المقال الخاتم من احتكار الحقيقة إلى الحرب: كيف أُقصيت المجتمعات في السودان، ولماذا تأخّر التأسيس د. أحمد التيجاني سيد أحمد روما – إيطاليا | ٢٣ ديسمبر ٢٠٢٥ [email protected]
التمهيد: لماذا هذا المقال؟ هذا المقال ليس إعادة سردٍ للأحداث، ولا تلخيصًا لمسارٍ سياسي مأزوم، بل محاولةٌ لتجميع الخيوط البنيوية التي جرى تفكيكها عمدًا في النقاش العام السوداني. فالحرب التي يعيشها السودان اليوم لم تكن انفجارًا مفاجئًا، بل حصيلة مسارٍ طويل من الإقصاء، بدأ مع تأسيس الدولة الحديثة، وتراكم عبر الشمولية، ثم هيمنة الصفوة، وصولًا إلى الفراغ السياسي.
دولة المركز والتهميش: الجذر الصامت للأزمة السودانية الدولة السودانية التي نشأت بعد الاستقلال لم تكن دولة وطنية جامعة، بل دولة مركزٍ سياسي وثقافي واقتصادي. ورثت أدوات الحكم غير المباشر من الاستعمار، ثم أعادت إنتاجها بأسماء وطنية. لم يكن التهميش خللًا عرضيًا، بل وظيفة بنيوية: مركز يقرر، وأطراف تُدار. بهذا المنطق تفجّرت أزمات دارفور، وجبال النوبة، والنيل الأزرق، وشرق السودان، كما قاد إلى إغراقٍ وتدميرٍ غير مسبوقين للحضارة النوبية الكوشية في شمال البلاد، وتهجيرٍ قسري لأهلها بقسوة لا توصف.
السودان: مفارقة الموارد والتخلّف — شهادة مقارنة زار كاتب هذا المقال وعمل في ما يقارب ثمانٍ وثمانين دولة، ولم يجد بلدًا تجتمع فيه مقومات البقاء والتقدم كما في السودان، ولا بلدًا بلغ هذا المستوى من التعطيل الذاتي. الصمغ العربي مثالٌ صارخ: السودان ينتج النسبة الأكبر عالميًا، لكن المنتجين يعيشون في الفقر، بينما تُصدَّر القيمة المضافة إلى الخارج.
حين تتحوّل الحقيقة إلى سلطة من قوانين سبتمبر ١٩٨٣ إلى خطاب المشروع الحضاري، جرى تحويل الدين من مجالٍ للاجتهاد الأخلاقي إلى أداة سلطة. احتُكرت الحقيقة، وأُغلق باب النقاش، وتعطلت التنمية؛ إذ إن التنمية لا تزدهر إلا باحتكاك الأفكار وتفاعل المجتمعات.
منطق الإحلال: الصهيونية الإسلامية بوصفها شمولية عقائدية يُستخدم مصطلح الصهيونية الإسلامية هنا توصيفًا بنيويًا لا دينيًا، لمنطقٍ إحلالي يرى الدولة غنيمة. سياسات التمكين، وتفكيك الخدمة المدنية، وتحويل الدولة إلى شبكة ولاءات، قادت في النهاية إلى عسكرة المجتمع وتآكل مؤسساته.
الصفوة المدنية: حين ورثت منطق الإغلاق بعد ٢٠١٩، لم يسقط منطق الإقصاء، بل تبدّلت لغته. احتكرت صفوةٌ واقعية القرار باسم حماية الانتقال، وأُديرت السياسة من فوق المجتمع، ما عمّق الفراغ بدل أن يعالجه.
لجان المقاومة: عودة السياسة إلى المجتمع مثّلت لجان المقاومة محاولةً نادرة لإعادة السياسة إلى قاعدتها الاجتماعية. غير أن تحييدها، ثم فضّ الاعتصام، كان كسرًا متعمّدًا للوساطة المجتمعية، وقطعًا لمسارٍ كان يمكن أن يحدّ من الانزلاق.
الفراغ السياسي القاتل حين أُغلقت السياسة من جميع الجهات، لم يبق سوى العنف. لم تكن حرب أبريل ٢٠٢٣ مفاجأة، بل نتيجة منطقية لمسارٍ طويل من الإغلاق والتعطيل.
القيادة في زمن الخراب في لحظات الانهيار، تُفرض القيادة بالفعل لا بالخطاب. غير أن تحويل القيادة إلى تأسيسٍ مؤسسي يظل الشرط الفاصل بين بقاءٍ مؤقت وبناء دولة.
الخاتمة: تأخّر التأسيس ما جرى في السودان ليس فشل أفراد، بل تأخّر تأسيس. والتأسيس يعني كسر احتكار المعنى، وإعادة السياسة إلى المجتمع، وتقنين القوة ضمن دولة القانون.
المراجع الأساسية (مختارة) حنة آرندت — أصول الشمولية أنطونيو غرامشي — دفاتر السجن محمود محمد طه — تجديد الفكر الإسلامي تقارير الأمم المتحدة والبنك الدولي حول السودان
تم استخدام الذكاء الاصطناعي كأداة دعم تحريرية وتنظيمية، مع بقاء المسؤولية الفكرية كاملة على عاتق الكاتب.
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة