* عندما يعد "كامل ادريس" الشعب السوداني بخفض التضخم خلال هذا العام بنسبة 70% وتحقيق نمو اقتصادي يبلغ 10%، فإن أول سؤال اقتصادي بديهي يفرض نفسه هو: من أين؟ وكيف؟ وعلى أي أرضية واقعية؟!
* الاقتصاد ليس خطابة سياسية، ولا تمنيات تُطلق من على المنصات، بل هو محصلة إنتاج حقيقي، واستقرار، ومؤسسات، وموارد تعمل، وكل هذه العناصر مفقودة اليوم في السودان بشكل كامل تقريبا !
* نحن أمام بلد مدمَّر بفعل حرب شاملة مستمرة منذ حوالى ثلاثة اعوام، حرب لم تترك قطاعاً اقتصادياً واحداً قائماً على قدميه.
* أكثر من 10 ملايين نازح داخلياً، وأكثر من مليوني لاجئ خارج البلاد، و14 مليون مواطن مهددون بالمجاعة. هذه الأرقام ليست شعارات سياسية، بل حقائق موجودة على الارض، فأي اقتصاد هذا الذي يُفترض أن ينمو بنسبة 10% بينما نصف سكانه يبحثون عن لقمة البقاء؟!
* التضخم لا ينخفض بالتصريحات، بل عندما يزداد الإنتاج، وتستقر العملة، وتتراجع كلفة النقل والطاقة، وتتوفر مدخلات الانتاج والسلع.
* لكن الواقع يقول إن العملة السودانية في انهيار متواصل، وسعر الدولار يقترب من 4000 جنيه في سوق يتآكل فيه الجنيه يومياً. هذا وحده كافٍ لإبقاء التضخم مرتفعاً، بل ودفعه إلى مزيد من الارتفاع.
* ثم نسأل: ما هي مصادر النمو التي يتحدث عنها كامل إدريس؟!
* مشروع الجزيرة دُمّر بالكامل منذ العهد البائد وقضت الحرب على ما تبقى منه. قطاع الصمغ العربي انهار، رغم أنه كان يحتكر أكثر من 70% من السوق العالمي. إقليم غرب السودان – المصدر الأساسي للثروة الحيوانية – خارج سيطرة الدولة. الخرطوم، العاصمة الادارية والاقتصادية، تحولت إلى مدينة مدمرة، لا مصانع ولا بنوك ولا مستشفيات ولا مدارس ولا كهرباء ولا ماء ولا حتى منازل تأوي المواطنين في الكثير من المواقع .. ولا تزال الطائرات المسيرة تحوم فوق رؤوس الناس وتلقي بجحيمها عليهم !
* أما الموارد العامة للدولة، مثل الذهب فهي تُستنزف في شراء السلاح وتمويل الحرب، لا في التعليم والصحة البنية التحتية. كما توقف انتاج البترول. وفوق ذلك كله، فان التعاون الدولي متوقف بالكامل، لا قروض، ولا استثمارات، ولا دعم فني، ولا شراكات تنموية. وحتى المساعدات الإنسانية نفسها تواجه عراقيل أمنية وبيروقراطية خانقة.
* في مثل هذه الظروف، فان الحديث عن خفض التضخم بنسبة 70% ليس تفاؤلاً، بل تضليلا، وعن نمو 10% ليس طموحاً، بل انكارا للواقع وخداعا للناس.
* للمقارنة فقط، فان دولا مستقرة مثل مصر وأوغندا وكينيا، بكل مؤسساتها العاملة وأسواقها المفتوحة والاستثمارات الاجنبية المتدفقة عليها، تحقق بالكاد نمواً بين 4 و6%، فكيف لبلد منقسم بين جيش ودعم سريع وعشرات المليشيات، بلا دولة موحدة، وبلا إنتاج، وبلا عملة مستقرة، أن يحقق ضعف هذا النمو؟!
* لماذا لا يكون كامل ادريس موضوعيا ويخاطب الناس بكمية الجهد الشاق المطلوب من الجميع والفترة التي تزيد عن خمسة اعوام، ان لم تكن عشرة اعوام للعودة الى اوضاع ما قبل الحرب، وقبل كل ذلك توقف الحرب وعودة الامن والسلام، بدلا عن دغدغة مشاعر الناس واطلاق الوعود الكاذبة؟!
* هل يظن كامل أن الزمن سيتوقف عند خطابه، ولن يكتشف المواطن الفرق بين الأرقام على الورق، والواقع في الأسواق، والمخابز، والمستشفيات، ام ان رئيس الوزراء الموظف الدولي السابق، من المتيمين بالقول الفلسفي الساخر، ان الغد لا يأتي أبداً؟!
* لا يا كامل إدريس… الغد سيأتي، وسيأتي ومعه الحساب البسيط: ماذا قيل، وماذا تحقق، ومن قال الحقيقة، ومن باع الأوهام! * قل الحقيقة او اصمت يا كامل قبل ان يأتي الغد ويحصبك الناس بالحجارة، ويزفونك الى حيث اتيت بالشتائم واللعنات !
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة