علي حد السودان الجديد د. عبد الله علي إبراهيم أمام تناقضاته ١-٢ كتبه خالد كودي

مرحبا Guest
اخر زيارك لك: 01-13-2026, 05:58 AM الصفحة الرئيسية

منتديات سودانيزاونلاين    مكتبة الفساد    ابحث    اخبار و بيانات    مواضيع توثيقية    منبر الشعبية    اراء حرة و مقالات    مدخل أرشيف اراء حرة و مقالات   
News and Press Releases    اتصل بنا    Articles and Views    English Forum    ناس الزقازيق   
اراء حرة و مقالات
نسخة قابلة للطباعة من الموضوع   ارسل الموضوع لصديق   اقرا المشاركات فى شكل سلسلة « | »
اقرا احدث مداخلة فى هذا الموضوع »
01-08-2026, 10:25 PM

خالد كودي
<aخالد كودي
تاريخ التسجيل: 12-31-2021
مجموع المشاركات: 204

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
مكتبة سودانيزاونلاين
علي حد السودان الجديد د. عبد الله علي إبراهيم أمام تناقضاته ١-٢ كتبه خالد كودي

    10:25 PM January, 08 2026

    سودانيز اون لاين
    خالد كودي-USA
    مكتبتى
    رابط مختصر





    الجزء الاول

    8/1/2026 خالد كودي، بوسطن

    في هذا الرد، لا نُعامل نص د. عبد الله علي إبراهيم بوصفه خلافًا فكريًا عابرًا مع الحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال، ولا كسجال أكاديمي مشروع حول العنف أو جدوى الكفاح المسلح في مسارات التغيير الثوري، بل نقرأه بوصفه نصًا أيديولوجيًا صريحًا يعكس عداءً بنيويًا لمشروع سياسي–تاريخي ثوري متكامل هو مشروع السودان الجديد. فهذا المشروع لا يناقش سياسات جزئية داخل الدولة، بل يستهدف تفكيك الدولة السودانية نفسها: بنيتها الموروثة عن الاستعمار، نخبتها المركزية، وخيالها السياسي الأحادي؛ أي ما يُعرف في أدبيات الثورة السودانية بـ السودان القديم، وهو الإطار الذي ظلّ د. عبد الله يدافع عنه معرفيًا وسياسيًا لعقود.
    في 6 يناير 2026، نشر د. عبد الله علي إبراهيم مقالًا على موقع سودانيز أونلاين، يبدو أنه إعادة نشر أو تطوير لمقال سابق، بعنوان:
"عبد العزيز الحلو: كيف كبدنا خذلان الحركة الشعبية له في اتفاقية السلام الشامل (2005)".
وقد جاء النص مشحونًا بتوتر واضح لا يمكن فصله عن السياق السياسي والعسكري الراهن. فهذا التوتر يرتبط مباشرة بتصاعد حضور الجيش الشعبي في الميدان، وبعودة خطابه التعبوي إلى الواجهة، بما يحمله من شعارات ومعنويات—أو "جلالات"—مرتبطة بمشروع السودان الجديد وانتصاراته الميدانية. لذلك لا يُقرأ المقال بوصفه تعليقًا على واقعة محددة، بل باعتباره ردًا فكريًا دفاعيًا على عودة سؤال تأسيسي ظلّ مؤجّلًا ولم يُحسم.
    ينطلق هذا التوتر في مقال د. عبد الله من موقع إشكالي ثابت يتكرر في كتاباته، يقوم على ازدواج واضح:
    - اعتراف تاريخي خجول بالمظالم التي أنتجتها الدولة المركزية،
    - يقابله خوف فكري من المضي بهذا الاعتراف إلى نهاياته السياسية والمنطقية.
    ولهذا يعترف الكاتب بوجود الجرح، لكنه يتوقف عند حدوده الأخلاقية، ويرفض الإقرار بحق أصحابه في اختيار أداة الدفاع عنه. وهنا يتكشف جوهر التناقض: نقد الدولة دون القطيعة معها، وإدانة السلاح دون تفكيك الشروط التاريخية التي جعلت اللجوء إليه أمرًا مفروضًا.
    وانطلاقًا من هذا التوتر البنيوي، يمكن تلخيص مقال د. عبد الله علي إبراهيم—لا بوصفه عرضًا محايدًا، بل باعتباره نصًا مأزومًا داخليًا—في النقاط الآتية، مع إبراز تناقضاته المركزية:

    ١/ الاعتراف بالمظلمة مقابل إدانة وسيلتها
    يقرّ د. عبد الله علي ابراهيم "بدرجة ما" بأن الهامش السوداني لم يحمل السلاح اعتباطًا، بل نتيجة تهميش تنموي وسياسي وعنف مُمَنهج مارسته نخبة المركز منذ الاستقلال!
    التناقض: ما إن يثبت هذا الإقرار حتى ينتقل إلى إدانة شاملة لحمل السلاح، دون أن يقدّم بديلًا تاريخيًا واقعيًا، وكأن الاعتراف بالمظلمة لا يستتبع أي حق في الدفاع عنها أو فرضها سياسيًا.

    ٢/ نقد الدولة المركزية مع تحييد بنيتها
    - يعترف بأن الدولة السودانية منذ 1956 دولة حرب، وأنها واجهت كل مطالبة عادلة بالقوة العسكرية
    - التناقض: يساوي أخلاقيًا بين عنف الدولة المؤسَّس بنيويًا، وعنف الحركات التي نشأت ثائرة عليه، متجاهلًا الفرق الجوهري بين العنف البنيوي والعنف المقاوم/الثوري.

    ٣/ القول بخيانة تاريخية وإنكار نتائجها السياسية
    - يقول بأن جبال النوبة والنيل الأزرق خُذلتا في اتفاقية السلام الشامل، وأن المجتمع الدولي، ونخبة الخرطوم، وقيادة الحركة الشعبية آنذاك خانتهما، بحسب توصيفه نفسه.
    - التناقض: إذا افترضنا صحة ماذهب اليه، حين يطالب عبد العزيز الحلو باستعادة ما فُقد نتيجة هذه الخيانة (العلمانية/حق تقرير المصير..الخ..)، يصف ذلك بالمبالغة أو العزلة السياسية، بدل اعتباره استحقاقًا تاريخيًا مؤجَّلًا!

    ٤/ تصوير الحلو "كضحية"… ثم محاسبته كجاني!
    يقدّم د. عبد الله علي إبراهيم عبدَ العزيز الحلو بوصفه ضحية خذلان رفاقه في مفاوضات السلام بين عامي 2002 و2005، لكنه يعود لاحقًا ليحمّله مسؤولية تمسّكه بمطالبه بعد عام 2019، وكأن هذا التمسك يمثل خروجًا غير مبرر عن "الإجماع الوطني" أو تهديدًا لـ"الاستقرار".
غير أن هذا الطرح ينطوي على اختزال مخلّ للمسؤولية التاريخية، إذ يزيح مركز الخذلان من فاعله الحقيقي، ويعيد تحميل تبعاته لمن وقع عليه الضرر!
    فالوقائع تشير بوضوح إلى أن الخذلان لم يكن خذلان الحركة الشعبية لعبد العزيز الحلو بقدر ما كان خذلانًا ممنهجًا من المؤتمر الوطني لشعبي جبال النوبة والنيل الأزرق. ففي مفاوضات نيفاشا، تمسّك المؤتمر الوطني برؤيته المركزية القائمة على تجزئة الحلول، وأصرّ على أن المنطقتين تتبعان إداريًا وسياسيًا لـ"الشمال"، وأن قيادة الحركة الشعبية لا تملك حق التحدث باسمهما. بل جرى تصوير مطالب إدراجهما في ترتيبات تقرير المصير بوصفها محاولة من جون قرنق "لتوسيع الجنوب على حساب الشمال"، وهو منطق أيديولوجي استخدم لتبرير رفض منح شعبي المنطقتين حق تقرير المصير
    ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد؛ فحتى الصيغة المحدودة التي جرى الالتفاف عليها تحت مسمى "المشورة الشعبية" نجح المؤتمر الوطني في إفراغها من مضمونها العملي، عبر تزوير الانتخابات التشريعية التي كان يفترض أن تُمارس من خلالها هذه المشورة. ثم تُوّج ذلك المسار بإصدار أوامر عسكرية مباشرة للجيش بمهاجمة الحركة الشعبية في المنطقتين في 6 يونيو 2011، وهو ما أنهى عمليًا أي أفق سلمي لتنفيذ اتفاقية السلام الشامل في ما يخصهما.
    في هذا السياق، لا يبدو تمسّك عبد العزيز الحلو بمطالبه بعد 2019 تعبيرًا عن تعنّت أو نزعة انفصالية، بل استجابة سياسية متأخرة لمسار "خيانة" مكتمل الأركان. كما أن اختزال الأزمة في خلافات داخل الحركة الشعبية يتجاهل حقيقة أن المؤتمر الوطني—وسدنته من النخب المتحالفة معه—لم يؤمنوا يومًا إلا بالحل العسكري لأزمات السودان، وهو نهج ساهموا من خلاله في تعميق الحروب وتوسيعها... ولا شنو يادكتور!؟
    وحتى الحرب التي اندلعت في 15 أبريل لاحقًا لا يمكن فصلها عن هذا المنطق ذاته؛ فهي إحدى إفرازات استراتيجية طويلة المدى تهدف إلى الاحتكار الكامل للسلطة والثروة والتفوّق الاجتماعي، وتستند إلى ذهنية استعلائية راسخة تقوم على وهم امتلاك الحقيقة وشرعية العنف بوصفه أداة حكم.

    ٥/ نقد عسكرة السياسة وتجاهل عسكرة الدولة
    - ينتقد الدكتور استخدام السلاح داخل الحركة الشعبية، خاصة في صراعاتها الداخلية
    - التناقض: لا يطبّق المنطق نفسه على الدولة التي جعلت استخدام السلاح والعنف أداة حكم دائمة، بل يتعامل معها كفاعل تاريخي قابل للإصلاح الأخلاقي دون تفكيك بنيته.

    ٦/ تمجيد الثورة المدنية مقابل تحميلها ما لا تحتمل
    - يصف ثورة ديسمبر بأنها "مجيدة" وكاسرة لهيمنة النخبة...الخ..
    - التناقض: يلوم الحلو على "اعتزال الثورة"، متجاهلًا أن الثورة المدنية نفسها عجزت عن فرض شعاراتها في مواجهة الدولة العميقة، ويتجاهل حقيقة أن إنهاك النظام اقتصاديًا وعسكريًا عبر الثورة المسلحة في الأطراف كان شرطًا موضوعيًا لاندلاع الاحتجاجات التي أدت الي لحظة ديسمبر من الأساس.

    ٧/ إدانة الخلافات الداخلية مع تجاهل سياقها البنيوي ودور الدولة والجيش
    - يتناول د. عبد الله علي إبراهيم انقسام الحركة الشعبية عام 2017 وما تلاه من عنف داخلي بوصفه خللًا أخلاقيًا أو سياسيًا خاصًا بالحركة نفسها، في معالجة تختزل الظاهرة وتفصلها عن سياقها البنيوي والتاريخي الأوسع. فهذا التناول لا ينطلق من تحليل جاد لبنية الدولة السودانية التي أنتجت هذا النمط من الصراعات، ولا لدور الجيش بوصفه أحد أعمدة العنف المنظّم في هذه الدولة، بل يعيد تحميل المسؤولية للفاعل الهامشي، متجاوزًا الشروط الموضوعية التي جعلت العنف أداة شبه وحيدة لإدارة الخلافات.
    فالعنف هنا لا يُفهم باعتباره نتيجة مباشرة لدولة أغلقت، منذ تأسيسها، كل مسارات الحل السياسي العادل، ولم تترك أي فضاء ديمقراطي حقيقي لإدارة الخلافات داخل الأحزاب أو التنظيمات أو الحركات المسلحة، بل وأسست، عبر الجيش والأجهزة الأمنية، نموذجًا دائمًا لحسم النزاعات بالقوة. وبدلًا من قراءة عنف 2017 في هذا السياق، يجري عزله وتقديمه كعيب تنظيمي خاص، وكأن الحركات نشأت وتطورت في فراغ سياسي لا تحكمه دولة عسكرية مركزية!
    - هذا الاختزال لا يفسّر جذور الأزمة، ولا يقدّم فهمًا لطبيعة الصراع، بل يؤدي وظيفة سياسية واضحة: إدانة الفاعل الهامشي، وتخفيف عبء المسؤولية عن الدولة وجيشها، بوصفهما المنتجين التاريخيين للعنف السياسي في السودان.
    - ويمتد هذا المنطق إلى معالجة د. عبد الله لأحداث النيل الأزرق عام 2022، حيث يربط—على نحو إيحائي—بين الصراع داخل الحركة الشعبية وبين الاضطرابات التي شهدها الإقليم، رغم إقراره بعدم وجود دليل حاسم على هذا الربط، ونقله نفي خبراء مطّلعين على شؤون الحركة. ومع ذلك، يُبقي الكاتب الشبهة معلّقة في الفضاء العام، في ممارسة خطابية تقوم على الإيحاء لا التحليل، وتنتج أثرًا سياسيًا مباشرًا: تحميل رئيس الحركة الشعبية عبد العزيز الحلو مسؤولية أخلاقية عن عنف لم يثبت تورطه فيه، مع إزاحة الأنظار عن الدور البنيوي للدولة والجيش والأجهزة الامنية في تفجير النزاعات وإدامتها.
    وبهذا، لا تُناقَش الوقائع في سياقها التاريخي والاجتماعي الكامل، بل يُعاد تأطيرها ضمن سردية تُجرّم الفاعل الهامشي، وتُعيد إنتاج منطق الدولة السودانية القديمة، التي اعتادت تبرئة مؤسساتها العسكرية والأمنية من العنف، وتحميل نتائجه لمن قاومها أو خرج عليها. وهو خطاب لا يفتح أفقًا للفهم أو التفكيك، بل يخدم—بوعي أو بغير وعي—الدفاع عن دولة العنف كما تشكّلت تاريخيًا، جيشًا وقوات امنية، ومليشيات، وسلطةً وبنيةً سياسية.

    ٨/ الدفاع عن التسوية مع الإقرار بفشلها
    - يدافع ضمنيًا عن مسارات التسوية (نيفاشا، جوبا....
    - التناقض: يقرّ بأن هذه التسويات فشلت وخانت الهامش، ومع ذلك يلوم من رفض تكرارها، لا من أعاد إنتاج شروط الفشل نفسها!

    ٩/ استدعاء مارتن لوثر كينغ خارج سياقه التاريخي
    يختم بمقولة: "لن تحارب الظلام بالظلام" لدكتور كنج
    التناقض: يستعير أخلاق اللاعنف من سياق ديمقراطي–ليبرالي مختلف جذريًا، ويُسقطها على واقع دولة إبادة وعنصرية بنيوية دون مساءلة شروط إمكان اللاعنف في مثل هذا السياق "سنبين لاحقا".

    من هذا العرض، يتضح أن مقال د. عبد الله علي إبراهيم لا ينتمي إلى حقل النقد الأخلاقي الخالص، او الأكاديمي الرصين ولا إلى مساءلة جذرية لمسألة العنف أو السلاح، بل يندرج في إطار مناورة فكرية محسوبة تهدف إلى حماية بنية دولة السودان القديم ونخبتها التاريخية. فالمقال يقوم على اعترافٍ انتقائي بالمظالم، اعترافٍ لا يُراد له أن يكتمل، لأن اكتماله يفضي حتمًا إلى مساءلة شرعية الدولة نفسها، لا مجرد ممارساتها.
    يُقرّ الكاتب بوجود اختلالات عميقة في الدولة السودانية منذ 1956، لكنه يحرص، في كل مرة، على فصل هذه الاختلالات عن بنيتها التأسيسية، وكأن المشكلة كانت دائمًا في "الإدارة"، لا في الدولة بوصفها مشروع هيمنة اجتماعية–ثقافية–سياسية أنشأته نخبة محددة، وما زالت تعيد إنتاجه حتى اليوم. وهنا تحديدًا يتبدّى الاحتيال: نقد الدولة بما يسمح بإنقاذها، لا تفكيكها
    وفي هذا السياق، تصبح إدانة السلاح وظيفة أيديولوجية لا أخلاقية؛ إذ تُستخدم لا لتفكيك شروط العنف، بل لتجريد الهامش من أدوات الضغط التاريخي، وإعادته إلى موقع التوسل السياسي داخل دولة لم تُبنَ له، ولم تعترف به يومًا كشريك متكافئ. فالخطاب لا يسأل: من فرض السلاح؟ بل يكتفي بسؤال: لماذا استُخدم؟ وهو فرق جوهري بين نقد تحرري ونقد متواطئ.
    وعليه، لا يمكن فهم هذا الخطاب إلا بوصفه جزءًا من منظومة دفاع فكري عن نخبة دولة 1956، أو ما يمكن تسميته بدقة: نخبة السودان القديم. وهي نخبة تسعى، عبر هذا النوع من الكتابة، إلى تدوير الأزمة بدل حسمها، وإلى إعادة إنتاج شرعيتها الأخلاقية بعد أن سقطت شرعيتها السياسية والتاريخية.
    وفي المحصلة، لا يقوم خطاب د. عبد الله علي إبراهيم على قلب الحقائق بوقاحة وحسب، بل على إعادة ترتيبها بخبث: تحميل الهامش كلفة العنف، وتخفيف عبء المسؤولية عن المركز؛ إدانة نتائج الصراع، مع تحييد أسبابه؛ والتمسك بوهم الإصلاح داخل دولة ثبت تاريخيًا أنها لا تُصلح، بل تُفكك.
    بهذا المعنى، لا يكون المقال تعبيرًا عن قلق أخلاقي بقدر ما هو استماتة فكرية للحفاظ على بقايا شرعية نخبة دولة السودان القديم، عبر خطاب يبدو نقديًا في ظاهره، لكنه محافظ ومتواطئ في جوهره، ويؤدي—موضوعيًا—وظيفة واحدة: تأجيل القطيعة التاريخية مع دولة 1956، مهما بلغ ثمن هذا التأجيل. ولنناقش بعضا من هذا!

    أولًا: العداء ليس خلافًا… بل خصومة تاريخية
    يحاول د. عبد الله علي إبراهيم أن يقدّم عداءه للحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال، ولقائدها عبد العزيز الحلو، بوصفه امتدادًا طبيعيًا لنقدٍ سياسي مشروع، أو اختلافٍ فكري مألوف في ساحة العمل العام. غير أن قراءة متأنية لخطابه تكشف أن الأمر يتجاوز حدود النقد، ليدخل في منافحة منهجية تستخدم مختلف الأدوات البلاغية—بما فيها تحوير الوقائع، والانتقاء، وأحيانًا التلفيق—لتقويض مشروع الحركة والنيل من قيادتها، لا لشيء إلا حفاظًا على بنية دولة السودان القديم التي يُعدّ د. عبد الله أحد أبرز المعبّرين الفكريين عنها.
    الخلاف هنا ليس تنظيميًا ولا تكتيكيًا، ولا يتعلق بخيارات سياسية جزئية، بل هو صدام بين مشروعين تاريخيين متناقضين:
مشروع يسعى إلى تفكيك الدولة السودانية الموروثة، ومشروع يراهن على إعادة تدويرها أخلاقيًا وثقافيًا.
    ولا جدال في أن الخلافات السياسية—السلمية والمسلّحة—لم يسلم منها أي تنظيم سوداني. لكن استدعاء هذا العموم لتبرير العداء للحركة الشعبية يُخفي الفارق الجوهري: فالحركة الشعبية، منذ تأسيسها عام 1983، لم تكن حزبًا سياسيًا تقليديًا يعمل داخل الدولة، بل مشروعًا لتفكيك الدولة نفسها: بنيتها المركزية، أيديولوجيتها الإقصائية، وتحالفات نخبها.
    وهذا بالضبط ما يفسّر أن كل الأحزاب السودانية—يمينها ويسارها، مدنيها وعسكريها—اصطدمت بالحركة الشعبية، لا لأنها حملت السلاح فحسب، بل لأنها طرحت سؤال الشرعية من خارج الخرطوم، ومن خارج منطق الدولة الموروثة.

    العنف في التاريخ السياسي السوداني ليس استثناءً، ولا ظاهرة محصورة في حركات الهامش أو في لحظات الانفجار المسلح المعاصر، بل هو مكوّن بنيوي في تشكّل الدولة السودانية نفسها، وفي تاريخ معارضتها الحزبية على حدّ سواء. فمنذ الاستقلال، أُدير الصراع السياسي في السودان داخل إطار دولة مركزية عسكرية–أمنية، ومعارضة لم تتردد، في محطات مفصلية، في اللجوء إلى السلاح، أو في تبرير استخدامه، أو في التحالف معه متى ما خدم أهدافها السياسية.
    فالأحزاب الطائفية الكبرى، وعلى رأسها حزب الأمة والحزب الاتحادي الديمقراطي، لم تكن يومًا خارج دائرة العنف. فقد شاركت هذه الأحزاب، بصورة مباشرة أو عبر وجودها في السلطة، في إدارة حروب الدولة ضد مجتمعات الهامش، ووفّرت الغطاء السياسي والاجتماعي لاستمرارها. ولم يُنظر إلى هذا العنف بوصفه خروجًا عن السياسة، بل قُدّم باعتباره ضرورة لحماية الدولة ووحدتها.
    ويتجلى هذا المنحى بوضوح في تجربة الجبهة الوطنية في سبعينيات القرن الماضي، حين خاضت قوى معارضة تقليدية—بدعم إقليمي وتسليح خارجي—ما عُرف رسميًا بـ"الغزو الأجنبي" عام 1976. وقد جرى في ذلك السياق تطبيع فكرة العمل العسكري المسلح داخل المجال السياسي المركزي نفسه، دون أن يُوصم هذا العنف أخلاقيًا أو يُعامل بوصفه انحرافًا، بل جرى تبريره بوصفه "مقاومة وطنية" ضد نظام مايو. والمفارقة أن ما اعتُبر يومها "نضالًا مشروعًا" يُدان اليوم بوصفه "عنفًا غير أخلاقي" حين يصدر عن الهامش!
    أما الحزب الشيوعي السوداني، الذي يُقدَّم غالبًا بوصفه نموذجًا للمعارضة المدنية، فقد بارك انقلاب مايو 1969، وأسهم في تأسيس سلطة عسكرية، ثم دخل لاحقًا في صراعات عنيفة مع الدولة نفسها. ومع ذلك، لم يُقرأ هذا التاريخ في إطار إدانة أخلاقية شاملة للعنف، بل جرى استيعابه ضمن سرديات "الضرورة الثورية" أو "الظرف التاريخي"!
    وفي مرحلة لاحقة، بلغ العنف ذروته مع صعود الإسلاميين إلى السلطة في 1989، حيث أُعيدت هيكلة الدولة نفسها على أساس المليشيات. فلم يعد الجيش وحده أداة العنف، بل جرى تفكيك احتكاره لصالح أجهزة أمنية ومليشيات عقائدية وقبلية، قادت لاحقًا إلى حروب إبادة جماعية في دارفور، وإلى حملات عسكرية ممنهجة في جبال النوبة والنيل الأزرق، مستخدمة القصف الجوي، والتجويع، والتهجير القسري كسلاح سياسي. وبذلك، لم يعد العنف انحرافًا عن الدولة، بل آلية تأسيس وإدارة للحكم.
    ومع ذلك، فإن هذا التاريخ الممتد لعنف الدولة—بمختلف أشكاله، سواء كان رسميًا أو معارضًا، مركزيًا أو طرفيًا—لا يُستدعى إلى ساحة الحكم الأخلاقي إلا عندما يصدر العنف عن الهامش. ففي هذه الحالة تحديدًا، يُفصل السلاح عن سياقه التاريخي، وتُختزل أسبابه البنيوية، ويُعاد تقديمه بوصفه "فوضى" أو "تهديدًا للدولة". في المقابل، يُعامل عنف المركز وعنف النخب السياسية بمعايير مختلفة، إذ يُمنح شرعية ضمنية، أو يُعاد تفسيره بوصفه ضرورة سياسية أو خطأً قابلًا للتبرير، لا كجريمة بنيوية في تكوين الدولة نفسها.
    وهنا، تحديدًا، يقف خطاب د. عبد الله علي إبراهيم عند لحظة النفاق وازدواج المعايير:
إدانة صارمة ومجردة لعنف الهامش، مقابل تساهل وتواطؤ تحليلي—وأحيانًا تبريري—مع عنف الدولة المركزية، ومع تاريخ المعارضة الحزبية حين لجأت إلى السلاح أو تحالفت معه. وهو ما يجعل هذا الخطاب، في محصلته النهائية، إعادة إنتاج لأخلاق دولة السودان القديم، لا تفكيكًا نقديًا شاملًا لتاريخ العنف السوداني بوصفه ظاهرة بنيوية ممتدة.

    نواصل في الجزء الثاني...

    النضال مستمر والنصر اكيد.

    (أدوات البحث والتحرير التقليدية والإليكترونية الحديثة استخدمت في هذه السلسلة من المقالات)

























                  


[رد على الموضوع] صفحة 1 „‰ 1:   <<  1  >>




احدث عناوين سودانيز اون لاين الان
اراء حرة و مقالات
Latest Posts in English Forum
Articles and Views
اخر المواضيع فى المنبر العام
News and Press Releases
اخبار و بيانات



فيس بوك تويتر انستقرام يوتيوب بنتيريست
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة
About Us
Contact Us
About Sudanese Online
اخبار و بيانات
اراء حرة و مقالات
صور سودانيزاونلاين
فيديوهات سودانيزاونلاين
ويكيبيديا سودانيز اون لاين
منتديات سودانيزاونلاين
News and Press Releases
Articles and Views
SudaneseOnline Images
Sudanese Online Videos
Sudanese Online Wikipedia
Sudanese Online Forums
If you're looking to submit News,Video,a Press Release or or Article please feel free to send it to [email protected]

© 2014 SudaneseOnline.com

Software Version 1.3.0 © 2N-com.de