اليمن دولة أكلتها المليشيا وهكذا يُصنع الخراب حين يُشرَّع السلاح لم يسقط اليمن لأنه فقير ولا لأنه متعدد القبائل ولا حتى لأنه مسرح لتدخلات إقليمية ودولية سقط اليمن يوم فُتح الباب للمليشيات ويوم خرج السلاح من يد الدولة ويوم أُقنِع الناس بأن تعدد البنادق يمكن أن يتعايش مع مفهوم الوطن في الشمال تحوّلت جماعة الحوثي من حركة مسلحة إلى سلطة كاملة تملك القرار والسلاح والمال وتفرض مشروعها بالقوة وتُقصي كل من يخالفها لم تعد صنعاء عاصمة دولة بل عاصمة مليشيا ولم يعد الدستور مرجعًا بل خطاب زعيم وصاروخ ومخزن سلاح، وفي الجنوب لم يكن المشهد أقل قتامة، مليشيات متعددة أسماء مختلفة داعمون مختلفون لكن النتيجة واحدة سلطة مجزأة أمن هش وقرار ممزق المجلس الانتقالي الجنوبي يفرض نفوذه بقوة السلاح وقوات أخرى تنازعه الأرض، بينما الحكومة الشرعية تراقب المشهد من الفنادق بلا قدرة حقيقية على الحسم أو السيطرة، هكذا أصبح اليمن خريطة نفوذ لا دولة وساحة صراع لا وطنًا، الحوثي في الشمال،الانتقالي في الجنوب، قوات طارق صالح على الساحل، حزب الإصلاح هنا، وبقايا المؤتمر هناك، والقاعدة تتسلل كلما سنحت الفرصة، تعدد سياسي مشوّه وتعدد عسكري كارثي وسلاح بلا ضابط ولا عقيدة وطنية، هذه ليست أزمة يمنية فقط بل نموذج لانهيار الدول حين تُساوَم على سيادتها وحين يُقال إن “المليشيا أمر واقع” وإن “المرحلة لا تحتمل الحسم” وإن “التوازنات تفرض القبول بالجميع” كل دولة سارت في هذا الطريق دفعت الثمن مضاعفًا دمًا وتشريدًا وضياعًا لأجيال كاملة، السودان اليوم يقف أمام نفس المنعطف الخطير نفس الحجج نفس التبريرات نفس الأصوات التي تحاول تطبيع وجود المليشيات وتبرير السلاح المنفلت وتقديمه كجزء من الحل لا أصل الأزمة،واليمن يصرخ من تحت الركام لا دولة مع مليشيا ولا سيادة مع تعدد البنادق ولا سلام مع حكومات وجيوش موازية، التجربة اليمنية تثبت بما لا يدع مجالًا للشك أن التعايش مع المليشيات وهم قاتل وأن تأجيل الحسم خيانة لمستقبل الأوطان، وأن أي سلاح خارج يد الجيش هو مشروع حرب مؤجلة مهما طال الزمن، الدولة لا تُبنى بالترضيات المسلحة ولا تُحفظ بالموازنات الهشة ولا تُستعاد بالشعارات، الدولة تُبنى حين يكون السلاح واحدًا والقرار واحدًا والجيش واحدًا غير ذلك فالمصير معروف والخراب مكتوب سلفًا اليمن لم يسقط فجأة بل سقط قطعة قطعة مليشيا بعد مليشيا والسودان إن لم يتعلم الدرس الآن فقد يجد نفسه غدًا يكتب نفس الحكاية ولكن بأسماء مختلفة ودمٍ جديد. تم الإرسال من هاتف Huawei الخاص بي
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة