في زيارة خاطفة للعاصمة القديمة أثارت انتباهي الزحمة الغير عادية بمحلية كرري فلا توجد مقارنة بين صينيتي كبري الحلفايا في شارع المعونة وشارع الوادي فحجم الحركة في الأخير تعادل عشر مرات حجمها في الأول في حين أن الأمر كان معكوسا تقريبا قبل الحرب شارع الوادي أصبح الشارع الأكثر حيوية ومدينة الثورة أصبحت هي (القلب النابض) للخرطوم وحتي محلية امدرمان ذات التاريخ التليد والماضي العريق والتي كان يتغني بها كرمز لكل العاصمة لا يمكن اعتبارها الآن (مدينة) فوسط امدرمان صار الآن (أطراف العاصمة) وغالبية سكان الخرطوم الآن ليس هم السكان الأصليين وإنما هم وافدون من المحليات الاخري أو الولايات تلاحظ ذلك من السؤال الكثير من الركاب عن محطات وأماكن مشهورة جدا بما يشير إلى أنهم حديثو عهد بالمدينة أنا أيضا لم استطع التعرف علي كثير من الأماكن مع أنني قضيت بها عشرات السنين لكنني كنت أقدر المسافات (بالإحساس القديم)
عند منتصف النهار أردت الذهاب إلى الخرطوم (السوق العربي) من المحطة الوسطي امدرمان قيل أنه لا توجد مواصلات الآن !! توجد فقط في الصباح الباكر حيث يستطيع الذاهب أن يعود. معظم دكاكين سوق امدرمان استأنفت نشاطها لكن الإقبال من الجمهور ضعيف جدا لأن جمهور السوق في الماضي كان من كل المحليات السبع بل ومن خارج الخرطوم شارع "الدكاترة" بلا دكاترة !! مسجد امدرمان الكبير مفتوح !! مع أن الساعة واحدة وربع !! سبحان الله !! سألت نفسي: ايأتي الشرُّ بالخير ؟! لكن قبل أن تكتمل فرحتي علمت أن ذلك بسبب عدم وجود الكهرباء !!
أفضل ما قامت به الحكومة هو إزالة العشوائيات لأن من كانوا يسكنون بها باستطاعتهم الآن السكن في مساكن (غير عشوائية) فكثير من الأحياء الآن بدون كهرباء -علي الأقل وبالتالي لا يسكنها إلا المضطرون ربما ذلك في صالح (المساكين) والقادمين من مناطق الهامش فبعض النازحين مؤخرا من دارفور وغرب كردفان لجأوا إلي بعض المنازل غير المأهولة وطردوا منها القطط والخفافيش ولو كان هناك شخص يعيش في راكوبة في أقصي ضواحي كسلا - مثلا يستطيع الآن أن يسكن ولو مؤقتا في منزل (محترم) لأحد أقاربه في الصافية أو الصحافة أجمل ما في الخرطوم الآن أن الناس يبشرون ويستبشرون بالقادمين إليهم وتجد السكان القدامي مع الجدد في حالة تعارف وترحاب .. وتفاؤل
أيضا سررت بوجود أسواق للبيع المخفّض وساءني أن التجار ما زالوا في جشعهم وكذلك أصحاب المركبات العامّة مشوار ربع ساعة بالرجل يكلف ألف جنيه بالمواصلات (عندنا) في الولايات: ألفين جنيه ممكن تسفرك ٥٠ كلم وممكن عادي توفر قروشك لو صادفت بتاع بوكس أو دفار
آلاف البيوت معروضة للبيع حتي في أحياء وصلتها الماء والكهرباء وددت لو أن الحكومة تدخلت لتنظيم بيع وشراء العقارات وسهلت أمر التسجيل ونقل الملكية فعلي عكس ما يحدث في الخرطوم الآن في مدن وقري ولايات الشمال والشرق يلاحظ حركة غير عادية (بل خيالية) لبناء وشراء العقارات هناك إذن (إحلال وابدال) في الولايات والبندر القديم فالمؤكد أن هناك ( إختلاف في الآراء) مما يسهم في إنعاش سوق العقارات فربما يرغب أحدهم ببيع بيته بعطبرة ليشتري (عمارة) في الخرطوم تتسع له ولأولاده فالأسعار ارتفعت هنا وانخفضت هناك فمعظم الأحياء بدون ماء وكهرباء حيث أن الولاية محتاجة لعشرات الآلاف من محوّلات الكهرباء وصارت المدينة منطقة شدّة وبالتالي .. قبلة لرقيقي الحال وربما للشباب الواعد الذين يريدون إبتداء حياتهم من الصفر
هذه التحوّلات في مجملها جيّدة بالرغم من أن الكثيرين لا يرونها كذلك لكن نذكّرهم بأن التوزيع السكاني كان به خلل كبير فالعاصمة القديمة كانت تأوي أكثر من سعتها بست أو سبع مرات بينما كانت بعض الأرياف بالولايات بدون سكان تقريبا الآن يحدث نوع من التوازن فالآن الناس توزّعوا في مئات المدن والقري وهم الآن ينتقلون شيئا فشيئا من السكن الموقت بالأيجار إلي الإستقرار الدائم
الخرطوم في ظرف سنتين أو ثلاث ستمتليء عن آخرها بالطبع خاصة إذا توقفت الحرب قريبا لكن ليس بالضرورة أن يعود ذات السكان فما حدث في الحرب الكثيرون لن يتجاوزوه بسهولة فبعد أكثر من ٣٥ عاما لا يزال بعض الكويتيين "ملاوزين" من العودة بل لا يزال البعض حتي ممن ولدوا بعد الكارثة يعانون من قلق واكتئاب أو ما يسمي في علم النفس (القلق الوجودي) كل ذلك جراء اجتياح الجيش العراقي للكويت عام ١٩٩٠
ينبغي الإنتباه للمتغيرات في حركة السكان ومكان تركّزهم فليس عيبا أن ينتقل مقر جامعة أو مؤسسة إلي كسلا أو عطبرة أو القضارف أو دنقلا ...الخ لأن في هذه المدن تتركز الآن الكثافة السكانية ولهذا تنتقل شيئا فشيئا مشاريع الصناعة والإنتاج. تقلُّص الكثافة السكانية في الخرطوم في صالح عودة العاصمة الإدارية لأن العواصم دائما تكون مدن صغيرة وحتي أن المعيشة بها تكون عالية التكلفة .. سبحان الله .. لقد دارت الدنيا .. وانقلبت الموازين -ولله في خلقه شؤون- وصارت الخرطوم هي (الهامش) الجديد
□■□■□■ نذكّر بالدعاء علي الظالمين فهو دعاء لا شك مستجاب الذين أخرجوا الناس من ديارهم بغير حق وسفكوا الدماء وانتهكوا الأعراض وأخذوا الممتلكات وساموا الناس سوء العذاب
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة