* عندما تفشل السلطة في مواجهة الناس بالمنطق والحجة تلجأ للمتاجرة بالله. وحين تعجز عن تقديم الخبز، تُشهر السيف باسم الدين على رؤوس الناس بدون ادنى اخلاق او احترام لله وكتابه ودينه.
* هكذا وُلدت تهمة اسمها: محاربة الله. تهمة لا تحتاج إلى دليل، ولا إلى شهود، ولا حتى إلى منطق. يكفي أن ترفع صوتك، أن تهتف، أن تسأل: لماذا؟، لتجد نفسك فجأة في مواجهة مباشرة مع الخالق، لا مع الحاكم.
* في إيران، “محاربة الله” مادة قانونية، لها رقم وعقوبة، وغالبًا نهاية واحدة: الإعدام. النص يقول شيئًا عن استعمال السلاح وبث الرعب، لكن الواقع يقول شيئًا آخر: الرعب الحقيقي هو في رأس السلطة، لا في يد المتظاهر.
* المواطن الايراني "محسن شكاري" لم يحمل دبابة، ولم يقُد انقلابًا، ولم يعلن الجهاد ضد السماء. شاب احتج، تشاجر مع احد رجال الامن، فأُعدم. التهمة: محاربة الله. كأن الله كان واقفًا خلف الحاجز، يرتدي خوذة، وينتظر من يدافع عنه بالقانون والمشنقة. وعشرات الالاف مثل محسن اعدموا بنفس التهمة !
* هذا المشهد ليس غريبًا علينا في السودان. بل مألوف، محفوظ، ومجرب. الكيزان لم يكتفوا بحكم البلاد، بل احتكروا السماء أيضًا. من يعارضهم يعارض “المشروع الحضاري”، ومن يعارض المشروع الحضاري يعارض الإسلام، ومن يحتج بانه لم يعارض الاسلام، بل عارض فسادهم وسياساتهم الفاسدة فهو ملحد وكافر يستحق السجن والتعذيب ان لم يكن الاعدام. لم يقولوا صراحة “محاربة الله”، لكنهم قالوا كل ما يؤدي إليها: الردة، الخروج على الجماعة، تهديد الأمن القومي، ومحاربة الشريعة.
* في عهدهم البائد، كان الله حاضرًا في كل نشرة أخبار، وغائبًا تمامًا عن العدالة. كانوا يسرقون باسم الله، ويقتلون باسم الله، ويعذبون باسم الله، ثم يخرج أحدهم على المنبر ليحدثك عن التقوى والصدقة ويذرف الدموع حتى تظن انه احد اولياء الله الصالحين.
* المعتقل السياسي عندهم لم يكن صاحب رأي، بل صاحب شبهة. والشبهة، كما نعلم، أخطر من الجريمة، لأنها لا تحتاج إلى دليل.
* الفرق الوحيد بين طهران والخرطوم أيام الكيزان، أن الإيرانيين صاغوا التهمة بوضوح فاضح: محاربة الله. أما الكيزان فكانوا أكثر خبثا يلفون الحبل بالآيات، ويتركون لك مهمة الفهم… أو الشنق.
* المفارقة الساخرة أن الله، في كل هذه الأنظمة، يقف دائمًا في صف السلطة، ولا مرة واحدة في صف الفقراء، أو الممظلومين او المقتولين ظلما، أو المسجونين. لا يظهر إلا في بيانات الإدانة، ولا يُستدعى إلا عند الحاجة إلى الإعدام. إله مشغول، على ما يبدو، بحماية الأنظمة، لا بحماية البشر.
* السؤال الذي يهربون منه دائمًا: هل الله هشّ إلى هذا الحد، هل يحتاج إلى أجهزة أمن، ومحاكم استثنائية، وقضاة بعقول عسكرية، ليدافعوا عنه، وهل كل من قال “لا” صار عدوًا للسماء؟!
* “محاربة الله” ليست تهمة دينية، بل فضيحة سياسية. دليل قاطع على إفلاس السلطة، وخوفها المرضي من الكلمة والهتاف والشارع. هي آخر ما تملكه الأنظمة حين تسقط كل أوراقها: أن ترفع الله درعًا، وتختبئ خلفه.
* لكن خبرًا صغيرًا لا يريدون سماعه: الله لا يُحارَب بالهتاف، ولا يُدافع عنه بالمشانق، وأسوأ أعدائه… أولئك الذين يتاجرون باسمه.
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة