لم يكن الصراع حول الدولة في العالم الإسلامي مجرد مواجهة سطحية بين “الدين” و“العلمانية”، كما جرى تبسيطه طويلًا في الخطاب السياسي والإعلامي، بل كان في جوهره الأعمق سجالًا داخليًا داخل الفكر الإسلامي نفسه سجال بين مدرستين تتقاسمان المرجعية الدينية، لكنهما تختلفان جذريًا في فهم النص، ودور الدولة، ومكانة الإنسان في المشروع السياسي في هذا المفترق تحديدًا يتواجه الإسلام السياسي والسلفية النصية: لا كتيارين متجاورين، بل كمنهجين متناقضين؛ أحدهما يرى الإسلام مشروعًا حيًا قابلًا للاجتهاد والتكيّف مع العصر، والآخر يراه نموذجًا مكتملًا يجب استعادته كما كان، بحرفيته وسياقه التاريخي نشأ الإسلام السياسي، في لحظاته الفكرية الجادة، كمحاولة للإجابة عن سؤال العصر المحوري: كيف يمكن للإسلام أن يكون حاضرًا في الدولة الحديثة دون أن يتحول إلى سلطة قهر، تُقدّم الشكل على الجوهر، والنص على الإنسان؟ لذلك تبنى أدوات منهجية مثل الاجتهاد المقاصدي، الذي ينظر إلى الشريعة بوصفها منظومة قيم ومصالح لا مجرد حدود وعقوبات، واعتمد القراءة التاريخية للنص، مميزًا بين الثابت والمتغير، ومعترفًا بتعقيدات الدولة الحديثة وتشابك المصالح العالمية في هذا التصور، لا تكون الدولة غاية دينية مقدسة، بل وسيلة لتنظيم حياة الناس وتحقيق العدالة. الدستور عقد اجتماعي قابل للتطوير، والتعددية السياسية والدينية أمر واقع لا يمكن إنكاره، والديمقراطية آلية تنظيم وحماية من الاستبداد لا “كفرًا مستوردًا” كما يصورها خصومها. عبّر حسن الترابي، في مرحلته الفكرية المبكرة، عن هذا التوجه حين قال إن “الديمقراطية بوابة الإسلام”، ودعا إلى الشورى كنظام سياسي متكامل، وإلى الاجتهاد الجماعي بدل احتكار الفتوى، وإلى تجديد الفقه السياسي بما يتناسب مع العصر غير أن هذه الرؤية، حين اصطدمت بإغراء السلطة، انحرفت جذريًا، وتحولت من مشروع تحرري إلى أيديولوجيا سلطوية، استبدلت سؤال الحرية بسؤال السيطرة، واستخدمت الدين لتبرير الحكم بدل أن تجعله قيدًا عليه في المقابل، تنطلق السلفية النصية من منطلق مغاير تمامًا- النص مكتمل، التاريخ معيار، والواجب هو الاستعادة لا الابتكار. تعتمد الحرفية في فهم النصوص، وتتعامل مع نموذج القرون الأولى بوصفه المثال الأعلى الصالح لكل زمان ومكان وترفض الاعتراف بتغير السياقات وتعقّد الواقع الحديث في هذا التصور، تتحول الدولة إلى غاية دينية في ذاتها، وظيفتها الأساسية “تطبيق الشريعة” كما تُفهم حرفيًا، واستعادة نموذج الخلافة الراشدة وضبط المجتمع بمنطق الولاء والبراء وهل السياسة تصبح امتدادًا للعبادة، ولا يعود هناك مجال للفصل بين المجالين العام والديني هذا الفهم يجعل السلفية النصية عاجزة بنيويًا عن استيعاب الدولة الحديثة بوصفها كيانًا مؤسسيًا معقدًا، فيتم اختزالها إلى جهاز لإقامة الحدود وآلة للرقابة الأخلاقية، وأداة لفرض نموذج واحد على مجتمع متنوع، مع تجاهل كامل لأسئلة الاقتصاد الحديث