تتجاوز الحرب المستعرة في السودان، والتي تقترب من دخول عامها الثالث، كونها نزاعاً عابراً على السلطة بين فصيلين عسكريين. فهي في جوهرها العميق، أزمة وجودية تمس بنية الدولة السودانية ذاتها، وتجسيد لفشل تاريخي متراكم في حسم الصراع بين مشروع الدولة المدنية الديمقراطية وهيمنة المؤسسة العسكرية والأمنية، التي ظلت الفاعل الأعلى، المتعالي على السياسة والمجتمع في السودان، وإن صوت البندقية الذي يعلو اليوم في حرب الخامس عشر من أبريل 2023 ليس سوى ارتداد مدوي لتاريخ طويل من العجز عن بلورة مشروع سياسي وطني شامل، وهو العجز الذي أتاح ترسيخ الانقلابات العسكرية ومنظومات التمكين القسري للأيديولوجيا الحزبية على حساب المواطن وحقوقه، وقد أفضى هذا المسار المختل إلى تفجير الحروب والصراعات في عدد واسع من مناطق وأقاليم البلاد، وصولاً إلى تمزيق وحدتها وتقسيمها، كما حدث في مأساة حرب جنوب السودان، واليوم تعود الدائرة لتكتمل، إذ تهدد الحرب الراهنة بابتلاع ما تبقى من حلم التحول المدني الذي بشرت به ثورة ديسمبر المجيدة.
في خضم هذا الصراع الدامي، تشهد الخريطة الميدانية تحولات مفصلية تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية للبلاد. فسقوط مدينة الفاشر، عاصمة شمال دارفور، في قبضة قوات الدعم السريع، لا يمكن قراءته بوصفه مكسباً عسكرياً تكتيكياً فحسب، بل باعتباره تفكيكاً رمزياً لآخر ركائز الدولة المركزية في الإقليم، وتكريساً لواقع نفوذ جديد ومتجذر في غرب السودان، ويأتي سقوط بابنوسة في إقليم كردفان ليعمق هذا المسار، دافعاً بالدولة السودانية نحو حافة التقسيم الفعلي، حيث تتبلور كتل جغرافية متناحرة، تحمل كل منها مشروع سلطة خاصاً وسردية شرعية متباينة.
على الصعيد السياسي، تكشف شروط قائد الجيش عبد الفتاح البرهان لوقف إطلاق النار، والمتمحورة حول انسحاب قوات الدعم السريع من "كل شبر"، عن انسداد شبه كامل في أفق الحل التفاوضي، في ظل هيمنة منطق الحسم العسكري الشامل. وهو منطق لا يسنده الواقع الميداني، لا سيما أن طرفي الحرب أخفقا في تحقيقه طوال ما يقارب ثلاثة أعوام من القتال المتواصل، ويعكس هذا التصلب في الموقف، المتزامن مع التصاعد اللافت في وتيرة الحرب وتنامي استخدام الطائرات المسيرة بوصفها أداة حاسمة وعنصراً مفصلياً في ميدان القتال، انتقال الصراع إلى طور جديد من الاستنزاف التكنولوجي، تغذيه تدخلات خارجية حولت السودان إلى ساحة صراع إقليمي، ومختبر مفتوح لتقنيات قتال عابرة للحدود.
الدولة المدنية في مواجهة ثقافة البندقية
ما يشهده السودان اليوم هو انفجار عنيف للثنائية القطبية التي حكمت المجال السياسي لعقود طويلة .. ثنائية "الدولة العميقة للنظام البائد" المتجسدة في الجيش ومؤسساته التقليدية، في مواجهة "قوى التمرد" التي تطورت بمرور الزمن، إلى فاعل مركزي في المعادلة العسكرية والأمنية، وفي خضم هذا الاستقطاب المسلح، تقصى الدولة المدنية بوصفها جوهر العقد الاجتماعي الحديث عن فضاء الإمكان التاريخي، إذ يستحيل أن تولد من رحم فوضى السلاح وتعدد مراكز العنف. فالتحول الديمقراطي لا يختزل في آليات انتخابية أو صناديق اقتراع، بل هو في جوهره، منظومة حكم متكاملة تقوم على احتكار الدولة لأدوات العنف، وممارستها الحصرية للقوة الشرعية، وعلى الفصل بين السلطات وسيادة حكم القانون، وعندما تتشظى هذه القوة بين فواعل مسلحة متعددة، كما هو الحال في السودان، يصبح مفهوم السيادة ذاته موضع تهديد وجودي، سيما إن الحرب الدائرة ليست سوى محاولة دامية لإعادة تعريف من يمتلك الحق في ممارسة العنف، وهي محاولة تخاض على حساب أرواح المواطنين، في ظل كارثة إنسانية غير مسبوقة، حيث يواجه أكثر من 21 مليون إنسان انعداماً حاداً في الأمن الغذائي.
