يُمثِّل كتاب "المدنية الآثمة" (2022) للدكتور الوليد آدم مادبو منعطفاً نقدياً في الخطاب السياسي السوداني ما بعد ثورة ديسمبر. فالكتاب لا يزيد من سجِّل الاتهامات التقليدية الموجهة للعسكر أو الإسلاميين، بل يختار المسار الأكثر وعورة: محاكمة النخب المدنية من داخل منظومتها الفكرية، ليطرح "المدنية" ليس كمشروع بريء مُطلقاً بل كفضاء أخلاقي مُخترَق تتجاذبه تناقضات من يدَّعون الدفاع عنه.
الخلفية الفكرية- الزلزال النقدي من الداخل صدر الكتاب في لحظة سياسية بالغة الحساسية، ليُحدث ما يشبه "الهزة النقدية" داخل الوعي المدني السوداني. لم يتوقف مادبو عند نقد ممارسات المدنيين، بل تجاوز ذلك إلى تفكيك خطاب المدنية ذاته، مفرقاً بين المدنية كـ"نظام حكم" والمدنية كـ"خطاب وسلوك".
تتركز أطروحة الكتاب في كشف التحوُّل الذي طرأ على مفهوم المدنية لدى بعض النخب، من مشروع تحرُّري إلى أداة هيمنة ناعمة، تتوارى خلفها علل سياسية وأخلاقية عميقة
المدنية الآثمة هي الحالة التي تتحوَّل فيها المدنية من قيم حاكمة إلى شعارات جوفاء، تُرفع في الخطاب بينما تُنتهك في الممارسة عبر إقصاء الخصوم، وتوظيف الهويات، وغياب النزاهة، واستنساخ آفات النظام القديم تحت عناوين جديدة.
ينتمي الكتاب إلى تقليد نقدي يربط بين الدولة والمجتمع والسلطة الأخلاقية، مقدِّماً تشريحاً لواقع سوداني مُعقَّد، حيث تتداخل المظلوميات التاريخية مع إخفاقات النخب الحديثة.
منهج التحليل: التشريح المتعدد المستويات اعتمد مادبو منهجية تحليلية متعددة الأبعاد، منحَت كتابه عمقاً تشخيصياً متميزاً- المستوى الأخلاقي - أزمة القيم المؤسِّسة يرى الكاتب أن المدنية طُرحت كـ"وعد لفظي" دون تأسيس أخلاقي متين، مما جعلها قابلة للاختراق والاستغلال. المستوى الاجتماعي الثقافي - تشريح النخب يتناول الكتاب آليات استحواذ طبقات فوقية على الحراك الثوري، وتحويله من مشروع تحوُّل شامل إلى صراع على النفوذ والامتيازات، مع إقصاء متزايد للمجتمعات المحلية والريفية. المستوى السياسي -: ثمن التناقض يركز على النتائج العملية لهذا القصور الأخلاقي: فشل التحالفات المدنية، وغياب المشروع الوطني الجامع، وسوء إدارة التنوع، مما أضعف الموقف المدني في مواجهة المؤسسة العسكرية.
لقد تجاوز الكتاب التحليل السياسي المباشر إلى تأسيس "محكمة قيمية" داخلية تُحاكم الفعل المدني ذاته، وهذا ما منحه صفة النص المُقلق وغير المُريح.
القيمة الفكرية حماية المبدأ بالنقد الذاتي تكمن الجرأة الفكرية للكتاب في محاولته إنقاذ فكرة المدنية من خلال نقد ممارسات المدنيين. فهو يقدِّم دفاعاً غير تقليدي عن المدنية، عبر إعادة تعريفها كـ"موقف أخلاقي" قبل أن تكون "موقعاً سياسياً".
إسهامات الكتاب الرئيسية التفكيك البنيوي للخطاب كشف التناقض بين الخطاب المدني الشكلي والممارسات السياسية اليومية، مجبراً القارئ على التساؤل: هل المدنية مشروع إصلاحي حقيقي أم مجرد أداة صراع؟
مواجهة المسكوت عنه تقديم نقد داخلي جريء في وقت اعتادت فيه النخب المدنية توجيه الاتهامات للخارج فقط، مما يمثِّل خطوة نحو النضج السياسي.
التأسيس للبديل الدعوة إلى "مدنية أخلاقية" تقوم على الصدق الداخلي، والنزاهة، والاعتراف بالتنوع، بدلاً من مدنية الشعارات والامتيازات.
يضع الكتاب مرآة قاسية أمام القوى المدنية: إذا عجزت عن محاسبة تناقضاتها الداخلية، فلن تستحق الثقة في قيادة التحوُّل الديمقراطي، ولن تملك القوة الأخلاقية لمحاسبة خصومها. نحو مدنية مصالحة مع الذات يُقدِّم مادبو خلاصة مُرَّة لكنها ضرورية: "لا خلاص للسودان دون مدنية، ولا مدنية دون صدق داخلي". فالكتاب لا يدعو إلى التخلي عن المشروع المدني، بل إلى تخليصه من النفاق الداخلي الذي يُهدِّد جوهره. يُمكن قراءة "المدنية الآثمة" كجزء من جهد تأسيسي يُعيد تعريف المعركة السياسية في السودان، محوِّلاً إياها من صراع خارجي بحت إلى معركة ذاتية من أجل الاتساق الأخلاقي. إنه نصٌّ يحرس الحلم المدني ليس بالتمجيد الأعمى، بل بالتطهير النقدي من الداخل، محوِّلاً المدنية من شعار يُرفع إلى سلوك يُمارَس في الواقع اليومي. في النهاية، الكتاب دعوة ملحَّة للمدنيين السودانيين كي يبدأوا مشروع التحوُّل من الداخل، فـ"المدنية الآثمة" التي يحذر منها مادبو ليست عدواً خارجياً، بل هي الخطر القادم من داخل البيت المدني ذاته.
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة