السؤال الذي طرحه أحمد طه المحاور في " قناة الجزيرة مباشر" على الدكتور المحبوب عبد السلام الإسلامي المعروف.. حيث أن هناك في المجتمع الخارجي من لا يريدون للحركة الإسلامية الوجود السياسي، و هي تشكل مأزقا للبرهان فكيف في وجهة نظرك يستطيع البرهان الخروج من هذا المأزق؟ أن إجابة الدكتور المحبوب على السؤال في غاية الأهمية، بدأها أن المسألة في يد الحركة الإسلامية " إذا كان بالفعل البرهان في مأزق" و لم يتحدث المحبوب عن مأزق البرهان الذي جاء في سؤال طه، و لكنه جعل الحل في يد "الحركة الإسلامية" بأن تقدم انتقادات لفترة حكمها التي استمرت ثلاثة عقود متواصل.. و حصر المحبوب حديثه في هذا الجانب لماذا؟ لآن المحبوب يعد واحدا من القيادات السياسية الإسلامية المهتمة بقضايا الفكر و التجديد، الذين ابتعدوا عن الشغل السياسي المباشر بعد المفاصل في 1999م، و ركزوا على عملية البناء الفكري على أسس جديدة، و تنقد التجربة و تؤسس إلي تنظيم جديد ديمقراطي، و أفكار تتلاءم مع شعار الديمقراطية التي تؤسس لوطن مستقر، يتم فيه تبادل السلطة سلميا وفقا لفترات زمنية منصوص عليها دستوريا.. هذه الرؤية ربما تخلق حوارا داخل مواعين الحركة الإسلامية.. و كتاب المحبوب " الحركة الإسلامية السودانية دائرة الضوء و خطوط الظلام" رغم أعتماد المحبوب على السرد التاريخ للوقائع، لكن الكتاب حتوى على أفكار و أسئلة عديدة حول الواقع الجديد الذي يبحث عنه للحركة الإسلامية.. المحبوب عبد السلام لم يكن بمفرده في هذا الاتجاه، انما سبقه إليه عددا من القيادات الإسلامية، و الذين نقدوا تجربة الإنقاذ قبل حدوث المفاصل، و منهم الدكتور الطيب زين العابدين و الدكتور حسن مكي و الدكتور التجاني عبد القادر حامد و الدكتور خالد التجاني و الدكتور محمد المجذوب محمد صالح و الدكتور محمد محجوب هارون و الدكتور عبد الوهاب الأفندي هؤلاء كانوا قد نقدوا التجربة قبل سقوط نظام الإنقاذ، ثم لحق بهم بعد ذلك الدكتور غازي صلاح الدين في عام 2013م بعد حادثة القتل في ثورة سبتمبر، و هناك كان تيار أخر مايزال داخل نظام الإنقاذ، و كان يحاور فكريا في مسألة الإصلاحات داخل النظام و كيفية التحول لدولة ديمقراطية بديلا لدولة الحزب الواحد و منهم الدكتور أمين حسن عمر و الدكتور سيد الخطيب و الدكتور حنفي.. الملاحظ أن هؤلاء جميعا لم يغادروا مرجعيتهم الإسلامية، و لكنهم حاولوا أن يقدموا نقدا للتجربة و يتمسكوا بالديمقراطية كأسس جوهري لعملية تبادل السلمي للسلطة.. و هو الصراع المناط به أن يقدم أطروحاته النقدية، و قدمها من قبل.. أن المفهوم السائد عند كثير من القيادات السياسية الناقدة للإسلاميين، عندما يتحدثوا عن عملية تقديم نقد لتجربة الإنقاذ في مخيلتهم أن النقد يعني أن يعلن هؤلاء مغادرتهم لمرجعيتهم الفكرية، و هذه تعد فهما خاطئا.. لآن فشل التجربة يحدث عندما تكون هناك فجوة كبيرة بين الفكر الذي تحمله و الممارسة، و دائما تحدث عندما تجعل الممارسة هي الأصل و الفكر تابعا، يحدث الخلل فالمراجعة، و النقد هو إعادة النظر في تقديم الفكر على سير الممارسة و فحص الأدوات المستخدمة في التطبيق.. و هنا تأتي إشارة المحبوب بأن القضية ليست مأزق البرهان أنما مأزق الحركة الإسلامية الرافضة لنقد التجربة حتى يحدث الإصلاح ما بين الفكر و الممارسة.. يريد المحبوب أن يضع الحصان أمام العربة.. هو اجتهاد يصيب و يخطئ فيه.. أن قضية الحكم في الإسلام مسألة معقدة و ليست فيها نصوص قطعية، و الاجتهاد فيها يعتمد على التآويل.. و الذي يقرأ مقال الدكتور التجاني عبد القادر الذي شخص حالة الصراع داخل النظام من خلال تحالف بين " رأس المال و القبيلة و الأمن" هو بالفعل ينطلق من نقد حالة البعد بين الممارسة و الفكرة، و هي لا تؤدي فقط إلي فشل للتجربة بل تشكك في المرجعية نفسها.. و هي المسألة التي ينطلق منها المحبوب رغم أن هناك إسلاميين يعتقدون أن المحبوب يحاول أن يتقرب إلي العلمانيين، في محاولة للضغط عليه أن يوقف رؤيته التجديدية.. و هنا يكون مأزق القوى السياسية التي تجعل أفرادها يفكرون خارج أسوارها.. لآن القوى المحافظة التي لا تستطيع أن تفرق بين الفكرة و الممارسة، لا تريد أجتهادات تكلفها حالة من الانتباه المستمر، و ربما تكون قدراتها متواضعة عن فهم الحوار الفكري.. قبل شهر كنت قد أرسلت إلي الدكتور حسن مكي عددا من الأسئلة، و كانت تتمحور حول تصوره لنظام الحكم القادم الذي يضمن استمراريته.. أجاب لابد أن يكون "التمثيل النسبي" لأنه يضمن دخول أغلبية التيارات السياسية و الفكرية في البرلمان الذي يعد ساحة للصراع السياسي.. و هذه خطوة متقدمة جدا في التفكير العقلاني.. دائما المفكر عكس السياسي لانه لا يشتغل بالشعارات، و لا بتاريخية الصراع، بقدر ما يحاول أن ينتج أفكارا تحدث أختراقا في الأزمة الموجودة.. هذا يذكرني: بالفكرة التي كان قد طرحها الدكتور الشفيع خضر في بداية نجاح الثورة في الندوة التي كانت قد اقيمت في جامعة الزعيم الأزهري.. حيث طرح فكرة " المساومة التاريخية بين الإسلاميين و الشيوعيين من أجل نجاح أهداف الثورة" لآن الشفيع كان يعتقد أن سقوط النظام ليس نهاية للإسلاميين، و هم لديهم خبرة أكبر بحكم وجودهم في السلطة مدة طويلة.. و لكن واجهته حملة كبير من حملة الشعارات، و الذين لا ينظرون للواقع بعقلانية.. لآن المسألة كانت كيف تنجح في عملية التحول الديمقراطية، و في نفس الوقت تجد لها قاعدة عريضة لحمايتها..لكن الزملاء الشيوعيين رجعوا لتاريخية الصراع دون النظر للمستقبل.. و المحافظة على سلامة طريق عملية التحول الديمقراطي.. وأن مقولة المفكر الفلسطيني أدور سعيد في كتابه " المثقف و السلطة" يقول ( أن مهمة المثقف و المفكر تتطلب اليقظة و الانتباه على الدوام و رفض الانسياق وراء انصاف الحقائق أو الآفكار الشائعة باستمرار) الأفكار ليست فيها مساومة و المساومة تحدث في الممارسة، و الممارسة الغير محكومة بعدد من مؤسسات الرقابة، تذهب مباشرة في طريق الانحراف.. و المحبوب رجل صديق، لا اعتقد أنه يريد أن يفارق مرجعيته الفكرية، و لكن يحاول أن يفكر في قضايا الحكم من خلال رؤية خلافا لشيخه، و الذي كان يعتمد على مقولة عمر بن الخطاب " إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرأن" و المقولة تبنى على حكم الفرد، و هي فرض الرأي. و يبحث المحبوب عن طريق الديمقراطية الذي يعزز حكم الوعي الذي يؤدي إلي الرأي.. و كلها تفتح منافذ عديدة للحوار.. و نسأل الله حسن البصيرة..
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة