في دحض الأسطورة.. ملخص ورقة "مشروع دولة المواطنة”

مرحبا Guest
اخر زيارك لك: 02-27-2026, 06:32 PM الصفحة الرئيسية

منتديات سودانيزاونلاين    مكتبة الفساد    ابحث    اخبار و بيانات    مواضيع توثيقية    منبر الشعبية    اراء حرة و مقالات    مدخل أرشيف اراء حرة و مقالات   
News and Press Releases    اتصل بنا    Articles and Views    English Forum    ناس الزقازيق   
المنبر العام
نسخة قابلة للطباعة من الموضوع   ارسل الموضوع لصديق   اقرا المشاركات فى شكل سلسلة « | »
اقرا احدث مداخلة فى هذا الموضوع »
02-13-2026, 03:35 PM

محمد جمال الدين
<aمحمد جمال الدين
تاريخ التسجيل: 10-28-2007
مجموع المشاركات: 6180

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
مكتبة سودانيزاونلاين
في دحض الأسطورة.. ملخص ورقة "مشروع دولة المواطنة”

    في دحض الأسطورة أو الرحلة من دولة الأسطورة إلى دولة المواطنة

    ملخص مكثف لورقة "مشروع دولة المواطنة” للكاتب.

    كيف نحرر السلطة من الدم والهوية ونبني دولة تسع الجميع!

    أو:
    الرحلة من دولة الهوية إلى دولة المواطنة.. السودان نموذجًا

    ينتهي زمن الأسطورة كمرجعٍ للسلطة حين تصبح المواطنة والعقد الاجتماعي المصدرَ الوحيد للشرعية؛ لا النسبَ، ولا المذهب، ولا “الأصل المقدس”. عندها تنتقل الدولة من حراسة الدم إلى حراسة الحقوق، ومن تمجيد السلالة إلى صون الكرامة الإنسانية.
    هذه المقالة تنطلق من فرضية مركزية: أن أزمة الدولة في السودان - كما في كثير من دول المنطقة - ليست أزمة إدارة أو ديمقراطية شكلية فحسب، بل أزمة شرعية تأسيسية. فالدولة التي بُنيت تاريخيًا على أسطورة التفوق - عرقًا أو نسبًا أو مذهبًا أو تاريخًا - لم تعد قادرة على إدارة مجتمع متعدد الهويات دون أن تُنتج الإقصاء والصراع المزمن. لقد استنفد نموذج “دولة الأسطورة” تاريخيًا منذ أن تم إكتشاف نموذج آخر للشرعية: دولة المواطنة والعقد الاجتماعي.

    والأسطورة المقصودة هنا، باختصار، هي قصة رمزية تُقدّم بوصفها تفسيرًا للحقيقة، دون أن يكون صدقها التاريخي هو المهم. قيمتها لا تأتي من دقتها الوقائعية، بل من قدرتها على منح المعنى والشرعية.. إذ يتم إستخدامها لتبرير نظامٍ أو سلطةٍ أو فكرةٍ عليا، وتمنح شخصاً أو جماعة ما إحساسًا بالتفرد وبأن لها رسالة خاصةً أو دورًا استثنائيًا في التاريخ. ومن أسطع أمثلتها "المهدي المنتظر"، ولكن ليس ذلك مثالاً حصرياً بل تجليات الأسطورة لا حدود لها.
    1. نهاية زمن الأسطورة في بناء الدولة ولكن ليس مخيال الناس

    في معظم تاريخ البشرية بنيت الدولة على أساطير أصل متفوق: إله، أو سلالة، أو قوم مختارين أو أصفياء، أو رسالة تاريخية. من وادي النيل والرافدين إلى اليونان والفرس والروم إلى الدولة الأموية ثم العباسية وإلخ...، كانت الشرعية تستمد من السماء أو من الدم، لا من الإرادة العامة ولا من تعاقد البشر المتساوين في الحقوق والواجبات.

    في وادي النيل تعاقبت كرمة ونبتة ومروي وعلوة وسنار؛ كل مرحلة/نقلة ألغت رموز سابقه وأعادت تأسيس شرعيتها على أسطورة جديدة وهوية واحدة صمدة. لم يكن ذلك مجرد انتقال ديني أو ثقافي، بل انتقال في مصدر الشرعية: من إله إلى إله، ومن لغة إلى لغة، ومن طبقة حاكمة إلى أخرى، مع إبقاء المجتمع أسيرًا لمعنى واحد “أعلى” للوجود والتاريخ.

    وفي الرافدين ومصر القديمة، كما في اليونان والفرس والروم، نُسب الملوك إلى الآلهة أو إلى “عرقٍ أرقى” ورسالة كونية، فيكون الحاكم فوق المجتمع لا جزءًا منه، لأنه حامل الأسطورة، لا موظفًا عامًا خاضعًا للمساءلة والمحاسبة. هكذا تكرّس نموذج الدولة التي تحكم باسم أصلٍ متخيَّل، لا باسم تعاقدٍ واضح.

    في الفضاء الإسلامي اتخذت الأسطورة شكل “الشرعية القرشية” في مقولة “الأئمة من قريش”. فارتبط الحكم تاريخيًا بالنسب لا بالعقد الاجتماعي. تعاقبت الخلافة الراشدة، والأمويون، والعباسيون، والفاطميون، ثم الأدارسة والسنوسية والحمدانيون، والمهدية والميرغنية في السودان، وغيرها من البيوتات التي ربطت مشروعها السياسي بالنسب إلى النبي، أي إلى قريش، بغض النظر عن دقة هذا النسب تاريخيًا؛ فالمهم أن المخيال السياسي كان يرى القرشية شرطًا للأهلية السياسية. أي أن الدم كان سابقًا على العقد، والنسب سابقًا على الإرادة الحرة للمجتمع.

    هذه السلسلة الطويلة تكشف جوهر “دولة الهوية”: سلطة تستند إلى أسطورة دمٍ أو سلالة، لا إلى تعاقد أنداد متساوين، وتُؤسس على امتياز الأصل لا على مساواة الحق.

    2. دولة الماضي = دولة الأسطورة
    “دولة الهوية” هي دولة الجماعة: أممية، أو قومية، أو مذهبية، أو أيديولوجية. تقوم في جوهرها على أربعة أركان واي منها يتحقق فهي دولة هوية:

    -العرق الواحد الأعلى
    -المذهب الديني/الأيديولوجي الواحد الأعلى
    -التاريخ الواحد الأعلى (الثقافة/المخيال)
    -الجماعة/الأسرة الحاكمة الواحدة تتضمن الفرد الواحد المسيطر.

    هذه الدولة تحتاج دائمًا إلى قصة تفوق - نسب قرشي، أو أصل كوشي، أو قوم مختار، أو رسالة إلهية - لتبرر احتكار السلطة، وتحول التنوع إلى تهديد يجب قمعه لا إدارته. فوجود “آخر” مختلف يصبح خطرًا على الأسطورة قبل أن يكون خطرًا على الدولة، ولذلك لا تُعامل الاختلافات بوصفها ثراءً بل بوصفها خللًا يجب إزالته أو استيعابه قسرًا.

    لكن مع نشوء نموذج دولة المواطنة، بوصفه صيغة جديدة للشرعية، ينتقل السؤال المؤسِّس من “من نحن؟” إلى “كيف نعيش معًا؟”. هنا يصبح نموذج الأسطورة - كمرجعية للحكم نموذجًا تاريخيًا منقضيًا، حتى لو بقي حيًا في الوعي الشعبي والثقافة، لأنه يفقد حقه في تحديد من يحكم ومن يُقصى من السلطة ومن يُمنَح كامل المواطنة ومن يُنتقص حقه في المواطنة.

    3. دولة المواطنة – دولة بلا أسطورة حاكمة

    المقصود هنا ليس قتل الأساطير، ولا محو الذاكرة، ولا تجفيف المخيال الجمعي من رموزه العميقة. فالمجتمعات لا تعيش بلا قصص كبرى، ولا بلا سرديات تمنحها المعنى والطمأنينة والاتصال بالماضي. لكن الفارق الجوهري يكمن في الموقع: هل تحكم الأسطورة الدولة، أم تعيش داخل المجتمع؟
    دولة المواطنة هي دولة بلا أسطورة في مستوى الحكم، لكنها دولة كل الأساطير في مستوى الثقافة والخيال. هي لا تتبنّى سرديةً واحدة بوصفها “الأصل الأعلى” الذي تُشتق منه الشرعية، ولا تسمح لأي رواية تاريخية أو نسب أو عقيدة أن تتحول إلى معيار للحقوق أو شرط لتولي السلطة أو مرجعية للتمييز بين المواطنين.

    تسمح لكل الروايات أن تعيش جنبا الى جنب، وأن تُدرّس، وأن يحتفى بها، وأن تتحول إلى فن وأدب وطقوس ورموز، لكن لا يسمح لأي منها أن تتسلل إلى بنية الدولة بوصفها مصدر امتياز سياسي.

    هنا يتجلّى مبدأ “الاصطحاب لا النفي”:
    لا نلغي الموروث الأسطوري، بل نحيّده سياسيًا.
    لا نصادر الذاكرة، بل نفصلها عن احتكار الحكم.
    نحتفظ به كمخزون ثقافي وروحي وجمالي، مشترك ومتعدد.

    نسمح له بأن يعيش في الفضاء العام، في الجامعات، في الشعر، في المساجد والكنائس والزوايا، في الاحتفالات الشعبية، وفي المخيال الشخصي.
    لكننا لا نسمح له بأن يتحول إلى بابٍ دستوري للامتياز.

    بينما تُدار الدولة بالعقل، والقانون، والمساواة، والتعاقد الحر بين المواطنين الأفراد، لا بين الجماعات المتفوقة والمتفاضلة.

    هكذا تصبح دولة المواطنة دولة “اللا-أسطورة الحاكمة”، لكنها ليست دولة فارغة الذاكرة، ولا دولة منزوعة الروح. هي دولة تفصل بين المعنى والسلطة:
    المعنى يعيش في المجتمع،
    والسلطة تُستمد من العقد الاجتماعي.
    هي دولة تسمح لكل الأساطير أن تبقى وتتنفّس في الفضاء العام، شرط ألا تحكم، وألا تتحول إلى أداة لإعادة إنتاج الهيمنة، وألا تُستخدم كقنطرة إضافية للتسلل إلى السلطة أو لتبرير احتكارها.

    4. السودان وفصل الدولة عن الأسطورة

    السودان بلد الأساطير المتزاحمة.
    ليس هوية واحدة، ولا سلالة بشرية واحدة، ولا سردية أصلٍ واحدة، بل شبكة كثيفة من المرجعيات الأسطورية المتراكبة عبر قرون طويلة، تتداخل فيها الديني بالعرقي، واللغوي بالسياسي، والروحي بالقبلي، والتاريخي بالمتخيّل.

    من طبقات هذه الشبكة:
    كوش وكرمة ونبتة ومروي، بما تحمله من رموز ملوكية ودينية، وآلهة، ولغات، وتمثّلات للأرض والإنسان، وصور عن الملك الإلهي والمركز المقدس؛ تلك اللحظة التي تُستعاد أحيانًا بوصفها أصلًا نقيًا أو مجدًا ضائعًا.

    المسيحية في علوة والممالك النوبية، بما فيها من سرديات الخلاص والقداسة، والارتباط بأورشليم والبحر المتوسط في لحظات تاريخية مختلفة، واستدعاء صورة السودان المسيحي بوصفه امتدادًا لعالم أوسع روحيًا وحضاريًا.

    سنار كنموذج لدولة هوية دينية ولغوية، تربط الشرعية بالمذهب واللغة العربية والتحالفات السلالية والقبلية وشبكات الطرق الصوفية، وتؤسس الدولة على مركز ديني/ثقافي يُعاد إنتاجه في المخيال إلى اليوم.

    العروبة والقرشية وأنساب البيوتات والطرق الصوفية والسياسية التي أخذت شرعيتها من سلسلة أنساب تنتهي بالنبي القرشي، بحيث أصبح النسب ليس مجرد فخر اجتماعي، بل مصدرًا لامتياز سياسي ورمزي.

    المهدية وأساطير الجهاد والمهدي المنتظر، وما صاحبها من رمزية خلاص ووعود بتطهير السودان، بل والعالم، واستعادة “الزمن النقي” السابق للفساد؛ وهي من أوضح النماذج لتحول الأسطورة إلى مشروع دولة.

    سرديات “السودان القديم” بوصفه لحظة نقاء أو وحدة، وسرديات “السودان الجديد” التي سعت إلى بناء هوية جامعة بديلة، لكنها كادت في بعض تجلياتها أن تتحول إلى سردية عليا تنافس غيرها على احتكار تعريف الوطن.
    ودولة 56، التي تُستعاد أحيانًا أصلًا للشرعية الوطنية الحديثة، وأحيانًا أخرى خطيئة تأسيسية يجب القطع معها؛ وفي الحالتين تُختزل الدولة في لحظة رمزية يُراد لها أن تكون معيارًا دائمًا.

    و“كوشية” معاصرة تبحث عن أصل ميتافيزيقي جامع، وتسعى إلى تثبيت لحظة بعينها من الماضي كهوية نهائية للحاضر، كأن التاريخ يمكن أن يُجمَّد في نقطة واحدة تُفرض على الجميع.

    إلى جانب أساطير الطرق الصوفية الكبرى ورموز الأولياء والبركة، وسرديات “أبناء البحر” و“أبناء الجبل” و“أبناء البادية” بوصفها تعبيرات عن طبقات راسخة في المخيال المحلي تُنتج تصنيفات ضمنية للانتماء والقرب والبعد، والأصالة والهامش.

    هذه السرديات ليست خطأ في ذاتها؛ بل هي ثروة رمزية ودليل على عمق التجربة السودانية وتعددها. المشكلة تبدأ حين تتحول إحداها إلى مرجعية عليا للدولة، فتقدم نفسها بوصفها “الأصل الأصح” أو “التاريخ الأحق” أو “الهوية النهائية” التي ينبغي أن يخضع لها الجميع.

    عند تلك اللحظة، تتحول الأسطورة من طاقة ثقافية إلى أداة سلطة، ويتحول التنوع من ثراء إلى تهديد، ويصبح المختلف خصمًا في معركة الأصل لا شريكًا في الوطن.

    فصل الدولة عن الأسطورة، في السياق السوداني، لا يعني إنكار كوش أو اليسوعية او سنار أو المهدية أو الافريقانية او العروبة أو غيرها، بل إعادة تحديد موقعها فقط:
    أن يكون مكانها في الثقافة لا في الدستور،
    في الذاكرة الفردية او الجماعية لا في معيار المواطنة في الرواية الشعبية لا في القصر الجمهوري.

    ويعني ذلك عمليًا:
    أن اسم ومعنى الدولة لا يُشتقان من رواية عرقية أو دينية أو جهوية ولا حتى ايديولوجية.

    أن الدستور لا يمنح امتيازًا تاريخيًا لأي جماعة أو نسب أو إقليم.

    أن المؤسسات تُبنى على عقد اجتماعي يجعل الفرد - لا الجماعة - وحدة الانتماء السياسية.
    وأن المواطنة - لا الهوية الوراثية ولا السردية التاريخية - هي أساس الحق والواجب.

    هكذا تصبح دولة المواطنة في السودان دولة اصطحاب لكل الأساطير والمرجعيات - من كوش إلى العباس، ومن مروي إلى سنار والمهدية، ومن دولة 56 إلى السودان الجديد - لكنها لا تسمح لأي منها بادعاء حق حصري في الحكم أو امتياز في المواطنة.
    الأسطورة تبقى في الثقافة، والعقد الاجتماعي يحكم الدولة.

    5. من سؤال “من نحن؟” إلى سؤال “كيف نعيش معًا؟”

    السؤال عن الأصل، عن الدم، عن العرق، عن النسب، هو الامتداد الطبيعي لدولة الهوية. كلما تعمق هاجس “من نحن؟” بمعناه الجوهري ضاق مجال “كيف نعيش معًا؟” بمعناه السياسي والأخلاقي.

    أما دولة المواطنة فتنطلق من سؤال مختلف جذريًا:
    كيف ننظم العيش السلمي المشترك كمواطنين متساوين في الحقوق والواجبات، مختلفين في الأصول والهويات والمرجعيات!.

    في هذه الحالة وحدها تتحول شرعية السلطة من سلالة إلى صيغة للعيش المشترك ومن نسب إلى عقد إجتماعي، أي:
    من النسب إلى النص الدستوري.
    من الهوية إلى المواطنة.
    من الأسطورة إلى التعاقد.
    من الجماعة المغلقة إلى الإنسان الفرد الحر المشارك في القرار وفق رؤيته الذاتية.

    بهذا الانتقال تفقد الأسئلة عن الأصل مركزيتها السياسية؛ فلا تعود قضايا النسب أو السلالة أو الجذر الثقافي عناصر حاسمة في تقرير الحاكم والمحكوم. ولا مانع أن يظل الناس مهتمين بأنسابهم وثقافاتهم وهوياتهم، وقد يعتزون بها ويبحثون فيها، لكن هذه الاهتمامات تبقى في المجال الشخصي والثقافي، لا في مجال تقرير المصير السياسي للآخرين.

    وهكذا تتحول الأسطورة وسؤال الأصل من “باب سلطة” يُفتح لاحتكار الحكم وتوزيع الامتيازات، إلى “باب معرفة ذاتية” وثقافية، يثري الوعي بالذات دون أن يمنح صاحبه حقًّا إضافيًا في الدولة.

    6. دولة المواطنة كصيغة تاريخية حتمية
    دولة المواطنة ليست خيارًا ثقافيًا بين خيارات، بل ضرورة تاريخية في المجتمعات المتعددة، سواء ظلّت موحَّدة جغرافيًا أو انقسمت، أو اندمجت في أطر أوسع. هي الصيغة الوحيدة القادرة على:

    استيعاب التنوع دون قمعه أو إذابته قسرًا.
    تحويل الاختلاف من مصدر صراع إلى طاقة بناءة.
    ضمان المساواة أمام القانون بلا استثناءات هوياتية.
    إدارة التعدد داخل التعدد؛ أي الاعتراف بالتنوع داخل كل هوية كبرى في نفسها

    كسر احتكار الجماعة للشرعية، وإعادة السلطة إلى تعاقد المواطنين الأفراد.

    لا دولة بلا ثقافة، ولا دولة بلا لغة، ولا دولة بلا تاريخ، ولا دولة بلا رموز. لكنها دولة تفصل بين الرمز والسلطة، وبين الذاكرة والحق السياسي، وبين ما يُلهم المخيال وما يُلزم المواطن من واجبات وما يحق له من حقوق.
    الدولة قد تنقسم إلى شطرين أو أكثر أو تندمج في رقعة جغرافية أخرى، قد تتغير حدودها أو شكلها الإداري، لكن السؤال الفارق يبقى: هل تحكم بالقانون والعقد الإجتماعي أم بالهوية المتفوقة “الأسطورة”.. هذا هو الحد الفاصل بين دولة قابلة للحياة ودولة محكوم عليها بإعادة إنتاج الفشل.

    خاتمة: من إرث الدم إلى أفق الإنسان

    فقط حين نقطع مع الأسطورة كمرجعية للشرعية السياسية يمكن أن نبني وطنًا يسع للجميع:
    العربي والنوبي، المسلم والمسيحي والكجور، الصوفي والسلفي، القبلي والمتمدن، الكوشي والعروبي، دون أن يطلب أحد من الآخر أن يتخلى عن ذاكرته أو يعتذر عن أصله الحقيقي أو المتخيل، لا يهم!.

    الأسطورة تبقى في الثقافة، والعقد الاجتماعي يحكم الدولة. غير أن دولة المواطنة ليست أجهزةً ومؤسساتٍ فحسب، وليست دستورًا مكتوبًا ولا هياكل إدارية فقط؛ بل هي قبل ذلك مخيال ثقافي جديد. هي تحول في الوعي الجمعي، في طريقة تخيلنا لأنفسنا وللآخر، وفي اللغة التي نصف بها الوطن. لا يمكن أن تقوم دولة المواطنة بقانون يُدار بعقلية دولة الهوية؛ لا بد من انتقالٍ في الثقافة، في الخطاب السياسي، في التربية، وفي تعريف الذات الوطنية.
    كما أن تجاربَ المعارضة في ظلِّ دولةِ الهوية في السودان لم تنجح، لأنها – في الغالب – كانت معارضاتٍ هوَيويةً هي الأخرى: عارضت هويةً بهوية، وسعت إلى إسقاط سرديةٍ لتضعَ مكانها سرديةً جديدة، فبقي الصراعُ يدور داخل الإطار نفسه. لم يكن النزاع على شكلِ الدولةِ ومعناها، بل على مَن يحتكر حقَّ تعريفها. لذلك تعثَّرت تلك المشاريع – وبخاصة الأطروحات التي صاغت نفسها في ثنائية “الهامش مقابل المركز” – لأن البديل الذي قدّمته لم يخرج عمليًا من منطق الأسطورة إلى منطق العقد الاجتماعي، بل ظل أسيرًا لهويةٍ مضادّة، لا مشروع مواطنةٍ جامع.

    وشيءٌ أخيرٌ جديرٌ بالتنبيه: إن دولةَ المواطنة ليست مشروعًا مشروطًا بالوحدة الجغرافية، ولا تسقط بالانقسام، ولا تتعطّل في حال الاندماج. هي صيغةٌ صالحةٌ للوحدة والانقسام والاندماج، لأنها ليست وصفًا للحدود، بل تعريفٌ لطبيعة الدولة نفسها. سواء اتسعت البلاد أو انكمشت، وسواء اندمجت في أطرٍ إقليمية أو أعادت تشكيل ذاتها، فإن دولة المواطنة تبقى واجبًا لا يسقط، لأنها “الدولة المشروع” لا “الدولة الظرف”. إنها الصيغة التي تجعل الدولة كيانًا قابلًا للحياة في كل الأحوال، لأنها تقوم على الإنسان لا على الدم، وعلى العقد لا على الأسطورة.

    كل ما نحتاجه هو أن ننقل ولاءنا من الدم إلى الحق ومن الأسطورة إلى العقد الإجتماعي ومن سؤال “الأصول” إلى الكرامة الإنسانية والمسؤولية المشتركة.

    تلك باختصار هي الرحلة: من مخيال الأسطورة إلى العقد الاجتماعي أي من دولة الهوية الى دولة المواطنة!.

    محمد جمال الدين

    (عدل بواسطة محمد جمال الدين on 02-24-2026, 02:21 PM)







                  


[رد على الموضوع] صفحة 1 „‰ 1:   <<  1  >>




احدث عناوين سودانيز اون لاين الان
اراء حرة و مقالات
Latest Posts in English Forum
Articles and Views
اخر المواضيع فى المنبر العام
News and Press Releases
اخبار و بيانات



فيس بوك تويتر انستقرام يوتيوب بنتيريست
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة
About Us
Contact Us
About Sudanese Online
اخبار و بيانات
اراء حرة و مقالات
صور سودانيزاونلاين
فيديوهات سودانيزاونلاين
ويكيبيديا سودانيز اون لاين
منتديات سودانيزاونلاين
News and Press Releases
Articles and Views
SudaneseOnline Images
Sudanese Online Videos
Sudanese Online Wikipedia
Sudanese Online Forums
If you're looking to submit News,Video,a Press Release or or Article please feel free to send it to [email protected]

© 2014 SudaneseOnline.com

Software Version 1.3.0 © 2N-com.de