الفِرقة أم الفُرقان: ذاكرة دم لا تمحوها البيانات كتبه دكتور الوليد آدم مادبو

الفِرقة أم الفُرقان: ذاكرة دم لا تمحوها البيانات كتبه دكتور الوليد آدم مادبو


01-12-2026, 10:28 PM


  » http://sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=505&msg=1768256902&rn=0


Post: #1
Title: الفِرقة أم الفُرقان: ذاكرة دم لا تمحوها البيانات كتبه دكتور الوليد آدم مادبو
Author: الوليد ادم مادبو
Date: 01-12-2026, 10:28 PM

10:28 PM January, 12 2026

سودانيز اون لاين
الوليد ادم مادبو-السودان
مكتبتى
رابط مختصر



**

**

إن استهداف الفرقة (17) لم يكن نصرًا لأحد، بل صفعة تذكير. *هذه حرب بلا منتصر، وكل فتنٍ تُحاك اليوم ستعود غدًا على صانعيها*.
وإذا كان الاغتيال فعلًا مستقبحًا لم يعرفه السودانيون إلا مع الحقبة الإسلاموية، فإن أصحابه قد ذاقوا مرارته. وإذا كان استخدام المسيّرة (الحدية) غدرًا، فإن توجيهها عمدًا إلى المدنيين جريمة فادحة لا تُغتفر، ولا تُمحى بخطاب سيادي أو ديني.

من هذه العتبة الأخلاقية ينبغي قراءة المشهد الراهن: مشهد البكاء العالي الذي انخرط فيه الإسلاميون اليوم على قتلاهم، كأن الفجيعة وليدة، وكأن الموت هبط عليهم من فراغ، لا كأنه *الحصاد المنطقي لمسار طويل أُعدّت له العُدّة بوعي*، وسُقي بالمكر، وتغذّى على الحقد، وروح التشفي من الخصوم، بل ومن الوطن المكلوم ذاته.

لا يبكي الإسلاميون لأن القتل جريمة، بل لأن القتل طالهم. ولا ينددون بالعنف لأنه فعل مدان، بل لأنه خرج عن احتكارهم. *فالدم، في خطابهم، لا يتحول إلى مأساة إلا إذا سال داخل دائرتهم*، أما حين كان يُسفك في الأسواق، والمستشفيات، والبوادي، والطرقات، فقد كان “ضررًا جانبيًا”، أو “ضرورة أمنية”، أو “ثمنًا للسيادة”.

ليست هذه *ازدواجية عابرة*، بل بنية وعي كاملة ترى الإنسان وسيلة، والمجتمع رهينة، والدولة غنيمة. وحين تنكسر هذه البنية، لا يخرج منها ندم، بل ضجيج. ضجيج يحاول إعادة كتابة الجريمة بوصفها “ابتلاءً”، وإعادة تعريف الفاعل بوصفه “ضحية”.

لقد *اختارت الحركة الإسلامية أن تخوض معركتها الأخيرة بلا شرف*. لم تختر المواجهة، بل الغارة. لم تختر الجندية، بل التحليق فوق الجثث. وحين عجزت عن الحسم على الأرض، لجأت إلى السماء، لا لتقاتل خصمًا، بل لتكسر إرادة مجتمع. المسيّرات هنا ليست تطورًا عسكريًا، بل اعترافًا بالعجز: عجز عن الإقناع، عجز عن التعبئة، عجز عن التضحية المتبادلة،
فاستُعيض عن كل ذلك بالقتل عن بُعد.

والمفارقة الفادحة أن من يرفع شعارات “الدولة” و“الجيش” و“السيادة”، هو ذاته من حوّل الحرب إلى اغتيالات مستعينًا بالخونة وأصحاب السوابق والقصص الشائنات، وأحال البلدان إلى أسواق محروقة، ومستشفيات مدمّرة، أي إلى نقيض فكرة الدولة ذاتها. *فالدولة، أي دولة، تبدأ من حماية المدنيين، لا من تحويلهم إلى أهداف*. لم تكن هذه الحرب مجرد وسيلة قمع، بل مشروع افتراس متكامل.

في ظل انهيار النظم المؤسسية، تحولت الفوضى إلى مورد: تُهرّب الثروات، ويُنهب الذهب عبر المعازيب، وتزدهر السمسرة في صفقات السلاح والدواء، وتُغسل أموال المانحين باسم الإغاثة، بينما تُقصف القرى التي يُفترض إنقاذها. هكذا *صارت الحرب سوقًا سوداء مفتوحة، وصار الوطن تفصيلًا هامشيًا في دفتر أرباح، وصار الدم استثمارًا لا مأساة*.

في هذا السياق الممنهج، *تكشف الوقائع عن خريطة دم واحدة لا يمكن تفكيكها إلى “حوادث منفصلة”*: ففي يابوس بالنيل الأزرق استُهدف مواطنون عائدون من السوق وحقول التعدين التقليدي، ما أسفر عن 93 قتيلًا و32 جريحًا، معظمهم من النساء والأطفال. وفي شمال دارفور قُصف مستشفى الزُرُق—المنشأة الطبية الوحيدة بالمنطقة—ودُمّر بالكامل، وقُتل أكثر من 64 مدنيًا من مرضى وكوادر طبية، كما استُهدفت أسواق الزُرُق وغرير في أوقات الذروة وسقط عشرات القتلى ولا تزال عمليات الحصر جارية.

وفي منطقة طُرة بشمال دارفور تجاوز عدد ضحايا القصف الجوي 400 قتيل مع مئات الجرحى، في مشهد إبادة جماعية تفحّمت فيه الأجساد ودُفنت في مقابر جماعية. وفي كُمو بجنوب كردفان/جبال النوبة قُتل 45 مدنيًا—معظمهم طلاب—وأصيب 8 آخرون. وفي بلبل تمبسكو سقط 83 قتيلًا. كما شهدت كتيلا مجزرة راح ضحيتها أكثر من 120 شخصًا، ضمن سلسلة هجمات استهدفت المدنيين في غرب كردفان ومناطق أخرى. ليست هذه أرقامًا للتداول، بل ذاكرة دم متصلة، ضحيتها واحدة وأداتها واحدة: المدني السوداني.

في جوهر هذه الحرب يقف منطقان متقابلان: منطق يستعين بالاغتيال، وشراء الذمم، وضرب المدنيين حين تُعدم الحيلة، ومنطق آخر يصطف للقتال مستمدًا مشروعيته من عدالة القضية، ومن حق الدفاع عن النفس والوجود. وحين تدرك النخبة العسكرية الإسلاموية أن معين الرجال في غرب السودان، والنيل الأزرق، والنيل الأبيض لا ينفد، وأن كل ضربة جوية تُراكم ذاكرة مقاومة لا خوفًا دائمًا، ستفهم—متأخرة—أن *العنف الأعمى لا يُخضع مجتمعًا، بل يعيد تشكيله ضدك*.

ختامًا، إن البكاء على القتلى لا يمنح البراءة لمن صنع آلة القتل. ولا تُلغى الجرائم لأن الجناة ذاقوا بعضًا مما أذاقوه. هذه حرب بلا منتصر، نعم، لكنها أيضًا حرب بلا أعذار. بين الفرقة بوصفها تشكيلًا عسكريًا، والفرقان (البوادي) بوصفها كيانًا مدنيًا، *سيسأل التاريخ سؤاله القاسي*: من اختار حماية الحياة، ومن استباحها؟ ومن راهن على البيانات ليغطي الدم، فسيكتشف أن ذاكرة الدم لا تمحوها الخطب أو البيانات.

‏January 13, 2026