|
التوهان بين سهولة الدوران و مشقة الصعود
|
ما نمر به في هذا الزمان هو تيه بما تحمله كلمة تيه من معانى ...
و كلمة تيه هذه هي كلمة معبرة و رشيقة .. فما أن ُتذكر أمامي حتى يتبادر إلى ذهني صورة عقلية .. يمثلها .. " شخص ما " ... يحاول أن يصعد إلى قمة جبل .. و بدلاً من أن يتسلقه .. فإنه يلف ويدور حوله في حلقات دائرية .. هو يعلم تماماً أنها حركات لن ينتج عنها صعوده لأعلى .. و هو يعلم تماماًَ في نفس الوقت أن أضمن و أقصر " و ربما اسرع " الطرق لصعوده الجبل .. هو في أن يبدأ في تسلقه .. و مع ذلك لا يريد أن يصعد ويصر على أن يدور ويدور ... فالدوران سهل .. و ما أشق الصعود ..
و لذلك فهو مرة يولي وجهه قبل المشرق .. و يظل يلف و يدور .. ثم تعود إليه بعد فترة .. فتجده ما يزال في مستواه لم يصعد درجة واحدة .. فإن سألته لماذا لا تبدأ بالصعود بدلاً من الدوران ؟ .. قال لك إنه رأى فلاناً يدور في حلقات في إتجاه الشرق .. و قد تمكن من الصعود إلى قمة الجبل .. فتقول له و لكنك لست فلاناً .. فلانٌُ هذا تناسبه الحركة الدائرية .. تكوينه يمكِّنه من اللف و الدوران و في نفس الوقت ينتج عن دورانه صعود ... رأيته وقد نظر إليك في إستغراب و كانك قد أتيت من كوكبٍ آخر .. و تتكلم لغة لا يفهمها .. و يواصل دورانه ...
فتتركه ليعاود اللف والدوران.. و لكن هذه المرة وقد ولى وجهه قبل المغرب .. و يظل يلف ويدور .. ثم تأتي إليه بعد فترة .. فتجده ما زال في مستواه .. لم يصعد درجة واحدة .. فتعيد عليه السؤال .. أليس من الأفضل لك ان تصعد؟.. فيرد عليك و لكنني رأيت فلاناً و هو يدور في إتجاه الغرب و قد تمكن من الصعود إلى القمة .. فتقول له و لكنك لست فلاناً .. ففلانٌ هذا يختلف عنك .. لقد تمرس فلان على اللف و الدوران في صعوده .. فينظر إليك في إستغراب و إنفعال .. و يصر على إكمال دورانه و لفه ..
و التيه على أرض الواقع لمن لا يعرفه .. هو نوع من الضلال .. يعرف فيه الشخص كيف السبيل للخروج من المأزق .. بل و تحويل الفشل إلى نجاح و الضعف إلى قوة .. ولكنه يصر على أن يتبع كل طريقة أخرى غير هذا الطريق .. كل طريقة لا تتعبه جسمانياً و لا يبذل فيها مجهود .. طريقة سلبية لا تكلفه سوى أن يقلد الآخرين .. لأنه لا يريد أن يبدع .. لا يريد أن يبذل .. لا يريد أن يضحي .. هو فقط يريد أن يقلد .. و يخفي كسله و يبرره وراء حيلة التقليد ...
و كلنا في حياتنا مررنا بمرحلة تهنا فيها .. عرفنا فيها كيف الخروج من مأزقنا .. و لكننا لم يكن لدينا الإرادة لإتخاذ أول خطوة للصعود بدلاً من الدوران .. لأننا عرفنا ما الذي سيستتبعها من بذل و تضحية .. لذلك فقد درنا حول المشكلة ولم نحاول حلها .. رغم أننا نعرف إين يكمن الحل ...
فالطالب الذي يعرف تماماً أن الطريق إلى نجاحه في دراسته .. هو في تركه للعب و البعد عن مصاحبة الفاشلين .. و مع ذلك يصر على أن ليس هذا هو السبب و يظل يذاكر فقط في آخر شهر .. ثم إذا سألته .. لِمَ يفعل ذلك ؟.. قال لك أن فلاناً الذي يعرفه .. لا يذاكر إلا في آخر إسبوع و مع ذلك ينجح ... فإن قلت له لكنك لست فلاناً .. ففلان قد وهبه الله مقدرة على أن ينجح إذا ما ذاكر لمدة أسبوع واحد .. نظر إليك في إستغراب .. و كأنك تتفوه بكلام لا معنى له .. هذا الطالب هو في تيه ..
و المدخن الذي يعرف أن الطريق إلى إحتفاظه بصحته .. هو في إقلاعه عن التدخين .. و مع ذلك يصر على التدخين .. و يجادل بأن فلاناً الذي عاش أكثر من مائة عام .. كان يدخن منذ أن كان طفلاً .. فإن قلت له بأنك لست فلاناً .. و لا يصح أن تقلد .. و أنه لا يصح إلا الصحيح .. نظر إليك و كأنك مخبول ... هو أيضاً في تيه ...
و نحن في بحثنا في الديموقراطية عن حل لمشاكلنا .. و سبيل لإرتقائنا .. نحن أيضاً نعيش في تيه .. فنحن نعرف تماماً أن الحل في أن نعود إلى جذورنا و أصولنا .. و أن نتمسك بها و نعض عليها ...
و لكننا نعلم تماماً ما الذي يعنيه الإعتراف بأن هذا هو الحل .. نعرف تماماً أنها ليست كلمة نقولها .. بل هي فعلٌ و بذل جهد و تضحيةٌ و معاناة و مشقة .. و لذلك فقد إخترنا الطريق السهل .. طريق الديموقراطية .. طريق التقليد ..طريق اللف و الدوران .. طريق التيه ..
|
|
 
|
|
|
|