فالدولة المدنية ليست امتداداً زمنياً للدولة العسكرية، بل نقيضها الجوهري .. ولا يمكن أن تقوم إلا عبر تفكيك واعٍ للمنظومة الأمنية والاقتصادية التي تغلغلت في نسيج الدولة، وإعادة تأسيس المؤسسات على قاعدة المواطنة المتساوية، لا وفق منطق الولاءات الحزبية أو الأيديولوجية أو القبلية أو العسكرية.
أفق الديمقراطية: بين رماد الحرب وبعث الثورة
أمام هذا المشهد القاتم يفرض السؤال الأكثر إلحاحاً نفسه .. هل يمكن أن يولد التحول الديمقراطي من رحم حرب أهلية؟ لقد أسهمت الحرب في تهميش القوى المدنية التي قادت الحراك الثوري، واختزال الصراع في معادلة عسكرية صرفة تدار بمنطق الغلبة لا السياسة، ومع ذلك قد تمثل هذه الحرب، على نحو قاطع، الفرصة الأخيرة لكسر هيمنة المؤسسة العسكرية على القرار السياسي بصورة نهائية. فحتى في حال تحقق الحسم العسكري لأي طرف، فإن مآلاته لن تقود إلى استقرار مستدام، بل إلى دولة هشة قائمة على الإقصاء والقسر، بما يفتح الطريق أمام دورات جديدة من العنف وعدم الاستقرار. إن إنقاذ مشروع الدولة المدنية لا يمكن أن يتحقق إلا عبر تكتل مدني واسع، يرفض الحرب بوصفها أداة لإدارة السياسة، ويقدم رؤية متماسكة وشاملة لمرحلة ما بعد الصراع، ترتكز على جملة من الأسس الجوهرية، منها: إصلاح القطاع الأمني من خلال دمج وتفكيك القوات غير النظامية ضمن منظومة عسكرية وطنية موحدة، وإعادة بناء جيش مهني احترافي يخضع لقيادة مدنية، وترسيخ العدالة الانتقالية عبر معالجة جرائم الحرب والانتهاكات التي ارتكبت خلال الصراع، بوصفها شرطاً لا غنى عنه لتحقيق المصالحة الوطنية، إلى جانب إرساء توزيع عادل للسلطة والثروة، والتصدي للجذور التاريخية للصراع المرتبطة بالتهميش الاقتصادي والسياسي الذي طال الأقاليم.
وفي هذا السياق، تمثل مبادرة الرباعية الدولية، إلى جانب إعلان مبادئ القوى المدنية الرافضة للحرب في نيروبي، محاولة جادة للدفع نحو وقف شامل لإطلاق النار، يعقبه إحياء المسار السياسي من تحت ركام الحرب. غير أن نجاح أي مبادرة يظل مرهوناً بمدى قدرة القوى المدنية على فرض إرادتها السياسية على الأطراف المتحاربة، وبمدى استعداد المجتمع الدولي لدعم حل سياسي حقيقي ينهي هيمنة ثقافة البندقية، ويؤسس لسيادة القانون بوصفها المرجعية العليا للدولة.
خاتمة .. العقد الاجتماعي المؤجل
يقف السودان اليوم بوصفه ساحة اختبار حاسمة لمفهوم الدولة في القرن الحادي والعشرين. فالخيار المطروح لم يعد محصوراً بين طرفي النزاع المسلح، بل بات خياراً وجودياً بين الاستمرار في دوامة عنف تفكك النسيج الاجتماعي وتبدد ما تبقى من كيان الدولة، وبين القفز إلى الأمام نحو تأسيس عقد اجتماعي جديد يعيد تعريف السلطة، ويؤسس لمعنى الدولة على قاعدة المواطنة والشرعية المدنية.
إن الدولة المدنية والتحول الديمقراطي في السودان لم يعودا مجرد طموح سياسي أو شعار مرحلي، بل غدوا ضرورة وجودية تفرضها فداحة الكارثة الإنسانية وخطر تفكك البلاد، ويظل الأمل معقوداً على صمود الإرادة الشعبية التي أسقطت نظامين ديكتاتوريين، وعلى قدرة النخب المدنية على تحويل رماد الحرب إلى تربة خصبة لبعث دولة تقوم على الحرية والسلام والعدالة. فالمعركة الحقيقية لا تخاض في الفاشر أو بابنوسة، ولا في الخرطوم أو بورتسودان، بل تخاض في استعادة الوعي المدني للشعب السوداني، ورفض الارتهان لمصير تصوغه إرادة العسكريين أو تحكمه تقلبات منطق الحرب والهيمنة والسلاح.
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة