زيارة بحري تطرح سؤال الأداء-رئيس الوزراء وخطاب بلا إنجاز#
في ظل التعقيدات السياسية والاقتصادية التي يعيشها السودان، يبرز أداء رئيس الوزراء كامل إدريس بوصفه نموذجًا لقيادة تعتمد على الخطاب أكثر من اعتمادها على الفعل. فبينما تتراكم الأزمات المعيشية وتتآكل الخدمات الأساسية، يظل الحضور الحكومي محصورًا في الوعود والتصريحات العامة، دون ترجمة ملموسة على أرض الواقع. وتأتي زيارته الأخيرة إلى مدينة بحري لتكشف بوضوح الفجوة المتسعة بين الخطاب السياسي وحاجات المواطنين اليومية، وتعيد طرح سؤال جوهري حول طبيعة القيادة وأولوياتها في هذه المرحلة الحرجة زيارة بحري- حضور رمزي أم محاولة لاستعادة الشرعية؟ شهدت مدينة بحري، شمال الخرطوم، زيارة مفاجئة لرئيس الوزراء، قُدِّمت إعلاميًا بوصفها تواصلاً مباشرًا مع المواطنين. غير أن الزيارة افتقرت إلى برنامج تنفيذي واضح أو إعلان عن خطوات عاجلة لمعالجة الأزمات الخدمية المتفاقمة بدا المشهد أقرب إلى استعراض رمزي منه إلى تدخل حكومي فعّال، في وقت تعاني فيه المدينة من انهيار شبه كامل في الكهرباء والمياه، وتراجع حاد في الخدمات الصحية والتعليمية وقد عبّر كثير من السكان عن دهشتهم من طبيعة الزيارة، إذ كانوا ينتظرون إجابات عملية عن أسئلة بسيطة ومباشرة: متى تعود الكهرباء بصورة مستقرة؟ متى تُصلح محطات المياه؟ متى تعمل المخابز والمدارس بشكل طبيعي؟ لكن هذه الأسئلة ظلت بلا إجابة، بينما تحولت الزيارة إلى منصة للخطابات السياسية العامة الخطاب السياسي- كثافة لغوية وغياب عملي في ميدان “الثبات”، الذي أصبح رمزًا لصمود الناس في وجه العتمة والفقر، ألقى رئيس الوزراء خطابًا ركّز على مفاهيم عامة مثل “النصر القريب” و”الصمود الوطني” و”تجاوز التحديات” وهي مفردات مألوفة في القاموس السياسي السوداني، لكنها باتت، في نظر كثيرين، بلا وزن حقيقي ما دامت غير مرتبطة بخطط زمنية واضحة أو إجراءات تنفيذية محددة المشكلة هنا لا تكمن في اللغة ذاتها، بل في استخدامها كبديل عن السياسات العامة. فبدلاً من تقديم أرقام أو جداول زمنية لإعادة تشغيل الخدمات الأساسية، انزلق الخطاب إلى حالة من التعبئة اللفظية، وكأن الدولة تخوض معركة خطابية لا معركة معيشية هذا النمط يعكس أزمة أعمق في إدارة الحكم، حيث يُنظر إلى الكلام بوصفه أداة كافية لاحتواء الغضب الشعبي، في حين يفرض الواقع ضرورة الانتقال من الرمزية إلى الفعل وعود متكررة بلا أفق تنفيذي أعاد رئيس الوزراء، خلال زيارته، إطلاق حزمة من الوعود المتعلقة بالصحة والتعليم والكهرباء والمياه وإعادة فتح الجامعات. غير أن هذه الوعود جاءت عامة ومفتوحة، دون تحديد مصادر التمويل أو المدى الزمني للتنفيذ ففي قطاع الصحة، ما تزال المستشفيات تعاني نقصًا حادًا في الأدوية والمعدات، وفي التعليم توقفت مؤسسات كثيرة عن العمل بسبب شح الموارد أما الكهرباء والمياه، فلا تزالان تخضعان لنظام الانقطاع المتكرر، بما يحوّل أبسط مقومات الحياة إلى معركة يومية للمواطن هذه الوعود، بتكرارها دون نتائج، فقدت قيمتها السياسية وأصبحت أشبه بـ”عملة حكومية” تُضخ في الخطاب العام بلا رصيد فعلي والأخطر من ذلك أن الخدمات الأساسية – من أمن ومعيشة وخدمات عامة – تُقدَّم أحيانًا في الخطاب الرسمي وكأنها مِنَح أو استثناءات، لا بوصفها حقوقًا أصيلة وواجبات مباشرة على الدولة أزمة قيادة أم أزمة نموذج حكم؟ لا يمكن اختزال هذا الإخفاق في شخص واحد بقدر ما يعكس أزمة نموذج حكم يعتمد على المركزية والخطاب أكثر من اعتماده على التخطيط والتنفيذ والمساءلة فالتحديات التي تواجه السودان اليوم تتطلب قيادة قادرة على العمل ضمن فرق متخصصة، واتخاذ قرارات سريعة، وتقديم معلومات شفافة للرأي العام أما الاكتفاء بالجولات والخطب، فهو يفاقم الإحباط الشعبي ويعمّق فجوة الثقة بين الدولة والمجتمع بين استعادة الأمل أو تعميق الفجوة يطرح مواطنو بحري، ومعهم قطاع واسع من السودانيين، سؤالًا بسيطًا لكنه بالغ الدلالة- هل تمضي الحكومة نحو معالجة حقيقية للأزمات، أم تكتفي بإدارة الوقت عبر الخطاب؟ ما يحتاجه الناس اليوم ليس شعارات جديدة، بل كهرباء مستقرة، مياه جارية، وخدمات تعيد للحياة حدها الأدنى من الكرامة إن استمرار هذا النهج القائم على الوعود غير المنجزة يهدد بتآكل ما تبقى من رصيد “الأمل” الذي جاءت به الحكومة *ومن هنا، تبدو الحاجة ملحّة إلى مراجعة جادة لطريقة إدارة الدولة، ليس بتغيير اللغة فقط، بل بتغيير الأولويات، والانتقال من سياسة الكلام إلى سياسة الفعل في البداية السلام ، قبل أن تتحول أزمة الثقة إلى قطيعة كاملة بين الحاكم والمحكوم.
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة