الحرب العالمية الثانية تضع أوزارها : احتفالية بالهدنة

مرحبا Guest
اخر زيارك لك: 08-30-2025, 06:42 AM الصفحة الرئيسية

منتديات سودانيزاونلاين    مكتبة الفساد    ابحث    اخبار و بيانات    مواضيع توثيقية    منبر الشعبية    اراء حرة و مقالات    مدخل أرشيف اراء حرة و مقالات   
News and Press Releases    اتصل بنا    Articles and Views    English Forum    ناس الزقازيق   
مدخل أرشيف الربع الرابع للعام 2009م
نسخة قابلة للطباعة من الموضوع   ارسل الموضوع لصديق   اقرا المشاركات فى شكل سلسلة « | »
اقرا احدث مداخلة فى هذا الموضوع »
11-09-2009, 08:53 PM

عمر علي حسن

تاريخ التسجيل: 09-26-2009
مجموع المشاركات: 3170

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
مكتبة سودانيزاونلاين
الحرب العالمية الثانية تضع أوزارها : احتفالية بالهدنة

    بسم الله الرحمن الرحيم
    كنا في الخامسة والسادسة من أعمارنا نذهب بانتظام للخلوة لنتعلم القرآن والكتابة والقراءة ولنعد إعدادا بدائيا لدخول الكتاب حيث كانت مدينتنا المستنيرة عطبرة تضم ثلاث مدارس أولية (كتاب) ومدرستان (تحت الدرجة) تبلغ جملة أستيعابها سنويا نحو مائتي تلميذ من مجمل الذين بلغوا السادسة أو السابعة من الاف أطفال المدينة التي جمعت الالاف من أبناء السودان بمختلف أجناسهم وقبائلهم ودياناتهم . وكانت بذاتها بوتقة للوحدة والترابط الجميل الذي لم تفسده جهوية ولا عصبية . وكان بين اهلها قدر من التلاحم والتراحم والتكافل والتكامل والتمازج والتوادد الذي يدخل سلسالا من ابوابها المفتوحة ونوافذها المشرعة ليلا ونهارا فلا يتسلل منها الا التحية المفعمة بالحب والرد بأحسن منها وسؤال العابر أن (يتفضل) ويدخل والرد بالشكر والوعد بالزيارة ..

    نشأنا في هذه المدينة التي كانت هدفا من أهداف الحرب العالمية الثانية فهي احدي المدن الاستراتيجية لأنها مركز شريان النقل الرئيسي في السودان لذلك فإن ضربها يخل بحركة نقل الجيوش والمؤن والذخائر ونقل معينات الحياة للمدنيين .. لذلك قامت بها حامية لقوة دفاع السودان - أظنها كانت تدعي (الطوبجية) وربما كان هذا إسما تركيا للمدفعية .. ولعلها كانت قوة ردع متقدم لحماية السكة الحديد من ناحية ومنع القوات المغيرة من الوصول الي مركز الحياة والجكم في الخرطوم .

    نشانا في هذه المدينة في كنف الحرب العالمية الثانية التي لم نحس بأحداثها ولا وقع نيرانها لاننا كنا في سن لاتستوعب الاحداث .. ولكننا تعلمنا ما يتعلمه الصغار من مفردات الكلام الذي يتردد في البيئة المحيطة بنا فامتزجت بكلماتنا الاولي كلمات لاينطقها الاطفال عادة مثل (غارة) و(إنذار) و(طيارة) و(قنابل) و(خندق) ثم تطور قاموسنا مع تقدم أعمارنا اليافعة ليضم مفردات مثل (محور) و(حلفاء) و(هتلر) و(تشرشل) و(موسوليني) نسمعها من آبائنا الذين لاحديث لهم الا عن الحرب .. وتفحت مداركنا علي قيم ثقافية لا تتوافر لاطفال ازمان أخري .. وكنا نعرف تشرشل بسيجاره الضحم وهتلر بشاربه (النص رباط) وموسوليني بشاربه الضخم ولا نخطئ في التعرف علي اي منهم عنما يعرض لنا الكبار صورته في الجريدة ..

    ولأننا كنا بجانب ابائنا فإننا كنا نسمع الراديو الذي يجتمعون حوله في اول المساء امام ديوان عمي الطيب حسن للاستماع لاخبار الحرب من إذاعة برلين الحرة وإذاعة لندن ومنها تعلمنا أن هناك مدنا غير عطبرة والحرطوم وأن العالم أوسع من مخيلاتنا الغضة ..

    وعندما ذهبنا الي خلوة الفكي عمر المجاورة لمنزلنا ونحن في الخامسة كنا نردد كالببغاوات مايلصق بذاكرتنا من أنباء الحرب التي وردت بالراديو أو مما يردده الكبار من إنحياز لهذا الجانب أو ذلك ولكننا لم نكن قادرين علي تبين ماهو صواب وماهو خطأ فرؤي الكبار لم تكن موضع تقييم لمن هم في سننا لذلك كنا نسمع ولا نستوعب ولانابه إن انتصر هذا او ذاك بل اننا لم نكن نحس بخطر الحرب وانما نظنها ضربا مألوفا من ضروب الحياة .. وقد تعلمنا قبل ذلك أن سماع صفارة الانذار يعني اللجوء الي الوالدين اللذين يعرفان اي تصرف ينبغي اتخاذه ..إذن لا باس من الحرب ولا القنابل التي لانعرف عنها سوي دويها ثم بتنا نعرف أن القنبلة تلقي من الطائرة التي يقودها خواجة .. لربما رسخ هذا في نفوسنا شيئا من ارتباط الخواجة بالبطش .. ولازمنا هذا الاحساس أكثر عندما تطور وعينا وفهمنا أن الخواجة هو مفتش المركز ومدير المديرية ومدير السكة الحديد التي يعمل بها آباؤنا .. وكان الخواجات يعيشون في الجانب الشمالي الغربي من عطبرة وعلي شريحة النيل الممتدة حتي ملتقاه مع نهر عطبرة (الاتبراوي) ويسكن بقية خلق الله في نواحي المدينة الاخري .. أضاف هذا لثقافتنا الطفلة بعدا جديدا لشخصية الخواجة ووضعه الخاص .. لذلك كانت تنتابنا هيبة خاصة اذا (وقع) الواحد منا مع أحدهم في أمتحان الشفوي الذي كنا نؤديه ضمن أمتحانات الشهادة الوسطي .. ثم كان لاسماء مثل مستر لانج ومستر براون وفوكسلي وفانستون وغيرهم من المعلمين الانجليز بالثانويات السودنية الثلاثة (وادي سيدنا وحنتوب وخور طقت) رنين وجرس ورهبة في نفوسنا ونحن في السنة الرابعة الوسطي .. علي أن الخواجة الذي يقود الطائرة ويلقي بالقنابل والحمم علي الارض كان محور فهمنا ونحن في الخامسة من العمر ..

    ورغم اننا لم نكن نري لا الخواجة ولا الطائرة الا ان الحديث عنهما كان يتردد بقدر يزحم عقولنا الصغيرة فاصبحنا (نتسامي) عند التقسيم لتيمين للعب كرة القدم واحدا باسم (الطيارة أم ذنب) والآخر باسم (الانجليزي اب شنب) فيختار قائد كل تيم واحدا دون ان يعرف من هو، وكان هذا يضمن عدالة التوزيع ويلزم القائد بمن اختار ولو كان (كيشة) ..

    وكانت قوة دفاع السودان تقوم باستعراض عسكري (طابور سير) في شوارع المدينة - لعل الغرض منه استعراض القوة وطمأنة السكان بانهم تحت الحماية .. وكنا نتجمع لمشاهدة هذا الطابور وتبهرنا اهازيج الجنود وأصداء المارشات العسكرية التي تعزفها الموسيقي وتسير علي وقعها خطي الجنود فتثير الحماس والاعجاب ونظل نركض خلف الطابور حتي يدخل منطقة السكة الحديد ومنها الي الطابية .. ما كنا ندري أن هولاء الرجال هم وقود الحرب .. كانوا يرسمون بزيهم الكاكي الجميل المكون من العمامة والجبة التي يتوسطها (قائش) حزام جلدي عريض وعلي الساقين (قلشين) ملفوف بعناية وشبط جلدي قوي له مسامير تحدث جرسا وصدي موحدا عند السير. ماعلمنا أن هؤلاء الرجال سيدخلون الي أتون المعارك لتسيل دماؤهم دفاعا عن الامبرطورية البريطانية الا عندما جاء عمي ابراهيم ود حامد إبن خال والدي مودعا لنا وهو بكامل بزته العسكرية وسلاحه قبل توجهه مع القوات المتوجهة الي كفرة فتعانق مع ابي وسالت دموعهما وبكينا لبكائهما وبكاء جدي حامد ود مراد ، وعندما أفاقوا سالت ابي عن سبب البكاء وسيل الدموع فعلمت ان الحرب تاكل الجنود وأن عمي ابراهيم قد لايعود منها ولايعرف له قبر ..

    تفتح عندئذ ادراكي لمخاطر الحرب وبدات ثقافتي الطفلة تتسع لاسماء جديدة مثل كفرة والعلمين وروميل وبدانا نستوعب، دون أن نتصور أبعاد خطر الحرب، قصص البطولات اليومية للجند السودانيين في اسمرا وكرن وتسني .. كانت قصص المعارك تروي لنا كما تحدث فنفهم بصعوبة بالغة كيف أن (ثلاث انفار سوداني غلبوا الطليان مجاني) .. ولما جئت للعمل باسمرا بعد ربع قرن من الحرب فهمت القصة وزرت مكان الموقعة بطابية أسمرا فازددت إعجابا وانبهارا بشجاعة الجندي السوداني وكفاءته ..

    وكما ترعرعنا في كنف الحرب ترعرعت الحرب في اعطافنا وكان كل من حولنا يضيفها كمادة الزامية الي ثقافتنا اليومية فاصبح رصيدنا من الثقافة العامة مشبع بالبطولات بل أن استاذنا الشيخ / أحمد محمود واستاذنا الشيخ/ الباقر ونحن في السنة الاولي بمدرسة عطبرة الجنوبية الاوليه كانا يستقطعان من كل حصة ثلاث او اربع دقائق لخبر عن الحرب .. وعند ذاك وفي سن السادسة ونحن في السنة الاولي الاولية بدأنا نفهم أن الحرب أثرت علي الاسعار ولم نفهم لماذا ولكننا راينا السلع تصرف في التموين بالكرت .. وتم منعنا من (سف السكر) .. وادي حرماننا من هذه المتعة لإحداث مرارة في نفوسنا أسست لمواقف معادية للحرب لا تزال تتقد ولا تخبو في نفسي .. سفة سكر لطفل السادسة شيء اكبر من متع الدنيا الاخري ..

    وفي اليوم الثامن من نوفمبر 1944 علمنا من آبائنا ومعلمينا أن الحرب ستضع اوزارها وأن أحتفاء عالميا بوضع السلاح سيتم بالوقوف دقيقة عند الساعة الحادية عشر من اليوم الحادي عشر من شهر نوفمبر عام 1944 .. وبالفعل وفي ذلك اليوم قرعت الاجراس في كل المدارس وأخرجنا من الفصول لحوش المدرسة وبعد الاصطفاف في الطابور المدرسي حضر الناظر ألشيخ/ محمد علي فاضل والمدرسين الشيخ/عباس الذي كان نعاله يطير فوق رؤوسنا اذا لحن أحدنا في القرآن ، والشيخ/ عوض الذي كان سن مسطرته يلهب ظهر يدي من يخطئ في جدول الضرب ثم الشيخان/ الباقر واحمد محمود اللذين كانا من طينة خريجي معهد التربية وكانت حصصهما بردا وسلاما علينا ..

    اضاف الناظر كلمة جديدة الي قاموس معارفنا عندما عرفنا ب(الهدنة) وشرح لنا عن الحرب واطرافها ففهمنا شيئا ولم نفهم اشياء ويبدو أنه كان يخاطب اولاد الفصول العليا

    ثم دوت صفارات الانذار .. مازال صوتها يتردد علي أذني .. كان لها رجع خاص رغم انها هي نفس صفارات الانذار التي كانت تطلق قبل الغارات الجوية .. وحين مات الصوت في الفضاء أخلوا سبيلنا ابتهاجا وانطلقنا الي الشوارع في فرح غامر ليس لأن الحرب وضعت اوزارها وإنما لاننا اصبنا نسمة من التحرر من عبء يوم دراسي ..

    ثم ظللت بعدها في كل عام اتوقف برهة فأذكر الساعة واللحظة التاريخية التي توقفت فيها الحرب التي ولدنا وهي في عنفوانها وصحبتها طفلا الي ان بلغت السادسة فذهبت وبقيت ثقافتها التي نقشت في قلب جيلي وتعلمنا من الايام بعدها ماخلفت من ضيق اقتصادي وتحالفات وحرب باردة وكفاح شعوب ونضال ضد الاستعمار وبشائر نصر بلا حرب هنا ونصر ثمنه مليون شهيد هناك فترعرع شبابنا علي معايشات لا تعرف الوجل ولا تحفل بضراوة الصراع والنزال وتحتفي بالبطولات والابطال في كل مكان وتحني الرأس اجلالا لنجازاكي وهيروشيما وللبطولة كيف كان سمتها وحجمها .. وكلما تبلور الادراك زاد العقل والفؤاد كرها للغزاة والجبابرة اينما وجدوا .. وحينما وقفت بالغا علي المقابر الحربية في اسمرا والعلمين حمدت الله أن عمي ابراهيم ود حامد لم يكن بين أولئك الضحايا .. وأنه عاد الينا سالما ..


    (مقتطف بتصرف من كتابي "طفل في السبعين")


    عمر علي حسن
                  

11-09-2009, 09:24 PM

ابراهيم عدلان
<aابراهيم عدلان
تاريخ التسجيل: 01-04-2007
مجموع المشاركات: 3418

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
مكتبة سودانيزاونلاين
Re: الحرب العالمية الثانية تضع أوزارها : احتفالية بالهدنة (Re: عمر علي حسن)

    حكي طاعم يا سعادتك
                  

11-11-2009, 08:09 PM

عمر علي حسن

تاريخ التسجيل: 09-26-2009
مجموع المشاركات: 3170

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
مكتبة سودانيزاونلاين
Re: الحرب العالمية الثانية تضع أوزارها : احتفالية بالهدنة (Re: ابراهيم عدلان)

    لك التقدير أخي أبراهيم

    وقد ثبت لي أن بالموضوع خطأ سببه سقوط جزء من الفقرة قبل الاخيرة
    حاوت إصلاحه وعجزت بسبب محدودية المعرفة بتكنولوجيا التصحيح وسانتظر مساعدة امير عمر فهو اعرف مني في هذا المجال
                  

11-11-2009, 08:24 PM

Al-Mansour Jaafar

تاريخ التسجيل: 09-06-2008
مجموع المشاركات: 4116

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
مكتبة سودانيزاونلاين
Re: الحرب العالمية الثانية تضع أوزارها : احتفالية بالهدنة (Re: عمر علي حسن)
                  


[رد على الموضوع] صفحة 1 „‰ 1:   <<  1  >>




احدث عناوين سودانيز اون لاين الان
اراء حرة و مقالات
Latest Posts in English Forum
Articles and Views
اخر المواضيع فى المنبر العام
News and Press Releases
اخبار و بيانات



فيس بوك تويتر انستقرام يوتيوب بنتيريست
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة
About Us
Contact Us
About Sudanese Online
اخبار و بيانات
اراء حرة و مقالات
صور سودانيزاونلاين
فيديوهات سودانيزاونلاين
ويكيبيديا سودانيز اون لاين
منتديات سودانيزاونلاين
News and Press Releases
Articles and Views
SudaneseOnline Images
Sudanese Online Videos
Sudanese Online Wikipedia
Sudanese Online Forums
If you're looking to submit News,Video,a Press Release or or Article please feel free to send it to [email protected]

© 2014 SudaneseOnline.com

Software Version 1.3.0 © 2N-com.de