Post: #1
Title: السودان: سبعون عاماً من التوهان بين استهبال الساسة واستعباط العسكر! كتبه أحمد محمود كانِم
Author: أحمد كانم
Date: 01-14-2026, 03:31 AM
03:31 AM January, 13 2026 سودانيز اون لاين أحمد كانم-UK مكتبتى رابط مختصر
بقلم
بحلول يناير 2026، أكملت الدولة السودانية سنَّها السبعين تحت الحكم الوطني، بعد أن نالت ما يفترض أنه الحلم المقدس، المتمثل في الانعتاق الكامل عن أي تدخل خارجي يمس سيادة الشعب، والحصول على استقلال يضمن لأي مواطن سوداني العدالة والمساواة والعيش الكريم والتحرر عن الفقر والبطالة، ويضمن سد جميع الفجوات المؤدية إلى نهب إرادة وإدارة وموارد البلاد. لكن بدلاً عن ذلك، ضاع حلمنا المقدس بين فشل النخب السياسية في بناء مشروع وطني جامع، وبين عقلية عسكرية لم تفهم يوماً حدود دورها الطبيعي في الدولة، فكان الناتج وطناً مُنهكاً، وشعباً يدفع كلفة صراعات لا ناقة له فيها ولا ورل!
*إن أكبر إخفاق لازم التجربة السياسية السودانية طوال هذه السنوات السبعين الماضية، هو العجز المزمن عن إنتاج رؤية مستقبلية واضحة تنهض بالشعب السوداني، وتضع حداً لأسباب التخلف والتقهقر. إذ انشغل السياسيون بصراعاتهم الحزبية الضيقة، وبحسابات المكاسب والخسائر الآنية، وغابت عنهم الأسئلة الكبرى: أي دولة نريد؟ وكيف نحكم بلداً متعدد الأعراق والثقافات والأديان؟
* لم تفلح النخب السياسية، طوال عقود، في الاتفاق على دستور دائم يعكس هذا التنوع الهائل ويحوّله من مصدر صراع إلى مصدر قوة. فظل السودان محكوماً بدساتير مؤقتة، أو وثائق انتقالية هشة، لا تصمد أمام أول اختبار حقيقي. ومع غياب العقد الاجتماعي الجامع، تآكلت الثقة بين مكونات المجتمع، ووجدت النزاعات المسلحة في السودان بيئة خصبة للتمدد والاستيطان … مستمدة طاقتها من فشلنا في إدارة هذا التنوع بعدالة ومساواة، وفرض رؤى أحادية استعلائية في السياسة أو الدين أو الهوية، مما قاد بدوره إلى التهميش، ثم إلى التمرد، فالحروب التي اعادتنا الى ما قبل التاريخ.
* في الضفة الأخرى من الأزمة، تقف المؤسسة العسكرية بعقيدة مشوهة حول دورها في الدولة. فبدلاً من أن تكون حامية للدستور والنظام الديمقراطي، نصّبت نفسها وصياً على السياسة، وحَكَماً فوق المجتمع. لم تترك تجربة مدنية وليدة إلا وأجهضتها، إما عبر الانقلابات العسكرية الصريحة، أو عبر التدخل غير المباشر في الحياة السياسية. والأخطر من ذلك، أن بعض القيادات العسكرية لم تكتفِ بالاستيلاء على السلطة، بل دخلت تحت جلباب الأحزاب السياسية، واستخدمت الانقسامات المدنية لتكريس نفوذها، أو ذهبت أبعد من ذلك بصناعة مليشيات مسلحة موازية للدولة، فساهمت بشكل فظيع في تمزيق النسيج الوطني، وتعُميق جراح الوطن حتى وصلنا إلى ما نحن عليه الآن. فقد ظل السودان يتأرجح بين حكم عسكري قمعي، وحكم مدني ضعيف ومخترق، لا يملك أدوات الاستمرار. كل انقلاب كان يُبرَّر بفشل المدنيين، وكل فشل مدني كان نتيجة مباشرة لتدخل العسكر.
* إن أمر نهاية هذا التوهان التاريخي مرهون بإقامة دولة مدنية ديمقراطية، بجيش مهني واحد، عقيدته حماية الوطن، لا حكمه. ودستور دائم يُكتب بتوافق حقيقي، يعترف بالتنوع ويضمن المواطنة المتساوية بلا تمييز. بجانب نخب سياسية تتحمل مسؤوليتها التاريخية، وتنتقل من عقلية المناورة إلى عقلية البناء.
ختاماً، بعد سبعة عقود من التوهان التأريخي، آن الأوان لأن يختار السودان أحد السبيلين، إما التعلم من هذا الدروس القاسية، أو يظل أسير صراع الساسة المستهترين والعسكر المتوهمين لسبعمائة عام قادمة .
انجلترا/ بولتون 13 يناير 2026
|
|