والعلاقات الدولية، والتعدد الثقافي، وحقوق المواطنة المتساوية وجوهر الخلاف بين المدرستين يتجلى بوضوح في ثلاث قضايا مركزية: مفهوم الشريعة، ومفهوم الدولة، ومصادر التشريع. فبينما يرى الإسلام السياسي الشريعة منظومة مقاصد وقيم أخلاقية عليا، تراها السلفية النصية أحكامًا تفصيلية واجبة التطبيق الحرفي وبينما يتحدث الأول عن دولة مدنية بمرجعية إسلامية، ينتهي الثاني إلى دولة دينية ثيوقراطية. وبينما يجمع الأول بين النص والعقل والواقع والمصلحة، يحصر الثاني التشريع في النص كما فُهم في الماضي التجربة السودانية تمثل المختبر الأوضح لفشل المشروعين معًا. فقد تحوّل الإسلام السياسي، بعد وصوله إلى السلطة، من شعار “الديمقراطية بوابة الإسلام” إلى ممارسة تقوم على “الاستبداد ضرورة لحماية المشروع” واستخدم الدين لتبرير السلطة بدل أن يكون قيدًا عليها، فانتهى إلى انهيار شامل للدولة، رغم السيطرة الكاملة على مفاصلها ثلاثين عامًا. وفي المقابل، ظلت السلفية النصية عاجزة عن تقديم بديل عملي، منشغلة بالجزئيات منغلقة على ذاتها، غير قادرة على فهم تعقيدات مجتمع متنوع كالسودان وتؤكد التجارب المقارنة هذه الخلاصة. فقد أظهر الإسلام السياسي المعتدل قدرًا من النجاح النسبي حين قبل بقواعد اللعبة الديمقراطية، كما في تونس قبل 2021، أو حين تكيف مع بنية الدولة القائمة كما في المغرب بينما قادت الحرفية السلفية، حين وصلت إلى الحكم، إلى كوارث إنسانية وسياسية، كما في تجربة داعش، أو إلى عزلة خانقة كما في طالبان، أو إلى أزمة شرعية مستمرة كما في النموذج الإيراني في قلب هذا السجال تبرز أسئلة القرن الحادي والعشرين- هل تصلح نصوص القرن السابع لحكم عالم شديد التعقيد؟ كيف يمكن التوفيق بين سلطة النص وحرية الإنسان؟ وكيف تُحكم دولة متعددة الأديان والثقافات؟ يجيب الإسلام السياسي بإمكانية الاجتهاد المتجدد، وتجيب السلفية بالاستعادة الحرفية ولكن الواقع يكشف حدود الإجابتين حين تتحولان إلى سلطة درس السودان، المؤلم والواضح، أن الدين لا يحل مشكلات السياسة، بل قد يعقّدها إذا تحوّل إلى أداة حكم وأن النوايا الحسنة لا تبني دولًا، وأن الشرعية لا تُكتسب بالشعارات الدينية بل بالإنجاز والعدالة فالشريعة بلا عدالة تفقد معناها، ولا شرعية لنظام ظالم ولو رفع أقدس الشعارات الحل لا يكمن في العودة إلى الماضي، ولا في تديين الدولة، بل في بناء دولة مدنية ديمقراطية تحترم الهوية الإسلامية دون أن تحتكرها، وتجعل الدستور مرجعية عليا، والمواطنة أساس الحقوق، وفصل الدين عن الدولة ضمانة لحماية الدين نفسه في المجال الخاص الدين أسمى من أن يُختزل في برنامج سياسي، والسياسة أخطر من أن تُترك للفقهاء. والسودان، بعد ثلاثين عامًا من التجربة، يصرخ اليوم-- كفى تديينًا للسياسة وتسييسًا للدين فلنبدأ من الإنسان، ولننتهي إليه، فهو الغاية التي تسبق كل الشعارات وتعلو على كل المشاريع.
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة