانونية للهاتف السعودي في ثمانينيات القرن الماضي.
غير أن ما ميّز الراحل حقًا لم يكن كثرة المناصب ولا ثراء السيرة، بل إنسانيته التي سبق بها كل شيء. فقد سخّر علمه وعلاقاته وخبرته في خدمة الآخرين، وجعل من نفسه جسرًا يعبر عليه المحتاجون إلى الأمل والإنصاف. لذلك لم يكن غريبًا أن ينال احترام الجميع في البحرين، وفي بلدانٍ كثيرة عرفته عن قرب أو سمعت عنه.
برحيل د. كمال الدين، تطوى صفحة مضيئة من صفحات العطاء السوداني في المهجر، لكن أثره باقٍ في القلوب، وسيرته حيّة في الذاكرة، ودعوات المحبين تلاحقه إلى مثواه الأخير.
رحمه الله رحمةً واسعة، وأسكنه فسيح جناته، وجعل ما قدّم في ميزان حسناته، وألهم أهله ومحبيه الصبر والسلوان.
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة