التأميم والمصادرة: : : تراجيكوميديا مصادرة مجموعة شركات عثمان صالح وأولاده-المقالة السابعة

شهداء الثورة السودانية من ٢٥ اكتوبر ٢٠٢١ يوم انقلاب البرهان
دعوة للفنانين ، التشكليين و مبدعي الفوتوشوب لنشر جدارياتهم هنا
مرحبا Guest
اخر زيارك لك: 07-02-2022, 05:47 AM الصفحة الرئيسية

منتديات سودانيزاونلاين    مكتبة الفساد    ابحث    اخبار و بيانات    مواضيع توثيقية    منبر الشعبية    اراء حرة و مقالات    مدخل أرشيف اراء حرة و مقالات   
News and Press Releases    اتصل بنا    Articles and Views    English Forum    ناس الزقازيق   
مدخل أرشيف اراء حرة و مقالات
نسخة قابلة للطباعة من الموضوع   ارسل الموضوع لصديق   اقرا المشاركات فى شكل سلسلة « | »
اقرا احدث مداخلة فى هذا الموضوع »
05-19-2016, 01:01 PM

عبدالله محمد سليمان
<aعبدالله محمد سليمان
تاريخ التسجيل: 01-13-2014
مجموع المشاركات: 28

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
التأميم والمصادرة: : : تراجيكوميديا مصادرة مجموعة شركات عثمان صالح وأولاده-المقالة السابعة

    02:01 PM May, 19 2016

    سودانيز اون لاين
    عبدالله محمد سليمان-
    مكتبتى
    رابط مختصر


    المقالة السابعة: الموجة الأولى العاصفة لزلزال المصادرة.
    ثُمَ مَاذَا يَرْبَح الإنْسَانُ لَو صَادَفَ فِي النَاسِ مَنْ يَرُونَ فِي الرَجُلِ مَوْقِعَه، فَيَزِيدُونَ المَنْقُوصَ، ويُزَيِنُونَ الخَاطِئ، ويَنْسِجُونَ الثَنَاءَ مَعَابِرَ لِخُطَاهُ حَتَى لَوْ سَلَكَ بِهِمْ دُرُوبَ المَهَالِك! جعفر محمد نميري – النهج الإسلامي لماذا؟
    جاء زلزال قرارات المصادرة الذي سلك به النميري دروب المهالك - وحوله من حوله من العسكريين والمدنيين رفاق زين له بعضهم الباطل- على شكل ثلاثة موجات متتالية، أولاها واعتاها مصادرة مجموعة شركات عثمان صالح وأولاده وذلك لما صحب قرار مصادرتها من ملابسات. ولعلها الحالة الوحيدة التي سبقها قدر كبير من التعقب والترصد، وتحقيقات مطولة من قبل الجهاز المركزي للرقابة العامة ومن الرقيب العام عضو مجلس قيادة الثورة الرائد زين العابدين محمد أحمد عبد القادر شخصيا، بل واهتم بها رئيس مجلس قيادة الثورة اهتماما بالغا وخصها لوحدها دون سائر المصادرات ببيان مطول أذاعه على المواطنين. واشتملت الموجة الثانية على مصادرة عدد من الشركات فيما عرف ب "القائمة الثانية" أهمها تلك التي تزاول نشاط تجارة الصادر من الحبوب الزيتية والكركدي والصمغ والذرة وغيره. وشملت الموجه الأخيرة "القائمة الثالثة" عددا آخر من الشركات وممتلكات الأفراد، واللافت هذ المرة أن القائمة تضمنت المطاعم والمحلات التجارية والمنشآت الفردية ودور السينما وغيرها من منشآت الأعمال الصغيرة. وسوف نستعرض فيما يلي حيثيات زلزال قرارات المصادرة وموجاتها الثلاثة.
    وكما سبق أن بينا لم يكن قرار مصادرة مجموعة شركات عثمان صالح الوحيد في تلك الفترة فقد سبقه قرار نزع الملكية بالمصادرة من فاروق البرير بحكم أصدرته المحكمة بحقه، ونزع ملكية أراضي الجزيرة أبا من آل المهدي، ومصادرة مطابع تم استيرادها من إيطاليا تخص السيد الإمام الهادي المهدي. كما تزامن معه قرارات أخرى تمثلت في مصادرة ممتلكات رجل الأعمال محمد أحمد عباس ووضع أموال مجموعة من آل المهدي تحت الحراسة، وقد ألمحنا لذلك عند الحديث عن مقدمات وإرهاصات التأميم والمصادرة. إلا أن قرار مصادرة مجموعة عثمان صالح وأولاده كان الأبرز بين تلك القرارات باعتبارها الشركة الرائدة في مجال الحبوب الزيتية فضلا عن أعمالها الأخرى المتنوعة في المجال الصناعي والعقاري وغيره وعلاقاتها التجارية المحلية والخارجية. وقد لعب الجهاز المركزي للرقابة العامة دورا محوريا في كل المراحل المتعلقة بمصادرة هذه المجموعة من الشركات منذ بدايتها وإلى حين إصدار القرار وإذاعته ببيان أعده أحد موظفي الجهاز، وتلاه رئيس مجلس قيادة الثورة جعفر نميري شخصيا. ولقد كانت حيثيات قرار المصادرة أشبه في إخراجها وتنفيذها بالتراجيكوميديا، وهي في عالم الفنون المسرحية تلك التي تجمع بين المأساة والكوميديا ويمتزج فيها الألم بالفكاهة والضحك بالحزن والدموع. وربما كان في خاطر مُلَاك مجموعة شركات عثمان صالح، وهم يعايشون تلك التراجيكوميديا ويعالجونها بما تيسر لهم من الصبر في ذلك الظرف العصيب المزهل، قول القائل:
    إذا مَا أتَاكَ الدَهْر يَوْمَاً بِنَكْبْةٍ فَأفْرِغْ لَهَا صَبْرَاً وَوَسِعْ لَهَا صَدْرَا
    فَإنَ تَصَارِيفَ الزَمَانِ عَجِيبةٌ فَيَوْمَا تَرَى يُسْرَاً وَيَوْمَا تَرَى عُسْرَا
    احتوى تحقيق صحفي ضافٍ أعده الأستاذ طلحة الشفيع على تفاصيل مثيرة حول هذه الموجة العاتية من موجات المصادرة. ونُشر التحقيق في صحيفة الصحافة العدد رقم 2215 بتاريخ 19/5/1970م بعناوين كبيرة تقول: (المشهد الأول والأخير من الخيانة الوطنية – كيف انتهت مسرحية شركات عثمان صالح – يشاركون اليهود في لندن لتصدير محاصيلنا لإسرائيل). ولا يمكن أن تكون أي جهة أخرى غير الجهاز المركزي للرقابة العامة هي المصدر لما أحتوى عليه هذا التحقيق من معلومات، وذلك باعتبارها الجهة الوحيدة التي باشرت تفاصيل عملية المصادرة. وقد جاء في ذلك التحقيق الصحفي بعد المقدمة (من البدايات كانت تصل للسلطة إشارات بلاغية عن لعبة الاحتيال المفضلة التي كانت تمارسها مجموعة شركات عثمان صالح وذلك من العاملين في تلك المؤسسات بالإضافة إلى مؤسسات وطنية أخرى. ولكن عامل الثبوت لم يكن كافيا حتى تتخذ السلطة الإجراء المناسب). الجهة التي كانت تتلقى تلك البلاغات هي الجهاز المركزي للرقابة العامة، والذي لم يكن في ذلك التوقيت قد اكتمل بناؤه التنظيمي واستوفي أجهزته لممارسة صلاحياته التي فصلناها حين استعرضنا قانون الجهاز فيما تقدم، وذلك بحسب شهادة النعمان حسن أحد موظفيه حيث يشير لتسلم الجهاز لشكوى حول وجود تلاعب في مطاحن الدقيق التي تمتلكها شركة عثمان صالح، إذ يقول ( عندما تسلم الجهاز تلك الشكوى لم يكن تكوينه قد اكتمل وكنا أربعة فقط من وزارتي التجارة والمالية منضوين تحت الجهاز بالانتداب وكنت الوحيد من وزارة التجارة وثلاثة من المالية محمد عبد الحليم محجوب نائب الرقيب وعلي المك رحمة الله عليه وأحمد السني). النعمان حسن – مايو: الشاهد والضحية – الحلقة الرابعة. هذا كان حال الجهاز في ذلك الوقت ثلاثة موظفين فقط بخلاف الرقيب ونائبه!
    يمضي الصحفي طلحة الشفيع في التحقيق ليوضح الملابسات التي أدت لذلك القرار العاصف فيقول ( في يوم 11/5/1970م أوفد الرقيب العام تيم من الرقابة العامة برئاسة النعمان حسن وداهموا المطاحن وكان أول لقاء لهم برئيس الحسابات "منير" وهو فلسطيني أردني بالتجنس وفي بداية الأمر تصنع عدم الاهتمام بالمعلومات التي لدي الرقابة ونفى أي لعبة داخل المطاحن. وفي هذا الأثناء اتصل "المواطن الصالح" الذي أبلغ الجهاز بمنير وقال له " أنا من الرقابة العامة أديني نعمان. وكانت لفتة ذكية قال فيها لنعمان "أدراج مكتب منير بها بعض المستندات وإذا خرجت خارج المكتب ستجد الغفير يحرق في الأوراق" وفعلا طلب نعمان من السائق أن يظل مع منير وذهب خلف المكتب فعثر على الغفير يقوم بعملية الحرق فأوقفه وتم إطفاء النار من على برميلين وحمل كل الدفاتر. وفي هذا الأثناء حضر رئيس العمال وبحزم وصرامة المواطن الموجوع جند نفسه للكشف عن الكثير مما يمارس داخل المطاحن. وفعلا حمل النعمان الأوراق وذهب لمكتب منير وواجهه بالأوراق المحروقة والتي أنقذت من الحريق. فقال " إنها أوراق قديمة واصلها موجود عندي وإذا عايزها شيلها").
    وحتى لا نمضي بعيدا في الحيثيات التي تضمنها هذا التحقيق الصحفي الذي نشر في نفس أسبوع قرار المصادرة العاصف، يجب أن نلاحظ أنه لم يكن هناك في حقيقة الأمر فريق للتحقيق مع المسئولين في المصنع، إلا إذا كان المعني بالفريق السيد النعمان حسن و"السائق" الذي تركه يراقب رئيس الحسابات منير وخرج ليتحقق من حرق الأوراق! فالنعمان حسن نفسه يؤكد هذا فيما ورد في مقالاته: مايو الشاهد والضحية بقوله ( كانت الشكوى مقدمة من المحاسب (ن) – وهو "المواطن الصالح" بحسب تعبير التحقيق الصحفي - الذي يعمل في الشركة وفحواها أن هنالك تهرب من ضريبة الانتاج في المطاحن عن طريق تهريب كميات من انتاج الدقيق بعد توقيف العداد حتى لا تظهر هذه الكميات في إحصائيات الانتاج. ذهبت للشركة للوقوف على طريقة العمل ولم تكن هناك لجنة كونت للتحقيق بعد ولم يسعفنا الوقت لتكوين لجنة حيث أن الأحداث تصاعدت بصورة مفاجئة وغريبة، فلقد ذهبت للمطاحن ووقفت على النظام المعمول به في تسجيل الانتاج والأذونات، ووجدت أن هنالك بعض الكميات تنتج بعيدا عن العداد بأذونات خاصة تصدر بأسماء بعض الأفراد والجهات ووقفت على الأذونات وراجعت الصور الموجودة منها بمكاتب الشركة. كانت صور الأذونات خاصة بشخصيات إما لها علاقة بالشركة أو جهات تتعامل معها ولها مصالح فيها، مما يعني أن هذه الكميات تمنح لهم بالمجان لهذا لا تسجل حتى لا تدفع الشركة ضريبة). وانتهى النعمان إلى القول ( أشهد الله أنني وصلت لقناعة بأن الأمر لا يستحق الاهتمام وأن الشكوى ربما يكون داعيها مشكلات شخصية خاصة وأن مقدم الشكوى لم يكشف عن نفسه. حتى يقدم ما يسند الشكوى. وبناء عليه عدت للجهاز وأعلمت نائب الرقيب بما توصلت إليه. ووافقني واعتبرنا الأمر منتهيا هنا وقفلنا الملف).
    لكن النعمان حسن يمضي – بحسب ما ورد في مقالاته: مايو الشاهد والضحية- في سرد وقائع هذه التراجيكوميديا قائلا ( لم يخطر ببالي أنني على موعد مع مفاجأة صباح اليوم التالي. فلقد تلقيت مكالمة ثانية من نائب الرقيب العام يعاتبني كيف أقول أن الكميات محل الشكوى لا ترقى لتشكل مخالفة، وقد اتصل قسم الشرطة بالخرطوم بحري بالجهاز وأبلغوه بأنهم تلقوا بلاغا من سكرتير نقابة عمال المطاحن الذي طلب منهم الحضور للمطاحن لأن الإدارة تقوم بحرق كميات كثيرة من أذونات الدقيق وأنهم قاموا بحجز كميات كبيرة منهم قبل أن تحرق.) نلاحظ هنا اختلاف الروايتين عن واقعة "حرق الأذونات" ما بين مذكرات النعمان حسن التي سجلها بعد أكثر من أربعين عاما من تلك الملابسات، والتحقيق الذي أعده الصحفي طلحة الشفيع بعد تلك الواقعة بأربعة أيام، وأوضح فيه أن عملية الحرق كانت إبان تواجد النعمان بالمصنع وأثناء التحقيق مع المحاسب منير وقد خرج وشاهدها وعاد لمواصلة التحقيق! هذه حقيقة هامة لأنها هي التي غيرت قناعة النعمان ونائب الرقيب وأعادتهم مرة اخرى للمطاحن. يقول النعمان في مذكراته (سارعت نحو المطاحن حيث وجدت الشرطة متحفظة على كميات "مهولة" من الأذونات التي تم اللحاق بها قبل أن يقوم بحرقها أحد العمال من أبناء الجنوب الذي كلف بحرق الأذونات مستخدما صفيحة، وذلك في مكان الأوساخ خلف المصنع. وباستفساره أوضح أنه كلف بحرقها من مدير المطاحن مع صلاة الصبح قبل وصول العمال). نلاحظ أن النعمان يتحدث عن كميات "مهولة" من الأذونات ثم يحدثنا عن "صفيحة" استخدمت للحرق. والصفيحة كما نعلم لا تسع إلا كمية صغيرة مما يعني أن عملية الحرق لن تتم قبل وصول العمال ووقوفهم على جريمة حرق الأذونات وقيامهم بتبليغ الشرطة. فما الذي كانت يمنع إدارة المصنع أن تنقلها بعيدا عنه أو تحرقها في مكان آخر ما دامت بتلك الخطورة. وحتى على افتراض أن الأذونات المستهدف حرقها بكميات "مهولة" فما الذي لا يحمل على الاعتقاد أنها أذونات للكميات المسموح تجنيبها من ضريبة الانتاج حسبما قنع بذلك النعمان نفسه ، أو ربما أن تلك الأذونات تخص سنوات مالية سابقة، أقفلت حساباتها وتمت مراجعتها وتراكمت وحان أوان التخلص منها، أو ربما تكون نسخا لمستندات قديمة يحتفظ محاسب المصنع بأصولها. وعلى كل حال يحدثنا النعمان أنه ترك مسرح الأحداث تحت حراسة الشرطة وعاد للجهاز ويقول (لما أعلمت الرقيب العام ونائبه هرولنا ثلاثتنا للمطاحن وهناك التقينا بالسيد مدير المطاحن بغرض الاستماع لتفسير الحادثة) وحسب الرواية سجل المدير اعترافا كاملا بتهريب الكميات تفاديا لضريبة الانتاج وفعل ذلك كتابة انصياعا لطلب نائب الرقيب العام، وربما خوفا ورهبة من ذلك المشهد الدرامي الذي حضره الرقيب العام بنفسه وبرفقة نائبه والنعمان حسن وقد جاءوا "مهرولين" ليتحقق عنصر المباغتة.
    نعود الآن لرواية الصحفي طلحة الشفيع في التحقيق الذي نشره كما قلنا بعد أربعة أيام فقط من القرار المزلزل بمصادرة مجموعة شركات عثمان صالح مقارنة بمذكرات النعمان حسن التي كتبها بعد أكثر من اربعين عاما. وكان آخر ما وقفنا عنده من تلك الرواية أن النعمان حسن خرج فرأى عملية الحرق وفعلا حمل الأوراق وذهب لمكتب المحاسب منير وقام بمواجهته بالأوراق المحروقة وتلك التي أنقذت من الحريق. فقال " إنها أوراق قديمة واصلها موجود عندي وإذا عايزها شيلها". يمضي التحقيق الصحفي من هناك للقول ( ولكن رئيس العمال فاجأ الجميع عندما قال لمندوب الرقابة المخزن مليان ورق معد للحريق وفعلا تم ملأ ثلاثة جوالات من الأوراق التي كانت ستعدم، وقاموا بإجراء تفتيش داخل المكاتب لكي يعثروا على مستندات عليها الفائض من الردة التي عندما تأتي من المواسير تتعبأ بماكينات آلية، ولكن بعضها لا يسجل في السجل الرسمي. وكما قلت فإن رئيس العمال تطوع بكشف مخابئ وأدوات اللعبة، فأرشد النعمان حسن إلى المخزن وقام تيم الرقابة باستجواب المخزنجي إبراهيم خوجلي وقال في حديثه " كل شيء ماشي تمام يا فندم"). ويمضي التحقيق ليكشف حقيقة لم يوردها النعمان حسن في مذكراته وهي كالتالي (من الأحوال العامة والأعاصير التي هبت على المطاحن والحالة النفسية للعاملين مع اختلاف هذه الحالة لكل من موقفه قررت الرقابة العامة أن تقفل المكتب وتحمل المفاتيح معها كما أخذت المخزنجي ورئيس الحسابات إلى الرئاسة وتم استجوابهما بواسطة الرقيب العام ونائبه ونعمان من الساعة الثانية والنصف ظهرا حتى الحادية عشر مساءً دون أن يبوحا بشيء. بل زادا في الانكار. ونفى رئيس الحسابات عدم تسجيل العائد والمخزنجي قال كل الكميات تسجل وتسلم ولا يخرج شيء بدون إذن الخروج الرسمي المعمول به في المطاحن).
    إذن لقد مارس جهاز الرقابة سلطاته بأسلوب فيه في رأينا كثير من الترهيب والتخويف والضغط وفي ظروف صعبة، حيث وجد المخزنجي ورئيس الحسابات نفسيهما وجها لوجه مع عضو مجلس قيادة الثورة الرقيب العام الرائد زين العابدين محمد أحمد عبد القادر ببزته العسكرية ونائب الرقيب والنعمان حسن ومع كل ذلك أنكرا تهمة التلاعب ودافعا عن الاجراءات المتبعة في المطاحن. ويفاجأنا التحقيق الصحفي بأن ( الرقيب العام توصل بعد فحص البيانات والأوراق إلى أن في الأمر شيء خطير يضر بمصالح الشعب وكانت "المسئولية الثورية" تقتضي مضاعفة التتبع). لم يخطر ببال الرقيب العام ونائبه والنعمان حسن يومها الاستعانة بجهة مهنية تفهم في الحسابات ومراجعتها ومضاهاة احصاءات الانتاج وأذونات الصرف والنظم المحاسبية المتبعة في المطاحن وأوجه الضعف في نظم الرقابة الداخلية المتبعة في المطاحن، بل لم يخطر على بالهم مراجعة مصلحة الضرائب والاطلاع على السجل الضريبي للمطاحن والتأكد من حقيقة التهرب الضريبي ومقداره. لم يخطر ببال الرقيب العام وأعوانه شيئا من هذا حتى يتحقق ولو قدر يسير من الموضوعية والمهنية، وتهيأ المسرح تماما في ضوء ذلك لممارسة "المسئولية الثورية"!.
    فما الذي أفضت إليه هذه المسئولية الثورية؟ يمضي التحقيق الصحفي للقول ( وفي اليوم الثاني قامت الرقابة العامة بتفتيش مكتب رئيس الحسابات وفي مكتب آخر وجدوا الحلقة المفقودة رزم من الأوراق مربوطة، وبعد فحصها اتضح أنها تحمل أوراق جوالات الردة التي لم تسجل في السجل الرسمي) وعلى كل حال يسجل التحقيق تفاصيل الأخذ والرد حول الانتاج من الدقيق والردة والتفاوت في الكميات بين المسجل والأذونات وغير ذلك من التفاصيل ذات العلاقة. ويمضى التحقيق إلى ما وصفه "باللعبة الأكثر تفاهة" فجاء فيه (أن في المطاحن عباءة واحدة " أي ماكينة تعبئة" مخصوصة تعبئ الدقيق للعائلة – أي عائلة عثمان صالح - وكبار العائلات نسبة النظافة فيه 75%، أما الانسان السوداني فهو يأكل دقيق غير صحي إذ أنه في أثناء العبّايات شغاله يتدفق دقيق في الأرض تدوسه أقدام العمال ويبصقون على الأرض بما فيها التمباك ثم تجمع هذه البواقي بأوساخها وتغربل ثم تلقى داخل الطواحين وتعبأ من جديد لكي تباع للشعب السوداني) وسوف نرى أن هذه " اللعبة الأكثر تفاهة" على حد وصف التحقيق الصحفي لها، ستكون واحدة من الأسباب والمبررات الخطيرة للمصادرة والتي لم يغب عن الرئيس نميري أن يتوقف عندها في بيانه لجماهير الأمة السودانية حول قرار المصادرة! وقد تجاوز التحقيق الصحفي واقعة المطاحن وذهب لإيراد عدد من مخالفات رئاسة شركة عثمان صالح وأولاده المتمثلة في استغلال عمال التراحيل ببورتسودان، والتهريب، والتعامل مع اليهود، ووجود مستندات تثبت ذلك من عام 1938 و1942 و1956 إلى عام 1970م، والتلاعب في اسعار الصادر بالاتفاق مع الشركات التي يملكها اليهود بالخارج، وقيام مجموعة شركات عثمان صالح بشراء عقارات تخص أعضاء الجالية اليهودية وتهريب قيمتها للخارج، إلى غير ذلك من المخالفات.
    أما النعمان حسن فيروي في مذكراته ذهابه هو والرقيب العام ونائبة بعد حصولهم على اعتراف المدير العام للمطاحن ومعهم "صفيحة الأذونات المحروقة" في نفس اليوم 14/ 5/1970م، حيث حضروا اجتماعا لمجلس قيادة الثورة بالقصر الجمهوري: ( لم يكن بيدنا الكثير لنقوله لوجود اعتراف المدير العام الذي أوضح كل شيء في اعترافه، لم يكن هناك في هذا الاجتماع من فكر في نوع العقوبة لأن الأمر كله كان مفاجأة لعبت فيه الصدفة ولم ترفع فيه مذكرة مكتوبة من أي جهة أو يطرح حولها مقترح من أي جهة بنوع الجزاء الذي يتخذ وكان الأمر مطروحا للتداول دون أي أجندة أو أي تفكير مسبق). النعمان حسن – مايو الشهد والضحية. علينا إذن أن نفهم بحسب ما يذكره النعمان، وبعد كل هذه الملابسات والتحقيقات في مقر المطاحن ،وإن صدقت رواية التحقيق الصحفي عن ذلك الاستجواب الذي جرى بعد ذلك لتسع ساعات متواصلة في رئاسة الجهاز المركزي للرقابة العامة، وبحضور عضو مجلس قيادة الثورة الرقيب العام الرائد زين العابدين محمد أحمد عبدالقادر شخصيا ونائبه والنعمان نفسه، علينا أن نفهم أن كل هذا كان محض صدفه! وكذلك أن كل ما حدث من ملابسات وتحقيقات وكشف عن عمليات خطيرة ترقي "للتخريب الاقتصادي" لم يستوجب كتابة تقرير أو تدوين مذكرة ترفع لمجلس قيادة الثورة. وعلى كل حال حتى لو اعتبرنا كل الذي حدث هو بالصدفة ولم يرد أصلا التفكير في المصادرة، فإن النعمان حسن يمضي لفصل هو أكثر إثارة ومدعاة للدهشة في فصول هذه التراجيكوميديا، حيث يقول إن حزب الأمة كان عدوا شرسا لمايو وإن محمد عثمان صالح أحد أعضاء الحزب كان يصرح ويهدد ويتوعد مايو بالمواجهة. ويقول إنهم اكتشفوا أن نميري فهم اعتراف مدير المطاحن كنوع من التحدي فقال حسب رواية النعمان، ( يعني الجماعة ديل فاكرين إنهم أقوى من الثورة يعني هم يتحدونا ويقولوا لينا حتعملوا لينا شنو. وهنا وسط صمت ودهشة أعضاء مجلس الثورة وبحضوري ونائب الرقيب صاح النميري قائلا وهو في قمة الانفعال "أقلعوها منهم أقلعوا كل حاجة منهم نشوف هم الأرجل ولا نحن". وكانت اقلعوا أي حاجة منهم هي قرار مصادرة شركة عثمان صالح حيث لم يقف القرار عند المطاحن).النعمان حسن – مايو الشاهد والضحية.
    علينا إذن أن نقتنع برواية النعمان حسن برغم كل التحقيقات والملابسات والاستجوابات وذهابهم مع الرقيب العام وفي نفس اليوم لاجتماع مجلس قيادة الثورة، وهو يعترف بأنه لم يكن ثمة ما يستوجب قرار المصادرة. ثم علينا أن نقتنع أيضا أن نميري هو الذي اتخذ القرار منفردا نتيجة انفعال ولدوافع لا علاقة لها بكل الذي فعله الجهاز المركزي للرقابة العامة الذي ألقى بثقله وأشرك عضو مجلس قيادة الثورة الرقيب العام نفسه ونائبه في التحقيقات مع مسئولي مطاحن الدقيق، وإن قرار المصادرة جاء كرد فعل لموقف محمد عثمان صالح السياسي المؤيد لموقف حزب الأمة ضد مايو و يتحمل وزره نميري وحده! ولابد لنا كذلك أن نتوقف كثيرا عند عبارة "حيث لم يقف القرار عند المطاحن" والتي كانت هي محل اهتمام الجهاز المركزي للرقابة العامة وليس بقية شركات مجموعة عثمان صالح، التي لم تسلم من التهم الجزافية التي لا يقوم عليها دليل. والمدهش أن النعمان حسن قد تم تكليفه بإعداد البيان الخاص بالقرار حيث يقول (فعندما صدر قرار مصادرة شركة عثمان صالح تم تكليفي بالبيان الخاص بالقرار وبالفعل كتبت البيان بنفسي وحمله يومها الرئيس نميري شخصيا وأذاعه بصوته ليعرف السودان لحظتها ما عرف بعد ذلك بالمصادرة) وكما هو معلوم فقد أنكر النميري بآخرة علمه بتفاصيل المصادرات وأنحى باللائمة على الجهاز المركزي للرقابة العامة الذي قام بحله بعد فشل انقلاب 1971م.
    ولن تكتمل هذه التراجيكوميديا المثيرة إلا بإيراد شهادة الرقيب العام نفسه الرائد زين العابدين محمد أحمد عبد القادر حول ملابسات مصادرة مجموعة شركات عثمان صالح. فقد أوضح الرائد زين العابدين في مذكراته أنه بعد أن أعلن رسميا عن قيام الجهاز بدأوا يتلقون "سيلا من الشكاوي" وقد كان السبب لذلك كما ذكر أن الرئيس نميري كان يحث الجماهير في لقاءاته الشعبية وخطبه برفع المظالم للجهاز المركزي للرقابة الإدارية. ثم يقول فيما يتصل بمصادرة مجموعة شركات عثمان صالح:
    ( ذات يوم وردت إلينا شكوى حول مطاحن عثمان صالح للدقيق بالخرطوم بحري، تفيد بأن هناك ممارسات غير مشروعة تمارس في مجال بيع الردة "بوجه خاص" والمتاجرة بها في السوق السوداء. كانت الشكوى عادية تم تحويلها للأخ النعمان حسن أحمد خوجلي للتحقيق فيها بحكم معرفته بالسوق والمعاملات التجارية. كون النعمان فريقا للتحقيق) وقد سبق أن علمنا أنه لم يكن هنالك فريق للتحقيق وأن النعمان أصطحب معه سائقا. ويمضي الرائد زين العابدين للقول (وباشر زيارة المصنع والاطلاع على المستندات. واكتشف وجود مخالفات وتهرب واسع من الضرائب تمارسه إدارة المصنع أثارت هذه المعلومات مجلس الثورة. وذهب بعض الأعضاء إلى أنه بصرف النظر عن حجم المخالفات فإنها ترقى للتخريب الاقتصادي وأن شركات أخرى قد تكون ضالعة هي الأخرى في مثل هذه الممارسات. استدعى المجلس السيد عبدالكريم ميرغني، وكان وزيرا للتخطيط وتربطه بأسرة عثمان صالح صلة قربى وثيقة وطرحنا عليه المعلومات التي توافرت. وتأثر الرجل كثيرا وقال إن ما تم اكتشافه يمثل بالفعل أخطاء فادحة. ذهبت – أنا شخصيا – مع عبد الكريم ميرغني إلى إدارة المصنع وقابلنا توفيق عثمان صالح المدير العام الذي قال إنه لم يكن ملما بتفاصيل كل ما يدور. تبع نشر موضوع المطاحن في الصحف ورود المزيد من الشكاوي حول ممارسات الشركات الأخرى غير أنه وحتى ذلك الحين لم يكن واردا أمر المصادرة أو التأميم وأقصى ما كنا نفكر فيه تقديم المخالفين لمحاكمات) الرائد زين العابدين محمد أحمد عبد القادر – مايو: سنوات الخصب والجفاف - صفحة 102. ونلاحظ من هذه الشهادة أنها تدور حول إنتاج الردة وبيعها وليس الدقيق! ومهما يكن من أمر فإن تصنيع الردة والاتجار فيها ليس نشاطا اقتصاديا استراتيجيا يستلزم كل تلك الدراما والضجة، كما أن التهرب الضريبي من مصنع واحد ولمنتج أو منتجين ومهما كان حجمه لا يمكن أن يكون "تخريبا اقتصاديا"، فالتهرب الضريبي له معالجات في القانون. فكيف ترقي عملية "تهرب من دفع ضريبة الانتاج" على منتج واحد هو الردة في نظر بعض أعضاء مجلس قيادة الثورة، ومهما كان حجم هذه المخالفة أو مبلغ التهرب الضريبي إلى التخريب الاقتصادي؟! ثم ماذا عن رأي الأعضاء الاخرين ومنهم بابكر النور عضو مجلس قيادة الثورة الذي علا صوته معترضا كما سترد الإشارة لاحقا؟
    لقد جاء القرار المزلزل العاصف بمصادرة مجموعة شركات عثمان صالح وأولاده في البيان الذي أذاعه النميري يوم 14/5/1970م مباشرة وبعد ساعات قليلة من اجتماع مجلس قيادة الثورة بالرقيب العام ونائبه والنعمان حسن كما تقدم. سرد فيه الحيثيات التي وبلا شك كانت تعتمد كلها على البيانات التي حصل عليها الجهاز المركزي للرقابة العامة عن المطاحن ولكنها في ذات الوقت وبلا أدنى شك، اعتمدت على الهواجس والاتهامات وربما التلفيقات عن الشركات الأخرى في المجموعة والتي شملها قرار المصادرة. فإذا كانت مخالفات المطاحن نفسها والتي كانت محور اهتمام تحقيقات الجهاز المركزي للرقابة العامة لم تتمخض عن تقرير أو مذكرة ضافية لمجلس قيادة الثورة ليتخذ قرار المصادرة على أساسها، فكيف تسنى الحصول على معلومات مؤكدة عن المخالفات والتهم الغليظة التي وجهها رئيس مجلس قيادة الثورة لشركات المجموعة مبررا بها قرار المصادرة؟. وعلى كل حال بدأ نميري بيانه للشعب بالحديث عن ثورة مايو والتزامها جانب الشعب وتكريمها للرأسمالية الوطنية الغير مرتبطة بالاستعمار. ثم مضى للقول ( وحديث الثورة معكم اليوم يا فصائل الثورة و يا مواطني الأعزاء ألم ممض سببته حقائق قاسية تكشفت لنا عن مؤسسة من مؤسساتنا الوطنية التي أبت إلا أن تغدر بكم بطعن الثورة من الخلف وهي في دأبها المستمر لتبني ما هدمته العهود البائدة ربيبات الرجعية والاستعمار. هذه المؤسسة أيها المواطنون هي مؤسسة عثمان صالح وأولاده ومجموعة شركات عثمان صالح وأولاده. لقد كتب الكثيرون للثورة عنها.. كتبوا عن خياناتها وغدرها .. ولكننا بتسامح الثورة قررنا أن نمد لها يد التسامح علها ترعوى ولعلها تراجع نفسها فتنخرط في مسيرة الشعب الكبرى .. ولكنها كسيدتها الرجعية المحلية التي احتمت بالجزيرة أبا ظنت أن تسامح الثورة غفلة، فاستمرأت الخيانة وراحت تزيد تلطيخ قدميها طينا وقذرا). هذه صياغة النعمان حسن الذي اعترف بإعداده لهذا البيان وفيه يكشف لنا نميري معلومة مذهلة وهي أن "كثيرين" كتبوا عن خيانات مجموعة شركات عثمان صالح، وليس المواطن الصالح "ن" الذي أبلغ عن مخالفات المطاحن، وأقام الجهاز المركزي للرقابة العامة ولم يقعده، إلى أن جاء الرقيب العام ونائبه والنعمان حسن لاجتماع مجلس قيادة الثورة وبحوزتهم المعلومات التي تجمعت لهم نتيجة التحقيقات مع موظفي المطاحن و"صفيحة" السندات المحروقة!
    مهما يكن من أمر فقد مضى نميري في بيانه للشعب يعدد الخطايا و"الخيانات القديمة التي مارستها ضد الوطن" مجموعة شركات عثمان صالح، على حد تعبير البيان، واختار أن يبدأ بأكبر الخطايا التي يستبشعها الشعب السوداني وهي العمالة لليهود "أعداء العرب أعداء المسلمين أعداء البشرية" كما وصفهم وتهريب الأموال لهم! وراح يعدد أسماء أولئك الذين تم التهريب لهم، حبيب كوهين وجاك كوهين والبرت ونسيم قاوون. كما عدد أسماء الذين اشترت شركة عثمان صالح منهم عقاراتهم وقامت بتحويل قيمتها البالغة (92,986) جنيها لهم، فشملت القائمة ألدو سلام وأميليا حنا كوهين وجوزيف وسلمون سولام وسيلين زكاي وبيرتا شوبال وكليمون ميرمون وكلهم من أعضاء الجالية اليهودية الذين عاشوا في السودان وكانت لهم أعمالهم ونشاطاتهم الاقتصادية وممتلكاتهم. وشملت قائمة الخيانة تمويل الرجعية المحلية، والتلاعب بأسعار الصادرات، والوقوف في عداد الخونة ضد قيام هيئة تركيز أسعار بيع الصمغ محليا وعالميا في عام 1962م، والتهرب من الضريبة برفع تكلفة الانتاج لتقليل الأرباح التي تحتسب علها الضريبة والزيادة الوهمية في المصروفات.
    ثم يأتي النميري من بعد ذلك للخطيئة التي شغلت الجهاز المركزي للرقابة العامة وهي قضية المطاحن فيقول في بيانه (لقد فات على مجموعة شركات عثمان صالح وقد مدت الثورة لها حبل الصبر الذي أبت إلا أن تحوله إلى حبل مشنقة تخنق نفسها به، أن الثورة قد خلقت الجهاز المركزي للرقابة العامة أداة لحماية مصالح الشعب، وعينا ساهرة تحمي ظهر الجماهير العريضة، مصدر قوتها وحياتها، حتى تمكن الجهاز في أيام ثلاثة أن يضع يده على وثائق كافية عرتها وكشفت أساليب خيانتها الاقتصادية في مطاحن الدقيق) ثم عدد البيان ما توصل إليه التحقيق مع المسئولين في المطاحن والذي تعرضنا لحيثياته بشيء من التفصيل فيما تقدم وكيف أن المطاحن تتلاعب في الكميات المنتجة وتحتفظ بسجلين أحدهما رسمي يقدم للدولة والآخر خفي لحساباتهم الخاصة. ولم ينس نميري أن يذكر التلاعب في نوعية الدقيق المنتج بدرجة عالية من الجودة يخصون به " كروشهم" على حد قوله، والآخر المشوب بكناسة الدقيق والأوساخ الذي يباع للمواطنين ويعرض حياتهم للخطر وهي إحدى الحقائق المدهشة التي توصل لها الجهاز المركزي للرقابة العامة! وعلينا هنا أن نصدق هذه "الحقيقة المذهلة" التي أبى نميري إلا أن يذكرها وهي بالتأكيد من بعض ما أبلغه به الجهاز المركزي للرقابة العامة، علينا أن نصدق أن صنع وبيع الدقيق الملوث بالشوائب والأوساخ للمواطنين كان فعلا مقصودا ومستمرا وربما هدفا استراتيجيا للمطاحن وبالتالي لمجموعة شركات عثمان صالح! وأي إنسان هذا الذي يمكن أن يصدق مثل هذا القول الذي لا ينطلي إلا على من فقد عقله؟
    وانتهى النميري إلى أن الرأسمالية الوطنية فصيل من فصائل الثورة ولكن ما حدث من مجموعة شركات عثمان صالح لا يمت إلى الرأسمالية الوطنية بصلة. وختم بيانه بالقول (والثورة إذ تكفل لكل مؤسسات القطاع الخاص ما يدعمها ويطورها بما يتلاءم ومصالحها ومصالح البلاد فإنها لا تتهاون في ردع كل من يتلاعب بمقدرات هذا الشعب الأبي).وهكذا صدرت قرارات مصادرة مجموعة شركات عثمان صالح في موجة أولى عاتية من موجات قرارات المصادرة التي زلزلت الاقتصاد السوداني. وبرغم تعهد نميري بأن تكفل الثورة لكل مؤسسات القطاع الخاص ما يدعمها ويطورها كما جاء في آخر عبارات بيانه، إلا أن ذلك التعهد لم يعصمها كلها من أن تتهاوى واحدة تلو الأخرى في موجتين تاليتين من موجات قرارات المصادرة المزلزلة كما سنبين فيما يلي.
    الغريب أن النعمان حسن بعد كل الذي حدث من قبل الجهاز المركزي للرقابة العامة على نحو ما فصلناه، وما جاء ذكره في البيان الذي أعده هو بنفسه للرئيس نميري من حيثيات اشتملت على عمالة مجموعة شركات عثمان صالح لليهود وتهريبهم للأموال وتمويلهم للرجعية المحلية إلخ يقول (لقد تم إعلان مصادرة عثمان صالح بصورة مفاجئة كما أوضحت، ولكن لأن هذه المصادرة حملتها الصدفة وانفعال نميري لم يكن هناك من حسب ما بعدها، ولم يكن المسرح معدا ليحدد مستقبل الشركة التي صودرت ، بل لم يفكر أحد في الأمر رغم أهمية القرار وخطورته. وبقي السؤال حائرا، ثم ماذا بعد فلا الحكومة أو الجهاز المركزي للرقابة العامة كان معدا لهذ الموقف)! النعمان حسن – مايو: الشاهد والضحية. ولا يذكر لنا إن كان هذا الهاجس قد دار بخلدهم هو والرقيب العام ونائبه وهم في حضرة أعضاء مجلس قيادة الثورة ليطلعوهم على "الخطيئة الكبرى" لمطاحن الدقيق او أنهم حاولوا مجرد محاولة ليجادلوا النميري ويثنوه عن قراره المزلزل، أو على الأقل لتأجيل القرار وإخضاع الأمر لمزيد من البحث. لاسيما وهو الذي كتب ما يمكن أن يفهم منه استعداد الجهاز وقدرته على الرقابة وحماية مصالح الشعب في بيان المصادرة الذي كلف بإعداده وأذاعه نميري على الملأ، إذ جاء في البيان "إن الثورة قد خلقت الجهاز المركزي للرقابة العامة أداة لحماية مصالح الشعب، وعينا ساهرة تحمي ظهر الجماهير العريضة". فكيف يمكن أن يستقيم هذا مع حديثه بعد أكثر من أربعين عاما عن أنه لا الحكومة ولا الجهاز كان معدا ومهيئا لمواجهة هذا الموقف! وتجدر الإشارة هنا إلى أن النعمان حسن كُلِف بإدارة مؤسسة أكتومايو التجارية (أي شركة عثمان صالح المصادرة) تحت إشراف الجهاز المركزي للرقابة العامة، كما كُلِف آخرون من وزارة التجارة لإدارة بعض المؤسسات المصادرة لاسيما التي كانت تعمل في مجال تجارة الحبوب الزيتية. وسوف نستعرض في المقالة التي تلي قرارات المصادرة العاصفة التي أعقبت مصادرة مجموعة عثمان صالح وأولاده وطالت مجموعة من الشركات والمؤسسات ومنشآت الأعمال والمحلات التجارية وغيرها في موجتين عاتيتين.




    أحدث المقالات


  • ذكرياتي مع النور الجيلاني دنيا رايحة فايته لا دايمة ليك لا ليا بقلم بدرالدين حسن علي
  • لا حوار و الجو حار بقلم عمر الشريف
  • الجندي القائد والقائد الجندي بقلم ماهر إبراهيم جعوان
  • الديمقراطية / الأصولية... أي واقع؟ وأية آفاق؟.....8 بقلم محمد الحنفي
  • لله درك .. يا ود حبوبة بقلم طه أحمد أبوالقاسم
  • دعوة من رئاسة الجمهورية . . ! بقلم الطيب الزين
  • يعينوهم على (البغاء)!! بقلم صلاح الدين عووضة
  • رئيس البرلمان والملفات التائهة بقلم أسحاق احمد فضل الله
  • شركة كنار وسوق الاتصالات بقلم الطيب مصطفى
  • كوابيس الزمن البدائى شعر نعيم حافظ
  • الضمير الانساني يستيقظ متأخراً متعاطفاً مع مذبحة اطفال هيبان مطالباً بالحظر الجوي بقلم ايليا أرومي
  • بؤرة مخبوءة ..!! بقلم الطاهر ساتي
  • متفرغو الحزب: كالفراشات على نار الطبقة والوطن بقلم عبد الله علي إبراهيم
  • في سجن مديرية الأمن بالبصرة بقلم حيدر محمد الوائلي























                  


[رد على الموضوع] صفحة 1 „‰ 1:   <<  1  >>

تعليقات قراء سودانيزاونلاين دوت كم على هذا الموضوع:
at FaceBook




احدث عناوين سودانيز اون لاين الان
اراء حرة و مقالات
Latest Posts in English Forum
Articles and Views
اخر المواضيع فى المنبر العام
News and Press Releases
اخبار و بيانات



فيس بوك تويتر انستقرام يوتيوب بنتيريست
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة
About Us
Contact Us
About Sudanese Online
اخبار و بيانات
اراء حرة و مقالات
صور سودانيزاونلاين
فيديوهات سودانيزاونلاين
ويكيبيديا سودانيز اون لاين
منتديات سودانيزاونلاين
News and Press Releases
Articles and Views
SudaneseOnline Images
Sudanese Online Videos
Sudanese Online Wikipedia
Sudanese Online Forums
If you're looking to submit News,Video,a Press Release or or Article please feel free to send it to [email protected]

© 2014 SudaneseOnline.com

Software Version 1.3.0 © 2N-com.de