لغاية تبرر التدمير أحيانًا كما يريد البعض على ما يبدو. وفي سبيل الجيوسياسة، خرجت علينا بعض التصريحات المصرية حديثًا تقول بأنهم لا يعتقدون بأن الإخوان المسلمين متغلغلين في الجيش السوداني، علماً أن نفس الإخوان المسلمين كانت لهم محاولة فريدة ونوعية في اغتيال الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك.
لكن دعونا نرجع لعام 1888م، حيث بدأت الخديوية المصرية بإحكام سلطتها على الكيان الجغرافي المسمى بالسودان وقتها، والذي يضم نهر النيل وكردفان وجزء من دارفور والشرق. وأهم إفرازات هذه الهيمنة هي إقناع الخديوية للسلطات البريطانية والعقيد ونجت باشا بأن يكون مركز استخبارات البريطانيين المتقدم في دنقلا حتى يسهل على المصريين فعل ما يريدون في السودان.
من هناك بدأت المرحلة الثانية للخديويين، والتي تمثلت في تجنيد أكبر عدد ممكن من عمد ونظار وزعماء وتجار وأعيان القبائل المحليين لصالح الخديوية والأنغلوساكسونية، وحشدهم والإشراف على تدريبهم عسكريًا جنبًا لجنب مع عناصر الجيش الإنكلو-مصري. كما تم صرف أكثر من إحدى عشرة ألف قطعة سلاح لقبيلة واحدة فقط، غير القبائل الأخرى، بنهر النيل، لكسر شوكة الدراويش عن “تور شين” نتحدث، كما جاء في العديد من المصادر التاريخية المبذولة في أرشيف جامعة درم البريطانية عن التاريخ السوداني من العام 1880م إلى العام 1889م.
بعد خروج المستعمر الإنجليزي، تُرك الجو والجمل بما حمل، للمصريين، وكان أحد أهم الأجندات التي يسعون لتحقيقها هو جعل السودان حديقة خلفية فارهة للأنظمة المصرية، وضمان جريان مياه النيل حتى دمياط ورشيد في عمق مصر بمنتهى السلاسة والارتياحية، وصولًا إلى البحر المتوسط. فتم توقيع اتفاق مياه النيل فيما عرف باتفاقية 1959م، التي أعطت مصر حصة الأسد وأعطت السودان “خُرت القتات”.
وكان بناء السد العالي بعد أن قامت مصر بتدمير ومسح وسحق أعظم إرث إنساني حضاري تاريخي سوداني تعرفه البشرية، آثار فرعونية قيمة لا تقدر بثمن. وبالتالي اصطادت مصر عصفورين بحجر واحد: تدمير الآثار السودانية ومحو جزء مهم من تاريخ الذاكرة الإنسانية، وإنشاء السد العالي كعمق مائي استراتيجي بمساعدة الجنرال عبود، أسوأ جنرال أنجبته المؤسسات العسكرية العالمية، وعلى أنقاض تاريخ مشبع بتاريخ الإنسان الكوشي.
دعم النظام المصري الدكتاتورية السودانية بكل ما أوتي من قوة في مراحل نشؤها، وكان المصريون كارهين لأي حكم ديمقراطي سوداني، حتى ولو كان مشوهًا. وكان كل السفراء المصريين الذين تعاقبوا على تمثيل مصر في السودان ضباط استخبارات عظام، أكاديميين معاشيين، كما أفاد الباحث المصري والسياسي والدبلوماسي الأسبق الدكتور مصطفى الفقيه. وعند سقوط النميري، لم تقدم مصر شيئًا له، غير سكن في أحد أحياء القاهرة، حتى عاد النميري للسودان وقضى حتفه.
بمجيء الإخوان واستيلائهم على السلطة في يونيو 1989م، رحب النظام المصري بهم واحتفى بقدومهم علي الفور. و بادل أخوان السودان التحية بأحسن منها، فقاموا بمحاولة اغتيال محمد حسني مبارك في بداية التسعينيات، فشلت العملية، وباع أخوان السودان أراضي سودانية عزيزة من السودان ثمنا لحماقتهم الإرهابية هذه، وهي حلايب وشلاتين وأبورماد. استمر النظام المصري في حلب السودان وشعبه أكثر وأكثر، وكان يدعم المعارضة المسلحة السودانية جنبًا لجنب مع إسمرا.
لاحق النظام المصري السودانيين داخل أضابير الأمم المتحدة حتى توجت هذه الجهود المصرية المخزية عام 2017، وكانت الطامة الكبرى، حيث ورد في الأنباء أن مندوب مصر بالأمم المتحده طالب بإبقاء العقوبات الدولية على الشعب السوداني، مما جعل وزير خارجية السودان وقتها بروف غندور يستفسر من مصر عن هذا التصرف. فكان الرد أن أرسل الجيش المصري ارتالًا عسكرية تغلغلت آلاف الكيلومترات في العمق السوداني، وكانت الأسلحة والمدرعات، ولسخرية القدر، متوجهة لمساعدة مناوي في حربه ضد الجيش السوداني في العام 2017. فتصدت لهذه القوات المصرية قوات الدعم السريع وصادرت 180 مدرعة عسكرية محملة بالسلاح الفاخر حتى الحلقوم.
واصل النظام المصري انتقامه ضد الشعب السوداني بعد زوال حكم البشير إلى الأبد، فعندما وصل الدكتور عبدالله حمدوك، تآمرت مصر مع البرهان وطاقمه للإطاحة بحمدوك، الذي كان يحمل خطة ريادية اقتصادية كفيلة برفع اسم السودان عاليًا خفافًا، وهذا يعني أنه سيكون خصمًا على مصر، فوقتها صدر تصريح من المخابرات العامة المصرية بأنهم لا يرغبون في الدكتور حمدوك، وقبل أن يجف كلام مدير المخابرات المصرية، كانت حكومة الدكتور عبدالله حمدوك على أعتاب الأفول.
الآن، وبعد انفجار الوضع في السودان، أصبح التدخل المصري واضحا للعامة عسكريًا وأمنيًا ولوجستيًا لصالح جيش البرهان والمليشيات المصاحبة واضحًا، حيث ضبطت قوات الدعم السريع أكثر من مرة أطنانًا من السلاح المصري الفتاك داخل مخازن وخنادق فلول الجيش السوداني، وحاولت المخابرات المصرية التوسل للدعم السريع أن يجلس معها ويتفاوض بحسب ما جاء في فيديو مبثوث للفريق عبدالرحيم دقلوا، خصوصًا بعد أن توقف صادر الماشية وراد غرب السودان إلى الأسواق المصرية.
خلاصة الكلام:
إن مصر لا تريد خيرًا البتة للشعب السوداني في شيء. ودونك المبالغ الباهظة التي يطلبها الأمن المصري بحجة التدقيق الأمني لمنح التأشيرة للسودانيين، ولقد تجاوز المبلغ ألفي دولار أميركي، وقبل ذلك مجزرة الأمن المصري في حق عشرات اللاجئين السودانيين في حديقة مصطفى محمود بالقاهرة. وربما يقول قائل: وماذا عن ملايين السودانيين الذين هربوا إلى مصر ورحبت بهم مصر؟ الإجابة باختصار، بالرغم من أن معظم السودانيين الذين ذهبوا إلى مصر فرارًا من الحرب دخلوا ومعهم آلاف الدولارات لكن أيضا ساهم هذا الكم الكبير من السودانيين في ضخ العملة الصعبة للخزانة المصرية، صوصًا مليارات الدولارات الخاصة بأهل النظام الإخواني الهارب..
إذن، الأمر لا علاقة له البتة بالمن والسلوى من جانبهم كما يظن بعض المصريين، والخطوط الحمراء التي يتحدث بها المصريون واقع الأمر هو شكل حديث من أشكال الاستعمار والاستحمار ضد الشعب السوداني، ينبغي رفضه جملة وتفصيلاً وبكل السبل الحضارية الديمقراطية والدبلوماسية..
شاركها
01-01-2026, 11:05 AM
محمود الدقم محمود الدقم
تاريخ التسجيل: 03-19-2004
مجموع المشاركات: 14297
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة