مقالات مفيدة تهم المجتمع و الأسرة و الشباب...

نعى اليم ...... سودانيز اون لاين دوت كم تحتسب الزميل إدريس محمد إبراهيم فى رحمه الله
توفى اليوم ابن العم والبوردابي الشاعر إدريس محمد إبراهيم
بورداب الرياض ينعون زميل المنبر الشاعر ..إدريس محمد إبراهيم
مرحبا Guest
اخر زيارك لك: 08-13-2020, 03:14 AM الصفحة الرئيسية

منتديات سودانيزاونلاين    مكتبة الفساد    ابحث    اخبار و بيانات    مواضيع توثيقية    منبر الشعبية    اراء حرة و مقالات    مدخل أرشيف اراء حرة و مقالات   
News and Press Releases    اتصل بنا    Articles and Views    English Forum    ناس الزقازيق   
المنبر العام
نسخة قابلة للطباعة من الموضوع   ارسل الموضوع لصديق   اقرا المشاركات فى شكل سلسلة « | »
اقرا احدث مداخلة فى هذا الموضوع »
07-08-2020, 11:52 AM

سيف اليزل برعي البدوي
<aسيف اليزل برعي البدوي
تاريخ التسجيل: 04-30-2009
مجموع المشاركات: 18170

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
مقالات مفيدة تهم المجتمع و الأسرة و الشباب...

    11:52 AM July, 08 2020

    سودانيز اون لاين
    سيف اليزل برعي البدوي-
    مكتبتى
    رابط مختصر



    الاستغفار هو طلب الغفران من الله باللسان والقلب، وهو من الأذكار التي يعظم ثوابها لما يترتب عليه من محو الذنوب وغفرانها، قال الله تعالى:{وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللهَ يَجِدِ اللهَ غَفُورًا رَحِيمًا}(النساء:110). وهو ـ الاستغفار ـ سبب لجلب النعم ودفع النقم, وتحصيل الرحمة والأرزاق، كما قال الله تعالى عن نوح عليه السلام: {فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا}(نوح:10-12). وقال تعالى فيما قصَّه عن هود عليه السلام أنه قال: {وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ}(هود:52)، وقال سبحانه: {وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ}(هود:3)، وقال: {لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ}(النمل:46).

    ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم كان كثير الاستغفار، لا يَدَع وقتاً يمر عليه دون ذكره لله عز وجل واستغفاره، ومع أنه قد غُفِرَ له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فهو العبد الشكور، والنبي الشاكر، والرسول الحامد، قال الله تعالى له: {لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ}(الفتح:2)، قال ابن كثير: ".. عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم: {لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ} مرجعه من الحديبية، قال النبي صلى الله عليه وسلم: لقد أنزلت علي آية أحب إلي مما على الأرض، ثم قرأها عليهم النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: هنيئاً مريئاً يا نبي الله، لقد بين الله عز وجل ماذا يفعل بك، فماذا يفعل بنا؟ فنزلت عليه: {لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ} حتى بلغ: {فَوْزًا عَظِيمًا}(الفتح: 5) أخرجه البخاري ومسلم في الصحيحين". وعن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى قام حتى تفطر رجلاه. قالت عائشة : يا رسول الله! أتصنع هذا وقد غُفِرَ لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟! فقال صلى الله عليه وسلم:يا عائشة أفلا أكون عبْداً شكورا) رواه مسلم.
    ومن المشهور والثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم ـ في سيرته وسنته ـ أن لسانه كان لا يفتر من ذكر الله عز وجل وكثرة استغفاره، والأحاديث الصحيحة الواردة في كثرة وكيفية استغفاره صلى الله عليه وسلم كثيرة، منها: ما رواه البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (والله إنِّي لَأستَغفرُ اللَّهَ وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة). وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنه قال: (إن كنا لنعد لرسول الله صلى الله عليه وسلم في المجلس الواحد مائة مرة: رب اغفر لي وتب عليّ إنك أنت التواب الرحيم) رواه أبو داود وصححه الألباني. وعن الزبير رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من أحب أن تسره صحيفته، فليكثر فيها من الاستغفار) رواه الطبراني وصححه الألباني.

    صيغة الاستغفار :

    الاستغفار يحصل بكل صيغة تدل على طلب المغفرة من الله عز وجل، والأفضل هو الصيغ المأثورة عن النبي صلى الله عليه وسلم، ومنها: ما رواه مسلم عن ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم: (كان إذا انصرف من صلاته قال: أستغفر الله ثلاثاً). وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان من آخرِ ما يقولُ بين التشهُّدِ والتَّسليمِ (اللهمَّ اغفرْ لي ما قدَّمتُ وما أخَّرتُ، وما أسررتُ وما أعلنتُ، وما أسرفتُ، وما أنت أعلمُ به مِنِّي، أنت المُقدِّمُ وأنت المُؤخِّر، لا إله إلا أنتَ) رواه مسلم. وعن زيد بن حارثة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من قال: أستغفر الله العظيم الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه، غُفِرَ له وإن كان فرَّ من الزحف) رواه الترمذي وصححه الألباني.
    وأما أفضل وسيد الاستغفار فهو كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (سيد الاستغفار أن تقول: اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك عليّ، وأبوء بذنبي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، ومن قالها من النهار موقنا بها فمات من يومه قبل أن يمسي فهو من أهل الجنة، ومن قالها من الليل وهو موقن بها فمات قبل أن يصبح فهو من أهل الجنة) رواه البخاري. والأحاديث الصحيحة الواردة في كيفية وصيغ استغفار النبي صلى الله عليه وسلم كثيرة .

    فائدة :

    ربما يتساءل أحد فيقول: لماذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يستغفر مع أنه صلوات الله وسلامه عليه معصوم من الخطأ؟ ويستشهد بقوله صلى الله عليه وسلم: (اللهمَّ اغفرْ لي خطيئَتي وجَهلي، وإسرافي في أمري، وما أنت أعلمُ به مني. اللهمَّ اغفِرْ لي جَدِّي وهَزْلي، وخَطئي وعمْدي، وكلُّ ذلك عندي. اللهمَّ اغفرْ لي ما قدَّمتُ وما أخَّرتُ، وما أسررتُ وما أعلنتُ، وما أنت أعلمُ به مني، أنت المُقَدِّمُ وأنت المُؤخِّر، وأنت على كلِّ شيءٍ قدير) رواه مسلم، وقوله صلى الله عليه وسلم: (إنه ليُغان (يغطى) على قلبي، وإني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة) رواه مسلم.
    والجواب : في شرح سنن ابن ماجه: "والاستغفار منه صلى الله عليه وسلم مع أنه قد غُفِرَ له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ليس لمغفرة الذنوب، فإن الأنبياء عليهم الصلاة والتسليمات معصومون من الكبيرة والصغيرة على الأصح". وقال النووي في شرحه لقول النبي صلى الله علي وسلم: (وإنه ليغان على قلبي): "قال القاضي عياض: قيل: المراد الفترات والغفلات عن الِذكر الذي كان شأنه الدوام عليه، فإذا فتر عنه أو غفل عدَّ ذلك ذنباً، واستغفر منه، قال: وقيل هو همه بسبب أمته، وما اطلع عليه من أحوالها بعده، فيستغفر لهم، وقيل: سببه اشتغاله بالنظر في مصالح أمته وأمورهم، ومحاربة العدو ومداراته، وتأليف المؤلفة، ونحو ذلك، فيشتغل بذلك من عظيم مقامه، فيراه ذنباً بالنسبة إلى عظيم منزلته، وإن كانت هذه الأمور من أعظم الطاعات، وأفضل الأعمال، فهي نزول عن عالي درجته، ورفيع مقامه من حضوره مع الله تعالى، ومشاهدته ومراقبته وفراغه مما سواه، فيستغفر لذلك".
    وقال القرطبي في تفسيره لقول الله تعالى: {فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ}(غافر:55). "قيل: لذنب أمتك حُذِفَ المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه. وقيل: لذنب نفسك على من يُجَوِّزُ الصغائرَ على الأنبياء. ومن قال لا تجوز قال: هذا تعبد للنبي عليه الصلاة والسلام بالدعاء، كما قال تعالى: {وَآَتِنَا مَا وَعَدْتَنَا}(آل عمران:194)، والفائدة زيادة الدرجات وأن يصير الدعاء سنة لمن بعده". وقال ابن حجر في فتح الباري: "وقال عياض: يحتمل أن يكون قوله: (اغفر لي خطيئتي)، وقوله: (اغفر لي ما قدمتُ وما أخَّرْتُ) على سبيل التواضع والاستكانة والخضوع والشكر لربه لما علم أنه قد غُفِرَ له".

    الاستغفار دعاء وقربة إلى الله تعالى، وكثرة استغفاره صلى الله عليه وسلم التي وردت في أحاديث كثيرة صحيحة وهو مغفور ما تقدم من ذنبه وما تأخر، إنما ذلك من أجل العبادة والزيادة في درجاته، والتعليم لأمته ليقتدوا به في كثرة استغفاره، قال النووي: "وَاسْتِغْفَارُه لإِظْهَار الْعُبُوديَّة والافْتقار ومُلازمة الخشوع وشُكْراً لِمَا أَوْلاه"، وقال القسطلاني في "إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري": "كان صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك الاستغفار إظهاراً للعبودية، وافتقاراً لكرم الربوبية، أو تعليماً منه لأمته، أو مِن ترك الأولى، أو قاله تواضعاً، أو أنه صلى الله عليه وسلم لمّا كان دائم الترقي في معارج القرب، كان كلما ارتقى درجة ورأى ما قبلها دونها استغفر منها".
    إسلام ويب...
    الكنز الذي ستندم عليه إن تجاهلته؟؟؟!!!

    الكنز الأول:اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات
    قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (من استغفر للمؤمنين والمؤمنات كتب الله له بكل مؤمن ومؤمنة حسنة(
    الراوي: عبادة بن الصامت - خلاصة الدرجة: حسن - المحدث: الألباني - المصدر: صحيح الجامع - الصفحة أو الرقم6026

    الكنز الثاني: سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم
    قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله و بحمده، سبحان الله العظيم)
    الراوي: أبو هريرة - خلاصة الدرجة: صحيح - المحدث: الألباني - المصدر: صحيح الجامع - الصفحة أو الرقم: 457

    الكنز الثالث :قراءة ما تيسر من القرآن
    قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (من قرأحرفا من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول {الم} حرف و لكن: الف حرف، و لام حرف، و ميم حرف)
    الراوي: عبدالله بن مسعود - خلاصة الدرجة: صحيح - المحدث: الألباني - المصدر: صحيح الجامع - الصفحة أو الرقم: 6469

    الكنز الرابع : قول الحمد لله
    قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (الطهور شطرالإيمان، والحمد لله تملأ الميزان، وسبحان الله والحمد لله تملآن ما بين السماء والأرض، والصلاة نور، والصدقة برهان، والصبر ضياء، والقرآن حجة لك أو عليك، كل الناس يغدو، فبائع نفسه،فمعتقها أو موبقها).
    الراوي: أبو مالك الأشعري - خلاصة الدرجة: صحيح - المحدث: الألباني - المصدر: صحيح الجامع - الصفحة أو الرقم: 3957

    الكنز الخامس:سبحان الله عدد ما خلق سبحان الله ملء..الحديث
    عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: رآني النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأنا أحرك شفتي فقال لي: (بأي شيء تحرك شفيتك ياأبا أمامة؟) فقلت أذكر الله يارسول الله، فقال: (ألا أخبرك بأفضل أو أكثر من ذكرك الليل مع النهار و النهار مع الليل؟ أن تقول: سبحان الله عدد ما خلق، سبحان الله ملأ ماخلق، سبحان الله عدد ما في الأرض و السماء، سبحان الله ملأ ما في السماء و الأرض، سبحا ن الله ملأ ما خلق، سبحان الله عدد ما أحصى كتابه، و سبحان الله ملأ كل شيء، و تقول: الحمد الله، مثل ذلك).
    الراوي: أبو أمامةالباهلي - خلاصة الدرجة: إسناده حسن رجالهثقات - المحدث: الألباني - المصدر: السلسلة الصحيحة - الصفحة أو الرقم: 2578

    الكنز السادس :لاحول ولا قوة الابالله
    عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (ألا أدلك على كلمة من كنوز الجنة قلت بلى يا رسول الله قال قل لا حول ولا قوة إلا بالله ).
    الراوي: أبو موسى - خلاصة الدرجة: صحيح - المحدث: الألباني - المصدر: صحيح ابن ماجه - الصفحة أو الرقم: 3097

    الكنز السابع : سبحان الله وبحمدة عدد خلقة ورضا نفسة وزنة عرشه ومداد كلماته
    عن جويرية رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم خرج من عندها بكرة حين صلى الصبح وهي في مسجدها ثم رجع بعد أن أضحى وهي جالسة فقال: (ما زلت على الحال التي فارقتك عليها؟) قالت نعم. قال صلى الله عليه وآله وسلم: (لقد قلت بعدك أربع كلمات، ثلاث مرات، لو وزنت بما قلت منذ اليوم لوزنتهن: سبحان الله و بحمده، عدد خلقه، ورضا نفسه،وزنة عرشه، و مداد كلماته).
    الراوي: جويرية بنتالحارث - خلاصة الدرجة: صحيح - المحدث: الألباني - المصدر: صحيحالجامع - الصفحة أو الرقم: 5139

    الكنز الثامن:سبحان الله وبحمدة 100 مرة
    قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (من قال سبحان الله وبحمده مائة مرة غفرت له ذنوبه ولو كانت مثل زبد البحر).
    الراوي: أبوهريرة - خلاصة الدرجة: صحيح - المحدث: الألباني - المصدر: صحيح ابنماجه - الصفحة أو الرقم: 3089

    الكنز التاسع:لا إله إلا الله وحده لا شريك له 10 مرة
    قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (من قال إذا أصبح: لا إله إلا الله وحده، لاشريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير؛ كان له عدل رقبة من ولد إسماعيل، وكتب له عشر حسنات، وحط عنه عشر سيئات، ورفع له عشر درجات، وكان في حرز من الشيطان حتى يمسي. وإن قالها إذا أمسى كان له مثل ذلك حتى يصبح).
    الراوي : أبو عياش الزرقي - خلاصة الدرجة: صحيح - المحدث: الألباني - المصدر: صحيح أبي داود - الصفحة أو الرقم: 5077

    الكنز العاشر:اللهم صلى على محمد وعلى آل محمد
    قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (من صلى علي واحدة ، صلى الله عليه بها عشر صلوات ، و حط عنه عشر خطيئات ، و رفع له عشر درجات ).
    🌹أربعون منفعة لمن يُصلي
    على النبي ﷺ 🌹*

    ☘ قال ابن القيّم رحمه الله :

    👈🥀أربعون فائدة للصلاة على النبي ﷺ :

    (1) 🍃 امتثال أمر الله.

    (2) 🍃موافقة الله سبحانه وتعالى في الصلاة على النبي ﷺ وإن اختلفت الصلاتان.

    (3) 🍃 موافقة الملائكة فيها.

    (4)🍃 الحصول على عشر صلوات من الله تعالى على المصلي مرة واحدة.

    (5)🍃يرفع العبد بها عشر درجات.

    (6)🍃 يكتب له بها عشر حسنات.

    (7)🍃 يمحى عنه بها عشر سيئات.

    (8) 🍃أنها سبب في إجابة الدعاء.

    (9)🍃 سبب حصول شفاعة المصطفى ﷺ.
    (10)🍃 سبب لغفران الذنوب.

    (11) 🍃سبب لكفاية الله سبحانه وتعالى العبد ما أهمّه.

    (12) 🍃قُرب العبد من النبي ﷺ يوم القيامة.
    (13)🍃 قيام الصلاة مقام الصدقة لذي العسرة.
    (14)🍃 سبب لقضاء الحوائج.

    (15)🍃 سبب لصلاة الله وملائكته عليه.
    (16)🍃 سبب تزكية للمصلي وطهارة له.
    (17)🍃سبب تبشير العبد بالجنة قبل موته.
    (18)🍃 سبب النجاة من أهوال يوم القيامة.
    (19)🍃 أنها سبب لتذكير العبد ما نسيه.
    (20)🍃 سبب رد سلام النبي ﷺ على المصلي والمسلم عليه.

    (21)🍃 سبب طيب المجلس فلا يعود حسرة على أهله يوم القيامة.

    (22) 🍃سبب نفي الفقر.

    (23)🍃 سبب نفي البخل عن العبد.
    (24)🍃 سبب نجاته من الدعاء عليه برغم الأنف.

    (25) 🍃سبب طريق الجنة، لأنها ترمي بصاحبها على طريق الجنة، وتخطئ بتاركها عن طريقها.

    (26)🍃 النجاة من نتن المجلس الذي لا يذكر فيه الله تعالى ورسوله ﷺ.
    (27)🍃 سبب تمام الكلام في الخطب وغيرها.

    (28)🍃 سبب وفور (كثرة) نور العبد على الصراط.

    (29) 🍃سبب خروج العبد من الجفاء.

    (30)🍃 سبب لإبقاء الله سبحانه وتعالى الثناء الحسن للمصلي عليه بين أهل السماء والأرض.

    (31) 🍃سبب البركة على المصلي وعمله وعمره.
    (32) 🍃سبب نيل رحمة الله تعالى.

    (33)🍃 سبب دوام محبة المصلي للرسول ﷺ.
    (34)🍃 سبب دوام محبة الرسول ﷺ للمصلي عليه.
    (35)🍃سبب هداية العبد وحياة قلبه.
    (36)🍃سبب عرض اسم المصلي على النبي ﷺ.
    (37)🍃سبب تثبيت القدم على الصراط.
    (38)🍃 سبب أداء بعض حق المصطفى ﷺ.

    (39)🍃 أنها متضمنة لذكر الله وشكره تعالى.

    (40) 🍃أنها دعاء لأنها سؤال الله عز وجل أن يثني على خليله وحبيبه ﷺ أو سؤال العبد لحوائجه ومهماته.
    ذكر ابن القيم 39 فائدة للصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم منها:

    1- امتثال أمر الله سبحانه وتعالى.
    2- حصول عشر صلوات من الله على المصلي مرة.
    3- يكتب له عشر حسنات ويمحو عنه عشر سيئات.
    4- أن يرفع له عشر درجات.
    5- أنه يرجى إجابة دعائه إذا قدمها أمامه فهي تصاعد الدعاء إلى عند رب العالمين.
    6- أنها سبب لشفاعته إذا قرنها بسؤال الوسيلة له، أو إفرادها.
    7- أنها سبب لغفران الذنوب.
    8- أنها سبب لكفاية الله ما أهمه.
    9- أنها سبب لقرب العبد منه يوم القيامة.
    10- أنها سبب لصلاة الله على المصلي وصلاة الملائكة عليه.

    11- أنها سبب لرد النبي الصلاة والسلام على المصلي.
    12- أنها سبب لطيب المجلس، وأن لا يعود حسرة على أهله يوم القيامة.
    13- أنها سبب لنفي الفقر.
    14- أنها تنفي عن العبد اسم ( البخيل ) إذا صلى عليه عند ذكره .
    15- أنها سبب لإلقاء الله سبحانه وتعالى الثناء الحسن للمصلي عليه بين أهل السماء والأرض، لأن المصلي طالب من الله أن يثني على رسوله ويكرمه ويشرفه، والجزاء من جنس العمل فلا بد أن يحصل للمصلي نوع من ذلك.

    16- أنها سبب للبركة في ذات المصلي وعمله وعمره وأسباب مصالحه لأن المصلي داع ربه أن يبارك عليه وعلى آله وهذا الدعاء مستجاب والجزاء من جنسه.
    17- أنها سبب لعرض اسم المصلي عليه وذكره عنده كما تقدم قوله : { إن صلاتكم معروضة عليّ } وقوله : { إن الله وكّل بقبري ملائكة يبلغونني عن أمتي السلام } وكفى بالعبد نبلاً أن يذكر اسمه بالخير بين يدي رسول الله .

    18- أنها سبب لتثبيت القدم على الصراط والجواز عليه لحديث عبدالرحمن بن سمرة الذي رواه عنه سعيد بن المسيب في رؤيا النبي وفيه: { ورأيت رجلاً من أمتي يزحف على الصراط ويحبو أحياناً ويتعلق أحياناً، فجاءته صلاته عليّ فأقامته على قدميه وأنقذته - رواه أبو موسى المديني وبنى عليه كتابه في "الترغيب والترهيب" وقال: هذا حديث حسن جداً].
    19- أنها سبب لدوام محبة الرسول وزيادتها وتضاعفها، وذلك عقد من عقود الإيمان الذي لا يتم إلا به لأن العبد كلما أكثر من ذكر المحبوب واستحضاره في قلبه واستحضار محاسنه ومعانيه الجالبة لحبه فسيتضاعف حبّه له وتزايد شوقه إليه، واستولى على جميع قلبه، وإذا أعرض عن ذكره وإحضار محاسنه يغلبه، نقص حبه من قلبه، ولا شيء أقر لعين المحب من رؤية محبوبه ولا أقر لقلبه من ذكر محاسنه، وتكون زيادة ذلك ونقصانه بحسب زيادة الحب ونقصانه في قلبه والحس شاهد بذلك.
    20- أنها سبب لهداية العبد وحياة قلبه، فإنه كلما أكثر الصلاة عليه وذكره، استولت محبته على قلبه، حتى لا يبقى في قلبه معارضة لشيء من أوامره، ولا شك في شيء مما جاء به، بل يصير ما جاء به مكتوباً مسطوراً في قلبه ويقتبس الهدي والفلاح وأنواع العلوم منه، فأهل العلم العارفين بسنته وهديه المتبعين له كلما ازدادوا فيما جاء به من معرفة، ازدادوا له محبة ومعرفة بحقيقة الصلاة المطلوبة له من الله.
    َْ ﺇﻥْ ﺿَﺎﻗَﺖْ ﺑِﻚَ ﺍﻷﺣْﻮَﺍﻝُ ﻳَﻮْﻣﺎً
    ﻓَﺒِﻸﺳْﺤَﺎﺭِ ﺻَﻞِّ ﻋَﻠَﻰ ﻣُﺤَﻤَّﺪ
    ْﻳُﺼَﻠِّﻲ ﺍﻟﻠﻪُ ﺭَﺏُّ ﺍﻟﻌَﺮْﺵِ ﻋَﺸْﺮﺍً
    ﻋَﻠَﻰ ﻋَﺒْﺪٍ ﻳُﺼَﻠِّﻰ ﻋَﻠَﻰ ﻣُﺤَﻤَّﺪْ
    ﻭَ ﻓﻲ ﻣِﺎﺋﺔٍ ﻳُﺼَﻠِّﻰ ﺍﻟﻠﻪُ ﺃﻟْﻔﺎً
    ﻓَﻌَﺠِّﻞْ ﺑِﺎﻟﺼَّﻼﺓِ ﻋَﻠَﻰ ﻣُﺤَﻤَّﺪْ
    ﻭ ﻻ ﺗَﺘْﺮُﻙْ ﺭَﺳُﻮﻝَ ﺍﻟﻠﻪِ ﻳَﻮْﻣﺎً
    ﻓَﻤَﺎ ﺃﺣْﻠَﻰ ﺍﻟﺼَّﻼﺓ ﻋَﻠَﻰ ﻣُﺤَﻤَّﺪ
    ْﺷِﻔَﺎﺀٌ ﻟِﻠﻘُﻠُﻮﺏِ ﻟَﻬَﺎ ﺿِﻴَﺎﺀٌ
    ﻭَ ﻧُﻮﺭٌ ﻣُﺴْﺘَﻤَﺪٌ ﻣِﻦْ ﻣُﺤَﻤَّﺪْ
    ﺑِﻬَﺎ ﻳُﺴْﺮٌ ﻭ ﺗَﻔْﺮِﻳﺞٌ ﻟِﻜَﺮْﺏٍ
    ﻟِﻤَﻦْ ﺃﻫْﺪَﻯ ﺍﻟﺼَّﻼﺓَ ﻋَﻠَﻰ ﻣُﺤَﻤَّﺪ
    ْﺑِﻬَﺎ ﺍﻷﺳَﺮَﺍﺭُ ﻭ ﺍﻷﻧْﻮﺍﺭُ ﺗَﺘْﺮَﻯ
    ﺗَﻨَﻮَّﺭْ ﺑِﺎﻟﺼَّﻼﺓِ ﻋَﻠَﻰ ﻣُﺤَﻤَّﺪ
    ْﻭَ ﺃﻓْﻀَﻠُﻬَﺎ ﺇﺫﺍ ﻣَﺎ ﻛُﻨْﺖَ ﻳَﻮْﻣﺎً
    ﺑِﺮَﻭْﺿَﺘِﻪِ ﺗُﺼَﻠِّﻲ ﻋَﻠَﻰ ﻣُﺤَﻤَّﺪ
    ْﺗُﺼَﻠِّﻲ ﺑِﺎﺷْﺘِﻴَﺎﻕٍ ﻓﻲ ﻣَﻘَﺎﻡٍ
    ﻋَﻈِﻴﻢِ ﺍﻟﺸَﺄﻥِ ﻳَﺴْﻤَﻌُﻬَﺎ ﻣُﺤَﻤَّﺪ
    ْﻭَ ﻻﺡَ ﺍﻟﻨُّﻮﺭُ ﺗُﺒْﺼِﺮُﻩُ ﻣُﻀِﻴﺌﺎً
    ﻭَ ﻓَﺎﺡَ ﺍﻟﻄِّﻴﺐُ ﻣِﺴْﻜﺎً ﻣِﻦْ ﻣُﺤَﻤَّﺪ
    ْﻭَ ﺗِﻠﻚَ ﻣَﺰِﻳﺔ ﺣَﺼَﻠَﺖْ ﻟِﻘَﻮْﻡٍ
    ﺗَﺮﺍﻫُﻢْ ﻧَﺎﻇِﺮِﻳﻦَ ﺇﻟﻰ ﻣُﺤَﻤَّﺪ
    ْﻭَ ﺟَﺎﺀُﻭﺍ ﻧَﺤْﻮَﻩُ ﻭَ ﻟَﻬُﻢْ ﺳَﻼﻡٌ
    ﻓَﺮَﺩَّ ﻋَﻠَﻴْﻬِﻢُ ﻃَﻪَ ﻣُﺤَﻤَّﺪ
    ْﻓَﻴَﺎ ﺳَﻌْﺪ ﺍﻟﺬﻱ ﻗَﺪْ ﺟَﺎﺀَ ﻳَﻮْﻣﺎً
    ﻭَ ﻗَﺪْ ﺃﻫْﺪَﻯ ﺍﻟﺴَّﻼﻡَ ﻋَﻠَﻰ ﻣُﺤَﻤَّﺪْ
    ﺗَﻘِﻲٌ ﺑَﻞْ ﺳَﻌِﻴﺪٌ ﻣُﺴْﺘَﺠَﺎﺏٌ
    ﻭَ ﻳَﻮْﻡَ ﺍﻟﺤَﺸْﺮِ ﺷَﺎﻓِﻌُﻪُ ﻣُﺤَﻤَّﺪْ
    ﻛَﻼﻣِﻲ ﻟﻠَّﺬﻱ ﻗَﺪْ ﺯَﺍﺭَ ﻳَﻮْﻣﺎً
    ﺣَﺒِﻴﺐَ ﺍﻟﻠﻪ ﻫَﺎﺩِﻳﻨَﺎ ﻣُﺤَﻤَّﺪْ
    ﻓَﺬﺍﻙَ ﻟَﻪُ ﻣِﻦَ ﺍﻷﺫﻭَﺍﻕِ ﺳِﺮٌّ
    ﺇﺫﺍ ﺑِﺎﻟﺤُﺐِّ ﺟَﺎﺀَ ﺇﻟَﻰ ﻣُﺤَﻤَّﺪْ
    ﻓَﻜَﺄﺱُ ﺍﻟﺤُﺐِّ ﻳُﺴْﻘَﺎﻫَﺎ ﻣُﺤِﺐٌّ
    ﺑِﺠَﻮْﻑِ ﺍﻟﻠَّﻴْﻞِ ﺻَﻠَّﻰ ﻋَﻠَﻰ ﻣُﺤَﻤَّﺪْ
    ﻭَ ﻋَﻨْﺪَ ﺍﻟﻤُﺼْﻄَﻔَﻰ ﻇَﻬَﺮَﺕْ ﻣَﺰَﺍﻳَﺎ
    ﻷﺭْﺑَﺎﺏِ ﺍﻟﺼَّﻼﺓِ ﻋَﻠَﻰ ﻣُﺤَﻤَّﺪْ
    ﻓَﻴَﺎ ﻣَﻦْ ﻋِﻨْﺪَﻩُ ﺳِﺮٌّ ﺗَﺒَﺪَﻯ
    ﻣِﻦَ ﺍﻟﻤُﺨْﺘَﺎﺭِ ﺳَﻴِّﺪِﻧَﺎ ﻣُﺤَﻤَّﺪْ
    ﺗَﻌَﻠَّﻢْ ﺣِﻔْﻆَ ﺳِﺮَّﻙَ ﻳَﺎ ﺃﺧَﺎﻧَﺎ
    ﻭَ ﻻ ﺗَﻨْﺲَ ﺍﻟﺼَّﻼﺓ ﻋَﻠَﻰ ﻣُﺤَﻤَّﺪْ
    ﺇﺫﺍ ﻣَﺎ ﺷِﺌْﺖَ ﺃﻥْ ﺗَﺤْﻈَﻰ ﻗَﺮِﻳﺒﺎً
    ﺑِﻔَﺘْﺢِ ﺍﻟﻠﻪِ ﺻَﻞِّ ﻋَﻠَﻰ ﻣُﺤَﻤَّﺪْ
    ﻭَ ﺗَﻔْﺴِﻴﺮٌ ﻭَ ﻋِﻠْﻢٌ ﺫﻭ ﻣَﻌَﺎﻧِﻲ
    ﻟِﻤَﻦْ ﺫﻛَﺮُﻭﺍ ﺍﻟﺼَّﻼﺓ ﻋَﻠَﻰ ﻣُﺤَﻤَّﺪْ
    ﻭَ ﺭِﺯْﻕُ ﺍﻟﻠﻪِ ﺃﻭْﺳَﻌُﻪُ ﺗَﺒَﺪَﻯ
    ﻷﺭْﺑَﺎﺏِ ﺍﻟﺼَّﻼﺓِ ﻋَﻠَﻰ ﻣُﺤَﻤَّﺪْ
    ﻭَ ﺗَﻴْﺴِﻴﺮُ ﺍﻷﻣُﻮﺭِ ﻟِﻤَﻦْ ﻳُﺼَﻠِّﻲ
    ﻋَﻠَﻰ ﺍﻟﻤُﺨْﺘَﺎﺭِ ﺳَﻴِّﺪِﻧَﺎ ﻣُﺤَﻤَّﺪْ
    ﺷِﻔَﺎﺀٌ ﻟِﻠﻤَﺮِﻳﺾِ ﻛَﺬﺍ ﺩَﻭَﺍﺀٌ
    ﺻَﻼﺓُ ﺍﻟﻌَﺎﺷِﻘِﻴﻦَ ﻋَﻠَﻰ ﻣُﺤَﻤَّﺪ
    ﻭَ ﺟَﺎﺀَﺗْﻚَ ﺍﻟﻤَﻜَﺎﺭِﻡُ ﻣِﻦْ ﻛَﺮِﻳﻢٍ
    ﺇﺫﺍ ﻳَﻮْﻣﺎً ﺗُﺼَﻠِّﻲ ﻋَﻠَﻰ ﻣُﺤَﻤَّﺪْ
    ﻭَﺭَﺩَّ ﺍﻟﻠﻪُ ﺃﺿْﺮَﺍﺭَ ﺍﻷﻋَﺎﺩِﻱ
    ﻋَﻦْ ﺍﻷﺧْﻴَﺎﺭِ ﺻَﻠُّﻮﺍ ﻋَﻠَﻰ ﻣُﺤَﻤَّﺪْ
    ﺗَﻮَﺟَّﻪْ ﺇﻥْ ﺃﺭَﺩْﺕَ ﻗَﻀَﺎﺀَ ﺩَﻳْﻦٍ
    ﺇﻟَﻰ ﻛَﻨْﺰِ ﺍﻟﺼَّﻼﺓِ ﻋَﻠَﻰ ﻣُﺤَﻤَّﺪْ
    ﺗَﺠِﺪْ ﻓَﺮَﺟﺎً ﻗَﺮِﻳﺒﺎً ﻳَﺎ ﺃﺧَﺎﻧَﺎ
    ﺑِﺠَﺎﻩِ ﻧَﺒِﻴِّﻨَﺎ ﻃَﻪَ ﻣُﺤَﻤَّﺪْ
    ﻋَﻠَﻴْﻪِ ﺍﻟﻠﻪ ﺻَﻠَّﻰ ﻛُﻞَّ ﺣِﻴﻦٍ
    ﺻَﻼﺓ ﺍﻷﻭَّﻟِﻴﻦَ ﻋَﻠَﻰ ﻣُﺤَﻤَّﺪْ
    ﻋَﻠَﻴْﻪِ ﺍﻟﻠﻪ ﺳَﻠَّﻢَ ﻣَﺎ ﺗَﺒَﺪَّﺕْ
    ﺭَﻭَﺍﺣِﻞُ ﺯَﺍﺋِﺮِﻳﻦَ ﻟَﺪَﻯ ﻣُﺤَﻤَّﺪْ
    ﻭَ ﺁﻝِ ﺍﻟﺒَﻴْﺖِ ﺳَﺎﺩَﺍﺕٍ ﻛِﺮَﺍﻡٍ
    ﻟَﻬُﻢْ ﺷَﺮَﻑُ ﺍﻟﻘَﺮَﺍﺑَﺔِ ﻣِﻦْ ﻣُﺤَﻤَّﺪْ
    ﻋَﻠَﻰ ﺍﻟﺼَّﺤْﺐِ ﺍﻟﻜِﺮَﺍﻡِ ﺭِﺿَﺎﺀُ ﺭﺑﻲ
    ﻛَﺬﺍﻙَ ﺭِﺿَﺎﺀُ ﺳَﻴِّﺪِﻧَﺎ ﻣُﺤَﻤَّﺪًْ
    منقول....








                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

07-08-2020, 12:03 PM

عزالدين عباس الفحل
<aعزالدين عباس الفحل
تاريخ التسجيل: 09-26-2009
مجموع المشاركات: 13965

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: مقالات مفيدة تهم المجتمع و الأسرة و الشبا� (Re: سيف اليزل برعي البدوي)





    أفضل وسيد الاستغفار
    فهو كما قال النبي صلى الله عليه وسلم:-
    ( سيد الاستغفار أن تقول:
    اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك،
    وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت،
    أعوذ بك من شر ما صنعت،
    أبوء لك بنعمتك عليّ،
    وأبوء بذنبي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت،
    ومن قالها من النهار موقنا بها فمات من يومه قبل أن يمسي فهو من أهل الجنة،
    ومن قالها من الليل وهو موقن بها فمات قبل أن يصبح فهو من أهل الجنة)
    رواه البخاري.
    .











    عزالدين عباس الفحل
    ابوظبي


                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

07-08-2020, 12:05 PM

عزالدين عباس الفحل
<aعزالدين عباس الفحل
تاريخ التسجيل: 09-26-2009
مجموع المشاركات: 13965

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: مقالات مفيدة تهم المجتمع و الأسرة و الشبا� (Re: سيف اليزل برعي البدوي)





    عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه
    قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:
    ( ألا أدلك على كلمة من كنوز الجنة
    قلت بلى يا رسول الله
    قال قل لا حول ولا قوة إلا بالله ).
    .











    عزالدين عباس الفحل
    ابوظبي


    (عدل بواسطة عزالدين عباس الفحل on 07-08-2020, 12:05 PM)

                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

07-09-2020, 12:13 PM

سيف اليزل برعي البدوي
<aسيف اليزل برعي البدوي
تاريخ التسجيل: 04-30-2009
مجموع المشاركات: 18170

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: مقالات مفيدة تهم المجتمع و الأسرة و الشبا� (Re: عزالدين عباس الفحل)

    سلمت يداك...ود الفحل..
    ------------------------------
    ( بسم الله الرحمن الرحيم )§®¤*~ˆ°

    منهيات شرعية
    مقدمة
    الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد

    لما كانت أبواب المحرمات كثيرة والأمور التي ورد النهي عنها في كلام الله ورسوله متعددة ولما كان من المهم للمسلم أن يتعرف عليها ليجتنب أسباب سخط الله وغضبه ويتفادى ما يفسد عليه دنياه وآخرته رأيت جمع جملة من تلك المنهيات من باب قوله صلى الله عليه وسلم : " الدين النصيحة " آملا أن أنتفع بها وإخواني المسلمون وقد جمعت منها ما تيسر من القرآن الكريم والأحاديث الصحيحة التي صححها أهل العلم بهذا الفن [ وغالب الاعتماد على ما صححه العلامة محمد ناصر الدين الألباني في كتبه ] مرتبة على بعض أبواب الفقه ولم أورد النص كاملا وإنما اجتزأت منه الشاهد فغالبها مأخوذ من ذات النصوص التي تضمن أكثرها كلمة النهي ومشتقاتها أو " لا " الناهية ونحو ذلك وجرى إضافة شيء من الشرح لبعض الكلمات الغريبة وذكر علة للنهي أحيانا وأسأل الله سبحانه أن يجنبنا الإثم والفواحش ما ظهر منها وما بطن وأن يتوب علينا أجمعين والحمد لله رب العالمين .

    سرد طائفة من النواهي الواردة في القرآن والسنة
    لقد نهانا الله ورسوله عن أمور كثيرة لما يترتب على اجتنابها من المصالح العظيمة والفوائد الجمة ودرء المفاسد الكثيرة والشرور الكبيرة ، ومن تلك المناهي ما هو محرم ومنها ما هو مكروه وينبغي على المسلم اجتنابها كما قال النبي صلى الله عليه وسلم :
    " ما نهيتكم عنه فاجتنبوه "والمسلم الجاد يحرص على اجتناب المنهيات سواء كانت محرمة أو مكروهة ولا يفعل فعل ضعاف الإيمان الذين لا يبالون بالوقوع في المكروهات علما أن التساهل فيها يؤدي إلى الوقوع في المحرمات وهي كالحمى بالنسبة للمحرمـات من رتع فيه يوشك أن يرتع فيما حرم الله بالإضافة إلى أن اجتناب المكروه يؤجر عليه صاحبه إذا تركه لله وانطلاقا من هذا لم يحصل التمييز هنا بين ما نهي عنه نهي كراهية وما نهي عنه نهي تحريم ثم إن التمييز بينهما يحتاج إلى علم على أن أكثر ما سيأتي من المنهيات هو من باب المحرم لا المكروه إليك أيها القارئ الكريم طائفة من نواهي الشريعة :

    في العقيدة
    النهي عن الشرك عموما الأكبر والأصغر والخفي
    والنهي عن إتيان الكهان والعرافين وعن تصديقهم وعن الذبح لغير الله وعن القول على الله ورسوله بلا علم .
    والنهي عن تعليق التمائم ومنها الخرز الذي يعلق لدفع العين وعن التولة ، وهي السحر الذي يعمل للتفريق بين شخصين أو الجمع بينهما والنهي عن السحر عموما وعن الكهانة والعرافة ، وعن الاعتقاد في تأثير النجوم والكواكب في الحوادث وحياة الناس وعن اعتقاد النفع في أشياء لم يجعلها الخالق كذلك .
    والنهي عن التفكر في ذات الله وإنما يتفكر في خلق الله والنهي أن يموت المسلم إلا وهو يحسن الظن بالله تعالى .
    والنهي أن يحكم على أحد من أهل الدين بالنار ، وعن تكفير المسلم بغير حجة شرعية ، وعن السؤال بوجه الله أمرا من أمور الدنيا ، وعن منع من سأل بوجه الله بل يعطى ما لم يكن إثما وذلك تعظيما لحق الله تعالى .
    والنهي عن سب الدهر لأن الله هو الذي يصرفه والنهي عن الطيرة وهي التشاؤم .
    والنهي عن السفر إلى بلاد المشركين والنهي عن مساكنة الكافر وعن اتخاذ الكافرين من اليهود و النصارى وغيرهم من أعداء الله أولياء من دون المؤمنين ، وعن اتخاذ الكفار بطانة فيقربون للمشاورة والمودة .
    والنهي عن إبطال الأعمال كما إذا قصد الرياء والسمعة والمن .
    والنهي عن السفر إلى أي بقعة للعبادة فيها إلا المساجد الثلاثة : المسجد الحرام ومسجد النبي صلى الله عليه وسلم والمسجد الأقصى وعن البناء على القبور واتخاذها مساجد .
    والنهي عن سب الصحابة وعن الخوض فيما حدث من الفتن بين الصحابة وعن الخوض في القدر ، وعن الجدال في القرآن والمماراة فيه بلا علم ، وعن مجالسة الذين يخوضون في القرآن بالباطل ويتمارون فيه ، وعن عيادة المرضى من القدرية ومن شابههم من أهل البدعة وكذا شهود جنائزهم .
    والنهي عن سب آلهة الكفار إذا كان يؤدي إلى سب الله
    - عز وجل - والنهي عن اتباع السبل أو التفرق في الدين وعن اتخاذ آيات الله هزوا وعن تحليل ما حرم الله أو تحريم ما أحل الله ، وعن الانحناء أو السجود لغير الله وعن الجلوس مع المنافقين أو الفساق استئناسا بهم أو إيناسا لهم وعن مفارقة الجماعة وهم من وافق الحق .
    والنهي عن التشبه باليهود والنصارى المجوس في إعفاء الشارب وقص اللحية ، بل نقص الشارب ونعفي اللحية ، وعن بدء الكفار بالسلام وعن تصديق أهل الكتاب أو تكذيبهم فيما يخبرونه عن كتبهم مما لا نعلم صحته . ولا بطلانه ، وعن استفتاء أحد من أهل الكتاب في أمر شرعي ( بقصد طلب العلم والفائدة ) .
    والنهي عن الحلف بالأولاد والطواغيت والأنداد وعن الحلف بالآباء وبالأمانة وعن قول ما شاء الله وشئتّ ، وأن يقول المملوك ربي وربتي وإنما يقول مولاي وسيدي وسيدتي ، وأن يقول المالك عبدي وأمتي وإنما يقول فتاي وفتاتي وغلامي ، وعن قول خيبة الدهر ، وعن التلاعن بلعنة الله أو بغضبه أو بالنار .

    في الطهارة
    النهي عن البول في الماء الراكد ، وعن قضاء الحاجة على قارعة الطريق وفي ظل الناس وفي موارد الماء ، وعن استقبال القبلة واستدبارها ببول أو غائط ، واستثنى بعض أهل العلم ما كان داخل البنيان ، وعن الاستنجاء باليمين ، وأن يتمسح بيمينه والنهي عن الاستنجاء بالعظم والروث لأنه زاد إخواننا من الجن . وعن الاستنجاء بالروث لأنه علف دوابهم .
    والنهي أن يمسك الرجل ذكره بيمينه وهو يبول ، وعن السلام على من يقضي حاجته .
    ونهي المستيقظ من نومه عن إدخال يده في الإناء حتى يغسلها .

    في الصلاة
    النهي عن التنفل عند طلوع الشمس وعند زوالها وعند غروبها وهي تطلع وتغرب بين قرني شيطان ، فإذا رآها الكفار عباد الكواكب سجدوا لها وعن الصلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس وبعد العصر حتى تغرب الشمس ، وهذا في صلاة النافلة التي ليس لها سبب ، أما ما كانت لسبب فلا بأس كتحية المسجد .
    والنهي عن جعل البيوت مقابر لا يتنفل فيها وعن وصل صلاة فريضة بصلاة حتى يتكلم ( بذكر أو غيره ) أو يخرج ، والنهي أن يصلي بعد أذان الفجر شيئا إلا ركعتي سنة الفجر .
    والنهي عن مسابقة الإمام في الصلاة والنهي أن يصلي خلف الصف ، وعن الالتفات في الصلاة ، وعن رفع البصر إلى السماء في الصلاة ، وعن قراءة القرآن في الركوع والسجود فإن دعا في سجوده بدعاء من القرآن فلا بأس .
    والنهي أن يصلي الرجل في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء فلا يصلي وهو عاري الكتفين والنهي عن الصلاة وهو بحضرة طعام يشتهيه ، وعن الصلاة وهو يدافع البول والغائط والريح ، لأن كل ذلك يشغل المصلي ويصرفه عن الخشوع المطلوب .
    والنهي عن الصلاة في المقبرة والحمام . والنهي في الصلاة عن نقر كنقر الغراب ، والتفات كالتفات الثعلب ، وافتراش كافتراش السبع ، وإقعاء كإقعاء الكلب ، وإيطان كإيطان البعير ، وهو أن يعتاد مكانا في المسجد لا يصلي إلا فيه ، وعن الصلاة في مبارك الإبل فإنها خلقت من الشياطين .
    والنهي وعن مسح الأرض أثناء الصلاة فإن احتاج فواحدة لتسوية الحصى ونحوه وعن تغطية الفم في الصلاة . والنهي أن يرفع المصلي صوته في الصلاة فيؤذي المؤمنين وعن مواصلة قيام الليل إذا أصابه النعاس بل ينام ثم يقوم ، وعن قيام الليل كله وبخاصة إذا كان ذلك تباعا .
    والنهي عن التثاؤب والنفخ في الصلاة ، وعن تخطي رقاب الناس وعن كف الثياب وكفت الشعر في الصلاة ، وكف الثياب جمعها وتشميرها وكفت الشعر جمعه وحبسه .
    والنهي عن إعادة الصلاة الصحيحة وهذا نافع للموسوسين . وأيضا النهي أن يخرج المصلي من صلاته إذا شك في الحدث حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا وعن التحلق قبل الصلاة يوم الجمعة ، وعن مس الحصى والعبث والكلام أثناء الخطبة ، وعن الاحتباء فيها وهو ضم الفخذين إلى البطن وشدهما بالثوب أو باليدين .
    والنهي أن يصلي الرجل شيئا إذا أقيمت الصلاة المكتوبة والنهي أن يقوم الإمام في مكان أرفع من مقام المأمومين دون حاجة ، وعن المرور بين يدي المصلي ونهي المصلي أن يدع أحدا يمر بين يديه أو بينه وبين سترته .
    والنهي عن البصاق في الصلاة تجاه القبلة وإلى الجهة اليمنى ، ولكن يبصق عن يساره أو تحت قدمه اليسرى ، وأن يضع المصلي نعليه عن يمينه أو شماله حتى لا يؤذي من بجانبيه وإنما يضعهما بين رجليه . والنهي عن النوم قبل العشاء إذا كان لا يأمن فوات وقتها ، وعن الحديث بعد صلاة العشاء إلا لمصلحة شرعية ، وأن يؤم الرجل الرجل في سلطانه إلا بإذنه . ومثله نهي الزائر أن يؤم أصحاب الدار إلا إذا قدموه ، والنهي أن يؤم قوما وهم له كارهون لسبب شرعي .

    في المساجد
    النهي عن الشراء والبيع ونشد الضالة في المساجد والنهي عن اتخاذ المساجد طرقا إلا لذكر أو صلاة ، والنهي عن إقامة الحدود في المسجد والنهي عن التشبيك بين اليدين إذا خرج عامدا إلى المسجد ، لأنه لا يزال في صلاة إذا عمد إلى الصلاة . والنهي أن يخرج أحد من المسجد بعد الأذان حتى يصلي . والنهي أن يجلس الداخل في المسجد حتى يصلي ركعتين ، والنهي عن الإسراع بالمشي إذا أقيمت الصلاة ، بل يمشي وعليه السكينة والوقار والنهي عن الصف بين السواري والأعمدة في المسجد إلا إذا دعت الحاجة . ونهي من أكل ثوما أو بصلا وكل ما له رائحة كريهة أن يقرب المسجد والنهي أن يمر الرجل في المسجد ومعه ما يؤذي المسلمين ، والنهي عن منع المرأة من الذهاب إلى المسجد بالشروط الشرعية ، ونهي المرأة أن تضع طيبا إذا خرجت إلى المسجد . والنهي عن مباشرة النساء في الاعتكاف ، والنهي عن التباهي في المساجد ، وعن تزيينها بتحمير أو تصفير أو زخرفة وكل ما يشغل المصلين .

    في الجنائز
    النهي عن البناء على القبور أو تعليتها ورفعها والجلوس عليها والمشي بينها بالنعال وإنارتها والكتابة عليها ونبشها . والنهي عن اتخاذ القبور مساجد والصلاة إلى القبر إلا صلاة الجنازة في المقبرة والنهي أن تحد المرأة على ميت فوق ثلاثة أيام إلا الزوج فإنها تحد عليه أربعة أشهر وعشرة أيام ، ونهي المتوفى عنها زوجها عن الطيب والاكتحال والحناء والزينة كأنواع الحلي ولبس الثوب المصبوغ ( وهو ثوب الزينة ) .
    والنهي عن النياحة والنهي عن الإسعاد ( وهو أن تساعد المرأة من مات له ميت بالبكاء ، فهو بكاء لغير الله ثم إن الاجتماع بهذه الصفة على البكاء يعد من النياحة ) ومن المحرمات استئجار النائحة ، وشق الثوب ونشر الشعر لموت ميت .
    والنهي عن نعي أهل الجاهلية أما مجرد الإخبار بموت الميت فلا حرج فيه .

    في الصيام
    النهي عن صيام يوم الفطر ويوم الأضحى وأيام التشريق الثلاثة بعد الأضحى ويوم الشك ، وعن إفراد الجمعة بالصوم وكذلك يوم السبت ، والنهي عن صيام الدهر والنهي عن تقدم شهر رمضان بصيام يوم أو يومين ، والنهي عن الصيام في النصف الثاني من شعبان ما لم يكن له صوم معتاد من قبل . والنهي أن يصل يوما بيوم في الصوم دون إفطار بينهما ، وعن صيام يوم عرفة بعرفة إلا لمن لم يجد الهدي ، والنهي عن المبالغة في المضمضة والاستنشاق إذا كان صائماً . والنهي أن تصوم المرأة صيام نافلة وبعلها شاهد إلا بإذنه ، وعن ترك السحور للصائم ولو جرعة ماء . ونهي الصائم عن الرفث والمشاتمة والمقاتلة .

    الحج والأضحية
    النهي عن تأخير الحج بغير عذر ، والنهي عن الرفث والفسوق والجدال في الحج .
    ونهي المحرم أن يلبس القميص أو العمامة أو السراويل أو البرنس أو الخف ، وأن تلبس المحرمة النقاب أو القفازين ، والنهي عن قلع شجر الحرم أو قطعه أو خبطه .
    والنهي عن حمل السلاح في الحرم أو الصيد فيه أو تنفير الصيد أو ألتقاط لقطته إلا لمعرف . والنهي عن تطييب من مات محرما وعن تغطية رأسه وعن تحنيطه ، بل يدفن في ثيابه فهو يبعث ملبيا .
    والنهي أن ينفر الحاج حتى يكون آخر عهده بالبيت ( أي طواف الوداع ) ورخص للحائض والنفساء في تركه .
    والنهي عن ذبح الأضحية قبل صلاة العيد والنهي عن الأضحية المعيبة والنهي أن يعطي الجزار منها شيئا على أنه أجرة ونهي من أراد أن يضحي إذا دخلت عشر ذي الحجة أن يأخذ شيئا من شعره أو أظفاره أو بشرته حتى يضحي .

    في البيوع والمكاسب
    والنهي عن أكل الربا ، وعن البيوع التي تشتمل على الجهالة والتغرير والخداع ، والنهي عن بيع الشاة باللحم ، وبيع فضل الماء وبيع الكلب والهر والدم والخمر والخنزير والأصنام وعسب الفحل وهو ماؤه الذي يلقح به ، والنهي عن ثمن الكلب وكل شيْء حرمه الله فثمنه حرام بيعا وشراء . وكذلك النهي عن النجش وهو أن يزيد في ثمن السلعة من لا يريد شراءها كما يحصل في كثير من المزادات . والنهي عن كتم عيوب السلعة وإخفائها عند بيعها ، والنهي عن البيع بعد النداء الثاني يوم الجمعة ، والنهي عن بيع ما لا يملك وعن بيع الشيء قبل أن يحوزه ويقبضه ، والنهي عن بيع الذهب بالذهب والفضة بالفضة إلا مثلا بمثل يدا بيد . والنهي أن يبيع الرجل على بيع أخيه وأن يشتري على شراء أخيه وأن يسوم على سوم أخيه ، والنهي عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها وتنجو من العاهة . والنهي عن التطفيف في المكيال والميزان ، والنهي عن الاحتكـار والنهي عن تلقي الركبـان ، وهو تلقي من يقدم من خارج البلد سـواء للبيع منهم أو البيع لهم بل يتركون حتى يأتوا سوق البلد وفي ذلك مصلحة للجميع .
    والنهي أن يبيع حاضر لباد ( مثل أن يكون ساكن البلد سمسارا للقادم من البادية ) فعليه أن يدعه يبيع بنفسه ، والنهي أن يبيع الرجل جلد أضحيته ، ونهي الشريك في الأرض أو النخل وما شابهها عن بيع نصيبه حتى يعرضه على شريكه ، والنهي عن الأكل بالقرآن والاستكثار به ( مثل الذين يقرأون القرآن ويسألون به الناس ) والنهي عن أكل أموال اليتامى ظلما وعن القمار والميسر والغصب ، والنهي عن أخذ الرشوة وإعطائها والنهي عن السرقة ، وعن الاختلاس من الغنيمة وعن النهبة ، وهي نهب أموال الناس والنهي عن أكل أموالهم بالباطل وكذلك أخذها بقصد إتلافها والنهي عن بخس الناس أشياءهم ، والنهي عن كتمان اللقطة وتغييبها وعن أخذ اللقطة إلا لمن يعرفها ، والنهي عن الغش بأنواعه ، والنهي أن يأخذ المسلم من مال أخيه المسلم شيئا إلا بطيب نفس منه وما أخذ بسيف الحياء فهو حرام ، والنهي عن قبول الهدية بسبب الشفاعة ، والنهي عن التبقر في المال وهو الاستكثار منه والتوسع فيه وتفريقه في البلدان بحيث يؤدي إلى توزع قلب صاحبه وانشغاله عن الله .

    في النكاح
    النهي عن التبتل وهو ترك النكاح ، والنهي عن الاختصاء ، والنهي عن الجمع بين الأختين والنهي عن الجمع بين المرأة وعمتها والمرأة وخالتها لا الكبرى على الصغرى ولا الصغرى على الكبرى خشية القطيعة . والنهي أن ينكح الرجل امرأة أبيه .
    والنهي عن الشغار وهو أن يقول مثلا زوجني ابنتك أو أختك على أن أزوجك ابنتي أو أختي فتكون هذه مقابل الأخرى وهذا ظلم وحرام والنهي عن نكاح المتعة وهو نكاح إلى أجل متفق عليه بين الطرفين ينتهي العقد بانتهاء الأجل ، والنهي عن النكاح إلا بولي وشاهدين ، والنهي أن يخطب الرجل على خطبة أخيه حتى يترك أو يأذن له ، والنهي عن خطبة المعتدة من وفاة زوج تصريحا إنما يكون ذلك بالتلميح ، والمطلقة الرجعية لا يجوز خطبتها مطلقا ، والنهي عن إخراج المطلقة الرجعية من بيتها ونهي المرأة أن تخرج من بيت زوجها وتتركه في عدة الطلاق الرجعي والنهي عن إمساك المطلقة أو مراجعتها وليس له رغبة فيها وإنما لتطول عليها المدة فتتضرر والنهي أن تكتم المطلقة ما خلق الله في رحمها ، والنهي عن اللعب بالطلاق والنهي أن تسأل المرأة طلاق أختها سواء كانت زوجة أو مخطوبة مثل أن تسأل المرأة الرجل أن يطلق زوجته لتتزوجه ، والنهي أن يحدث الزوج والزوجة بما يكون بينهما من أمور الاستمتاع والنهي عن إفساد المرأة على زوجها والعكس ونهى النبي صلى الله عليه وسلم أن تكلم النساء إلا بإذن أزواجهن ، ونهي المرأة أن تنفق من مال زوجها إلا بإذنه ، ونهي المرأة أن تهجر فراش زوجها فإن فعلت دون عذر شرعي لعنتها الملائكة ، والنهي عن إيذاء الناشز إذا رجعت إلى طاعة زوجها . والنهي أن تدخل المرأة أحداً بيت زوجها إلا بإذنه ، ويكفي إذنه العام إذا لم يخالف الشرع .
    والنهي عن ترك إجابة الدعوة إلى الوليمة بغير عذر شرعي ، وعن التهنئة بقولهم بالرفاء والبنين لأنها من تهنئة الجاهلية ، وأهل الجاهلية كانوا يكرهون البنات .
    والنهي أن يطأ الرجل امرأة فيها حمل من غيره والنهي أن يعزل الرجل عن زوجته الحرة إلا بإذنها والنهي أن يطرق الرجل أهله ويفاجأهم ليلا إذا قدم من سفر فإذا أخبرهم بوقت قدومه فلا حرج ، ونهي الزوج أن يأخذ من مهر زوجته بغير طيب نفس منها ، والنهي عن الإضرار بالزوجة لتفتدي منه بالمال والنهي عن الظهار والنهي عن الميل إلى إحدى الزوجتين دون الأخرى وعن مجانبة العدل بين الزوجات ، وعن نكاح التحليل وهو أن يتزوج مطلقة ثلاثاً لكي يحلها لزوجها الأول .

    في أمور متعلقة بالنساء
    النهي أن تبدي المرأة زينتها إلا للمحارم ، ونهي النساء عن التبرج ونهي النساء أن يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن ، والنهي أن تضار والدة بولدها أو مولود له بولده ، والنهي عن التفريق بين الوالدة وولدها ، وعن المبالغة في ختان المرأة . والنهي أن تسافر المرأة إلا مع ذي محرم ، والنهي عن مصافحة المرأة الأجنبية وعن تطيب المرأة عند خروجها ومرورها بعطرها على الرجال وأن يختلي الرجل بالمرأة الأجنبية والنهي عن الدياثة والنهي عن إطلاق النظر إلى المرأة الأجنبية وعن اتباع النظرة النظرة .

    في الذبائح والأطعمة
    النهي عن الميتة سواء ماتت بالغرق أو الخنق أو الصعق أو السقوط من مكان مرتفع أو نطحتها أخرى أو التي افترسها السبع إلا ماذكي وعن الدم ولحم الخنزير وما ذبح على غير اسم الله وما ذبح للأصنام وعن الأكل مما ذبح دون أن يذكر اسم الله عليه تعمدا .
    والنهي عن أكل لحم الجلالة وهي الدابة التي تتغذى على القاذورات والنجاسات وكذا شرب لبنها وعن أكل كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير ، وأكل لحم الحمار الأهلي ، وعن قتل الضفدع للدواء وهي مستخبثة لا يؤكل لحمها عند جمهور العلماء .
    والنهي عن صبر البهائم وهو أن تمسك ثم ترمى بشيء إلى أن تموت أو أن تحبس بلا علف ، والبهيمة التي تصبر بالنبل هي المجثمة التي نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن أكلها لأنها لم تذبح بالطريقة الشرعية .
    والنهي عن الأكل من صيد الكلب غير المعلم أو إذا خالطته كلاب أخرى فإنه لا يدري أيها الذي صاد والنهي عن أكل الصيد إذا أصابه بآلة فقتلته بثقلها أو صدمتها كالمعراض ، أما إذا أصابه بمحدد كالسهم فخرق أو خزق وسمى الله فليأكل .
    والنهي عن الذبح بالسن والظفر ، وأن يذبح بهيمة بحضرة أخرى ، وأن يحد الشفرة أمامها .
    والنهي عن أكل طعام المتباريين وهما المتفاخران اللذان يصنعان الطعام للمفاخرة والمراءاة ويتنافسان في ذلك وهو داخل في أكل المال بالباطل .

    في اللباس والزينة
    النهي عن الإسراف في اللباس وعن الذهب للرجال ، وعن التختم في الوسطى والتي تليها ( أي السبابة ) وعن خاتم الحديد .
    والنهي عن التعري وعن المشي عريانا وعن كشف الفخذ .
    والنهي عن إسبال الثياب وعن جرها خيلاء وعن لبس ثوب الشهرة وثوب الحرير .
    والنهي عن المفدم وهو المشبع حمرة بالعصفر فلا يلبسه الرجل .
    والنهي عن تشبه الرجال بالنساء ولبس ملابسهن وعن تشبه النساء بالرجال ولبس ملابسهم وعن لبس القصير والرقيق والضيق من الثياب للنساء .
    والنهي عن الانتعال قائما وذلك فيما في لبسه قائماً مشقة كالأحذية التي تحتاج إلى ربط . والنهي عن المشي في نعل واحدة لأن الشيطان يمشي في النعل الواحدة .
    والنهي عن الوشم وعن تفليج الأسنان و وشرها مثل أخذها بالمبرد ولا يدخل في ذلك تقويم الأسنان بالأسلاك ونحوها .
    والنهي عن مشابهة المشركين في إعفاء الشارب وقص اللحية بل نقص الشارب ونعفي اللحية .
    والنهي عن النمص وهو نتف شعر الوجه وأشده الأخذ من الحاجبين وعن حلق المرأة شعرها وعن وصل الشعر بشعر مستعار لآدمي أو لغيره للرجال والنساء ، وعن نتف الشيب وعن تغيير الشيب بالسواد وعن الصبغ بالسواد وعن القزع وهو حلـق بعض الرأس وتـرك بعضه .
    والنهي عن تصوير ما فيه روح في الثياب والجدران والورق سواء كان مرسوما أو مطبوعا أو محفورا أو منقوشا أو مصبوبا بقوالب ونحو ذلك وإن كان لابد فاعلا فليصنع الشجر وما لا روح فيه .
    والنهي عن افتراش الحرير وجلود النمور وكل ما فيه خيلاء والنهي عن ستر الجدران .
    في آفات اللسان
    النهي عن شهادة الزور .
    والنهي عن قذف المحصنة .
    والنهي عن قذف البريء وعن البهتان .
    والنهي عن الهمز واللمز والتنابز بالألقاب والغيبة والنميمة والسخرية بالمسلمين ، وعن التفاخر بالأحساب والطعن في الأنساب وعن السباب والشتم والفحش والخنا والبذاءة وكذلك الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم .
    والنهي عن الكذب ومن أشده الكذب في المنام مثل اختلاق الرؤى والمنامات لتحصيل فضيلة أو كسب مادي أو تخويفا لمن بينه وبينهم عداوة ومن عقوبته أن يكلف يوم القيامة بأمر مستحيل وهو أن يعقد بين شعيرتين .
    والنهي أن يزكي المرء نفسه ، وعن النجوى فلا يتناجى اثنان دون الثالث من أجل أن ذلك يحزنه ، وعن التناجي بالإثم والعدوان ، وعن لعن المؤمن ولعن من لا يستحق اللعن .
    والنهي عن رفع الصوت فوق الصوت النبي صلى الله عليه وسلم ومن ذلك رفع الصوت فوق صوت القارئ للحديث وكذلك رفع الصوت عند قبره صلى الله عليه وسلم .
    والنهي عن سب الأموات ، وسب الديك لأنه يوقظ للصلاة وسب الريح لأنها مأمورة وسب الحمى لأنها تنفي الذنوب وسب الشيطان لأنه يتعاظم والمفيد هو الاستعاذة بالله من شره .
    والنهي عن الدعاء بالموت أو تمنيه لضر نزل به ، وعن الدعاء على النفس والأولاد والخدم والأموال .
    والنهي عن تسمية العنب كرما لأن أهل الجاهلية كانوا يعتقدون أن الخمر تدعو إلى الكرم ، والنهي أن يقول الرجل خبثت نفسي والنهي أن يقول نسيت آية كذا وإنما يقول أنسيت ولا يقل اللهم اغفر لي إن شئت بل يعزم في الدعاء والمسألة ، النهي عن إطلاق لفظة سيد على المنافق والنهي عن التقبيح وخاصة تقبيح الزوج زوجته ( مثل أن يقول قبحك الله ) ، وعن قول راعنا ، والنهي عن السؤال قبل السلام ، والنهي عن التمادح .

    في آداب الطعام والشراب
    النهي عن الأكل مما بين أيدي الآخرين وعن الأكل من وسط الطعام وإنما يأكل من حافته وجوانبه فإن البركة تنزل وسط الطعام ، والنهي عن ترك اللقمة إذا سقطت بل يزيل عنها الأذى ثم يأكلها ولا يدعها للشيطان .
    والنهي عن الشرب في آنية الذهب والفضة والنهي عن الشرب واقفا وعن الشرب من ثلمة الإناء المكسور حتى لا يؤذي نفسه وعن الشرب من فم الإناء والنهي عن التنفس فيه ، وعن الشرب بنفس واحد بل يشرب ثلاثا فإنه أهنأ وأمرأ وأبرأ .
    والنهي عن النفخ في الطعام والشراب والنهي عن الأكل والشرب بالشمال ، وأن يأكل الشخص وهو منبطح على بطنه وأن يقرن الرجل بين تمرتين عند الأكل إلا إذا أذن له صاحبه المشترك معه في الطعام وذلك لما في الإقران من الشره والإجحاف برفيقه ، والنهي عن استعمال آنية أهل الكتاب التي يستعملونها فإذا لم يجد غيرها فليغسلها ويأكل فيها ، والنهي عن الجلوس على مائدة يشرب عليها الخمر .

    في آداب النوم
    والنهي عن النوم على سطح ليس له جدار حتى لا يسقط إذا تقلب أثناء نومه والنهي عن مبيت الرجل وحده والنهي عن ترك النار في البيت موقدة حين النوم ، والنهي أن يبيت الرجل وفي يده غمر مثل الزهومة والزفر والنهي عن النوم على البطن ، والنهي عن وضع إحدى الرجلين على الأخرى عند الاستلقاء على القفا إذا كان يكشف العورة ، والنهي أن يحدث الإنسان بالرؤيا القبيحة أو أن يفسرها لأنها من تلعب الشيطان .

    في أمور متفرقة
    النهي عن قتل النفس بغير حق ، والنهي عن قتل الأولاد خشية الفقر وعن الانتحار .
    والنهي عن الزنا و النهي عن اللواط وشرب الخمر وعصره وحمله وبيعه . والنهي عن الفرار من الزحف إلا لسبب شرعي ، والنهي عن إيذاء المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا ، والنهي عن إرضاء الناس بسخط الله .
    والنهي عن نقض الأيمان بعد توكيدها في العهود والمواثيق ، وعن الغناء والكوبة وهو الطبل وعن المزمار وعن المعازف ، والنهي عن انتساب الولد لغير أبيه ، والنهي عن التعذيب بالنار ، والنهي عن تحريق الأحياء والأموات بالنار والنهي عن المثلة وهي تشويه جثث القتلى ، والنهي عن الإعانة على الباطل والتعاون على الإثم والعدوان ، والنهي عن حمل السلاح على المسلمين .
    والنهي أن يفتي بغير علم والنهي عن يطيع أحداً في معصية الله والنهي عن الحلف كاذبا وعن اليمين الغموس ، وعن قبول شهادة الذين يرمون المحصنات ولم يأتوا بأربعـة شهـداء إلا إذا تابـوا ، وعن تحريم الطيبات التي أحلها الله ، وعن اتباع خطوات الشيطان ، وعن التقدم بين يدي الله ورسوله لا بقول ولا بفعل .
    والنهي أن يستمع لحديث قوم بغير إذنهم ، وعن الاطلاع في بيوت قوم بغير إذنهم ، وعن الدخول إلى بيوت الناس إلا بعد الاستئذان ، وعن النظر إلى العورات ،
    والنهي أن يدعي ما ليس له والنهي أن يتشبع بما لم يعط وأن يسعى إلى أن يحمد بما لم يفعل .
    والنهي عن دخول ديار الأقوام الذين أهلكهم الله بالعذاب إلا مع البكاء أو التباكي ويدخل معتبرا لا متفرجا ، والنهي عن اليمين الآثمة ، والتجسس وسوء الظن بالصالحين والصالحات والنهي عن التحاسد والتباغض والتدابر والنهي عن التمادي في الباطل .
    والنهي عن الكبر والفخر والخيلاء والإعجاب بالنفس وعن الفرح المذموم بالدنيا الذي يسبب الأشر والبطر .
    والنهي عن المشي في الأرض مرحاً وعن تصعير الخد للناس وهو علامة الكبر . والنهي أن يعود المسلم في صدقتة ولو بشرائها ، والنهي أن يقتل الوالد إذا قتل ولده ، وأن ينظر الرجل إلى عورة الرجل والمرأة إلى عورة المرأة . وعن النظر إلى فخذ حي أو ميت والنهي عن انتهاك حرمة الشهر الحرام أما مجاهدة الكفار فيه فهي مشروعة .
    والنهي عن الإنفاق من الكسب الخبيث .
    والنهي عن استيفاء العمل من الأجير وعدم إيفائه أجره والنهي عن عدم العدل في العطية بين الأولاد . والنهي عن المضارة في الوصية وعن الوصية لوارث ، لأن الله قد أعطى الورثة حقوقهم ، وأن يوصي بماله كله ويترك ورثته فقراء فإن فعل فلا تنفذ وصيته إلا في الثلث .
    والنهي عن سوء الجوار وعن إيذاء الجار ، وعن هجر المسلم فوق ثلاثة أيام دون سبب شرعي .
    والنهي عن الخذف وهو رمي الحصاة بين إصبعين لأنها مظنة الأذى مثل فقء العين وكسر السن ، والنهي عن الاعتداء .
    والنهي أن يجهر الناس بعضهم على بعض بقراءة القرآن ، والنهي عن الدخول بين المتناجيين وأن يفرق بين اثنين إلا بإذنهما ، وأن يقيم شخصاً من مقعده ويجلس هو فيه ، وأن يقوم الرجل من عند أخيه حتى يستأذن . والنهي عن القيام على رأس الجالس ، وعن الجلوس بين الشمس والظل ، لأنه مجلس الشيطان .
    والنهي عن الإضرار بالمسلمين ، وعن شهر السلاح على المسلم .
    والنهي أن يشير إلى أخيه المسلم بحديدة .
    والنهي عن تعاطي السيف مسلولا خشية الإيذاء ، والنهي عن ردّ الهدية إذا لم يكن فيها محذور شرعي ، والنهي عن الإسراف والتبذير ، وعن التكلف للضيف ، وعن إعطاء المال للسفهاء . ونهي الناس أن يتمنى ما فضل الله بعضهم على بعض من الرجال والنساء . والنهي عن إعطاء المال للسفهاء ، والنهي عن التنازع ، والنهي عن الرأفة بالزاني والزانية عند إقامة الحد . وعن إبطال الصدقات بالمن والأذى .
    والنهي عن كتمان الشهادة ، والنهي عن قهر اليتيم ونهر السائل ، والنهي عن التداوي بالدواء الخبيث فإن الله لم يجعل شفاء الأمة فيما حرم عليها ، والنهي عن قتل النساء والصبيان في الحرب ، والنهي عن التعمق والتكلف والنهي عن الأغلوطات وهي الإتيان بالمسائل المشكلة إلى العالم لمغالطته وتحديه وتشويش فكره أو إرادة السائل إظهار فضله وذكائه أو السؤال عن أمور لم تقع من الفرضيات والجدليات التي لا تنفعه في دينه .
    والنهي عن اللعب بالنرد والنهي عن لعن الدواب والنهي عن خمش الوجه عند المصيبة ، وعن غش الرعية ، والنهي أن ينظر الإنسان إلى من هو فوقه في أمور الدنيا بل ينظر إلى من هو أسفل منه حتى يعرف نعمة الله عليه فلا يزدريها ، والنهي أن يفخر أحد على أحد ،
    والنهي عن إخلاف الوعد ، والنهي عن خيانة الأمانة ، والنهي عن كتم العلم والنهي عن الشفاعة السيئة مثل أن يتوسط في الشر .
    والنهي عن سؤال الناس دون حاجة ، والنهي عن الجرس في السفر والنهي عن اتخاذ الكلاب إلا لحاجة ككلب الماشية وكلب الزرع والصيد والحراسة .
    والنهي عن الضرب فوق عشرة أسواط إلا في حد من حدود الله والنهي عن كثرة الضحك والنهي عن إكراه المرضى على الطعام والشراب فإن الله يطعمهم ويسقيهم والنهي عن إحداد النظر إلى المجذومين .
    والنهي أن يروع المسلم أخاه المسلم أو يأخذ متاعه لاعبا أو جادا والنهي عن الأخذ والإعطاء بالشمال ، والنهي عن النذر لأنه لا يرد من قضاء الله شيئا وإنما يستخرج به من البخيل ، وعن ممارسة الطب بغير خبرة ، وعن قتل النمل والنحل والهدهد .
    والنهي أن يسافر الرجل وحده ، والنهي أن يمنع الجار جاره أن يغرز خشبة في جداره .
    والنهي عن جعل السلام للمعرفة وإنما يسلم على من عرف ومن لم يعرف ، وعن إجابة من بدأ بالسؤال قبل السلام ، وعن تقبيل الرجل الرجل .
    والنهي عن جعل اليمين حائلة بين الحالف وعمل البر بل يأتي الذي هو خير ويكفر عن يمينه ، وعن القضاء بين الخصمين وهو غضبان أو يقضي لأحدهما دون أن يسمع كلام الآخر .
    والنهي عن إخراج الصبيان خارج البيت عند غروب الشمس حتى يشتد السواد لأنها ساعة تنتشر فيها الشياطين ، والنهي عن الجذاذ بالليل وهو قطع الثمار وعن الحصاد بالليل لئلا يخفى على المساكين ولئلا يكون فرارا من الفقراء قال الله تعالى : ( وآتوا حقه يوم حصاده ) .
    والنهي أن يمر الرجل في السوق ومعه ما يؤذي المسلمين كالأدوات الحادة المكشوفة ، والنهي عن الخروج من البلد التي وقع فيها الطاعون أو الدخول إليها .
    والنهي عن الحجامة يوم الجمعة والسبت والأحد والأربعاء وإنما يحتجم يوم الخميس والاثنين والثلاثاء ، والنهي عن تشميت من عطس فلم يحمد الله ، والنهي عن التفل تجاه القبلة ، والنهي عن التعريس على قارعة الطريق في السفر ، وهو النزول للنوم والاستراحة وذلك لأنها مأوى الدواب ، والنهي عن الضحك من الضرطة وهي صوت الريح لأن كل إنسان معرض لذلك ولا يخلو منه شخص وفيه رعاية لنفوس الآخرين .
    والنهي عن رد الطيب والوسائد والريحان .
    وختاما هذا ما تيسر جمعه من المنهيات ، نسأل الله الكريم رب العرش العظيم أن يجنبنا الإثم والفواحش ما ظهر منها وما بطن وأن يباعد بيننا وبين أسباب سخطه وأن يتوب علينا إنه سميع قريب مجيب . سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين .

    والله من وراء القصد
    فرانكلي

    __________

    أتق الله حيث ما كنت واتبع السيئة الحسنة تمحها وخالق الناس بخلق حسن

    منقول
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

07-10-2020, 10:42 AM

سيف اليزل برعي البدوي
<aسيف اليزل برعي البدوي
تاريخ التسجيل: 04-30-2009
مجموع المشاركات: 18170

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: مقالات مفيدة تهم المجتمع و الأسرة و الشبا� (Re: سيف اليزل برعي البدوي)

    عقد الزواج في الإسلام هو رباط قوي بين الرجل والمرأة تستقر به النفس وتقر العين وهو ميثاق غليظ كما وصفه تعالى: (وأخذن منكم ميثاقا غليظا) [سورة النساء]، والله حرص على تماسك الأسرة والاستمرار بعقد النكاح بالمعروف كما قال في كتابه الكريم: (فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان)، [البقرة] وأمر الزوج بأن يحسن معاشرة زوجته وإن كان كارها لها، ولكننا وللأسف أصبحنا اليوم نشهد انتشار ظاهرة الطلاق المبكر بالمجتمعات العربية وهي ظاهرة بدأت تتفشى في مجتمعات المسلمين عامة ومجتمعنا القطري خاصة، واختلفت الأسباب وكثرت الدراسات حولها والإحصاءات في ازدياد مستمر، وتجاوز الناس مفهومه الشرعي وهدفه وأصبح مشكلة حقيقة لا يمكن التغاضي عنها، فالشباب يتزوجون اليوم ويطلقون غدا دون سابق إنذار، استخف الناس بهذا الميثاق الغليظ وصار سهلا وهينا.

    مجتمعنا أصبح يعيش اليوم مع شبح الطلاق والخلع بشكل مخيف، وأصبح عقد الزواج أمرا يمكن التحلل منه في كلمة واحدة (أنت طالق)، أو (طلقني)، كلمات باتت منتشرة في مجتمعنا وهينة لدى الكثير، بهذه الكلمة هدمت العديد من الأسر وضاعت الأحلام ومعظم الأمنيات، والغريب بأن الزوج يقولها بسهولة ودون خوف والزوجة تطلبها باستهتار وغرور فيقع الطلاق قبل إتمام العام الأول من الزواج، ولعلها ظاهرة بتنا نراها في عصرنا الحديث بعد التطور العمراني والتمدن بمختلف المجالات، وربما بسبب الانفتاح العظيم الذي نعيشه، وتغير أسلوب الحياة واصطدامنا مع الواقع الحديث والحياة المعاصرة، وتسارع وتيرة الحياة اليومية، ولو رجعنا إلى أسباب تفشي الطلاق نجدها كثيرة، ولكننا سنتطرق لبعض هذه الأسباب التي غابت عن الناس أو غفلوا عنها:

    أولا: سوء اختيار الزوج أو الزوجة:
    ويكون ذلك بتسرع الشاب في أمر الزواج والبحث عن المظهر الجذاب والشكل الجميل دون الالتفات للجوانب الأخرى الفكرية والنفسية والاجتماعية والدينية والعاطفية لشريكة حياته وأم أولاده مستقبلا والتي ستقاسمه الحياة القادمة بما فيها من حلو ومر، وكذلك الفتاة فإنها تتسرع بقبول من تقدم لخطبتها دون البحث والسؤال حول دين الشاب وخلقه عماد الحياة الزوجية، فيقدم أحد الطرفين على الزواج دون معرفة الطرف الآخر في الدين والأخلاق وبقية الجوانب ويكتشفها بعد المعاشرة.
    ومن الأسباب التي تغيب عن الكثير ضعف الوازع الديني وارتكاب الذنوب والمعاصي من أحد الطرفين أو كليهما أحيانا، والتقصير بحق الله خاصة بالصلاة وقراءة القرآن، فنجد العديد من الشباب والفتيات تاركا للصلاة ولا يلتفت لها وكذلك القرآن وبقية الشعائر الدينية يهملها أو يتغاضى عنها بعمد، واستسهال الناس في ارتكاب المعاصي والتعود عليها كحضور المجالس الماجنة ومشاهدة الأفلام الإباحية، ومجالسة رفاق السوء وغيرها من الذنوب وصولا لمشكلات الإدمان وتناول المسكرات التي تفقد الشاب عقله وصوابه فيضرب المرأة ويهينها ويسبها وقد يطردها من بيتها، ويطلقها دون التفات لحق الله وينتهي عقد الزواج قبل بدايته.

    ثانيا: عدم تحمل المسؤولية من كلا الزوجين:
    إهمال الحقوق والواجبات الزوجية اللازمة وتحول مؤسسة الزواج إلى مؤسسة تعاسة وكره بدلا من الحب والود، فنرى الزوج منشغلا بالسهر في مجالس أصحابه، وكثير السفر دون مبرر، ويترك شؤون أسرته دون القيام بها، ولا يقوم أحيانا بأبسط الأمور لمنزله وأسرته فتضيع حقوق الرعية، قال -صلى الله عليه وسلم-: (كفى بالمرء إثما أن يضيع من يعول)، فنرى اليوم التهاون في دفع الإيجار وجلب احتياجات المنزل من مأكل ومشرب، فتتحمل بعض الزوجات هذا العبء، والأخريات يطلبن الطلاق لتهاون الزوج بهذا الأمر فإنه يطلقها دون تفكير، وينسى حقوق زوجته وأنه المسؤول عن إعالتها.
    وبالمقابل نرى إهمال بعض النساء لمنزلها وانشغالها بمواعدة صديقاتها وحضور المناسبات والجلوس ومتابعة مواقع التواصل الاجتماعي بشكل إدماني وترك المنزل والأسرة دون رعاية، ومبالغة الفتيات والشباب باستخدام هذه الوسائل وترددهم على المواقع السيئة أدى إلى تفشي المعاصي فتفتن المرأة برجل غير زوجها تشاهد صوره وتسمع كلامه وتتمناه زوجا لها، فتشتعل فتيلة الطلاق لانجراف المرأة بهذه المواقع فتبدأ بالمراسلات والمحادثات المحرمة فتخون زوجها، ويفتتن الرجل بامرأة غير زوجته يشاهدها من خلف شاشات الجوال وأجهزة الحاسوب ويتعلق قلبه بها ويدخل في دوامة المحرمات والعلاقات غير الشرعية فيقع الطلاق وينتهي ميثاق الزواج بين الزوجين لإهمال الرجل أو المرأة وتعلقهم بالمحرمات

    ثالثا: عدم وجود الاستقرار الأسري وعدم فهم الحياة الزوجية:
    فلا يراعي الزوج أو الزوجة حقوق الآخر فيفقد التفاهم بينهم وتسود العداوة والنفور والعناد والصراخ، فبعض الأزواج يهدد زوجته بالطلاق دائما أو يستفزها لتطلب الطلاق بنفسها، فلا يراعي حقوق الله ولا حقوق الزوجة، وبسبب التصرفات الخاطئة بين الزوجين والغيرة المفرطة والشك وسوء الظن وبتنا نرى بأن أحد الزوجين يعير الآخر بشيء في خلقه أو مستواه التعليمي أو طبقته الاجتماعية، أو تعالي أحدهما على الآخر بوظيفته ومنصبه، وأحيانا بسبب منع الزوج لزوجته من زيارة أهلها وأقاربها دون سبب شرعي يبيح له ذلك، أو بسبب بخل الزوج وعدم توفير حقوق الزوجة الشرعية من مسكن وملبس ومأكل ومشرب ودواء.

    كذلك إرهاق الزوجة لزوجها بطلب الكماليات غير الواجبة كالحقائب والأحذية الثمينة والسفرات الباهظة والمجوهرات، وغيرها من الكماليات غير الواجبة شرعا، ورغبة من الزوجة بتقليد من هن أعلى منها أو بسبب تعاليها على الزوج لاختلاف المناصب والطبقة الاجتماعية أو تأثرها بوسائل التواصل الاجتماعي وما تشاهده من حياة زائفة يصورها البعض بأنها حياته الحقيقية فتطلب من زوجها مسكنا باهظا لتصويرة أو الخروج للأماكن الباهظة لتقليد من تشاهدهم وتتأثر بهم فتصور منزلها وزجها وملابسها وتفشي أسرارها على وسائل التواصل المختلفة، وتتمادى بعض الزوجات، وتنسى حرمة ما تقوم به ولا تراعي حقوق زوجها وحق الله تعالى.

    أيضا بعض الأفلام والمسلسلات المنتشرة أصبحت تصور للرجل والمرأة بأن الحياة الزوجية سعادة وحب ورومانسية دائمة بلا مشاكل، أو العكس بأنها بداية للمشكلات والنكد وأن الزواج قيد يمنع كلاهما من الحرية ويحمل صاحبه الهموم والمسؤوليات فيقع الطلاق لوهم زائف تبثه وسائل الإعلام.

    رابعا: الاضطرابات النفسية وبعض الصفات السلبية لدى الزوجين:
    فيكون أحد الطرفين سريع النفور وكثير العصبية والشجار لأتفه الأمور، فتنشأ الخلافات وتشتعل من أتفه الأمور فعلى سبيل المثال تغضب المرأة من زوجها حينما يتأخر بإحضار احتياجات المنزل ولا تراعي انشغاله بأمور العمل أو غيرها فتغضب وتتشاجر وفي كثير من الأحيان تطلب الطلاق وتتهمه بالإهمال أو تقارنه بوالدها وإخوتها فتستفزه للطلاق وقد تترك المنزل وتعود لمنزل أهلها لسبب أحمق وتافه، والعكس أيضا حينما تتأخر الزوجة بتلبية طلبات زوجها.

    فقد الشباب العقل والحكمة في تصرفاتهم وأصبح الطلاق سهلا ويقع لأمور تافهة يسهل حلها، وكذلك تمسك كلا الطرفين بطبائعه وعناده ورفضه للتنازل، وعدم الالتفات للاضطرابات النفسية التي يعاني منها أحد الطرفين فلا يعالجها بل يدعها تتطور ويكون بمواجهة دائمة مع الطرف الآخر تستدعي الطلاق دون مراعاة للود والرحمة بين الزوجين، فكثير من الخلافات تشتعل من أمور هينة يمكن تجاوزها بالحكمة والصبر لاستقرار الحياة وكمالها.

    خامسا: تدخل الأهل وغياب النصح والإرشاد:
    تدخل أهل الزوج أو الزوجة في حياة الأزواج الجدد في بداية مسيرتهم يعد من الأسباب المهمة إلى انتشار الطلاق، فبعض الأسر تتدخل بخصوصيات الحياة الزوجية لأولادهم وهنا تبدأ المشكلات.
    تذهب الفتاة لأمها طلبا لمشورة ما في بداية حياتها الزوجية أو عند تعرضها لمشكلة ما فتنحاز الأم لابنتها والبعض تأخذه العزة وتغيب عنه الحكمة ويحول النصح إلى عداء وتحريض، وأحيانا ضعف شخصية الشاب وتعلقه بأبيه أو سكنه مع أهله يدفعه إلى إفشاء أسرار الزوجة أمام والديه فنرى تحيز الأم لولدها وتبدأ المشكلات، وبعض الأسر تتدخل في حياة أولادها من باب الحرص الشديد فتزيد المشاكل بدل أن تقل وإن كانت نوايا الأهل حسنة، وأحيانا غيرة الأم على ولدها تدفعها لاختلاق المشكلات لجذب ولدها.

    وأسباب الطلاق اليوم باتت كثيرة لا نستطيع حصرها بمقال صغير، فالأرقام وفق الإحصاءات الأخيرة باتت مخيفة ونحن بحاجة إلى وقفه جادة نحو هذه المشكلة ووضع الحلول الجذرية ومعالجة الأسباب، وكذلك الشباب بحاجة إلى التوعية حول أهمية الزواج وبأنه ميثاق يجب الالتزام به، وتوعيه النساء خاصة بعد الحملات التي تطالب بحرية المرأة وبأنها قادرة على العيش لوحدها دون زواج وأن لديها ما يكفيها من المادة للاعتماد على نفسها، نحمد الله على الرخاء الذي نعيشه ولكننا يجب أن لا نستهين بهذا الأمر ونظن بأن المال هو عماد الحياة، فللطلاق مشكلات وتبعات عديدة لا تقف عند ورقة الطلاق، بل تتجاوزها وتؤدي إلى انتشار الآثار السلبية على الأطفال مستقبلا حينما ينشأ الطفل بعيدا عن والديه، وانتشار الظواهر السلبية والانحرافات والاضطرابات لدى المطلقين وأطفالهم، نحن اليوم بحاجة إلى وضع الحلول وعدم الاستهانة بهذه المشكلة الكبيرة التي ترتبت عليها العديد من الظواهر السلبية.
    إسلام ويب
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

07-11-2020, 12:23 PM

سيف اليزل برعي البدوي
<aسيف اليزل برعي البدوي
تاريخ التسجيل: 04-30-2009
مجموع المشاركات: 18170

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: مقالات مفيدة تهم المجتمع و الأسرة و الشبا� (Re: سيف اليزل برعي البدوي)

    أيها الدعاة.. رفقا بالمدعوين...
    روى الإمام مسلم في صحيحه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: [إنَّ اللهَ رفيقٌ يحبُّ الرِّفقَ، ويُعطي على الرِّفقِ ما لا يُعطي على العنفِ، وما لا يُعطِي على ما سواه].

    وفيه أيضا عنه صلوات الله وسلامه عليه قال: [إنَّ الرِّفقَ لا يكونُ في شيءٍ إلَّا زانه، ولا يُنزعُ من شيءٍ إلَّا شانه].

    وإذا كان الله سبحانه [يُحِبُّ الرِّفقَ في الأمْرِكُلِّهِ].. كما جاء في صحيح البخاري.. فإن أعظم ما يدخله الرفق هو دعوة الناس للإيمان والإسلام والعمل الصالح، وحثهم على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولذا كان أولى الناس بالتحلي بهذا الخلق وأحوجهم إليه هم الدعاة؛ فإن عند الناس من الهموم ما يكفيهم، وهم بحاجة إلى من يواسيهم لا من يعنفهم.

    وعلينا ألا ننسى أن البشر مخلوقات عاطفية تجذبهم الكلمة الطيبة وينفرهم التوبيخ والتقريع، وعند كل واحد منهم من الاعتداد بنفسه ومواهبه وإمكاناته ما يجعله يرى في الكلمة القاسية عدواناً على كرامته ومجاله الخاص.

    قال شيخ الإسلام ابن تيمية في سياق ما يحتاجه الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر: "فلا بد من هذه الثلاثة: العلم والرفق والصبر، العلم قبل الأمر والنهي، والرفق ومعه الصبر بعده.. وهذا كما جاء في الأثر عن بعض السلف، ورووه مرفوعا: (لا يأمر بالمعروف وينهي عن المنكر إلا من كان فقيها فيما يأمر به فقيها فيما ينهي عنه؛ رفيقا فيما يأمر به؛ رفيقا فيما ينهي عنه؛ حليما فيما يأمر به؛ حليما فيما ينهي عنه).

    والداعية إلى جانب إيثار الكلمة الرقيقة والأسلوب العذب يؤثر أيضا التشبيهات الجميلة، ويبتعد عن الأمثال والتشبيهات القبيحة أو المنفرة؛ وقد يستخدم البعض أحيانا تشبيهات وأساليب وكلاما الصمت خير منه بكثير!

    إن على الداعية أن ينتقي ألفاظه كما أمره الله تعالى: {وقولوا للناس حسنا}، {وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن}، فانتقاء أحسن الكلام، وأحسن الألفاظ، وأحسن الطرق والتعبيرات كل ذلك مأمور به الإنسان، فكيف بالداعية إلى الله الذي يريد أن يحبب الله إليهم ويحببهم إليه؟

    إن قولنا: "هذا خلاف الواقع" يؤدي عين المعنى الذي يؤديه قولنا: "هذا كذب"، لكنه أرفق وألطف.
    وإن قولنا : "ما رأيكم لو علمنا كذا" ألطف من قولنا: "اعملوا كذا، وكفوا عن كذا".
    وقد كان هذا منهجا نبويا مصطفويا فكثيرا ما كان يقول: [لو أن أحدكم إذا فعل كذا قال كذا]، أو [إذا أراد أحدكم أن يفعل كذا فليقل كذا وكذا]، [إن الله يحب أو قال يرضى للعبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها ويشرب الشربة فيحمده عليها]، وأشباه هذا من الكلام.. وقد كان يمكنه أن يقول: قولوا كذا، أو افعلوا كذا، أو آمركم بكذا..

    إن صيغة الأمر والنهي لم تعد مقبولة في كل موضوع؛ فالحضارة الحديثة وسعت دائرة الخصوصيات والحرية الشخصية إلى أبعد حد ممكن، وإن من واجبنا أن نشعر المخاطب أننا لا نتعدى على أي منهما.
    فالرفق الرفق فإن [من يحرم الرفق يُحرم الخير كله](رواه مسلم). وقد قال الله تعالى لنبيه صلوات الله عليه: {وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ} (آل عمران:159). فكيف بمن دونه؟
    جاء في ظلال القرآن عند تفسير هذه الآية:
    ( فالناس في حاجة إلى كنف رحيم، وإلى رعاية فائقة، وإلى بشاشة سمحة، وإلى ود يسعهم، وحلم لا يضيق بجهلهم وضعفهم ونقصهم.. في حاجة إلى قلب كبير يعطيهم، ولا يحتاج منهم إلى العطاء، ويحمل همومهم، ولا يُعَنّيهم بهمه، ويجدون عنده دائما الاهتمام والرعاية والعطف والسماحة والود والرضا...

    وهكذا كان قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهكذا كانت حياته مع الناس؛ ما غضب لنفسه قط ولا ضاق صدره بضعفهم البشري، ولا احتجز لنفسه شيئاً من أعراض هذه الحياة، بل أعطاهم كل ما ملكت يداه في سماحة ندية، ووسعهم حلمه وبره وعطفه ووده الكريم، وما من واحد منهم عاشره أو رآه إلا امتلأ قلبه بحبه، نتيجة لما أفاض عليه صلى الله عليه وسلم من نفسه الكبيرة الرحيبة.

    هذه هي صفات نبينا محمد صلى الله عليه وسلم الذي أمرنا الله عز وجل بالتأسي به، واقـتـفاء أثره، وهي نموذج لكل داعية يريد دعوة الناس إلى الخير، ويحببهم فيه، ولكن مع ذلك بعضنا يفرط في هذه الصفات، ويصدر منه من المواقف والتصرفات ما ينم عن الغلظة، والفظاظة، وعدم الحلم، وسعة الصدر، متمثلا في تقطيب الوجه، وانقباض النفس، وفقدان الرفق والأناة، ومعلوم ما ينتج عن ذلك من نفرة الناس وكرههم لمن هذه أخلاقه، فوق ما في ذلك من الإثم وحرمان الأجر.
    قال الرسول صلى الله عليه وسلم: [ لا تحقرن من المعروف شيئا ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق].
    ------------------------------------------
    الصحبة.. بين حامل المسك ونافخ الكير...
    الإنسان في هذه الحياة لابد له من مخالطة الناس، واتخاذ بعضهم جليساً له ورفيقا وصديقا، وعوناً على مشاكل الحياة.
    ولما كان الناس متفاوتين في أخلاقهم وطباعهم: فمنهم الخيِّر الفاضل الذي يُنتفع بصحبته وصداقته، ومجاورته ومشاورته، ومنهم الرديء الناقص في عقله وخلقه ودينه، الذي يُتضرر بقربه وعِشْرته ومحبته صداقته؛ نبهنا النبي صلى الله عليه وسلم ووجهنا إذا أراد أحدنا أن يتخذ صاحبا أن يتخير من بين الناس، وأن ينظر ويدرس ويحقق ويدقق، ولا يعجل، ولا يصحب من الناس أي إنسان كما اتفق، وإنما يهتم لهذا الأمر اهتماما عظيما؛ لما سيكون لهذه الصحبة من أثر في الدنيا والآخرة.

    فقد روى الإمام أحمد والترمذي عن سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: [المرء على دين خليله؛ فلينظر أحدكم من يخالل].
    وقال تعالى: {يأيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين}.
    فأرشد إلى اختيار الصحبة وحسن اختيار الرفيق والخليل:
    إذا كنت في قوم فصاحب خيارهم .. .. ولا تصحب الأردى فتردى مع الردي

    فليس شيء أدل على شيء من الصاحب على صاحبه:
    عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه .. .. فكل قرين بالمقارن يقتدي

    وقد ضرب النبي صلى الله عليه وسلم مَثَلَيْن للصديق الصالح وصديق السوء:
    فعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [مَثَلُ الجليس الصالح وجليس السوء؛ كحامل المسك ونافخ الكِير، فحامل المسك: إما أن يُحْذِيَك، وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحاً طيبة، ونافح الكِير: إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد منه ريحاً خبيثة](متفقٌ عليه).

    فبين أن صحبة الصالحين ومجالسة المتقين الطيبين خير وبركة، ونفع ومَغْنَم، في كل أحوالها، تماما كمجالسة حامل المسك، فجليسه معه في نفع دائم، فهو إما أن يهديك من عطره أو يعطرك، وإما أن تشتري منه، وأقل شيء أنك مدة الجلوس معه وأنت قرير النفس، منشرح الصدر برائحة المسك والعود، والعنبر والورود.

    وهذا مجرد مثل للتقريبٌ والتشبيهٌ، وإلا فما يحصل من الخير بمصاحبة الصالحين ومجالستهم أبلغ وأفضل من المسك الأَذْفَر:
    فالصاحب الصالح: إمَّا أن يعلِّمك أموراً تنفعك في دينك، وإما أن يعلِّمك شيئا ينفعك في دنياك، وإما أن يدلك على خير أو يمنعك من شر، أو يأمرك بالمعروف أو ينهاك عن المنكر، وصديق الخير والبر إن رأى منك خطأ أرشدك، أو لاحظ فيك عيبا بصرك وقومك، فإذا ذكرت الله أعانك، وإن أنت نسيت ذكرك، إن حضرت وقرك، وإن غبت فبالخير والجميل يذكرك، ويحمى عرضك ويذب عنك في غيبتك، وإن أصابك شيء من أمر الدنيا واساك بنفسه وماله.

    وأقل نفعٍ يحصل من الجليس الصالح: انكفاف الإنسان بسببه عن السيئات والمساوئ والمعاصي؛ رعايةً للصحبة، وحياء من صاحبه، ومنافسةً في الخير، وترفُّعاً عن الشرِّ.

    وصحبة الصالحين الطيبين تنفع في الدنيا والآخرة: وانظر إلى ما نال أبو بكر بسبب صحبته للنبي صلى الله عليه وسلم، وكيف رفعته ليكون أفضل الناس بعد الأنبياء والمرسلين.

    وانظر إلى أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وما نالهم بصحبتهم لرسول الله حتى أصبحوا خير القرون على الإطلاق، ونالوا رضا الخلاق، والفوز بالخلود في دار القرار، وعلوا بصحبتهم له فوق كل من سواهم، فلا ينال أحد بعدهم منالهم، ولا يبلغ أحد مهما عمل من الخير مقامهم، وما ذلك إلا بفضل الصحبة الطيبة.

    وأما في الآخرة:
    فإن رفقة أهل الخير وصحبة الصالحين كما تنفع أصحابها في الدنيا كذلك يكون نفعها في الآخرة..
    فأول ذلك أن العبد إذا مات فإن صاحبه لا ينساه بعمل صالح، كحفر بئر، أو صدقة جارية، أو عمل طيب يهب ثوابه لصديق عمره.. أو على الأقل بدعوة صالحة ربما لا يجدها من كثير من أهله وأقاربه.

    ثم يوم القيامة تكون المنفعة الكبرى؛ حين يناشد الصالحون ربهم أن ينقذ إخوانهم وأصدقاء الخير الذين كانوا معهم في الدنيا، ويشفعون عند الله أن يخرج من دخل النار منهم منها وأن يدخلهم الجنة كما جاء في الصحيحين وهذا لفظ مسلم. عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ بِأَشَدَّ مُنَاشَدَةً لِلَّهِ فِي اسْتِقْصَاءِ الْحَقِّ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ لِلَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِإِخْوَانِهِمْ الَّذِينَ فِي النَّارِ، يَقُولُونَ: رَبَّنَا كَانُوا يَصُومُونَ مَعَنَا وَيُصَلُّونَ وَيَحُجُّونَ. فَيُقَالُ لَهُمْ: أَخْرِجُوا مَنْ عَرَفْتُمْ. فَتُحَرَّمُ صُوَرُهُمْ عَلَى النَّارِ فَيُخْرِجُونَ خَلْقًا كَثِيرًا قَدْ أَخَذَتْ النَّارُ إِلَى نِصْفِ سَاقَيْهِ وَإِلَى رُكْبَتَيْهِ]. وصدق الله تعالى إذ يقول: {الأخِلاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلا الْمُتَّقِينَ}.

    ولفظ رواية البخاري: [مَا أَنْتُمْ بِأَشَدَّ لِي مُنَاشَدَةً فِي الْحَقِّ قَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ الْمُؤْمِنِ يَوْمَئِذٍ لِلْجَبَّارِ وَإِذَا رَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ نَجَوْا فِي إِخْوَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِخْوَانُنَا كَانُوا يُصَلُّونَ مَعَنَا وَيَصُومُونَ مَعَنَا وَيَعْمَلُونَ مَعَنَا فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى اذْهَبُوا فَمَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ دِينَارٍ مِنْ إِيمَانٍ فَأَخْرِجُوهُ وَيُحَرِّمُ اللَّهُ صُوَرَهُمْ عَلَى النَّارِ فَيَأْتُونَهُمْ وَبَعْضُهُمْ قَدْ غَابَ فِي النَّارِ إِلَى قَدَمِهِ وَإِلَى أَنْصَافِ سَاقَيْهِ فَيُخْرِجُونَ مَنْ عَرَفُوا].

    صحبة الأشرار
    وأما مصاحبة الأشرار: فهي السمُّ النَّاقع، والبلاء الواقع، يشجعون صاحبهم وجليسهم على فعل المنكرات، ويرغِّبون في المعاصي والمخالفات، ويفتحون لمن خالطهم وجالسهم أبواب الشرور، ويزيِّنون لمجالسيهم أنواع الفسق والفجور، ويذكرونه من أنواع المخازي ما قد نسيه، ويعلمونه من البلايا ما قد جهله.
    ومع ذلك فهم يخونون من رافقهم، ويفسدون من صادقهم، ويضيعون من أطاعهم ووافقهم.. كم من إنسان طيب الخلق لما عرفهم ساء خلقه.. وكم من خيِّر مستقيم لما صحبوه انحرف وانجرف، وكم من طالب مجد وقع على رفقاء السوء فضيعوا مستقبله، كم من زوج وأب سعيد في بيته لما صاحبهم صار يسهر ويشرب ويسكر فضيع أهله وانقلبت سعادته شقاء وتعاسة.. وكم وكم.

    ورفقاء السوء قد يفسدون على المرء آخرته، ويكون بسببهم من أهل النار، كما حدث مع أبي طالب عم النبي صلى الله عليه وسلم.
    فقد أخرج البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث سَعِيد بن الْمُسَيَّبِ عن أبيه قال: "لَمَّا حَضَرَتْ أَبَا طَالِبٍ الْوَفَاةُ جَاءَهُ رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَوَجَدَ عِنْدَهُ أَبَا جَهْلٍ وَعَبْدَ اللَّهِ بن أبي أُمَيَّةَ بن الْمُغِيرَةِ فقال رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يا عَمِّ قُلْ لَا إِلَهَ إلا الله كلمه أَشْهَدُ لك بها عِنْدَ اللَّهِ فقال أبو جَهْلٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بن أبي أُمَيَّةَ يا أَبَا طَالِبٍ أَتَرْغَبُ عن مِلَّةِ عبد الْمُطَّلِبِ فلم يَزَلْ رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَعْرِضُهَا عليه وَيُعِيدُ له تِلْكَ الْمَقَالَةَ حتى قال أبو طَالِبٍ آخِرَ ما كَلَّمَهُمْ هو على مِلَّةِ عبد الْمُطَّلِبِ وَأَبَى أَنْ يَقُولَ لَا إِلَهَ إلا الله فقال رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَمَا والله لَأَسْتَغْفِرَنَّ لك ما لم أُنْهَ عَنْكَ فَأَنْزَلَ الله عز وجل: {ما كان لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى من بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لهم أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ}، وَأَنْزَلَ الله تَعَالَى في أبي طَالِبٍ فقال لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: {إِنَّكَ لَا تَهْدِي من أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي من يَشَاءُ وهو أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ}.

    وكما أن رفقاء السوء وأصدقاء الشر قد يصدون صاحبهم عن الإيمان فكذلك هم من أكبر العوائق عن التوبة.. فصاحبهم يدع التوبة خشية مفارقتهم وفقدهم، خاصة إذا لم يكن له صحبة سواهم.
    وإما لأنه إذا أراد التوبة زهدوه في الخير والهدى وزينوا له ما هم عليه من الشر والردى، ومدوا له حبل الأمل، وطول العمر وأنك متى كبرت تبت ورجعت.
    فإن رأوا منه جدا في التوبة وإصرارا على تركهم ومفارقتهم وترك باطلهم وغيهم وما هم عليه، ذكروه بالليالي الحمراء، والأيام السوداء، والأفعال الشنعاء..
    تذكر كم ليــلة سهــرنـا .. .. في ظـلها والزمــان عـيد
    تذكر كم نغـمة سمــعنا .. .. وأنت فيـنا راقــص مريد
    تذكر كم خـمرة شربـنا .. .. من نشوها والشراب زيد
    أين النساء التي عـرفنا .. .. وأنت فينا القائــد المجـيد
    أين القمار الذي لعـبـنا .. .. وأنت فينا حـاضر شــهيد
    أين الصلاة التي تركنا .. .. والكفر في حــقـنا مـزيـد
    كأن ذا لم يكـن تقضـى.. .. وأنت فينا الصالح الوحيد.

    فإن أراد الله به خيرا ثبته ووفقه لمفارقتهم، وإلا لم يستطع منهم فكاكا ولا عنهم انفكاكا، فيخسر دنياه وآخرته.

    صحبة الفجار وأثرها في الآخرة
    وأما في الآخرة فيتجلى الأثر القبيح لهذه الصحبة، فيبدي كل منهم العداوة لصاحبه، كما قال الله تعالى: {الأخِلاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلا الْمُتَّقِينَ}(الزخرف).

    ويتبرأ كل واحد منهم من الآخر ويشمت فيه قال تعالى: {إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ (166) وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا ۗ كَذَٰلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ ۖ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ}(البقرة:166، 167).

    ويتمنى كل منهم لو أنه ما رأى صاحبه ولا عرفه ولا صادقه ولا جالسه ولا رضي به صاحبا وخليلا، ويعض أصابع الندم على تلك الصحبة ولكن بعد فوات الأوان، وحين لا ينفع الندم قال تعالى: {وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَىٰ يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (27) يَا وَيْلَتَىٰ لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا (28) لَّقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي ۗ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنسَانِ خَذُولًا}(الفرقان:27، 29).

    فوازن رحمك الله بين صحبة الأخيار وصحبة الفجار، وبين صداقة الطيبين وصداقة الفاجرين، وانصح لنفسك فـ[لا تصاحب إلا مؤمنا ولا يأكل طعامك إلا تقي].

    -------------------------------------------
    حسن الظن بالله.. عبادة وسعادة...
    حسن الظن بالله من العبادات الجليلة التي يبنغي أن يملأ المؤمن بها قلبه في جميع أحواله ويستصحبها في حياته، في هدايته، في رزقه، في صلاح ذريته، في إجابة دعائه، في مغفرة ذنبه ، في كل شيء.

    يقول ابن مسعود رضي الله عنه: "والذي لا إله غيره ما أعطي عبد مؤمن شيئا خيرا من حسن الظن بالله تعالى، والذي لا إله غيره لا يحسن عبد بالله الظن إلا أعطاه الله عز وجل ظنه، ذلك بأن الخير في يده " رواه ابن ابي الدنيا".

    ما أروع حسن الظن بالله حين يوقن المؤمن أن بعد الكسر جبرا، وأن بعد العسر يسرا، وأن بعد التعب راحة، وبعد الدمع بسمة، وبعد المرض شفاء، وبعد الدنيا جنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين.
    قل للذي ملأ التشــاؤم قلــبه .. ومضى يضيق حولنا الآفاقا
    سر السعادة حسن ظنك بالذي .. خلق الحياة وقسم الأرزاقا

    يقول الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم: يقول الله تعالى: [أنا عند ظن عبدي بي].
    من ظن بالله خيرا أفاض عليه جزيل خيراته وجميل كراماته، ومن عامل الله باليقين أدهشه الله من عطائه بما يفوق خياله، فالله جل جلاله يعامل عباده على حسب ظنونهم به، ويفعل بهم ما يتوقعونه منه وفوقه.

    إذا دعوت فظن بالله خيرا أنه سيستجيب دعاءك، وإذا أنفقت في سبيل الله فظن بالله خيرا أنه سيخلف عليك، وإذا تركت شيئا لله فظن بالله خيرا أنه سيعوضك خيرا مما تركت، وإذا استغفرت فظن بالله خيرا أنه سيغفر لك وسيبدل سيئاتك حسنات.
    إذا ضــاقت فــباب الله رحــب .. ومـا خــاب الــذي لله آبــا
    متى ما استحكمت قل يارحيما .. يفرجـها ويمنــحك الثوابـا
    وأحسن بالكريم الظنَّ دوما .. تجد من لطفه العجب العجابا

    قال المأمون لمحمد بن عباد: "بلغني أنه لا يقدم أحد البصرة إلا أضفته؟
    فقال: منْعُ الجودِ سوءُ ظنٍّ بالمعبود. وفي رواية "من له مولى غني لم يفتقر".

    المواطن التي يتأكد فيها حسن الظن بالله تعالى:
    أولا: عند الأزمات، والملمات، والتضحيات، وكثرة الفتن، وتقلب الأمور، وغلبة الديون، وضيق العيش ومثل ذلك
    ففي الحديث: [من نزلت به فاقة فأنزلها بالله يوشك الله له برزق عاجل أو آجل](رواه أبو داود والترمذي والحاكم).

    ذكر القرآن حال الأنبياء في حال الشدائد العصيبة من حسن ظنهم بربهم ويقينهم وثقتهم بوعده، عقيدة راسخة وليست خواطر عابرة.. قال موسى لقومه لما قالوا: {إنا لمدركون قال كلا إن معي ربي سيهدين فأوحينا إلي موسى أن اضرب بعصاك البحر فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم}سورة الشعراء.
    وقال محمد صلى الله عليه وسلم للصديق يوم جاء أعداؤه إلى الغار {لا تحزن إن الله معنا}سورة التوبة ، وقال: [ياأبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما]؟
    توقع صنع ربك سوف يأتي .. بمــا تهــواه مـن فــرج قــريـب
    ولا تيأس إذا ما ناب خطب .. فكم في الغيب من عجب عجيب

    ثانيا: عند الدعاء
    من كانت علاقته بالدعاء قوية هانت عليه المصائب، وتيسرت له السبل، وبورك له في كل شيء يسلكه، ففي الحديث الشريف "لن يهلك مع الدعاء أحد" أخرجه الحاكم في المستدرك وفي الحديث الآخر "ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة" رواه الترمذي.
    قال عمر: "إني لا أحمل هم الإجابة ولكن أحمل هم الدعاء، فإذا أُلهِمت الدعاء فإن الإجابة معه".

    ثالثا: عند التوبة:
    يوقن المسلم بسعة رحمة الله، وأنه يقبل التوبة عن عباده وأنه يعفو عن السيئات.
    جاء الفضيل إلى سفيان الثوري في يوم عرفة وقال له: من أسوأ الناس حالا في هذا اليوم؟ قال: من ظن أن الله لا يغفر لهم.
    لأن هذا من سوء الظن بالغفار الذي وسعت رحمته كل شيء.

    رابعا: عند الاحتضار
    ففي الحديث: [لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله عز وجل] رواه مسلم.

    قال إبراهيم النخعي: "كانوا يستحبون أن يلقنوا العبد محاسن عمله عند موته لكي يحسن الظن بربه".

    مرض أعرابي فقال له الطبيب: إنك ستموت. فقال: ثم إلى أين سأذهب؟ قال إلى الله. فقال: ما كراهتي أن أذهب إلى من لا أرى الخير إلا منه؟

    واحتضر رجل فقالوا له: ما ترى الله فاعلا بك؟
    فقال: لقد أكرمني وأنا في داري، فلن يكون أقل كرما وأنا في داره.

    قال أعرابي لابن عباس: من يحاسب الناس يوم القيامة؟ قال الله.
    قال نجوت ورب الكعبة؛ لأن الكريم إذا ملك رحم، وإذا قدر عفا.

    يقول الحسن البصري رحمه الله تعالى محذرا ومبينا الفرق بين حسن الظن والغرور:
    "إن قوما ألهتهم الأماني حتى خرجوا من الدنيا ومالهم حسنة يقول أحدهم: إني أحسن الظن بربي.. وكذب، لو أحسن الظن لأحسن العمل".

    تأمل في الحياة ترى أمورا .. ستعجب إن بدا لك كيف كانت
    فكــم من كربة أبكت عيونا .. فهونــها الكــريم لنــا فـهانــت
    وكم من حاجة كانت سرابا .. أراد الله لــقيــاهـــا فــحانـــت
    وكم ذقنا المرارة من ظروف .. برغــم قســاوة الأيـام لانت
    هي الدنـيــا لنــا فيــها شؤون .. فإن زينـتها بالصـبر زانـت

    اللهم ارزقنا حسن الظن بك، وصدق التوكل عليك، ولذة الافتقار لك.
    إسلام ويب...
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

07-13-2020, 12:32 PM

سيف اليزل برعي البدوي
<aسيف اليزل برعي البدوي
تاريخ التسجيل: 04-30-2009
مجموع المشاركات: 18170

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: مقالات مفيدة تهم المجتمع و الأسرة و الشبا� (Re: سيف اليزل برعي البدوي)

    تدبر القرآن دواء القلوب...
    إن القرآن كلام الله الذي أنزله ليعمل به ويكون منهاج حياة للناس، ولا شك أن قراءة القرآن قربة وطاعة من أحب الطاعات إلى الله، لكن مما لا شك فيه أيضا أن القراءة بغير فهم ولا تدبر ليست هي المقصودة، بل المقصود الأكبر أن يقوم القارئ بتحديق ناظر قلبه إلى معاني القرآن وجمع الفكر على تدبره وتعقله، وإجالة الخاطر في أسراره وحِكَمه.

    القرآن يدعونا إلى التدبر:
    إن الله دعانا لتدبر كتابه وتأمل معانيه وأسراره: {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الأَلْبَابِ} [ص:29].

    وقد نعى القرآن على أولئك الذين لا يتدبرون القرآن ولا يستنبطون معانيه: {أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً * وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً} [النساء:82، 83].

    الناس عند سماع القرآن أنواع:
    قال تعالى في آياته المشهودة: {وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشاً فَنَقَّبُوا فِي الْبِلادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ * إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ} [ق:36، 37].

    قال ابن القيم – رحمه الله -: "الناسُ ثلاثةٌ: رجلٌ قلبُه ميتٌ، فذلك الذي لا قلبَ له، فهذا ليست الآية ذكرى في حقه.

    الثاني: رجلٌ له قلب حيٌّ مستعدٌّ، لكنه غير مستمعٍ للآيات المتلُوةِ، التي يخبر بها الله عن الآيات المشهودة، إما لعدم وُرُودها، أو لوصولها إليه وقلبه مشغول عنها بغيرها، فهو غائب القلب ليس حاضرًا، فهذا أيضًا لا تحصُلُ له الذكرى، مع استعداده ووجود قلبه.

    والثالث: رجلٌ حيُّ القلب مستعدٌّ، تُليت عليه الآيات، فأصغى بسمعه، وألقى السمع، وأحضر قلبه، ولم يشغلْه بغير فهم ما يسمعُهُ، فهو شاهدُ القلب، مُلقي السَّمع، فهذا القِسمُ هو الذي ينتفع بالآيات المتلوَّة والمشهودة.

    فالأول: بمنزلة الأعمى الذي لا يُبصر.

    والثاني: بمنزلة البصير الطَّامح ببصره إلى غير جهة المنظور إليه، فكلاهما لا يراه.

    والثالث: بمنزلة البصير الذي قد حدَّق إلى جهة المنظور، وأتبعه بصره، وقابله على توسُّطٍ من البُعد والقربِ، فهذا هو الذي يراه.

    فسبحان من جعل كلامه شفاءً لما في الصدور.

    فاعلم أن الرجل قد يكونُ له قلبٌ وقَّادٌ، مليءٌ باستخراج العبر واستنباط الحكم، فهذا قلبه يُوقعه على التذكُّر والاعتبار، فإذا سمع الآيات كانت له نُورًا على نور، وهؤلاء أكملُ خلق الله، وأعظمهم إيمانًا وبصيرةً، حتى كأنَّ الذي أخبرهم به الرسول مشاهدٌ لهم، لكن لم يشعُرُوا بتفاصيله وأنواعه، حتى قيل: إن مثل حالِ الصِّدِّيق مع النبي صلى الله عليه وسلم، كمثل رجلين دخلا دارًا، فرأى أحدهما تفاصيل ما فيها وجزئيَّاته، والآخر وقعت يدُهُ على ما في الدار ولم ير تفاصيلَهُ ولا جُزئياته، لكن علم أن فيها أمورًا عظيمة، لم يدرك بصره تفاصيلها، ثم خرجا فسأله عمَّا رأى في الدار، فجعل كُلما أخبره بشيء صدَّقهن لما عنده من شواهد، وهذه أعلى الدرجات الصديقية، ولا تستبعد أن يَمُنَّ الله المنان على عبدٍ بمثل هذا الإيمان، فإن فضل الله لا يدخل تحت حصرٍ ولا حُسبان.

    فصاحبُ هذا القلب إذا سمع الآيات وفي قلبه نورٌ من البصيرة، ازداد بها نورًا إلى نوره. فإن لم يكن للعبد مثل هذا القلب فألقى السمع وشهد قلبُهُ ولم يغب حصل له التذكُّرُ أيضًا: {فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ} [البقرة:265]، والوابلُ والطَّلُّ في جميع الأعمال وآثارها وموجباتها. وأهل الجنة سابقون مقرَّبون وأصحابُ يمين وبينهما في درجات التفضيل ما بينهما".

    الرسول صلى الله عليه وسلم يتدبر القرآن:
    عن حذيفة رضي الله عنه قال: "صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة، فافتتح البقرة، فقلت: يركع عند المائة. ثم مضى، فقلت: يصلي بها في ركعة؛ فمضى. ثم افتتح النساء فقرأها، ثم افتتح آل عمران فقرأها. يقرأ مترسلاً، إذا مرَّ بآية فيها تسبيح سبَّح، وإذا مرَّ بسؤال سأل، وإذا مر بتعوذ تعوذ".[مسلم].

    وبكى صلى الله عليه وسلم حين قرأ عليه ابن مسعود من سورة النساء قوله تعالى: {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيداً} [النساء:41] فهل تتوقع أن يكون ذلك من غير تدبر؟

    وكان يدعو الأمة إلى التدبر وفهم معاني القرآن، فحين نزل قوله تعالى: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآياتٍ لأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} [آل عمران:190، 191]. قال صلى الله عليه وسلم: "ويلٌ لمن قرأها ولم يتفكر فيها".

    السلف الصالح يتدبرون القرآن:
    كان ابن عباسٍ رضي الله عنهما يقول: "ركعتان في تفكرٍ خيرٌ من قيام ليلة بلا قلب".

    وكان الفضيل – رحمه الله – يقول: "إنما نزل القرآن ليُعمل به فاتخذ الناس قراءته عملاً. قيل: كيف العمل به؟ قال: ليحلوا حلاله، ويحرموا حرامه، ويأتمروا بأوامره، وينتهوا عن نواهيه، ويقفوا عند عجائبه".

    وعمليًا كان منهم من يقوم بآية واحدة يرددها طيلة الليل يتفكر في معانيها ويتدبرها. ولم يكن همهم مجرد ختم القرآن؛ بل القراءة بتدبر وتفهم.. عن محمد بن كعب القُرَظِي قال: "لأن أقرأ في ليلتي حتى أصبح بـ(إذا زلزلت) و(القارعة) لا أزيد عليهما، وأتردد فيهما، وأتفكر أحبُّ إليَّ من أن أَهُذَّ القرآن (أي أقرأه بسرعة)".

    من ثمار التدبر:
    اعلم رعاك الله أن العبد إذا وفق لتدبر آيات الله تعالى فاز بالخير العميم، يقول ابن القيم – رحمه الله -:

    "فليس شيء أنفع للعبد في معاشه ومعاده، وأقرب إلى نجاته: من تدبر القرآن، وإطالة التأمل، وجمع الفكر على معاني آياته؛ فإنها تطلع العبد على معالم الخير والشر بحذافيرهما. وعلى طرقاتهما وأسبابهما وغاياتهما وثمراتهما، ومآل أهلهما، وتَتُلُّ في يده(تضع) مفاتيح كنوز السعادة والعلوم النافعة. وتثبت قواعد الإيمان في قلبه. وتحضره بين الأمم، وتريه أيام الله فيهم. وتبصره مواقع العبر. وتشهده عدل الله وفضله. وتعرفه ذاته، وأسماءه وصفاته وأفعاله، وما يحبه وما يبغضه، وصراطه الموصل إليه، وما لسالكيه بعد الوصول والقدوم عليه، وقواطع الطريق وآفاتها. وتعرفه النفس وصفاتها، ومفسدات الأعمال ومصححاتها وتعرفه طريق أهل الجنة وأهل النار وأعمالهم، وأحوالهم وسيماهم. ومراتب أهل السعادة وأهل الشقاوة، وأقسام الخلق واجتماعهم فيما يجتمعون فيه. وافتراقهم فيما يفترقون فيه.

    وبالجملة تعرِّفُهُ الرب المدعو إليه، وطريق الوصول إليه، وما له من الكرامة إذا قدم عليه.

    وتعرفه في مقابل ذلك ثلاثة أخرى: ما يدعو إليه الشيطان، والطريق الموصلة إليه، وما للمستجيب لدعوته من الإهانة والعذاب بعد الوصول إليه".

    وفي تأمل القرآن وتدبره، وتفهمه، أضعاف ما ذكرنا من الحكم والفوائد.
    ------------------------------
    من حكم الابتلاء بالضراء أو الشر
    من أسماء الله -عز وجل- "الحكيم" ولهذا الاسم كما لغيره من الأسماء الحسنى آثار في الخلق تترتب عليه، ومن مقتضى ذلك أن تكون أفعاله- سبحانه وتعالى-، وما يجري به قضاؤه وقدره لا يخلو من الحكمة، علمها من علمها وجهلها من جهلها، وسنحاول هنا أن نتأمل بعض- وليس كل- أسرار الابتلاء بالضراء أو ما تراه النفوس شرا.

    للابتلاء بالضراء أو الشر حكم عديدة نشير إلى أهمها فيما يلي:

    أ- تقوية الإيمان بالقضاء والقدر:
    يقول الشيخ محمد بن عثيمين رحمه الله: على الإنسان أن يؤمن بقضاء الله وقدره، قال تعالى: {وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ}(الأنعام/59) : {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذلِكَ فِي كِتابٍ إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ } (الحج/ 70)، {ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ}(الحديد/ 22).

    وعلى المسلمين أن يؤمنوا بمشيئة الله في عموم ملكه فإنه ما من شيء في السماوات أو في الأرض إلا وهو ملك لله عز وجل: { لله مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما فِيهِنَّ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ }(المائدة/ 120)، وما من شيء في ملكه إلا وهو بمشيئته وإرادته فبيده الملك، وبيده مقاليد السماوات والأرض، ما من شيء يحدث من رخاء وشدة، وخوف وأمن، وصحة ومرض، وقلة وكثرة، إلا بمشيئته سبحانه وتعالى. هو سبحانه خالق الإنسان ومدبره، فللإنسان عزيمة وإرادة، وله قدرة وعمل، والذي أودع فيه تلك العزيمة وخلق فيه القدرة هو الله عز وجل ولو شاء لسلبه الفكر فضاعت إرادته، ولو شاء لسلبه القدرة فما استطاع العمل.

    إن الإيمان بالقدر أحد أركان الإيمان الستة لا يتم الإيمان إلا به، لكنه ليس حجة للإنسان على فعل معاصي الله أو التهاون بما أوجب الله، وجه ذلك أنّ الله أعطاك عقلا تتمكن به من الإرادة والاختيار، وأعطاك قدرة تتمكن بها من العمل فلذلك إذا سلب عقل الإنسان لم يعاقب على معصية، ولا ترك واجب، وإذا سلب قدرته على الواجب لم يؤاخذ بتركه.

    ب- الابتلاء جسر يوصل إلى أكمل الغايات:
    يقول ابن القيم- رحمه الله-: (إذا تأملت حكمته سبحانه فيما ابتلى به عباده وصفوته وجدت أنه ساقهم به إلى أجلّ الغايات وأكمل النهايات التي لم يكونوا يعبرون إليها إلا على جسر من الابتلاء والامتحان، وكان ذلك الجسر لكماله كالجسر الذي لا سبيل إلى عبورهم إلى الجنة إلا عليه، وكان ذلك الابتلاء والامتحان عين المنهج في حقهم والكرامة، فصورته صورة ابتلاء وامتحان وباطنه فيه الرحمة والنعمة، فكم لله من نعمة جسيمة ومنة عظيمة تجنى من قطوف الابتلاء والامتحان، فتأمل حال أبينا آدم عليه السلام وما آلت إليه محنته من الاصطفاء والاجتباء والتوبة والهداية ورفعة المنزلة، ولولا تلك المحنة التي جرت عليه وهي إخراجه من الجنة وتوابع ذلك لما وصل إلى ما وصل إليه...).
    فرق كبير بين حال آم عليه السلام قبل الابتلاء وبعده؛ فقبل الابتلاء: {إنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى*وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى}(طه/118-119) أكل وشرب وتمتع، وبعد الابتلاء وقد أخبر عنه المولى بقوله: {ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ فَتابَ عَلَيْهِ وَهَدى}(طه/122). وهذه الحالة الثانية حال اجتباء واصطفاء وهداية، وكما يقول ابن القيم رحمه الله: ويا بُعد ما بينهما.

    ج- الابتلاء وسيلة للتمكين في الأرض:
    قيل للشافعي- رحمه الله- يا أبا عبد الله، أيهما أفضل للرجل أن يمكّن أو يبتلى؟ (أي بالضراء) ، فقال الشافعي: لا يمكّن حتى يبتلى، فإنّ الله تعالى ابتلى نوحا وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمدا- صلوات الله عليهم أجمعين- فلما صبروا (على الابتلاء) مكّنهم.
    وآيات الكتاب تشهد لهذا المعنى: {وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون}(السجدة/24).

    د- تمحيص المؤمن وتخليصه من الشوائب المنافية للإيمان:
    إن المصائب التي تصيب الناس في أنفسهم أو في أرزاقهم، أو غير ذلك مما يتصل بهم مما يسرهم الكمال فيه ويؤلمهم النقص منه، تكمن حكمتها في التمحيص الناتج عن هذا الابتلاء والامتحان، يقول الله تبارك وتعالى: {إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ* وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكافِرِينَ* أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ}( آل عمران/ 140- 142) .

    قال القاسمي (4/239) :(أي لينقّيهم ويخلّصهم من الذنوب ، ومن آفات النفوس . وأيضاً فإنه خلصهم ومحصهم من المنافقين ، فتميزوا منهم...ثم ذكر حكمة أخرى وهي ( ويمحق الكافرين ) أي يهلكهم ، فإنهم إذا ظفروا بَغَوا وبطروا ، فيكون ذلك سبب دمارهم وهلاكهم ؛ إذ جرت سنّة الله تعالى إذا أراد أن يهلك أعداءه ويمحقهم قيّض لهم الأسباب التي يستوجبون بها هلاكهم ومحقهم ، ومن أعظمها بعد كفرهم بغيهم وطغيانهم في أذى أوليائه ومحاربتهم وقتالهم والتسليط عليهم ... وقد محق الله الذي حاربوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد وأصروا على الكفر جميعاً).

    فالبلايا والمحن محك يكشف عما في القلوب وتظهر به مكنونات الصدور، ينتفي بها الزيف والرياء، وتنكشف الحقيقة بكل جلاء.. قال الفضيل بن عياض : (الناس ما داموا في عافية مستورون ، فإذا نزل بهم بلاء صاروا إلى حقائقهم ؛ فصار المؤمن إلى إيمانه ، وصار المنافق إلى نفاقه).

    ورَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِي "الدَّلائِل" عَنْ أَبِي سَلَمَة قَالَ : اُفْتُتِنَ نَاس كَثِير - يَعْنِي عَقِب الإِسْرَاء - فَجَاءَ نَاس إِلَى أَبِي بَكْر فَذَكَرُوا لَهُ فَقَالَ : أَشْهَد أَنَّهُ صَادِق . فَقَالُوا : وَتُصَدِّقهُ بِأَنَّهُ أَتَى الشَّام فِي لَيْلَة وَاحِدَة ثُمَّ رَجَعَ إِلَى مَكَّة ؟ قَالَ نَعَمْ , إِنِّي أُصَدِّقهُ بِأَبْعَد مِنْ ذَلِكَ , أُصَدِّقهُ بِخَبَرِ السَّمَاء , قَالَ : فَسُمِّيَ بِذَلِكَ الصِّدِّيق.

    فالابتلاء قد يقتضي في بعض أشكاله أن يكون بالمصيبة وبما تكره النفوس ، وتحمّل المؤمن مصائب الامتحان الإلهي بصبر وصدق مع الله ورضا بقضائه وقدره، هو من أفضل أعماله الصالحة، التي يكتب الله له بها أجرا عظيما وثوابا جزيلا. قال الله تعالى: {ما كانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلا نَصَبٌ وَلا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَطَؤُنَ مَوْطِئاً يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلا يَنالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ* وَلا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً وَلا يَقْطَعُونَ وادِياً إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ}(التوبة/ 120- 121) ، إن هذه الضراء ليست هي خاتمة المطاف، وسرعان ما تنقشع وتزول، يقول الله تعالى: {فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً* إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً}(الشرح/ 5- 6)، ولن يغلب عسر يسرين.

    هـ- الردع والتحذير من الغرور:
    إنّ العقوبة العاجلة على ما اقترفه الإنسان أو الجماعة أو الأمة من معاص تقتضي حكمة المولى- عز وجل- أن تعجل عقوبتها حيث إن فيها ردعا وتحذيرا وعبرة، لهم ولغيرهم من الأفراد والجماعات، وقد أشارت إلى ذلك الآية الكريمة: {كَذلِكَ نَبْلُوهُمْ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ}(الأعراف/ 163). وقوله عز من قائل: {وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذابٍ بَئِيسٍ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ}(الأعراف/ 165) ، وقال سبحانه: {قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ}(الأنعام/ 11).

    و- الرحمة بالعصاة والتخفيف عنهم يوم القيامة:
    من حكمة الابتلاء بالعقوبة أن يعجل الله للمذنب عقوبته فتأتيه في الدنيا تخفيفا عنه يوم القيامة، يقول الله- عز وجل-: {وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ}(الشورى/ 30) .

    قال علي- رضي الله عنه-: هذه أرجى آية في كتاب الله عز وجل، وإذا كان يكفّر عني بالمصائب ويعفو عن كثير فما يبقى بعد كفارته وعفوه!!.
    وعن أنس- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: "إذا أراد الله بعبده الخير عجل له العقوبة في الدنيا وإذا أراد بعبده الشر أمسك عنه بذنبه حتى يوافي به يوم القيامة". (رواه الترمذي وقال: حديث حسن غريب).
    وروى البخاري رحمه الله عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما مِن مُصِيبَةٍ تُصِيبُ المُسْلِمَ إلَّا كَفَّرَ اللَّهُ بها عنْه، حتَّى الشَّوْكَةِ يُشاكُها".

    وقال ابن عون: إن محمد بن سيرين لما ركبه الدَّين اغتم لذلك، فقال: إني لأعرف هذا الغم، هذا بذنب أصبته منذ أربعين سنة. وقال عكرمة: ما من نكبة أصابت عبدا فما فوقها إلا بذنب لم يكن الله ليغفره له إلا بها، أو لينال درجة لم يكن يوصله إليها إلا بها.

    ز- إقامة حجة العدل على العباد:
    يقول ابن القيم- رحمه الله-: «ومنها (أي من الحكم في الابتلاء بالضراء) إقامة حجة عدله عز وجل على عبده ليعلم هذا العبد أن لله عليه الحجة البالغة، فإذا أصابه من المكروه شيء فلا يقول: من أين هذا؟ ولا من أين أتيت؟ ولا بأي ذنب أصبت؟ وما نزل بلاء قط إلا بذنب ولا رفع إلا بتوبة، والله عز وجل يقول:{ وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير}. {أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم إن الله على كل شيء قدير}.

    الابتلاء يربي فينا الشوق إلى الجنة:
    لن تشتاق إلى الجنة إلا إذا ذقت مرارة الدنيا ، فكيف تشتاق إلى الجنة وأنت هانئ في الدنيا ؟ الهم والغم والتعب والمحن والمرض والديون والمشاكل....إلخ كل هذا يشوقك إلى دار لا يوجد فيها شيء من هذا الكدر، وليس ذلك إلا في الجنة، ألم يخبر النبي صلى الله عليه وسلم عمن يدخل الجنة أنه :"ينعَمُ ولا يبأسُ، ويخلدُ ولا يموتُ، لا تبلَى ثيابُهُم، ولا يفنى شَبابُهُم...".
    "لا يَبْصُقُونَ فِيهَا، ولَا يَمْتَخِطُونَ، ولَا يَتَغَوَّطُونَ....لا اخْتِلَافَ بيْنَهُمْ ولَا تَبَاغُضَ، قُلُوبُهُمْ قَلْبٌ واحِدٌ، يُسَبِّحُونَ اللَّهَ بُكْرَةً وعَشِيًّا". وبعد غزوة أحد كان من دعائه صلى الله عليه وسلم: " اللهم إني أسألُك النَّعيمَ المقيمَ الذي لا يحُولُ و لا يزولُ ، اللهم إني أسألُك النَّعيمَ يومَ العَيْلَةِ " وهو نعيم الآخرة ، أي : أسألك يا اللَّه أن تكمل علي النعيم يوم الشدة والفقر، وأن تُغنيني عن السؤال، والافتقار لسواك من الخلق.
    كما كان من دعائه صلى الله عليه وسلم: "وأسألُكَ نعيمًا لَا ينفَدُ، و أسالُكَ قرَّةَ عينٍ لا تنقَطِعُ..".
    نسأل الله تعالى العافية في الدنيا والآخرة، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد وآله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وآخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمين.

    ---------------------------
    العلاقة الوطيدة بين الأخلاق والعقيدة
    (إن من المُسلّمات في دين الإسلام شموله وتكامله، حتى عدت من خصائصه ومزاياه، فقد شمل هذا الدين الإنسان كله؛ جسمه وعقله وروحه، كما شمل سلوكه وفكره ومشاعره، كما شمل دنياه وآخرته، وليس في كيان الإنسان ولا في حياته شيء لا يتصل بعقيدة الإسلام ولا تتصل عقيدة الإسلام به، ومن ذلك الصلة بين العقيدة والأخلاق، فالعقيدة الصحيحة تستلزم التحلي بكل خلق فاضل والتخلي عن كل خلق ذميم).(البيان، العدد : 359).

    ومن المقرر في الإسلام أن كل أموره المشروعة لا تقوم إلا على أصل الإيمان بالله؛ فإذا انتفى الإيمان انتفى العمل، ومن ذلك الأخلاق.
    لذلك نجد في القرآن الكريم العلاقة واضحة بين العقيدة والأخلاق (فعندما يطالب القرآن أتباعه بالعدل، يذكر قبل الطلب وصف الإيمان للإشارة إلى أن الإيمان يقتضي العدل فيقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} (المائدة: 8).
    وعندما يأمر الإسلام بالصدق يقول القرآن: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ} (التوبة: 119).
    وهناك آيات كثيرة توضح هذه العلاقة العظيمة بين الإيمان والأخلاق، فحينما يأمر بالقول السديد يربط بينه وبين الإيمان، يقول الله تعالى:{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا} (الأحزاب: 70).
    وحين يأمر المؤمن أن يجتنب الظن السيئ والغيبة يبين أن من مقتضى الإيمان ترك تلك الأخلاق السيئة: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا} (الحجرات: 12).

    ويبين الرسول العظيم في كثير من أحاديثه هذه العلاقة القوية بين العقيدة والأخلاق فحينما يقسم الرسول صلى الله عليه وسلم هذا القسم: "والله لا يؤمن والله لا يؤمن والله لا يؤمن" قيل ومن يا رسول الله. قال: "الذي لا يأمن جاره بوائقه". فهذا يبين بجلاء تام العلاقة الوطيدة بين الأخلاق والعقيدة، وحين يقول: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليحسن إلى جاره".
    وحين يقول – عليه الصلاة والسلام -: "ليس بمؤمن من يشبع وجاره إلى جنبه طاوٍ". فهو يؤكد نفس المعنى.
    ويبين النبي صلى الله عليه وسلم للمؤمنين كثيرا من الجوانب الأخلاقية ويربطها بالعقيدة والإيمان فيقول– عليه الصلاة والسلام -: "لا يؤمن العبد الإيمان كله حتى يترك الكذب من المزاحة ويترك المراء وإن كان صادقًا".
    ويبين أن من كمال الإيمان أن يحب المرء لأخيه ما يحب لنفسه من الخير بل للناس، قال – عليه الصلاة والسلام -: "والذي نفسي بيده لا يؤمن عبد حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه من الخير". وقال: "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه". وقال: "لا يؤمن أحدكم حتى يحب للناس ما يحب لنفسه وحتى يحب المرء لا يحبه إلا لله – عز وجل -".
    كما ربط الرسول صلى الله عليه وسلم بين الإيمان والحياء، "الحياء والإيمان قرنًا جميعًا فإذا رُفع أحدهما رفع الآخر". وقال: "الحياء شعبة من شعب الإيمان ولا إيمان لمن لا حياء له...".

    ومن كمال الإيمان أن يكون المرء المسلم رحيمًا للصغير والكبير عارفًا لكل واحد منهما حقه؛ إذ الرحمة معهما تدل على خلق عظيم نابع من إيمان صادق، ففي الحديث: "ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويعرف شرف كبيرنا". ومن كمال الإيمان أن يكون المؤمن صابرًا راضيًا بقدر الله فلا يتبرم ولا يتسخط بل يسلم ويرضى هذا التسليم خلق عظيم، منبعه الإيمان بالله مما يدل على ارتباط الإيمان بالأخلاق.
    قال – عليه الصلاة والسلام -: "ليس منا من لطم الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية".
    وقال – عليه الصلاة والسلام -: "عجبًا لأمر المؤمن إن أمره كله خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن؛ إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له".
    عن عمرو بن عبسة قال قلت يا رسول الله: ما الإيمان؟. قال: "الصبر والسماحة" قلت: فأي الإيمان أفضل؟. قال: "خلق حسن".
    وعن جابر بن عبد الله قال سئل النبي صلى الله عليه وسلمعن الإيمان قال: "الصبر والسماحة".

    وقد نهى الإسلام أن يكون بين المؤمن وأخيه تشاحن وهجران؛ ذلك لأن العلاقة بينهما علاقة إيمانية فلا يحق لمن كان هذا حالهم أن يتهاجروا، لذلك جعل الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم من مقتضى الإيمان ترك الهجر فوق ثلاثة أيام: "لا يحل للمؤمن أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيام".
    بل حتى الكلام يجب أن يكون ضمن المنظومة الأخلاقية؛ إذ من مقتضى الإيمان بالله أن يكون كلام الشخص طيبًا فلا فحش ولا لغو ولا سب ولا شتم؛ لأن الإيمان يحتم عليه الانضباط ضمن أمر الشرع وحكمه قال – عليه الصلاة والسلام -: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت".
    قال ابن رجب عند هذا الحديث: (فقوله صلى الله عليه وسلم: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر" فليفعل كذا وكذا ويدل على أن هذه الخصال من خصال الإيمان).
    وقال: "المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده".
    ومن كمال الإيمان أن يكون المرء كريمًا سخيًا لأن الإيمان والبخل لا ينبغي أن يجتمعا في قلب مؤمن. قال – عليه الصلاة والسلام -: "ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه".

    وإن من كمال الإيمان أن يبتعد المؤمن عن الأخلاق الدنيئة من زنا وشرب خمر وسرقة ولعن؛ لأنها خصال تنقص الإيمان ولا تصلح للمؤمن. قال – عليه الصلاة والسلام -: "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا ينتهب نهبة ذات شرف يرفع المؤمنون إليه فيها أبصارهم حين ينتهبها وهو مؤمن".
    وإنما أراد – والله أعلم - "وهو مؤمن" مطلق الإيمان لكنه ناقص الإيمان بما ارتكب من الكبيرة وترك من الانزجار عنها ولا يوجب ذلك تكفيرًا بالله – عز وجل.
    (إذا زنى العبد خرج منه الإيمان فكان فوق رأسه كالظلة فإذا خرج من ذلك العمل عاد إليه الإيمان).

    وإننا نجد أن الأخلاق الحسنة من مكملات عقيدة المؤمن مما يدل على الارتباط الوثيق بينهما.
    قال – عليه الصلاة والسلام -: "أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقًا".
    قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (فجعل كمال الإيمان في كمال الخلق). وقد جعل الرسول صلى الله عليه وسلم من تمام إسلام المرء ومن واجبات الإيمان وحقوقه وخصاله كف اليد واللسان وأداء الحقوق للآخرين في الدم والمال وهي قيم أخلاقية عظيمة مما يدل على ارتباطها بالإيمان.
    قال – عليه الصلاة والسلام -: "المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه".
    وزاد الترمذي والنسائي: "والمؤمن من أمنه الناس على دمائهم وأموالهم".
    وقد ذكر أبو عثمان الصابوني أن من عقيدة أهل السنة والجماعة، التخلق بالأخلاق الكريمة والسجايا العظيمة مما يدل على أنها منبثقة من عقيدتهم التي يدينون لله بها ويختلفون بها عن غيرهم من الطوائف المنحرفة. فهم يأمرون (بصلة الأرحام على اختلاف الحالات وإفشاء السلام وإطعام الطعام والرحمة على الفقراء والمساكين والأيتام والاهتمام بأمور المسلمين والتعفف في المأكل والمشرب والملبس والمنكح والمصرف والسعي في الخيرات والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والبدار إلى فعل الخيرات أجمع واتقاء شر عاقبة الطمع ويتواصلون بالحق والصبر).
    وقال ابن القيم رحمه الله: (حسن الخلق هو الدين كله وهو من حقائق الإيمان وشرائع الإسلام... وقال الدين كله خلق ومن زاد عليك في الخلق زاد عليك في الدين).
    قال أبو العتاهية:
    ليس دنيا بغير دين وليس الدين إلا مكارم الأخلاق

    وإننا نجد في كتاب ربنا أن بين العقيدة والأخلاق ترابطًا قويًا لا ينفصل عنها بحال.
    قال تعالى: {قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلاَدَكُم مِّنْ إمْلاَقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلاَ تَقْرَبُواْ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ *‏ وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لاَ نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُواْ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللّهِ أَوْفُواْ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * وَأَنَّ هَـذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ }(الأنعام: 151-153).
    (ذلك هو الميثاق الأخلاقي الشامل الذي يلتزم به المؤمن اتباعًا لصراط الله المستقيم، فهو إذن جزء من العقيدة مرتبط بها ارتباطًا أساسيًا لا ينفصل عنه بحال).
    قال ابن سعدي رحمه الله مبينًا ذلك أحسن بيان:
    (ومن ثمرات الإيمان الصادق أن يقوي الرغبة في فعل الخيرات والتزود من الأعمال الصالحات ويدعو إلى الرحمة والشفقة على المخلوقات وذلك بسبب داعي الإيمان وبما يحتسبه العبد عن الله من الثواب الجزيل).
    (ومن ثمراته أيضًا أنه ينهى عن الشرور والفواحش كلها ما ظهر منها وما بطن ويحذر من كل خلق رذيل.. فهذه الأخلاق الحميدة هل يتوصل إليها بغير الإيمان وهل يعصم العبد من الانحلال الأخلاق المؤدية إلى الهلاك إلا الإيمان؟
    وهل أودت بكثير من الخلق الأمور المادية والشهوات البهيمية والأخلاق السبعية، وهبطت بهم إلى الهلاك إلا حين فقدت روح الإيمان؟ وهل تؤدي الأمانات والحقوق الواجبة بغير وازع الإيمان؟ وهل تثبت القلوب عند المزعجات وتطمئن النفوس عند الكريهات إلا بعدة الإيمان؟ وهل تقنع النفوس برزق الله وتتم لها الراحة والحياة الطيبة في هذه الدار إلا بقوة الإيمان؟ وهل يتحقق العبد بالصدق في أقواله وأفعاله ومعاملاته ويكون أمينًا شريفًا معتبرًا عند الله وعند خلقه إلا بالإيمان؟ فكل أساس تنبني عليه هذه الأمور الجليلة سوى الإيمان فهو منهار، وكل رقي مادي لا يصحبه الإيمان فهو هبوط ودمار.
    ألا وإن الإيمان يحمل العبد على الصبر على قضاء الله، والشكر لنعم الله، والشفقة على عباد الله، والتخلق بكل خلق جميل والتخلي عن كل خلق رذيل... والمؤمن يكون متصفًا بصفة التواضع للخلق والحق.. سليم القلب من الغش والغل والحقد، صدوق اللسان حسن المعاملة ،وصفة الحلم والوقار والسكينة والصبر والرحمة والوفاء والثبات... فهذه الخصال الجميلة من عقائد صادقة وأخلاق راقية وآداب سامية هل يمكن أن يتصف بها إلا المؤمن حقًا؟ وهي من أكبر البراهين على أن الدين بعقائده وأخلاقه هو الدين الحق...).
    ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    للاستزادة:بناء الأخلاق،د.عبد الله بن سليم القرشي.
    islamweb
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

07-14-2020, 03:42 PM

سيف اليزل برعي البدوي
<aسيف اليزل برعي البدوي
تاريخ التسجيل: 04-30-2009
مجموع المشاركات: 18170

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: مقالات مفيدة تهم المجتمع و الأسرة و الشبا� (Re: سيف اليزل برعي البدوي)

    إلا أن يتغمدنا الله برحمته
    هضم النفس والتواضع: خلق كريم، وخلة جذابة تستهوي القلوب، وتثير الإعجاب والتقدير.

    هو خلق بين خلقين، وقصد بين تفريطين، ووسط بين طرفين.. والممدوح منه ما كان متسما بالقصد والاعتدال؛ لأن الإفراط فيه داع للخسة والمهانة والتفريط فيه باعث على الكبر والعجب.

    وقيل في معناه: هو احترام الناس حسب أقدارهم وعدم الترفع عليهم.
    وسئل الحسن البصري: أي شيء التواضع؟ قال: يخرج المرء من بيته فلا يلقى مسلما إلا ظن أنه خير منه.
    وهذا ما كان يفعله مطرف بن الشخير حيث يقول: "والله ما رأيت أحدا من المسلمين إلا ظننت أنه خير مني: إن كان أكبر مني قلت أطاع الله قبلي وعبده أكثر مني، وإن كان أصغر مني قلت عصيت الله أكثر منه".

    وفي مسند الشهاب عن عَابِسِ بْنِ رَبِيعَةَ قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ تَوَاضَعُوا فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ: "مَنْ تَوَاضَعَ لِلَّهِ رَفَعَهُ اللَّهُ".

    وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبدًا بعفو إلا عزًّا، وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله].

    وقد جاء في كتاب "إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان" للإمام ابن قيم الجوزية رحمه الله أن أصل هذا الباب مراقبة النفس ومحاسبتها والاطلاع على عيوبها، فمن اطلع على عيبها مقتها في ذات الله تعالى.
    وقد روى الإمام أحمد عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: "لا يفقه الرجل كل الفقه حتى يمقت الناس في جنب الله ثم يرجع إلى نفسه فيكون لها أشد مقتا".

    وقال مطرف بن عبدالله: "لولا ما أعلم من نفسي لقليت الناس".
    وقال بكر بن عبدالله المزني: "لما نظرت إلى أهل عرفات ظننت أنهم قد غفر لهم، لولا أني كنت فيهم".
    وقال أيوب السختياني: "إذا ذكر الصالحون كنت عنهم بمعزل".

    ولما احتضر سفيان الثوري دخل عليه أبو الأشهب وحماد بن سلمة فقال له حماد: يا أبا عبدالله! أليس قد أمنت مما كنت تخافه، وتقدم على من ترجوه وهو أرحم الراحمين؟ فقال: يا أبا سلمة أتطمع لمثلي أن ينجو من النار؟ قال: إي والله إني لأرجو لك ذلك.

    وقد ذكر جعفر بن زيد: أنه راقب صلة بن أشيم ليلة، فصلى الليل حتى كان عند الصبح جلس فحمد الله تعالى بمحامد لم أسمع بمثلها ثم قال: "اللهم إني أسألك أن تجيرني من النار فإن مثلي يصغر أن يجترئ أن يسألك الجنة".

    وقال محمد بن واسع: "لو كان للذنوب ريح ما قدر أحد أن يجلس إلي".
    وأثنوا على داود الطائي يوما فقال: "لو يعلم الناس بعض ما نحن فيه ما ذل لنا لسان بذكر خير أبدا".
    وقال أبو حفص: من لم يتهم نفسه على دوام الأوقات، ولم يخالفها في جميع الأحوال، ولم يجُرّها إلى مكروهها في سائر أوقاته، كان مغرورا.. ومن نظر إليها باستحسان شيئ منها فقد أهلكها.

    وكل هذا منهم رضي الله عنهم من باب التواضع وهضم النفس، وقد تعلموا هذا من السابقين الأولين من أصحاب النبي الكريم، فقد كانوا أفضل خلق الله وأكثرهم تواضعا لربهم عز وجل:
    جاء في [كنز العمال: 35704] عن الأصمعي قال: "كان أبو بكر إذا مدح قال: اللهم أنت أعلم مني بنفسي، وأنا أعلم بنفسي منهم، اللهم اجعلني خيرا مما يظنون، واغفر لي ما لا يعلمون، ولا تؤاخذني بما يقولون".

    وفي تفسير ابن أبي حاتم عن عقبة بن صهبان الهنائي قال: سألت عائشة رضي الله عنها عن قول الله عز وجل: {ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله}[ فاطر:32] فقالت: يا بني هؤلاء في الجنة، أما السابق بالخيرات فمن مضى على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم شهد له رسول الله بالجنة، وأما المقتصد فمن اتبع أثره من أصحابه حتى لحق به، وأما الظالم لنفسه فمثلي ومثلكم".. فجعلت نفسها معنا رضي الله عنها وأرضاها.

    وفي معجم الطبراني ومسند أحمد عن مسروق قال: دخل عبد الرحمن "يعني ابن عوف" على أم سلمة رضي الله عنها، فقالت: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: [إن من أصحابي لمن لا يراني بعد أن أموت أبدا]. فخرج عبد الرحمن من عندها مذعورا حتى دخل على عمر رضي الله عنه فقال له: اسمع ما تقول أمك، فقام عمر رضى الله عنه حتى أتاها فدخل عليها فسألها ثم قال: أنشدك بالله أمنهم أنا؟ قالت: لا.. ولن أبريء بعدك أحدا".
    قال شيخ الإسلام ابن تيمية: إنما أرادت ألا تفتح عليها هذا الباب، ولم ترد أنك وحدك البريء من ذلك دون سائر الصحابة.

    التواضع من صفات الصديقين
    ومقت النفس في ذات الله من صفات الصديقين، ويدنو العبد به من الله تعالى في لحظة واحدة أضعاف أضعاف ما يدنو بالعمل.
    قال الإمام أحمد حدثنا محمد بن الحسن بن أنس حدثنا منذر عن وهب: أن رجلا سائحا عبد الله عز وجل سبعين سنة، ثم خرج يوما فقلل عمله وشكا إلى الله تعالى منه واعترف بذنبه، فأتاه آت من الله فقال: إن مجلسك هذا أحب إلى من عملك فيما مضى من عمرك.

    وفي الزهد أيضا عن قتادة: قال عيسى بن مريم عليه السلام: "سلوني فإني لين القلب، صغير عند نفسي".
    وفيه: "كان داود عليه السلام ينظر أغمض حلقة في بني إسرائيل فيجلس بين ظهرانيهم (أكثرها تواضعا ومسكنة)، ثم يقول: يا رب مسكين بين ظهراني مساكين".

    لقد نظر هؤلاء الصالحون الصادقون في حق الله عليهم فعظموه وقدروه، ثم نظروا بعد ذلك في نفوسهم فعلموا عوارها وضعفها وعجزها عن القيام بحق الله؛ فأورثهم ذلك مقت نفوسهم والإزراء عليها، فتخلصوا من العجب ورؤية العمل؛ ففتح لهم باب الخضوع والذل والانكسار بين يدي ربهم، وعلموا أن النجاة لا تحصل لهم إلا بعفو الله ومغفرته ورحمته، فإن من حقه أن يطاع ولا يعصى، وأن يذكر فلا ينسى، وأن يشكر فلا يكفر.

    فمن نظر في هذا الحق الذي لربه عليه عَلِم عِلْم اليقين أنه غير مؤد له كما ينبغي، وأنه لا يسعه إلا العفو والمغفرة، وأنه إن أحيل على عمله هلك.. فهذا محل نظر أهل المعرفة بالله تعالى وبنفوسهم، وهذا الذي أيأسهم من أنفسهم وعلق رجاءهم كله بعفو الله ورحمته. حتى قال سيد المتواضعين عليه افضل الصلوات وأزكى التسليم كما في الصحيح: [لن يدخل أحد منكم الجنة بعمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته](رواه البخاري ومسلم).
    تواضع تكن كالنجم لاح لناظر .. .. على صفحات الماء وهو رفيع
    ولا تك كالدخــان يعـلو بنفـسه .. .. إلى طبـقات الجـو وهو وضـيع
    فأقبح شيء أن يرى المرء نفسه.. .. رفيـعـا وعند العالمـين وضيـع
    ---------------------------
    بين الهداية الحقة والالتزام الأجوف
    سمه إن شئت التزاما أجوفا، أو ضعف إيمان، أو قسوة قلب، أو غفلة، أو هداية ناقصة.. فكلها في الحقيقة تعود إلى أعراض واحدة، وعلاماتها متوافقة، ومظاهرها متشابهة. فترى الشخص ظاهره الالتزام ولكنه في أفعاله وواقعه كثيرا ما يخالف هذا الظاهر الطيب.

    مظاهر هذا المرض:
    وقد ذكر الدعاة والمشايخ والعلماء بعض هذه المظاهر لصاحب هذا المرض فكان مما أجملوه:
    ـ "عدم الخشوع في الصلاة، وعدم التبكير إليها، وأحيانا النوم عن الصلاة المكتوبة، خصوصاً صلاة الفجر والعصر. وكثرة التفريط في أداء النوافل من الصيام والقيام والسنن والرواتب.

    ـ عدم الاهتمام بقراءة القرآن وحفظه، مع ترك الأوراد اليومية والأذكار وعدم التألم لفواتها.

    - سوء الأخلاق والمعاملة، وعدم قبول النصيحة من الآخرين، وحب التسيب وعدم الانضباط. والولع بالخصام وكثرة المجاملة، وهذا سبب لنسيان العلم وقسوة القلب.

    - إضاعة الوقت فيما لا فائدة منه، والانشغال بالملهيات، وكثرة الضحك والمزاح، وعدم الجد في أمور الدين والدنيا أحيانا، والسهر إلى ساعات متأخرة من الليل في غير منفعة، وعدم التأسف على ضياع الوقت والعمر.

    ـ التعلق بغير الله سبحانه وتعالى. والاهتمام بالمظهر اهتماماً فوق المعتاد.

    ـ ضعف في أمور الديانة وأخلاق أهل الهدى كإخلاف الوعد، والمزاح بالكذب، وعدم إنكار المنكر. وعدم الورع في الفتوى، والتساهل في الوقوع في الشبهات، وعدم التخلص من رواسب الجاهلية". (ملخص من محاضرة الالتزام الأجوف: للعايد).

    إنه التزام أجوف، أو هداية ناقصة لم يأخذ صاحبها بمجامعها ولا تمسَّك بأهدابها، كما يقول الشيخ علي القرني حفظه الله في أحدى محاضراته:
    "من لم يهتد على الحقيقة ويأخذ بأسباب الهداية، ولم تنهض همته لها، لا يزال قلبه في حضيض طبعه محبوسا منكوسا، راعٍ مع الهمَل، سائمة مع الأنعام، استطاب لقيمات الراحة والبطالة، واستلان فراش العجز والكسل والبلادة".

    ليس مهتديا على الحقيقة:
    "الهداية على الحقيقة" تسر صاحبها وترقيه، وتبشره وتهديه، تنفعه وترفعه، فلا يزال يحلق في سماء المعالي حتى لا ينتهي تحليقه دون عليين برحمة أرحم الراحمين، فمن سار مهتديا على الحقيقة، رجونا له الوصول وإن طال الدجى.
    ولكن كثيرا من الناس مهتد هداية الحيارى، اسم ولا رسم، ومنظر ولا مخبر، وخيال ولا حقيقة..

    فهل يكون مهتديا حقا من يوالي أعداء الله ويتخذهم بطانة من دون المؤمنين، ولو صلى وصام وحج وزكى؟ يكرم من أهانه الله، ويعز من أذله الله، ويدني من أبعده الله، ثم يدعي هداية الله!!

    هل يكون مهتديا حقا من ظاهره الاستقامة، ثم في انهزامية مقيتة وبحجة ضغط الواقع يتراجع عن ثوابت الدين ومسلماته؟
    أما إن الحق لا ينقلب باطلا، ولا الباطل يصير حقا مهما كانت التبعات.

    هل يكون مهتديا على الحقيقة من يهمل حقوق الخلق ويسيء في المعاملات، لا يتقبل النصح ويرى ذلك اتهامات؟! يعيش الفوضى وعدم الانضباط، مضيعا وقته، غير منتظم في درس، أو محاضرة، أو عمل نافع، أو حلقات، ومع هذا فهو منشغل بالملهيات، مغرق في سماع الأناشيد والتمثيليات، سيارته ومكتبه مستودع للأناشيد والطرائف والاحتفالات؛ يحفظها حفظا يفوق حفظ الأحاديث والآيات، حتى إن بعضهم ليذهب مع اللحن يترنم ويطرب، ثم يبكي ما لا يبكيه عند سماع قوارع الآيات، ولربما صاحبها الدف، وترخص في ذلك، فلم يشعر إلا وهو من أهل الأغنيات؟ فالهبوط سهل والارتقاء صعب التبعات.

    عفوا إخوتي: من كتم داءه، قتله، آن لنا أن نتعرف على دائنا ونعلنه لعلنا نتعاون فنصلحه.
    عظم بيننا الاهتمام بالتحسيني والكمالي، وترك الحاجي والضروري، صارت الكماليات عندنا ضروريات، "فنأكل الحلوى ونحن في بلوى" كما قيل، وبعضنا مهتم بمظهره اهتماما يفوق اهتمام البنيات، ألف السطحية والمظهرية، فهو تمثال خشب لا يخيف ولا يرهب، يمني نفسه ويسوف، وقد أمن الهرم كما أمن الصيدَ حمامُ الحرم.
    يد فارغة، ويد لا شيء فيها، فضول بلا فضل، وسن بلا سنة، متساهل في الأمر الخطير، متشدد في الأمر السهل اليسير.

    وبعضنا ـ بل الكثير ـ لم يتخلص من رواسب الجاهلية من صور وقنوات ومجلات، لا يتورع عن المشتبهات، يتهاون بالسنن والمندوبات، ويفرط في الواجبات، جلساؤه قبل أن يهتدي هداية الخيال هم جلساؤه بعدها، مع أنهم أخطر شيء عليه؛ إذ هم أعرف الناس بنقاط ضعفه، ...
    عاداته، أفكاره، اهتماماته هي هي لم تتبدل، لم يزل مُصِّرًا على بعض المال المشتبه، حتى إذا ما تورع عن بعض مال حرام، لم يزل لسانه يفري في أعراض الأحياء والأموات؛ يشتم ذا ويجرح ذاك ويعدل ذلك.
    أمانيه، حبه، بغضه، عطاؤه، منعه، هي هي، ولاؤه لمصلحته، عداؤه لكل ما يقف في طريقها، نفعي ذاتي، مستصعب مخالفةَ الناس والتحيزَ إلى الله ورسوله.
    أيكون من هذا حاله مهتديا على الحقيقة؟
    كلا إنما هو عش حمامة .. .. عود من غرب وعود من ثمامة، بل غيمٌ حمَى الشمسَ ولم يمطر ولم يكف.

    حقيقة الهداية والمهتدي
    الهداية على الحقيقة.. تحول جذري؛ مظهري ومخبري، والله ما يجدر بحامل الهداية أن يظهر بمظهر يرده الشرع، فلو خالف حامل الهداية، لكان كل مخالف أشرفَ منه، فلطخة في الثوب الأبيض ليست كلطخة في الثوب الأسود كما قيل.

    أنت للهداية لا للتلبيس، إنما التلبيس خلق إبليس. أنت للنور لا للظلمة، ربما زلة أهلكت، وعثرة قتلت، وفائت لا يستدرك، لا يبنى على الصلاح إلا صالح، وكل ما بني على الفساد فهو فاسد، ولن يأتي يوم فيقول مهتد على الحقيقة لإبليس: "رضي الله عنه"! بل نعوذ بالله منه.
    إذا ما الجرح رُمَّ على فساد .. .. تبين فيه تفريط الطبيب

    الهداية ليست كلمةً تقال، بل هي حقيقة ذاتُ تكاليف، وأمانة ذات أعباء، وجهاد يحتاج إلى صبر، وجهد يحتاج إلى احتمال، وما حقيقة كخيال.

    الهداية على الحقيقة عبودية مطلقة لله رب العالمين، والعبد المطلق ـ كما يقول ابن القيم في كلام قيم مضمونه في تصرف: لا تملكه رسوم، ولا تقيده قيود، عمله على مراد ربه، ولو كانت راحة نفسه في سواه، ملبسه ما تهيأ، مأكله ما تيسر، شغله ما أمر به في وقته، مجلسه حيث انتهى وخاليا وجد، لا تملكه إشارة، ولا يتعبده قيد، ولا يستولي عليه رسم، حر متجرد، دائر مع الأمر المأمور به حيث دار، يأنس به كل محب، ويستوحش منه كل مبطل؛ كالغيث حيثما وقع نفع، وكالنخلة لا يسقط ورقها، وكلها منفعة حتى شوكها، حزم مع المخالفين لأمر الله، غضب إذا انتهكت محارم الله، فهو لله وبالله، ومع الله، واها له ما أغربه بين الناس! وما أشد وحشته! وما أعظم أنسه بالله وفرحه وطمأنينته وسكونه، والله المستعان، وعليه التكلان!.

    هذا دأب المهتدي حقيقة في السير إلى الله، كلما رفعت له منزلة سار إليها واشتغل بها، حتى تلوح له منزلة أخرى، ولم يزل هذا دأبه حتى ينتهي سيره، فإن رأيت العلماء رأيته بذاته معهم، وفي سمتهم وعلمهم وزيهم، وإن رأيت العباد رأيته معهم، وإن رأيت المجاهدين رأيته معهم، وإن رأيت المتصدقين والمحسنين رأيته معهم، وإن رأيت العاكفين الخاشعين المخبتين رأيته معهم:
    كالليث يسرف في الفعا .. .. ل وليس يسرف في الزئير

    الهداية الحقيقية تمثيل للدين في تصريف شئون الحياة، واستخلاف للمهتدين في الأرض، وتبديل للخوف بالأمن، وعد واقع ماله من دافع، إنه وعد الله، ووعد الله حق، ولن يخلف الله وعده، قال الله: {وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا} [النور:55]
    وعد من الله للعصبة المهتدية في كل عصر، وسنة من الله: {ولن تجد لسنة الله تبديلا} [الفتح:23].
    -------------------------
    أبي بن كعب.. سيد القراء
    أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم خير القرون وأفضل العالمين.. أبر هذه الأمة قلوبا، وأعمقها علما، وأقلها تكلفا.. قوم اختارهم الله لصحبة نبيه، ونصرة دينه، ونشر رسالته فاعرفوا لهم قدرهم؛ فإنهم كانوا على الحق المبين.

    زكاهم الله في كتابه، وقبل منهم ورضي عنهم، وغفر لهم، وأدخلهم الجنة {وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۚ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ}(التوبة:100).

    وزكاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وشهد لهم بأنهم خير القرون على الأطلاق [خير القرون قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم].
    هم صفوة الأقوام فاعرف قدرهم .. وعلى هداهم يا موفق فاهتدي
    واحفظ وصــية أحمد في صحبه .. واقطــع لأجلـهم لسـان المفسد
    عرضـي لعرضــهم الفداء فإنهم .. أزكى وأطـهر من غمـام أبرد
    فالله زكاهـم وشـــرف قــدرهـم .. وأحـلهــم بالـدين أعـلى مقـعــد

    والحديث عن الصحابة عبادة، وإحسان، وزيادة إيمان.
    ونعيش هذه اللحظات مع شمس من شموسهم، وسيد من ساداتهم، وعلم بارز من أعلامهم، إنه أبي بن كعب بن قيس الانصاري النجاري صاحب رسول الله وسيد المسلمين.

    لقد برز أبي رضي الله عنه إلى المكانة العليا بين الصحابة، ولكن بروزه لم يكن في الإنفاق كما برز غيره وإن كان من الأجواد المنفقين، وما كان في كتابة الحديث وإن كان من العلماء المعدودين، ولا كان في القتال وإن كان من الشجعان المجاهدين؛ فما فاته مع النبي صلى الله عليه سلم مشهد.
    وإنما كان بروزه ورفعته وتميزه الأكبر في مجال آخر هو الأعظم على الإطلاق.. كان تميزه في كلام الله في كتاب الله في القرآن: في حفظ القرآن، في تعظيم القرآن، في فهم القرآن، في تدبر القرآن، في تلقي القرآن من النبي وتعليمه لغيره من الصحب الكرام.

    والقرآن حبل الله النازل من السماء إلى الأرض، من تمسك به وتعلق به رفعه الله إلى عليين [إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواما ويضع به آخرين]..
    وقد تمسك صاحبنا بطرفه، وجعل يترقى ويترقى حتى بلغ منتهاه، ونال مرتبة لم ينلها غيره.. فأمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يقرأ عليه القرآن.
    روى البخاري ومسلم عن أبيٍّ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: [إن الله أمرني أن أقرأ عليك القرآن، (وفي رواية مسلم: إن الله أمرني أن أقرأ عليك {لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب}) قال أبيّ: وسماني الله لك؟ قال: نعم. قال: وذكرت هناك؟ قال: نعم.. فذرفت عين أبي وجعل يبكي. وفي المسند أن أبيا حدث بهذا الحديث، فقال له عبد الرحمن بن أبزى: وفرحت بذلك؟ قال: وما يمنعني أن أفرح والله تعالى يقول: {قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون}.

    إمام في العلم والعمل
    أسلم أبي على يد مصعب بن عمير، وكان رجلا دحداحة يعني ليس بالطويل ولا بالقصير، وكان أبيض الرأس واللحية كما جاء في سير أعلام النبلاء.
    وشهد بيعة العقبة الثانية والتي قال النبي عليه الصلاة والسلام لأهلها [فإن وفيتم فلكم الجنة].. وقد فعلوا رضي الله عنهم.

    أخذ أبي عن النبي صلى الله عليه وسلم علما كثيرا، وكان رأسا في العلم والعمل.. وشهد مع النبي بدرا وجميع المشاهد، فهو بدري ـ وأهل بدر هم أفضل الصحابة والمقدمون بينهم ـ فنال شرف هذه المنقبة وهي قول النبي لعمر: [وما يدريك لعل الله قد اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فإني قد غفرت لكم].

    لقد جمع أبي الفضائل، ولكن كانت شهرته الأكبر في ارتباطه بالقرآن..
    فقد حفظ القرآن في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، وعرضه عليه، وتلقاه منه، وكان يقول: "إني تلقيت القرآن ممن تلقاه من جبريل وهو رطب".

    كان أبي من القلائل الذين جمعوا القرآن في حياة النبي صلوات الله وسلامه عليه.. قال أنس: "جمع القرآن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعة كلهم من الأنصار: "أبي بن كعب، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت وأبو زيد رجل من الأنصار".
    وكان أحفظَهم أبي، فقد روى أبو داود عن ابن عمر قال: [صلى النبي صلاة فلُبِّس عليه، فلما انصرف قال لأبي: أصليت معنا؟ قال نعم. قال: فما منعك؟] يعني أن تفتح علي، وهذه شهادة أخرى من النبي صلى الله عليه وسلم له بالحفظ والإتقان.

    وقد توج هذا الإتقان بأرفع تزكية وأعلاها، فقد شهد له الرسول بأنه أقرأ الأمة؛ فعن أنس بن مالك قال: قال رسول الله: [أرحم أمتي بأمتي أبو بكر، وأشدهم في أمر الله عمر، وأصدقهم حياء عثمان، وأقرؤهم لكتاب الله أُبيّ بن كعب، وأفرضهم زيد بن ثابت، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل، ألا وإن لكل أمة أمينًا، وإن أمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح]..
    وقد عرف ذلك له بين الصحابة حتى قال عمر: "أقضانا علي، وأقرؤنا أبي".
    وأمر النبي الصحابة أن يتعلموا منه ويأخذوا عنه فقال: [استقرؤوا القرآن من أربعة: من ابن مسعود، وسالم مولى أبي حذيفة، وأبي بن كعب، ومعاذ بن جبل].

    فهمه وفقهه:
    كان لأبي ارتباط عجيب بالقرآن، فكان يختم كل ثمان، وكان ذا فهم في كتاب الله وصاحب تدبر ومعرفة، سأله النبي صلى الله عليه وسلم مرة كما في صحيح مسلم قال أبي: [قال رسول الله: يا أبا المنذر، أتدري أي آية من كتاب الله معك أعظم؟» قال: قلت: الله ورسوله أعلم. قال: «يا أبا المنذر، أتدري أي آية من كتاب الله معك أعظم؟» قال: قلت: {اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} قال: «فضرب في صدري وقال: وَاللَّهِ لِيَهْنِكَ الْعِلْمُ أَبَا الْمُنْذِرِ].

    وكان النبي صلى الله عليه وسلم يعلمه ويخصه في هذا الباب.. فقد روى الإمام أحمد بسنده عن أبي هريرة، عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله: [ألا أعلمك سورة ما أنزل في التوراة ولا في الزبور ولا في الإنجيل ولا في القرآن مثلها؟ قلت: بلى، قال: «فإني أرجو أن لا أخرج من ذلك الباب حتى تعلمها، ثم قام رسول الله فقمت معه، فأخذ بيدي فجعل يحدثني حتى بلغ قرب الباب، قال: فذكّرته فقلت: يا رسول الله، السورة التي قلت لي، قال: فكيف تقرأ إذا قمت تصلي؟ فقرأ بفاتحة الكتاب، قال: هي هي، وهي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيتُه].

    حبه لرسول الله
    كان أبي شديد الحب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، كثير الصلاة عليه، وهو الذي قال له:يا رسول الله، إني أكثر الصلاة عليك، فكم أجعل لك منها؟ قال: ما شئت، قال: الربع؟ قال: ما شئت، وإن زدت فهو خير لك، قال: النصف؟ قال: ما شئت، وإن زدت فهو خير لك، قال: الثلثين؟ قال: ما شئت، وإن زدت فهو خير، قال: يا رسول الله، أجعلها كلها لك؟ قال: إذًا تُكفى همك، ويغفر لك ذنبك.

    وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبادله حبا بحب، فلما أصيب ذراعه يوم الأحزاب كان النبي عليه الصلاة والسلام هو يطببه، وقد كواه بنفسه فبرأ بأمر الله.

    مجاب الدعوة:
    كان أبي عبدا صالحا صاحب عبادة، وكان مستجاب الدعوة.. فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "قال عمر بن الخطاب: اخرجوا بنا إلى أرض قومنا، قال: فخرجنا فكنت أنا وأبي بن كعب في مؤخرة الناس، فهاجت سحابة، فقال أُبيّ: اللهم اصرف عنا أذاها، فلحقناهم وقد ابتلت رحالهم، فقال عمر: ما أصابكم الذي أصابنا؟ قلت: إن أبا المنذر دعا الله أن يصرف عنا أذاها، فقال عمر: ألا دعوتم لنا معكم؟".

    وصيته بالقرآن:
    جاءه رجل فقال له أوصني قال: "اتخذ كتاب الله إماما، وارض به قاضيا وحكما، فإنه الذي استخلف فيكم رسولكم، شفيع مطاع، وشاهد لا يتهم، فيه ذكركم وذكر من قبلكم، وحكم ما بينكم، وخبركم وخبر ما بعدكم".

    وفاته
    اختلف المؤرخون في عام وفاته، فقيل مات في العام التاسع عشر وقيل العشرين في خلافة عمر، وهو الأرجح، وقيل في خلافة عثمان ورجحه الواقدي.
    وعندما توفي ضجت المدينة، وماج أهلها، وقالوا: مات اليوم سيد المسلمين.

    اللهم ارحم أبيًّا، واغفر له، وارض عنه، واجمعنا به في جناتك جنات النعيم.
    -------------------------------------------
    حاسبوا أنفسكم .. قبل أن تحاسبوا
    "الدنيا ليست بدار قرار، كتب الله عليها الفناء، وكتب على أهلها فيها الظعن، فكم من عامر عما قليل يخرب، وكم من مقيم عما قليل يظعن". (عمر بن عبد العزيز).
    وإن أخوف ما يخاف على المرء فيها، اتباع الهوى وطول الأمل، فإن اتباع الهوى يصد عن الحق وإن طول الأمل ينسي الآخرة.(علي بن أبي طالب).

    والشباب هم أكثر فئة يمكن أن تتعرض للوقوع في طول الأمل، ومحبة البقاء، وتوقع طول العمر؛ إذ هم ما زالوا في بداية حياتهم، ومقتبل أعمارهم، كما يقال، فيدب إليهم داء طول الأمل، ويسرع فيهم عمله، وتصيبهم آفاته وعلله.

    إن الإنسان إذا طال أمله في هذه الحياة، زاد تعلق قلبه بها، وذهل عقله عن إدراك حقائقها؛ فتشغله الظواهر، وتخدعه المظاهر، وتلهيه السفاسف عن إدراك الحقائق، ويشغله طلب الدنيا والعمل لها والتذذ بمتاعها عن مهمته الأساسية ووظيفته الحقيقية، فيبقى في هذه الغفلة ـ ما لم يتداركه الله برحمته ـ فلا يفيق منها إلا مع فجأة الموت "الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا".. فإذا رأى عاقبة طول أمله وتسويف عمله نادى بأعلى صوته: {رب ارجعون لعلي أعمل صالحا فيما تركت} ولكن للأسف الإجابة {كلا}.

    أيها الشباب
    إن طول الأمل داء علاجه في دواءين عظيمين:
    الأول دوام محاسبة النفس. والثاني: لزوم ذكر الموت.

    فأما العلاج الأول "وهو دوام محاسبة النفس" فمعناه:
    أن يتصفح الإنسان عمله، وينظر في أقواله وأفعاله وجميع ما يصدر منه أولا بأول.. فإن وجد خيرا محمودا أمضاه وأتبعه بما شاكله وضاهاه، وإن وجده شرا مذموما استدركه إن أمكن، وتاب منه واستغفر، وانتهى عن مثله في المستقبل.

    والأصل في هذه المحاسبة في كتاب الله في قوله تعالى:
    . {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ}[الحشر:18].
    . وقوله: {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ}[الأنبياء:47].
    . وقوله: {وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً}[الكهف:49].
    . وقوله: {يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} [المجادلة:6].
    . وقوله: {يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتاً لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ * فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ}[الزلزلة:6 - 8].
    . وقوله: {يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَه}[آل عمران:30].
    . وقوله: {وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ}[البقرة:235].
    . وقوله: {واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ}[البقرة:281].

    فبهذه الآيات وأشباهها استدل أرباب البصائر على أن الله تعالى لعملهم بالمرصاد، قد أحصاه عليهم كله وعده عليهم عدا، وأنهم موقوفون بين يديه يناقشون الحساب، ويطالبون بمثاقيل الذر من الخطرات واللحظات واللفظات، فتحققوا أنه لا ينجيهم من هذه الأخطار إلا لزوم المحاسبة وصدق المراقبة، ومؤاخذة النفس في أنفاسها وحركاتها ومحاسبتها على خطراتها ولحظاتها وخطواتها ولفظاتها وكل أعمالها.

    وهذا فعل الأكياس أهل الفطنة وأصحاب العقول كما أخبر بذلك أفضل رسول عليه أفضل الصلوات وأزكى التسليمات: [الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني](رواه الترمذي وحسنه).

    وقد أخبرنا صلوات الله عليه وسلامه أننا محاسبون على كل شيء "كل شيء"، فقال: [لا تزولا قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه، وعن علمه ماذا عمل فيه].

    فكان لزاما أن يعلم الواحد منا أنه موقوف بين يدي الله ومسؤول، وحق لمن علم أنه موقوف ومسؤول أن يعد للسؤال جوابا وللجواب صوابا.
    كما قال الفضيل بن عياض لرجل: "كم عمرك؟ فقال الرجل: ستون سنة، قال الفضيل: إذًا أنت منذ ستين سنة تسير إلى الله تُوشِك أن تَصِل، فقال الرجل: إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون، فقال الفضيل: يا أخي، هل عرفتَ معناه، قال الرجل: نعم، عرفت أني لله عبد، وأني إليه راجع، فقال الفضيل: يا أخي، مَن عرف أنه لله عبد وأنه إليه راجع، عرف أنه موقوف بين يديه، ومَن عرف أنه موقوف عرف أنه مسؤول، ومَن عرف أنه مسؤول فليُعدَّ للسؤال جوابًا،... "(حلية الأولياء).

    ولا يمكن أن يكون هذا إلا بالمحاسبة، كما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، وتزينوا للعرض الأكبر {يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ} [الحاقة:18]، وإنما يخف الحساب يوم القيامة على من حاسب نفسه في الدنيا".

    وقال رضي الله عنه: "حاسب نفسك في الرخاء قبل حساب الشدة، فإن من حاسب نفسه في الرخاء عاد أمره إلى الرضى والغبطة، ومن شغلته حياته، وألهته أهواؤه عاد أمره إلى الندامة والحسرة".

    وقد أقسم الله بالنفس اللوامة، أي التي تكثر لوم صاحبها على التفريط في فعل الخير، وتعاتبه على الوقوع في الشر.
    قال الحسن: "لا تلقى المؤمن إلا يعاتب نفسه، لماذا فعلت كذا؟ ماذا تريد من كذا؟"

    قال مالك بن دينار: "رحم الله عبدا قال لنفسه: ألست صاحبة كذا، ألست صاحبة كذا؟ ثم زمها، ثم خطمها، ثم ألزمها كتاب الله فكان لها قائدا.

    يقول ميمون بن مهران: "لا يكون العبد تقياً حتى يحاسب نفسه كما يحاسب الشريك الشحيح شريكه: من أين مطعمه وملبسه؟".

    صور من المحاسبة:
    قال أنس رضي الله عنه: دخل عمر حائطا "حديقة نخيل" فسمعته يحاسب نفسه ويقول: عمر بن الخطاب أمير المؤمنين!! بخ بخ!! والله لتتقين الله يابن الخطاب أو ليعذبنك.

    كان يزيد الرقاشي يحاسب نفسه كل يوم ثم يبكي ويقول: ويحك يا يزيد.. من يصوم عنك بعد الموت؟. ويحك يا يزيد.. من يصلي عنك بعد الموت؟. ويحك يا يزيد.. من يتصدق عنك بعد الموت؟.

    وأما الأحنف بن قيس فكان يأتي بالمصباح فيضع أصبعه فيه ويقول: حَس "وهي كلمة تقال عند شدة الألم".. ثم يقول لنفسه: يا حنيف ما حملك أن صنعت كذا يوم كذا؟ وكذا يوم كذا؟.

    وكان الربيع بن خثيم قد حفر لنفسه قبرا في بيته فكان ينزل فيه أحيانا ثم ينادي: "رب ارجعون رب ارجعون".. ثم إذا قام يقول لنفسه: ها قد رجعت فجدي واعملي.

    ثمرات المحاسبة:
    إن للمحاسبة ثمرات كثيرة، وفوائد دنيوية وأخروية، فمن ذلك:
    . الوقوف على نعم الله ومعرفة حق الله على عباده.
    . الانتباه إلى تقصير النفس في أداء شكر الله على نعمه.
    . معرفة علل النفس وعيوبها، والسعي في معالجتها.
    . قطع طريق الغفلة الناتجة عن طول الأمل.
    . صيانة النفس عن الوقوع في الزلل، وسرعة التوبة عند الخطأ.
    . دوام الاستعداد للقاء الله تعالى.
    . تيسير الحساب يوم المعاد.

    فمن حاسب نفسه قبل أن يحاسب خف في القيامة حسابه، وحضر عند السؤال جوابه، وحسن منقلبه ومآبه، ومن ترك لنفسه هواها، وسعى لها في تحقيق مناها، وتركها من غير مؤاخذة ولا محاسبة، دامت حسراته، وطالت في ############ات القيامة وقفاته، وقادته إلى الخزي والمقت سيئاته.

    فمن أراد أن يخف حسابه غدا بين يدي ربه فليحاسب نفسه الآن. قال صلى الله عليه وسلم: [الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني](رواه الترمذي وحسنه).

    إسلام ويب...
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

07-15-2020, 01:05 PM

سيف اليزل برعي البدوي
<aسيف اليزل برعي البدوي
تاريخ التسجيل: 04-30-2009
مجموع المشاركات: 18170

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: مقالات مفيدة تهم المجتمع و الأسرة و الشبا� (Re: سيف اليزل برعي البدوي)

    من الطب الوقائي في السُنَّة النبوية
    الطب الوقائي في هدي النبي صلى الله عليه وسلم يتناول ما جاءت به السُنة من أمْر المسلم بعنايته بسلامة جسده، ومحافظته على البيئة التي يعيش فيها، والوقاية من انتشار الأمراض والأوبئة المُعْدِية، حرصًا منه صلوات الله وسلامه عليه، ليس على سلامة صحة المسلم والمجتمع الإسلامي فحسب، ولكن على عموم البشرية كلها، فإن الأمراض المعدية إذا انتشرت في مجتمع فإنها لا تخصُّ أتباع دين دون دين، ولا تختار إنساناً دون إنسان، ولكنها تؤثر على حياة الناس في المجتمعات كلها، والله عز وجل قال عن نبيه صلى الله عليه وسلم: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ}(الأنبياء:107).

    والطب الوقائي في المنهج النبوي يقوم على الوقاية من الأمراض قبل وقوعها، والعلاج منها بعد وقوعها، أما قبل وقوعها، فيكون بالطهارة والنظافة، والمحافظة على البيئة، والطعام والشراب الصحي.. وأما بعد وقوعها فيكون بالتداوي عامة، والحَجْر الصحي مع الأمراض المُعْدية خاصة.

    الوقاية قبل وقوع المرض: طهارة ونظافة البدن والفم، وسنن الفطرة:
    بُعِث النبي صلى الله عليه وسلم في مكة المكرمة بعيدًا عن حياة المدن والحضارات، ومع ذلك أخذ يُرشد الناس إلى أهمية النظافة والغسل، ومن أبرز مجالات الطب الوقائي في السنة النبوية الطهارة والنظافة للجسد كله، وخاصة نظافة بعض أماكن في الجسد يكثر فيها العرق والميكروبات، بل وجعل ذلك من سنن الفطرة، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (خمس من الفطرة (من سنن الأنبياء): الختان، والاِسْتِحْدَادُ (حَلْقِ العَانَة)، وتقليم الأظافر، ونتف الإبط، وقص الشارب) رواه البخاري. وقد دعا النبي صلى الله عليه وسلم إلى المحافظة على نظافة وطهارة الفم، فقال صلى الله عليه وسلم: (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة) رواه أحمد، وعن ابن عباس رضي الله عنه قال: " لقد كنا نؤمر بالسواك، حتى ظننا أن سينزل به قرآن".

    وعن أبي مالك الأشعري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الطُّهُورُ شَطْرُ الإيمان) رواه مسلم. قال ابن الجوزي: "الطهور هاهنا يراد به التطهر". وقال ابن عثيمين: "فهو يشمل الطهارة الحسية والمعنوية". وعن أبي هريرة رضي الله عنه أنّه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (أرأيتم لو أن نهراً بباب أحدكم يغتسل منه كل يوم خمس مرات، هل يبقى من درنه شيء؟، قالوا: لا يبقى من درنه شيء، قال: فذلك مثل الصلوات الخمس يمحو الله بهن الخطايا) البخاري.

    والغسل ما بين واجب ومستحب، فالغسل واجب عند الجنابة وعند الحيض وغير ذلك، ومستحب في العيدين والإحرام وغيرهما، بل إن النبي صلى الله عليه وسلم حدد للمسلم فترة زمنية قصوى للفارق بين الغسلين، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (حقٌّ على كل مسلم، أن يغتسلَ في كل سبعةِ أيامٍ يوما، يغسل فيه رأسَه وجسَدَه) رواه البخاري.

    الطعام والشراب:
    يظهر الطب النبوي الوقائي في الطعام والشراب من خلال مظاهر كثيرة منها:
    تحريم أكل بعض الحيوانات وشرب ألبانها مثل ذي الناب والمخلب، وأسلوب ذبح الحيوانات الجائز أكلها من خلال التسمية عليها، ونظافة الطعام والشراب كتغطيتهما، وآداب الطعام والشراب كالنهي عن الأكل متكئاً والشرب مِن فيّ السقاء، والحض على تناول بعض أنواع من الطعام والشراب كالتمر وزيت الزيتون، وعدم ملء البطن بالطعام والشراب، فعن المقداد بن معد يكرب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما ملأ آدميٌّ وعاءً شرًّا من بطنِه، بحسْبِ ابنِ آدمَ أُكُلات يُقِمْنَ صُلبَه، فإن كان لا محالة، فثُلُثٌ لطعامِه، وثُلُثٌ لشرابه، وثُلُثٌ لنفَسِه) رواه الترمذي وصححه الألباني. قال ابن رجب: "هذا الحديث أصل جامع لأصول الطب كلها، وقد روي أن ابن ماسويه الطبيب لما قرأ هذا الحديث في كتاب أبي خيثمة قال: لو استعمل الناس هذه الكلمات لسلموا من الأمراض والأسقام، ولتعطلت دكاكين الصيادلة ".

    نظافة البيئة من الطب الوقائي النبوي:
    نظافة البيئة أحد أسباب المحافظة على الصحة وهي تدخل ضمن المنهج الوقائي في الطب النبوي، فلم يهتم النبي صلى الله عليه وسلم بأمر المسلم بنظافة جسده وثيابه فقط، بل اهتم كذلك بأمره بنظافة البيئة التي حوله، والمحافظة عليها، حتى يعيش الناس في بيئة صحية خالية من الأوبئة والأمراض، ومن ثم فكل أمر يلوث البيئة من حولنا سواء كان يتعلق بالماء، أو الهواء، أو الطريق، فهو مخالف لهدي النبي صلى الله عليه وسلم. فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري ثم يغتسل فيه) رواه البخاري. وعن أبي ذر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (عُرِضت عليَّ أعمال أمتي حسنها وسيئها، فوجدت من محاسن أعمالها الأذى يماط عن الطريق، ووجدت من مساوئ أعمالها النخاعة تكون في المسجد لا تُدْفَن) رواه البخاري.

    أما بالنسبة لتلويث الهواء ـ وتلويث البيئة بوجه عام ـ فذلك غير جائز ومنهي عنه، ويدخل تحت قوله صلى الله عليه وسلم: (لا ضرر، ولا ضرار) رواه البيهقي وغيره.

    التداوي بعد وقوع المرض:
    إذا كان للنبي صلى الله عليه وسلم تعاليم وتوجيهات فيما يخص الوقاية من الأمراض قبل وقوعها، فإن المنهج النبوي له تعاليمه أيضًا مع الأمراض إذا وقعت، فيأمر بالتداوي والعلاج مع الأمراض عامة، وبالحجر الصحي مع الأمراض المعدية خاصة، فعن أسامة بن شريك رضي الله عنه قال: كنت عند النّبيّ صلى الله عليه وسلم وجاءت الأعراب، فقالوا: يا رسول الله؛ أنتداوى؟ قال: (نعم، يا عباد الله، تداووا، فإنّ الله ـ عزّ وجلّ ـ لم يضع داء إلّا وضع له دواء ـ شفاء ـ، غير داء واحد، قالوا: وما هو؟، قال: الهرم) (شدة الكبر في السن) رواه أبو داود وابن ماجه وصححه الألباني.

    الحَجْر الصحي:
    أوضح مجال للطب الوقائي في الصحة العامة هو ما يُعْرَف الآن بالحَجْر الصحي عند وقوع الأوبئة، وهو أهم الوسائل للحَدِّ من انتشار الأمراض الوبائية في العصر الحاضر، وبموجبه يُمنع أي شخص من دخول المناطق التي انتشر فيها نوع من الوباء، والاختلاط بأهلها، وكذلك يمنع أهل تلك المناطق من الخروج منها.

    وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم في عدد من الأحاديث مبادئ الحجر الصحي بأوضح بيان، فمنع الناس من الدخول إلى البلدة المصابة بالطاعون، ومنع كذلك أهل تلك البلدة من الخروج منها، بل جعل ذلك كالفرار من الزحف الذي هو من كبائر الذنوب، وجعل للصابر فيها أجر الشهيد. عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لاَ تُورِدُوا المُمْرِضَ عَلَى المُصِحِّ) رواه البخاري، وقال صلى الله عليه وسلم: (فِرَّ مِنَ الْمَجْذُومِ فِرَارَكَ مِنَ الأَسَد) رواه البخاري، وعن أسامة بن زيد رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا سمعتم بالطاعون بأرض فلا تدخلوها، وإذا وقع وأنتم بأرض فلا تخرجوا منها فرارا منه) رواه البخاري. وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الفار من الطاعون كالفار من الزحف، والصابر فيه كالصابر في الزحف) رواه أحمد، وعن عائشة رضي الله عنها أنها سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الطاعون فقال: (أَنَّه كَانَ عَذَابًا يَبْعَثُهُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ، فَجَعَلَهُ اللَّهُ رَحْمَةً لِلْمُؤْمِنِينَ، فَلَيْسَ مِنْ عَبْدٍ يَقَعُ الطَّاعُونُ فَيَمْكُثُ فِي بَلَدِهِ صَابِرًا، يَعْلَمُ أَنَّهُ لَنْ يُصِيبَهُ إِلاَّ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ، إِلاَّ كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ الشَّهِيدِ) رواه البخاري .

    فائدة: المسلم يعلم أن الأخذ بالأسباب الشرعية لا ينافي التوكل على الله، فلا يترك الأسباب الشرعية فيقع في التواكل والتفريط، وكذلك لا يعتقد في الأسباب فيقع في الشرك، والأحاديث السابقة وغيرها يؤخذ منها إثبات العدوى والحجر الصحي، والأخذ بأسباب الوقاية من الأمراض، ومن المعلوم أنه قد ثبتت أحاديث في نفي العدوى مثل قوله صلى الله عليه وسلم: (لا عدوى ولا طيرة) رواه البخاري. وقد أزال العلماء هذا التعارض وجمعوا بين النصوص.

    قال النووي بعد أن نقل وجوب الجمع بين الأحاديث التي في ظاهرها تعارض: "ثم المختلف قسمان: أحدهما يمكن الجمع بينهما فيتعين ويجب العمل بالحديثين جميعا، ومهما أمكن حمل كلام الشارع على وجه يكون أعم للفائدة تعين المصير إليه، ولا يصار إلى النسخ مع إمكان الجمع، لأن في النسخ إخراج أحد الحديثين عن كونه مما يعمل به .. ومثال الجمع حديث (لا عدوى) مع حديث (لا يورد ممرض على مصح)، ووجه الجمع أن الأمراض لا تعدى بطبعها، ولكن جعل الله سبحانه وتعالى مخالطتها سببا للإعداء، فنفى في الحديث الأول ما يعتقده الجاهلية من العدوى بطبعها، وأرشد في الثاني إلى مجانبة ما يحصل عنده الضرر عادة بقضاء الله وقدره وفعله". وقال الشيخ الألباني: "واعلم أنه لا تعارض بين الحديث وبين أحاديث العدوى، لأن المقصود منها إثبات العدوى، وأنها تنتقل بإذن الله تعالى من المريض إلى السليم".

    الصحة من نعم الله عز وجل العظيمة على الناس، فعن عبد الله بن عباس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ) رواه البخاري. وقد احتوت كتب السُنة على أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم التي تتعلق بالأمراض وعلاجها، وكتب بعض العلماء كتباً خاصة في ذلك، فلنحرص على صحتنا البدنية والروحية بتطبيق هدي النبي صلى الله عليه وسلم في حياتنا، فهديه أكمل الهدي صلوات الله وسلامه عليه.
    -----------------------------
    مفاتيح كسب القلوب
    استوقفتني قصة عامل محطة الوقود، للكاتب والمبدع. الدكتور/ خالد المنيف، وكثيرا ما يستوقفني إبداع هذا الكاتب.

    كان هناك عامل في محطة الوقود، دوما ما يثير إعجاب كل عملائه، حيث كان يتذكر اسم كل عميل ويناديه بمجرد دخوله المحطة.
    كان العديد من الناس يعتقدون أن هذا الشاب الصغير يملك ذاكرة مذهلة، ولكن ما كان يملكه هذا الشاب بالفعل هو الرغبة في خدمة العملاء، والميل إلى المبادرة.
    فعندما كان يأتي عميل جديد إلى المحطة كان العامل يسأله عن اسمه، ثم يكتب هذا الاسم على غطاء خزان البنزين في سيارته، وفي المرات التالية تصبح اللمسة الشخصية حين يتذكر العامل اسم العميل بمنتهى السهولة بمجرد فتح خزان الوقود في السيارة فقط!

    بإمكانك أيها القارئ الكريم أن تستشعر أثر ذلك الفعل البسيط، وكيف أن هذا العامل تمكن من أن يكسب ود الناس بمجرد البشاشة وتذكر الاسم، وهذا السلوك يعد ذوقا.
    والذوق كما يقول الدكتور/ خالد المنيف: " حالة من السمو والجمال يرتقي بها الإنسان صاحب الذوق إلى مرتبة عالية في سلم الإنسانية".

    وديننا الحنيف هو دين الذوق والإنسانية، فعن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم: أي الإسلام خير؟ قال: " تطعم الطعام، وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف" متفق عليه.
    وقال تعالى: " يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ" (الحجرات 13).

    ومن الوسائل التي تقوي علاقة المسلم بأخيه: التبسم وطلاقة الوجه، وكما قال ابن عيينة –رحمه الله-: "البشاشة مصيدة القلوب"، وأوصى ابن عمر -رضي الله عنه- ابنه فقال: " بني إن البر شيء هين، وجه طليق وكلام لين"، فالابتسامة: عبادة وصدقة، قال عليه الصلاة والسلام: "تبسمك في وجه أخيك صدقة" (رواه الترمذي)، وقال عليه الصلاة والسلام: (إنكم لا تسعون الناس بأموالكم، ولكن ليسعهم منكم بسط الوجه وحسن الخلق) رواه مسلم.

    ذلك لأن الناس بفطرتهم يميلون إلى صاحب الوجه البشوش وينفرون دائمًا من صاحب الوجه العابس، فما أهونها من عبادة، وما أجمله من أثر يترك عند من يتلقاها، تطرد وساوس الشحناء، وتغسل أدران الضغينة، وتمسح جراح القطيعة، وبها تتألف القلوب، وعن جرير بن عبدالله -رضي الله عنه- قال: «ما حجبني النبي صلى الله عليه وسلم، ولا رآني إلا تبسم في وجهي» رواه البخاري.

    وهناك حكمة صينية تقول: (إن الرجل الذي لا يعرف كيف يبتسم لا ينبغي له أن يفتح متجرا)، ويؤكد ذلك ما تقوم به الشركات العالمية والمتقدمة من تدريب موظفيها على التعامل مع الزبائن والعملاء، حيث تكون الابتسامة على رأس تلك التدريبات، وهم بذلك يرجون ثواب الدنيا، فكيف بمن يتخلق هذا الخلق رجاء ثواب الدنيا والآخرة!

    فلنتعلم فن الابتسامة وذوقها، ولننشر فن طلاقة الوجه بيننا وفي مجتمعاتنا، وليكن أسلوبنا مفتاحنا الذي ندخل به قلوب البشر بلا استئذان، وليكن البصمة التي تُميزنا عن غيرنا، فما أجمل أن نكون سببًا في إدخال السعادة على القلوب.
    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    المراجع:
    - قصة من كتاب موعد مع الحياة، للدكتور/ خالد المنيف، الطبعة الثالثة، سنة 2010
    - كتاب ذوقيات لأناقة الروح والسلوك، للدكتور/ خالد المنيف، الطبعة الأولى، سنة 2015

    -----------------------------
    الشباب والقراءة.. أسباب العزوف وسبل العلاج
    في عصرنا الحديث تعددت وتنوعت وسائل اكتساب العلم والمعرفة ما بين وسائل مقروءة ومسموعة ومرئية.. ولكن مع كثرة هذه الينابيع واختلافها تبقى القراءة هي أساس العلم والمعرفة، ومفتاح الرقي والحضارة، وسبب التقدم والتطور، ولا يمكن أن تتقدم أمة أبناؤها قد هجروا القراءة ونبذوا العلم.

    ولما كان الإسلام دين العلم، والعلم ـ كما قلنا ـ أصله القراءة والكتابة، كانت أول كلمة نزل بها الوحي، ونطق بها الشرع هي الأمر بالقراءة والكتابة والتعلم {اقرأ باسم ربك الذي خلق . خلق الإنسان من علق . اقرأ وربك الأكرم . الذي علم بالقلم . علم الإنسان ما لم يعلم}(العلق).

    فما هو حال أمة اقرأ مع القراءة؟!
    تتباين الأرقام والإحصاءات الرسمية من مراكز الأبحاث والمنظمات الدولية المعنية بهذا الموضوع، لكنها جميعا تتفق على تدني نسبة القراءة لدى الشباب العربي، فقد خلص "مؤشر القراءة العربي الصادر بالتعاون مع الأمم المتحدة" عن واقع القراءة في العالم العربي، إلى أن العربي لا يقرأ سوى عدة سويعات سنويا. ونشير إلى أن المقصود هنا القراءة غير المنهجية (غيرالدراسية).

    وكشف استطلاع للرأي أجرته "ياهو" للأبحاث، أن ربع سكان العالم العربي، نادرا ما يقرؤون كتبا، ويحتل الكتاب في غوغل المرتبة الـ153 من بين الاهتمامات العربية، وتعتبر كتب التنجيم هي ثاني أكثر الكتب قراءة في الوطن العربي.

    ووفقا لدراسات التنمية الصادرة عن مؤسسة الفكر العربي في القاهرة، فإن معدل القراءة في العالم العربي لا يتجاوز 4 بالمئة من معدل القراءة في إنكلترا على سبيل المثال.

    وأما الفاجعة أن كل ما تطبعه دور النشر العربية مجتمعة ”سنويا” لا يعادل سوى أقل من نصف ما تطبعه إسرائيل عدونا اللدود في نفس الفترة.

    وبالطبع فإن هذه الإحصائيات المحبطة تدلنا على ما وصل إليه حال العقل العربي والشباب بصفة خاصة منهم، وهي دلالة أيضا على ما وصلت إليه الحالة الثقافية في هذه البلاد، ودلالة على ما ينتظرها في المستقبل.

    إننا نستطيع القول إن "أمة اقرأ لا تقرأ"، وأن واقع القراءة العربية ينطبق عليه وصف أزمة، وأن طائفة الشباب ـ والتي هي صلب الحاضر وأساس المستقبل ـ في عزوف كبير عن القراءة المثمرة، وأنهم قد قطعوا كل صلة بها، وحتى علاقتهم بوسائل التعليم ووسائل التواصل الجديدة لا تستغل في جوانبها الإيجابية، وإنما استهواهم جانبها الترفيهي والترويحي فقط، فبقي الشباب دون ثقافة تبني شخصيتهم، وعم الناشئة الجهل بالأشياء البديهية وأبسط المعارف الدنيوية والأخروية.
    نعم .. لا يمكننا التعميم بأن الشباب العربي لا يؤمن بجدوى القراءة، ولكن يمكننا القول أن السواد الأعظم من شبابنا لا يقرأ".

    أسباب الانصراف عن القراءة
    هناك أسباب رئيسة اجتمعت فكان من عواقبها عزوف الشباب عن القراءة، وربما عداؤهم لها، ونحن نحاول هنا معرفة بعض هذه الأسباب، ثم نحاول بعد ذلك معالجتها.. فمن أهم هذه الأسباب:
    أولا: النظام التعليمي: كما تقول "رويدة رفاعي" فإن المشكلة لدى جيل الشباب العربي تبدأ من نظام التعليم المليء بالثغرات والبعيد كل البعد عن منهج التحليل والنقد وإعمال العقل، والتشجيع على المطالعة أو رعاية أي مواهب أخرى، وغالبا ما يتخرج الطلاب بمؤهلات علمية وليس في جعبتهم سوى ما درسوه في الكتب المدرسية والجامعية، والاستثناءات قليلة جدا.
    وقد يبتعد الشباب عن القراءة نظرًا لما لاقوه من عناء ومشقة في قراءة الكتب المدرسية وغيرها؛ فإن الارتطام بصعوبة الكتب وعدم فهمها، في بداية الطلب يولد كرها للقراءة عند البعض، خصوصا وأن الكتب الدراسية المنهجية ليس فيها أي نوع من أنواع الجذب للقارئ والمتعة للمتعلم، وأكثرها حشو مع أسلوب غير مشوق إطلاقا.

    ثانيا: غياب الوعي بأهمية وضرورة القراءة وأثرها على الفرد والمجتمع: وقلة المرشدين الذين يوجهون الناشئة إلى قراءة الكتب النافعة الجيدة التي تستحق الاقتناء والقراءة، وإقرار فضيلة العلم في أبناء المجتمع، وعدم إدراك المغزى والهدف من القراءة وأنها الوسيلة المثلى لتغذية ميول الشباب وتنمية قواهم العقلية وتلبية حاجاتهم النفسية. وهذه ثقافة مجتمعية تحتاج إلى تغيير هائل في الوعي والفهم.

    ثالثا: عدم غرس هذه العادة الطيبة في نفوس الأطفال منذ الصغر حتى يشبوا عليها، فالبيت والمدرسة لم يتعاونا على خلق الميل إلى القراءة وغرس هوايتها في نفوس الأبناء قبل أن ينموها بعد ذلك في مراحلهم العلمية.

    رابعا: كثرة الملهيات وتوفرها في أيدي الشباب من نت، وأفلام، وألعاب الفديو إلخ.. وطغيان وسائل التواصل بما تبثه من مغريات وملهيات تأخذ وقت الإنسان كله، فصرت تبصر طوائف من الشباب عاكفين أمام شاشات التلفاز والفيديو والقنوات الفضائية، مضيعين الساعات الطويلة في متابعة الأفلام والبرامج والمسلسلات. وأصبح المشهد العام في القطارات والمترو ومواقف انتظار الحافلات، متمثلا في إمساك الأشخاص بأجهزتهم الذكية بدلا من الكتاب.
    غير أننا نقول: إنه ليس من الإنصاف إلقاء اللوم على التكنولوجيا وثورة المعلومات على شبكة الإنترنت؛ لأنها أثرت بشكل عام على جميع دول العالم، وليس على العالم العربي وحده.

    خامسا: قد يكون لسهولة وسرعة الوصول إلى الشبكة العنكبوتية والكم الهائل من المعلومات التي تحويها ـ صحيحة كانت أو مغلوطة ـ دور في حالة التكاسل والتقاعس عن البحث في الكتب كمصدر معلوماتي، فالحصول على المعلومة عن طريق النت أسرع وأسهل وأحب إلى الشاب من عناء البحث والتملل من مطالعة الكتب.

    سادسا: المبالغة في أسعار بعض الكتب خصوصا وأن الشباب اليوم يعاني من أزمة مادية.
    سابعا: غياب الحضور الفعلي للندوات والدورات ودورها على تشجيع الشباب وإرشادهم للقراءة.

    ثامنا: ندرة الكتاب الموهوبين، وكثرة الحشو التجاري: فالكتابة موهبة والكتاب الموهوبون اليوم قليلون جدا والمقصود من الكاتب الموهوب هو صاحب القدرة على جذب القارئ، وإيصال المعلومة إليه وإثراء عقله مع إقبال المتلقي وعدم ملله. ولكن الحاصل أن الكتب اليوم أصبحت مهتمة بالحشو التجاري قبل الهدف العلمي الثقافي،فاصبحت أكثر الكتب رواجا كتب الطبخ والتجميل وكتب الغرائب والعجائب والخرافات والأساطير لأنها تحقق مبيعات وإقبال أكثر من غيرها من الكتب، وربما لأنها تحقق المتعة المفقودة والتي لا يجدها القارئ الشاب في الكتب. هذا مع كثرة الكتيبات الصغيرة التي هي في الغالب عبارة عن معلومات متكررة ومعادة طرقت أسماع الشباب كثيرًا، فبمجرد رؤيتهم لكتاب منها يتصفحونه سريعًا ثم يلقون به.

    تاسعا: قلة الحوافز والمكافآت التشجيعية والمسابقات التي تدور حول قراءة الكتب وفهمها وتلخيصها.
    عاشرا: تجاهل الدولة للعلماء والمثقفين وأرباب الفكر وأهل العلم، وضعف مكانتهم الاجتماعية وحالتهم الاقتصادية والمادية، في الوقت الذي يكرم فيه أهل الفن واللعب والتوافه مما يزهد الناشئة في العلم وأهله ويتوجه بهم إلى السفاسف والتوافه.

    الحلول:
    وبعد أن استعرضنا بعض الأسباب التي وقفت حائلاً بين الشباب والقراءة، نورد بعض الحلول التي قد تكون ناجحة لترسيخ مبدأ القراءة في نفوس الفتية وغرسه في ذواتهم، فمن هذه الحلول:

    أولا: يجب علينا أن نعي ونستشعر كأمة أنه لا سبيل لسيادة ولا لنهضة وصعود في ربا المجد إلا عن طريق القراءة ونشر حبها وأهميتها بين أطياف المجتمع وخاصة جيل الشباب. ويجب أن يدرك عموم طوائف المجتمع فوائد القراءة وثمرتها في رفع المستوى الثقافي عند الشخص والأمة.

    ثانيا: غرس هذه العادة عند الأطفال منذ الصغر، فيربون على حبها، وذلك بالحديث معهم عن مكانة وفضيلة الإنسان القارئ والثناء عليه ليسلكوا مسلكه، ويكون ذلك أيضًا بجلب القصص المصورة التشويقية ليتعودوا على حمل الكتب ومطالعتها، وحث الأبناء على قراءة القرآن الكريم وحفظه ورصد الجوائز لذلك، فتصبح القراءة عندهم ملكة منذ نعومة أظفارهم.

    ثالثا: يجب أن يكون هنالك على الأقل مكتبة أسرية في كل بيت وعامة في كل حي، يجب أن يتم غرس ثقافة القراءة وحبها في النشء وتحفيزهم على القراءة في مجال اهتماماتهم، أيضا على الجهات التربوية كالمدارس والجامعات والأندية إقامة مسابقات في مجال القراءة ووضع مكافآت تشجيعية عليها.

    رابعا: تطوير المناهج وتحسين الكتب المقررة في الصفوف الأولية، وتقديم الكتب المنهجية بصورة تحبب الطالب في القراءة سواء من جهة تقديم المعلومة أو إخراج الكتاب المدرسي.

    خامسا: الإعتناء بمكتبة المدرسة وتزويدها بالكتب المتنوعة الجذابة ذات الأغلفة المتميزة – مع الاهتمام بالمضمون – وخاصة في المرحلة الإبتدائية إذ يميل الطفل إلى الصور والمناظر الجميلة.

    سادسا: اصطحاب الأطفال إلى المكتبات ومعارض الكتب، وبذل المال عندما يرغبون في شراء كتاب ما، وتشجيعهم على ذلك .

    سابعا: متابعة ما يصدر من الكتب والحكم عليه وإثراء الساحة بالنقد الهادف البناء الذي يبعد الضعاف عن تسلق ذرى التأليف .

    ثامنا: اختيار الأقران الذين يحرصون على القراءة وإقتناء الكتب واغتنام الأوقات.

    تاسعا: رعاية الدولة لهذا الأمر، ورصد المكافآت والجوائز التشجيعية للعلماء والمثقفين والكتاب المميزين، وإعلاء مكانهم في المجتمع.

    عاشرا: رصد المكافآت على الإنتاج الأدبي وإقامة الفعاليات التي ترعاها الدول العربية، و على وإجراء المسابقات على التأليف الجاد الهادف الممير، وعلى تلخيص الكتب الهامة وإجراء المسابقات حولها، واستغلال معارض الكتب التي تقام كل سنة بتنظيم الزيارات لها والحث على زيارتها.

    كانت هذه نظرة لحالنا مع القراءة ومحاولة لحل هذه المشكلة.. لعل أمة اقرأ تعود إلى القراءة، ولعل شباب العرب والمسلمين يهتمون بالعلم والثقافة، فيتغير واقعنا إلى واقع أفضل، ويكون مستقبلنا أرغد وأجمل.
    --------------------------
    عالم لا يزال منقسما
    عندما يختار الناس عدم الإيمان بالله، فإنهم لا يؤمنون بعد ذلك بلا شيء، إنما يصبحون قادرين على الإيمان بأي شيء" (ينسب إلى جيلبرت كيث تشيسترتون).

    أدى التحول الدراماتيكي نحو الأسوأ في تطور الإنسانية والتقدم المذهل في العلوم والتكنولوجيا إلى إثارة جدال ساخن بين المفكرين والكتاب الكبار في القرن العشرين، والمناقشة حول تأثيرها العميق، على كل من الإنسان والبيئة؛ لا سيما فيما يتعلق الأمر بالدور الرئيسي الذي لعبه الغرب وما زال يلعبه، دورا مثيرا ومحفوفا بالمخاطر.

    من الواضح أنه لا ينبغي أن يكون هناك استهانة بالدور الذي لعبته التكنولوجيا الحديثة - التي نشأت معظمها في الغرب - والتي حققت نجاحات ملحوظة وقدمت خدمة إنسانية للبشرية ككل، في كل مجال من مجالات النشاط البشري تقريبًا.

    مما لا شك فيه، أن "المحرك التكنولوجي نفسه الذي منحنا أجهزة iPhone وخدمات البث قد قلص الفقر المدقع في العالم إلى النصف. نفس تسونامي من البيانات التي أحدثت الثورة في الطب، مع تطور الحديث، تصلنا الأخبار على مدار 24 ساعة في نفس اللحظة من حدوثها. نبصق ونحصل على تاريخنا الوراثي، ونضغط على زر ونصل إلى جميع المعارف الإنسانية، ونبحر في جميع أنحاء العالم على شاشة بحجم ست بوصات.

    وعلى منظور آخر، يمكن للمرء أيضا أن يرى هذا على أنه نعمة مختلطة، ويسأل نفسه عما إذا كان من غير الممكن، في خضم حياتنا الرقمية، أن يكون أحلك وأسرع انتصار لوادي السيليكون هو دمج التقنيات الشخصية التي تحسن كفاءتنا مع التقنيات الشخصية التي تغير إنسانيتنا؟ وما إذا كان لا يزال لدينا سيطرة على هذه الوتيرة السريعة للتطور بحيث نضمن نحن- والحواسيب الفائقة المستقبلية والقوية - توجيه البحث بطريقة نجني فوائد مذهلة ومستمرة من التقدم التكنولوجي مع تجنب المزالق المحتملة؟

    هكذا، وبفائدة أقل بكثير من الإدراك المتأخر من فرانكلين فوير والعديد من العلماء المعاصرين الآخرين، ولكن مع مزيد من التبصر، تناول الحائز على جائزة نوبل ألكسندر سولجينتسين هذا الموضوع ببلاغة في خطابه التاريخي الذي ألقاه أمام جمع غفير في جامعة هارفارد الأمريكية المرموقة عام 1978 - في وقت كانت فيه الحرب الباردة بين الشرق والغرب في ذروتها، وبعد أربعة أعوام فقط من ترحيله من الاتحاد السوفيتي الشيوعي آنذاك إلى الغرب. وأشار أن الدفاع عن الحقوق الفردية في المجتمعات الغربية قد وصل إلى أقصى درجاته بحيث جعل المجتمع ككل أعزل أمام بعض الأفراد، وتم منح الحرية التدميرية وغير المسؤولة مساحة لا حدود لها. ويؤكد أن هذا الميل من الحرية في اتجاه الشر "قد تحقق تدريجياً، لكنه من الواضح أنه ولد في المقام الأول من مفهوم إنساني وخيّر ينص على أنه لا يوجد شر ملازم للطبيعة البشرية. الكفاح من أجل كوكبنا، الجسدي والروحي، معركة ذات أبعاد كونية، ليس مسألة غامضة للمستقبل؛ ولقد بدأت بالفعل. بدأت قوات الشر هجومها. يمكنك أن تشعر بالضغط منها، ولكن الشاشات والمنشورات مليئة بالابتسامات والنظارات المندهشة. لماذا هذا الفرح؟

    سأل الفيلسوف الروسي بعد ذلك كيف نشأت هذه العلاقة غير المواتية للقوات، وكيف تراجع الغرب من مسيرته المنتصرة إلى مرضه (الحاضر)؟ أجاب بالقول إن الغرب وجد نفسه في مثل هذه الحالة ليس بسبب وجود تحولات قاتلة مفاجئة وفقدان في اتجاه تطورها، حيث أنه واصل التقدم اجتماعيًا وفقًا لنواياه المعلنة بمساعدة التقدم التكنولوجي الرائع. بدلاً من ذلك، الخطأ، حسب قوله، يجب أن يكون في الأساس، في أساس الفكر الإنساني في القرون الماضية. وكان يقصد على وجه التحديد النظرة الغربية السائدة للعالم والتي ولدت لأول مرة خلال عصر النهضة ووجدت تعبيرها السياسي منذ فترة التنوير، والتي "أصبحت أساسًا للحكم والعلوم الاجتماعية ويمكن تعريفها على أنها إنسانية عقلانية أو حكم ذاتي انساني: الحكم الذاتي المعلن والمنفذ للإنسان من أي قوة أعلى. يمكن أن يطلق عليه أيضًا مركزية الإنسان، حيث يُنظر إلى الإنسان على أنه مركز كل شيء موجود".

    ونتيجة لطريقة التفكير الجديدة هذه التي أدخلتها عصر النهضة، يقول سولجينتسين "إن الحضارة الغربية أصبحت تأسَّسُ على الاتجاه الخطير لعبادة الانسان واحتياجاته المادية"، وكل شيء ما عدا الرفاهية وتراكم البضائع المادية، من المتطلبات والخصائص الإنسانية ذات طبيعة عليا تبقى خارج نطاق اهتمام الدولة والنظم الاجتماعية، كما لو أن الحياة البشرية لم يكن لها أي معنى متفوق".

    ثم حذر الفائز بجائزة نوبل في الأدب من كارثة تلوح في الأفق والتي كانت مستمرة لبعض الوقت، وهذه هي كارثة الوعي الإنساني غير الروحي وغير الديني. وأوضح ذلك بقوله أنه أثناء المسيرة من عصر النهضة إلى أيامنا هذه، قمنا بإثراء تجاربنا، ولكنا "فقدنا مفهوم الكيان الأعلى الكامل الذي كان يقيد عواطفنا وعدم المسؤولية لدينا" فبالتالي فقط أدركنا أننا محرومون من أهم شيء لدينا: حياتنا الروحية ". ويوضح أنه في الشرق يتم تدمير حياتنا الروحية من خلال تعاملات ومكائد الحزب الحاكم. وفي الغرب، المصالح التجارية تخنق حياتنا الروحية. وبالتالي، فإن الانقسام في العالم "أقل فظاعة من تشبيه المرض الذي يصيب أعضائه الرئيسية".

    في ختام كلمته - التي لا تزال ذات صلة ملفتة للنظر اليوم، بصرف النظر عن حقائق انهيار الاتحاد السوفيتي في عام 1991 وما تلاه من زوال الشيوعية - أدلى سولجينتسين بملاحظة أنه ان لم يكن العالم قد وصل الى نهايته، فقد اقترب من منعطف كبير في التاريخ "مساوٍ لأهمية التحول من العصور الوسطى إلى عصر النهضة"، وإذا أردنا إنقاذ الحياة من تدمير الذات، فيجب أن تكون هناك طفرة روحية، حيث يجب على البشر أن يرتقوا إلى نظرة جديدة لحياتهم الروحية، إلى "مستوى جديد من الحياة بحيث لن يتم لعن طبيعتنا المادية كما هو الحال في العصور الوسطى، ولكن الأهم من ذلك، لن يتم دس كائننا الروحي كما في العصر الحديث". وأكد أن هذا الصعود "سيكون مشابهًا للصعود إلى المرحلة الأنثروبولوجية التالية. لم يبق لأحد على وجه الأرض أي طريقة أخرى الا الطريقة التصاعدية (الارتقاء الروحي)".

    اليوم، ربما أكثر من أي وقت مضى، الإنسانية في خضم موجة من المد والجزر من التغيير. يعتقد سولجينتسين وبعض الكتّاب المبدعون والبارعون الآخرون - مثل يوفال نوح حراري وجوناه غولدبرغ وقبلهم جميعًا، الجزائري مالك بنابي – الحال الراهن هي عرض من أعراض الانتقال إلى المرحلة التالية في تاريخ البشرية.

    الآن، وبعد أن تم تشخيص ورطة البشرية الحالية، فإن السؤال الملح الذي يُطرح بإلحاح متزايد هو كيف يمكن للبشرية أن ترتفع إلى مستوى التحدي الكبير المتمثل في تقديم وصفة طبية لعلاج الأمراض متعددة الجوانب التي تهدد بقاءنا وفي نفس الوقت الانتقال بحكمة إلى الأمام في عالم معقد بشكل متزايد؟

    في كتابه الأخير، حراري يقدم ملاحظة وهو محق أن هناك اليوم حضارة واحدة فقط في العالم. ويوضح أنه قبل عشرة آلاف سنة كانت البشرية مقسمة إلى قبائل معزولة لا تعد ولا تحصى، ولكن مع مرور كل ألف عام، اندمجت هذه المجموعات الصغير في مجموعات أكبر، وتم تكون حضارات متميزة كبرى. بعد ذلك، وبشكل بارز في الأجيال الأخيرة، تم اندماج الحضارات القليلة المتبقية في حضارة عالمية واحدة. وعلى الرغم من استمرار "الانقسامات السياسية والعرقية والثقافية والاقتصادية، إنها لا تقوض الوحدة الأساسية".

    برفضه للأطروحة "المضللة" لـ "تصادم الحضارات"، هو يعتقد أن الجنس البشري بات يفقد ثقته في القصة الليبرالية التي هيمنت على السياسة العالمية في العقود الأخيرة، بالضبط عندما يواجه دمج التكنولوجيا الحيوية وتكنولوجيا المعلومات أكبر التحديات التي تواجهها البشرية من أي وقت مضى. حراري مقتنع بأن "أي قصة تسعى إلى الحصول على ولاء الإنسانية سيتم اختبارها قبل كل شيء في قدرتها على التعامل مع الثورتين في تكنولوجيا المعلومات والتكنولوجيا الحيوية". وفقًا لذلك، يستنتج أنه "إذا كانت الليبرالية أو القومية أو الإسلام أو بعض العقائد الجديدة ترغب في تشكيل عالم عام 2050، فلن تحتاج فقط إلى فهم الذكاء الاصطناعي وخوارزميات البيانات الضخمة والهندسة الحيوية – ولكنها بحاجة أيضا إلى دمجها في سرد جديد ذات معنى".

    من جانبه، فإن جونا جولدبرج، بناء على الأبحاث والنظريات التي قام بها العشرات من علماء الاجتماع والمؤرخين والاقتصاديين، يعتبر الحالة في أمريكا والديمقراطيات الأخرى في خطر لأنهم فقدوا الرغبة في الدفاع عن القيم والمؤسسات التي تدعم الحريات والازدهار. ويقول إنه لكي يتجنب الغرب "الانتحار" ويبقى على قيد الحياة، يجب أن نجدد شعورنا بالامتنان لما قدمته لنا حضارتنا وأن نعيد اكتشاف مُثل وعادات القلب التي أخرجتنا من الوحل الدموي في الماضي، والا سنعود إلى الوحل مرة أخرى". وبعبارة أخرى، فهو يدعو إلى العودة إلى القيم الأساسية المحافظة.

    والأهم من ذلك، أن جولدبيرج يقدم ملاحظة مهمة تم التغاضي عنها "بشكل غريب" في جميع مراجعات الكتب تقريبًا، على الرغم من أنها تشكل الموضوع الرئيسي لاستنتاج الكتاب بعنوان "الرفض خيار"؛ أي هو "سواء كنت تؤمن بالله أم لا، فالحال اليوم هو أن فكرة الله تقلصت في المجتمع وفي قلوبنا". وقد أثر هذا بدوره إلى حد كبير على الأفراد والمجتمعات على حد سواء من تأثير "الخوف من الله"، وهو أن الله يراقبك حتى عندما لا يكون الآخرون كذلك. يمكن تبرير تماماً رؤية غولدبرغ لهذه الفكرة باعتبارها أعظم فحص لرغبة الإنسان الطبيعية في الاستسلام لمشاعر المرء وفعل ما يشعر به بالرضا أو حتى ما يشعر أنه "الصواب"؛ وعلى هذا النحو، فهي "أقوى قوة حضارية في تاريخ البشرية كله". هذا التطور السلبي، كما يوضح جولدبرج، يخلق فرصة لجميع أنواع الأفكار لتغمر فينا، ومن ثم الاتفاق على القول المأثور المعروف والمنسوب إلى جيلبرت كيث تشيسترتون: عندما يختار الناس عدم الإيمان بالله، فإنهم لا يؤمنون بعد ذلك بأي شيء، ثم يصبحون قادرين على الإيمان بأي شيء.

    الخيط المشترك والمتكرر في الأفكار الكبيرة أعلاه هو الاعتقاد بأن الحضارة بلا دين مصيرها النهاية. هذه حقيقة تاريخية مثبتة تم توثيقها على نطاق واسع؛ لذلك أنا على قناعة بأن العالم لا يزال منقسمًا، ولكن ليس بالضبط على غرار خطوط الحرب الباردة لسولجينتسين. لا شك أن القرن العشرين كان مهد ومقبرة جميع الأيديولوجيات. ومرة أخرى، يأخذ التاريخ منعطفًا غير متوقع: آخر ضحاياه، وآخرهم من الماويشيين الأيديولوجيين، هي الليبرالية الآن، التي لم يمض وقت طويل - بعد أن وجهت ضربة قاضية بنجاح لمنافسها الشيوعي - بدت كأنها سوف تدوم إلى الأبد.

    الانقسام اليوم هو بشكل أساسي هو انقسام بين المؤمنين وغير المؤمنين. إذا كان الأمر كذلك، فالسؤال الكبير الذي يجب طرحه هو أمر لا مفر منه: كيف يمكننا أن نجد أفضل السبل والوسائل للعيش معًا في سلام، من خلال التوفيق بين العلم والعقل والإيمان، وبالتالي سد الفجوة المتسعة بشكل خطير بين هذين المكونين في الحضارة العالمية الوحيدة التي توجد اليوم في عالم سريع التغير ومترابط بإحكام؟
    إسلام ويب...
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

07-16-2020, 01:46 PM

سيف اليزل برعي البدوي
<aسيف اليزل برعي البدوي
تاريخ التسجيل: 04-30-2009
مجموع المشاركات: 18170

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: مقالات مفيدة تهم المجتمع و الأسرة و الشبا� (Re: سيف اليزل برعي البدوي)

    عشر ذي الحجة.. اغتنموها ولا تضيعوها
    اختار الله من الأيام أياما جعلها مواسم خيرات، وأيام عبادات، وأوقات قربات، وهي بين أيام السنة كالنفحات، والرشيد السعيد من تعرض لها، ونهل من خيرها، كما جاء في حديث أبي هريرة رضي الله عنه عند الطبراني بسند حسن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: [افعلوا الخير دهركم، وتعرضوا لنفحات رحمة الله، فإن لله نفحات من رحمته يصيب بها من يشاء من عباده].(حسنه الألباني في الصحيحة).

    ومن هذه المواسم النيرات، والنفحات المباركات، أيام العشر الأول من ذي الحجة الحرام، فقد اختارها الله على ما سواها، ورفع شأنها واجتباها، وجعل ثواب العمل فيها غير ثوابه فيما دونها، علاوة على ما خصها الله به من أعمال فريضة الحج التي لا تكون في غيرها.

    ومن مظاهر اختيار الله لها:
    إقسام الله تعالى بها في كتابه: فهي الليالي العشر في سورة الفجر، وهي الأيام المعلومات في سورة الحج، وفيها يوم عرفة، يوم المباهاة والعتق، وفيها يوم النحر، أفضل أيام الدنيا، وكذلك تفع فيها معظم أعمال الحج وكل أركانه، وكذلك لما فيها من الأضاحي والتزام أمر الله، وإحياء سنن المرسلين محمد وإبراهيم عليهما أزكى الصلوات والتسليم.

    وقد توج النبي صلى الله عليه وسلم هذا الاختيار لأيام العشر ببيان فضل العمل فيها وتقديمه على ما يعمل في سواها، .. فقد روى البخاري وغيره عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله عز وجل من هذه الأيام ـ يعني أيام العشر ـ قالوا: يا رسول الله ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجل خرج بنفسه وماله ثم لم يرجع من ذلك بشيء].

    وعند الإمام البيهقي عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: [ما من عمل أزكى عند الله ولا أعظم أجرا من خير يعمله في عشر الأضحى...].(قال الألباني سنده جيد).
    وروي الطبراني في معجمه الكبير بإسناد جيد: [ما من أيام أعظم عند الله ولا أحب إلى الله العمل فيهن من أيام العشر فأكثروا فيهن من التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير].

    ما يستحب من العبادات فيها:
    وقد استحب السادة العلماء أعمالا يفعلها المسلم في هذا الموسم الجليل.. فمنها:
    أولا: الحج
    إن من أفضل ما يعمل في هذه العشر حج بيت الله الحرم، فمن وفقه الله تعالى لحج بيته وقام بأداء نسكه على الوجه المطلوب فله نصيب - إن شاء الله - من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: [العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما. والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة](متفق عليه).

    ثانيا: الصيام
    فيسن للمسلم أن يصوم تسع ذي الحجة كاملة، أو ما يقدر عليه منها؛ لأنه من أصلح الأعمال أولا، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصومها ثانيا.. فعن هنيدة بن خالد عن امرأته عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: [كان النبي صلى الله عليه وسلم يصوم تسع ذي الحجة، ويوم عاشوراء، وثلاثة أيام من كل شهر...](النسائي وأبو داود وصححه الألباني).

    ثالثا: صوم يوم عرفة لغير الحاج
    وهو وإن كان من أيام التسع إلا أننا خصصناه بالذكر تنبيها على فضله ففيه زيادة أجر ورجحان مثوبة.. فعَنْ أَبِي قَتَادَةَ رضي الله عنه أن النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: [صِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ أَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ وَالسَّنَةَ الَّتِي بَعْدَهُ](أخرجه مسلم). فلا يفوتنك أخي المؤمن هذا الأجر العظيم.

    رابعا: الأضحية يوم العيد
    وهي سنة مؤكدة لمن وسع الله عليه وقدر عليها، فعَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه قَال: [ضَحَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِكَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ أَقْرَنَيْنِ، ذَبَحَهُمَا بِيَدِهِ وَسَمَّى وَكَبَّرَ ،وَوَضَعَ رِجْلَهُ عَلَى صِفَاحِهِمَا](متفق عليه). والصفحة هي جانب العنق..

    والسنة أن يشهد المضحي أضحيته، وأن يباشرها بنفسه، وأن يأكل منها شيئاً كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم. وإن وكَّل غيره كالجمعيات والهيئات الخيرية جاز، ولو كانت خارج البلاد.. وتجزئ الشاة عن واحد والبدنة أو البقرة عن سبعة.

    خامسا: الإكثار من التحميد والتهليل والتكبير
    فيسن التكبير والتحميد والتهليل والتسبيح، وسائر أنواع الذكر، في أيام العشر. والجهر بذلك في المساجد والمنازل والطرقات وكل موضع يجوز فيه ذكر الله إظهاراً للعبادة، وإعلاناً بتعظيم الله تعالى. ويجهر به الرجال وتخفيه المرأة؛ قال الله تعالى: {ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام}(الحج/28). والجمهور على أنها أيام العشر كما جاء عن ابن عباس وغيره.

    وفي المسند عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: [ما من أيام أعظم عند الله ولا أحب إليه العمل فيهن من هذه الأيام العشر فأكثروا فيهن من التهليل والتكبير والتحميد] (وصحّح إسناده العلامة أحمد شاكر).

    والتكبير في هذا الزمان صار من السنن المهجورة ـ ولاسيما في أول العشر ـ فلا تكاد تسمعه إلا من القليل، فينبغي الجهر به إحياء للسنة وتذكيراً للغافلين، وقد ثبت أن ابن عمر وأبا هريرة رضي الله عنهما كانا يخرجان إلى السوق أيام العشر يكبران ويكبر الناس بتكبيرهما.

    سادسا: التكبير دبر الصلوات
    وهذا أيضا مما يسن في هذه الأيام ومن صالح العمل فيها، ويبدأ من فجر يوم عرفة إلى عصر آخر أيام التشريق، وهو الثالث عشر من ذي الحجة. فعن شقيق بن سلمة رحمه الله قال: "كان علي رضي الله عنه يكبر بعد صلاة الفجر غداة عرفة ثم لا يقطع حتى يصلي الإمام من آخر أيام التشريق ثم يكبر بعد العصر"(أخرجه ابن المنذر والبيهقي. و صححه النووي وابن حجر). وثبت مثله عن ابن عباس رضي الله عنهما.

    قال ابن تيمية: "أصح الأقوال في التكبير الذي عليه جمهور السلف والفقهاء من الصحابة والأئمة: أن يكبر من فجر عرفة إلى آخر أيام التشريق عقب كل صلاة"(مجموع الفتاوى:24/20).
    وقال ابن حجر: "وأصح ما ورد فيه عن الصحابة قول علي وابن مسعود: "إنه من صبح يوم عرفة إلى آخر أيام منى. أخرجه ابن المنذر وغيره والله أعلم" (الفتح:2/536) .

    أما صيغة التكبير
    أ) الله أكبر. الله أكبر. الله أكبر كبيرًا.
    ب) الله أكبر. الله أكبر. لا إله إلا الله. والله أكبر. الله أكبر ولله الحمد.
    ج) الله أكبر. الله أكبر. الله أكبر. لا إله إلا الله. والله أكبر. الله أكبر. الله أكبر ولله الحمد.

    وهذه الصيغ ذكرها كلها الشيخ ابن عثيمين رحمه الله..
    وقد أخرج ابن أبي شيبة بسند صحيح أثر ابن مسعود رضي الله عنه: "أنه كان يكبر أيام التشريق: الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، و الله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد".

    سابعا: سائر أعمال البر
    كالصدقات ونوافل الصلوات، وصلة الأرحام، ومراعاة الأيتام، وكل عمل صالح سواها، فهي كلها داخلة في العمل الصالح الذي هو في هذا الشهر أفضل من غيره.
    فلنبادر باغتنام تلك الأيام الفاضلة، قبل أن يندم المفرّط على ما فعل، وقبل أن يسأل الرّجعة فلا يُجاب إلى ما سأل. نسأل الله أن يديم علينا أيام النعم ويعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته.
    ------------------------
    إذا سألت فاسأل الله
    في وصية النبي صلى الله عليه وسلم لابن عمه ابن عباس قال: [إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللَّهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ الأُمَّةَ لَوْ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ، وَلَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ، رُفِعَتِ الأَقْلَامُ وَجَفَّتْ الصُّحُفُ](رواه الترمذي، وقال: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ).

    يقول النبي صلى الله عليه وسلم لابن عباس ولكل مهموم أو مغموم، ولكل مكروب أو مظلوم، ولكل صاحب حاجة، "إذا سألت فاسأل الله":
    حين تشتد بك الخطوب، وتحيط بك الكروب، وتظلم أمام عينيك الدنيا . فقل يا ألله.
    حين يضيق بك الأمر، وتستحكم عليك حلقاته، ولا تجد لك مخرجًا.. فقل يا ألله.
    حين يتبدل الحال، ويقل المال، وتكثر النفقات، وتتراكم على رأسك الطلبات، ولا تجد معك ما تؤدي به الحقوق والواجبات.. فقل يا ألله.
    حين تتبدل الحقائق، وتنتكس الفِطَر، ويُهزأ بالقيم، وتُحارب الفضائل، وتمتدح الرذائل.. فقل يا ألله.
    حين يتطاول على القرآن، ويستهزأ بالنبي العدنان، ولا تجد من يقف ليرد أو ينتصر لله ولدينه ولرسوله.. فقل يا ألله.
    حين يتكالب الناس على أهل العلم ويستهزءون ويستخفون بأهل الدين، فيُلجؤونهم إلى ركن ضيق في مكان مظلم، أو سجن مغلق.. فقل يا ألله.
    حين يعلو الباطل وينتشر وينتفش، وينخفض الحق ويستخزي وينكمش. حين يحدث ذلك فيضيق له صدرك، وتلتاع له نفسك.. فقل يا ألله. واجأر إليه بالدعاء فإنه لا مخرج ولا ملجأ إلا في الدعاء.
    إذا الصَّدرُ ضَاقَ بآهَـاتِهِ .. .. وطَــالَ أسَى قلـبِكَ المُـكْتَرِبْ
    فــنَاجِ الَّذي في منَاجاتِهِ .. .. خَلاصُكَ، وَاسْجُدْ لَه وَاقْتَرِب

    إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلم ابن عباس ويعلمنا ويعلم كافة المسلمين أن الدعاء نعمة كبرى، ومنحة عظمى، تفضل الله بها على عباده، وجاد بها عليهم، فأمرهم به وحثهم عليه، ووعدهم الإجابة وعلَّقها به، وسيَّرها في ركابه؛ فمتى وُجِد الدعاء فالإجابة معه، قال تعالى: {وإذا سألك عبادي عني فإني قريب، أجيب دعوة الداعِ إذا دعان، فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون}، وقال سبحانه: {وقال ربكم ادعوني أستجب لكم، إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين}، ولذلك كان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – يقول: إني لا أحمل هم الإجابة، ولكني أحمل هم الدعاء.

    فالموفق من وفقه الله للدعاء، وفتح عليه أبوابه، ويسر له سبله وأسبابه، ووجه قلبه إليه، وحرك لسانه به، فالخلق كلهم محتاجون إلى الدعاء أشد من حاجتهم للهواء، مفتقرون إليه افتقار السمك للماء، لا غنى لأحدهم عنه طرفة عين {يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد}.

    الله وحده دون من سواه
    يعلم النبي صلى الله عليه وسلم ابن عباس وكل صاحب حاجة إذا أراد أن يسأل ألا يسأل إلا الله، وألا يعلق قلبه بسواه:
    . ذلك أن الدعاء عبادة والعبادة لا ينبغي أن تصرف إلا لله:
    فعن النعمان بن بشير قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول على المنبر: [إن الدعاء هو العبادة] ثم قرأ: {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ}(غافر:60). قال الشوكاني "الدعاء هو أعلى أنواع العبادة وأرفعها وأشرفها» اهـ.
    وقال الشيخ ابن سعدي: «وقال تعالى: {فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ}(غافر:14).. فوَضْعُ كلمة «الدين» موضع كلمة «الدعاء» - يدل على أن الدعاء هو لب الدين وروح العبادة..

    ففي الدعاء يظهر الذل والفاقة والافتقار والحاجة والعجز من السائل للمسئول.. وهي اعتراف من السائل بالعز والعلم والغنى والقدرة والسلطان للمسئول، وهو عين العبودية وقمة الافتقار؛ ولهذا كان الإمام أحمد يدعو ويقول: (اللهم كما صنت وجهي عن السجود لغيرك فصنه عن المسألة لغيرك، ولا يقدر على كشف الضر وجلب النفع سواك).

    إذا سألت فاسأل الله
    . لأن مصائر الأمور كلها إليه، وقلوب العباد كلهم بيديه، والكون كله خاضع لقدرته، مستجيب لإرادته، لا راد لقضائه، ولا معقب لحكمه، ولا غالب لأمره، وكل ما في الكون إنما هي أدوات لتحقيق قضائه وقدره.. فلا يمكن أن يصل إليك خير قط إلا إذا كان الله قد كتبه لك، ولا يمكن أن يوصل أحد إليك شرا قط إلا إذا كان الله قد قدره عليك، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: [وَاعْلَمْ أَنَّ الأُمَّةَ لَوْ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ ، وَلَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ].

    فالله سبحانه وحده هو القادر وكل ما سواه عاجز: {ذَٰلِكُمُ اللهُ رَ‌بُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ ۚ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ‌ . إِن تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ ۖ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ‌ونَ بِشِرْ‌كِكُمْ ۚ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ‌ . يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَ‌اءُ إِلَى اللهِ ۖ وَاللهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ}[فاطر من الآيات:13-15].
    وقال تعالى: {وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ}(يونس:106).
    وقال تعالى: {لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ}(الرعد:14)، وقال تعالى: {وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا}(الجـن:18).

    فإذا سألت فاسأل الله ولا تسألن أحدا سواه:
    قال طاووس لعطاء بن أبي رباح رحمهما الله: "إياك أن تطلب حوائجك ممن أغلق دونك بابه وجعل دونها حجابه، وعليك بمن بابه مفتوح إلى يوم القيامة، أمرك أن تسأله ووعدك أن يجيبك سبحانه وتعالى".
    وروى أبو داود والترمذي والحاكم عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُوْلُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسلم: [مَنْ نَزَلَتْ بِهِ فَاقَةٌ فَأَنْزَلَهَا بِالنَّاسِ لَمْ تُسَدَّ فَاقَتُهُ، وَمَنْ نَزَلَتْ بِهِ فَاقَةٌ فَأَنْزَلَهَا بِاللَّهِ فَيُوشِكُ اللَّهُ لَهُ بِرِزْقٍ عَاجِلٍ أَوْ آجِلٍ](رواه أبو داود والترمذي والحاكم).
    لا تســـألن بني آدم حـاجـــة .. .. وسـل الذي أبوابه لا تحجب
    الله يغضب إن تركت سؤاله .. .. وبني آدم حين يسأل يغضب

    إذا سألت فاسأل الله
    فإن الله تعالى هو وحده القادر على أن يحرك الدنيا كلها من أجل إجابة دعوة، أو نصرة لمظلوم، كما فعل مع نوح، وإبراهيم، ولوط، وهود، وصالح، وشعيب، وموسى، ويونس عليهم جميعا أفضل الصلوات وأزكى التسليمات، كيف حرك لهم الكون، فأغرق الدنيا لنوح، وأوقف الأسباب لإبراهيم، وشق البحر لموسى، ونجى يونس من بطن الحوت، كل ذلك ليعلم الناس بحق: {أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض}

    روى البيهقي في شعب الإيمان (2/ 357):
    عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبَّادٍ الْبَصْرِيِّ، قَالَ: رَأَيْتُ فِي مَنَامِي ذَاتَ لَيْلَةٍ قَائِلًا يَقُولُ: أَغِثِ الْمَلْهُوفَ.
    قَالَ: فَانْتَبَهْتُ. فَقُلْتُ: انْظُرُوا هَلْ فِي جِيرَانِنَا مُحْتَاجٌ؟ فَقَالُوا: مَا نَدْرِي.
    قَالَ: فَنِمْتُ ثَانِيًا، فَعَادَ إِلَيَّ. فَقَالَ: تَنَامُ وَلَمْ تُغِثِ الْمَلْهُوفَ، فَقُمْتُ.
    فَقُلْتُ لِلْغُلام: أَسْرِجِ الْبَغْلَ، وَأَخَذْتُ مَعِي ثَلاثَ مِائَةَ دِرْهَمٍ، ثُمَّ رَكِبْتُ الْبَغْلَ، فَأَطْلَقْتُ عَنَانَهُ، حَتَّى بَلَغَ مَسْجِدًا.
    قَالَ: فَنَظَرْتُ فَإِذَا رَجُلٌ يُصَلِّي، فَلَمَّا أحَسَّ بِي انْصَرَفَ. قَالَ: فَدَنَوْتُ مِنْهُ. فَقُلْتُ: يَا عَبْدَ اللَّهِ، فِي هَذَا الْوَقْتِ، فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، مَا أَخْرَجَكَ؟!.
    قَالَ: أَنَا رَجُلٌ خَوَّاصٌ كَانَ رَأْسُ مَالِي مِائَةَ دِرْهَمٍ، فَذَهَبَتْ مِنْ يَدَيَّ وَلَزِمَنِي دَيْنُ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ.
    قَالَ: فَأَخْرَجْتُ الدَّرَاهِمَ. وَقُلْتُ: هَذِهِ ثَلاثُ مِائَةِ دِرْهَمٍ خُذْهَا.
    قَلَ: فَأَخَذَهَا، قُلْتُ: تَعْرِفُنِي؟ قَالَ: لا.
    قُلْتُ: أنا إِسْحَاقُ بْنُ عَبَّادٍ، فَإِنْ نَابَتْكَ نَائِبَةٌ فَأْتِنِي، فَإِنَّ مَنْزِلِي فِي مَوْضِعِ كَذَا وَكَذَا.
    فَقَالَ: رَحِمَكَ اللَّهُ، إِنْ نَابَتْنَا نَائِبَةٌ، فَزِعْنَا إِلَى مَنْ أَخْرَجَكَ فِي هَذَا الْوَقْتِ، حَتَّى جَاءَ بِكَ إِلَيْنَا.

    لا تخضـعنَّ لمخلوقٍ على طمعٍ .. .. فإنَّ ذلك نقـصٌ منك في الدِّينِ
    لن يقدرَ العبدُ أن يعطيَك خَرْدلةً .. .. إلا بإذنِ الذي سوَّاك مِن طينِ
    فلا تصـاحبْ غنيـًّا تستـعــزُّ بـه .. .. وكن عفيفًا وعظِّمْ حُرمةَ الدِّينِ
    واسترزقِ اللهَ مـمَّــا في خزائنِـه .. .. فإنَّ رزقَـك بينَ الكافِ والنُّونِ
    فاللهم اجعل فزعنا وسؤالنا لك وحدك لا شريك لك..
    ---------------------------------------------------
    بين حسن الظن والاغترار
    من أفضل خصال الخير، وأنواع البر الرجاء في الله وحسن الظن به.
    قال يحيى بن معاذ: "أوثق الرجاء رجاء العبد ربه، وأصدق الظنون حسن الظن بالله".
    قال ابن مسعود: "والله الذي لا إله إلا هو.. لا يحسن أحد الظن بالله إلا أعطاه ظنه".
    وتصديق هذا في الحديث القدسي: (أنا عند ظن عبدي بي؛ فليظن بي ما شاء)(رواه أحمد).

    والرجاء في الله وحسن الظن به من مقتضيات التوحيد والإيمان، وهو من أعمال القلوب، وهو قرة عين لأصحابه، فمن أحسن بالله ظنه قرت بالله عينه؛ قال يحيى بن معاذ: "من لم يحسن بالله ظنه، لم تقر بالله عينه".

    وكيف لا يحسن ظننا بالله وما رأينا منه إلا الخير والجميل، وما بنا من نعمة إلا منه.. خلقنا وهدانا، وكفانا وآوانا، وأطعمنا وسقانا، ومن كل ما سألناه أعطانا {الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (78) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (79) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (80) وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ (81) وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ (82)}(الشعراء:78ـ82).

    ومن جميل حسن الظن ما قاله بعض العباد: "لما علمت أن ربي يلي محاسبتي زال عني حزني. قيل له ولم؟ قال: إن الكريم إذا قدر عفا.
    ومرض أعرابي، فقيل له: إنك تموت. قال ثم ماذا؟ قالوا: يذهب بك إلى الله. قال: فما كراهتي أن أذهب إلى من لا أرى الخير إلا منه؟

    نظن به الخير بلا شك.. فما جربنا منه إلا الخير.. سألناه فأعطانا، ودعوناه فأجابنا، وعصيناه فسترنا، وبعدنا عنه فأمهلنا، وجهلنا فحلم علينا، شرنا إليه صاعد، وخيره إلينا نازل، نتبغض إليه بالمعاصي ونحن أحوج شيء إليه، ويتودد إلينا بالنعم وهو أغنى شيء عنا، وبعد كل هذا إذا تبنا إليه قبلنا وغفر لنا وتاب علينا.
    وفي الحديث القدسي: [ابن آدم، إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي، يا ابن آدم ، لو بلغت ذنوبك عنان السماء، ثم استغفرتني، غفرت لك، يا ابن آدم، إنك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا، ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا، لأتيتك بقرابها مغفرة].(رواه الترمذي وقال: حديث حسن).

    وفي صحيح البخاري ومسلم: [أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم، وإن تقرب إلي بشبر تقربت إليه ذراعا، وإن تقرب إلي ذراعا تقربت إليه باعا، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة].
    وعند مسلم عن أنس قال صلى الله عليه وسلم: [لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ حِينَ يَتُوبُ إِلَيْهِ، مِن أَحَدِكُمْ كانَ علَى رَاحِلَتِهِ بِأَرْضِ فلاةٍ، فَانْفَلَتَتْ منه وَعَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ، فأيِسَ منها، فأتَى شَجَرَةً، فَاضْطَجَعَ في ظِلِّهَا، قدْ أَيِسَ مِن رَاحِلَتِهِ، فَبيْنَا هو كَذلكَ إِذَا هو بِهَا، قَائِمَةً عِنْدَهُ، فأخَذَ بِخِطَامِهَا، ثُمَّ قالَ مِن شِدَّةِ الفَرَحِ: اللَّهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّكَ، أَخْطَأَ مِن شِدَّةِ الفَرَحِ].
    وهذا في كل الذنوب صغيرها وكبيرها، وقليلها وكثيرها.

    إياك وال################:
    إننا حين نتحدث عن الرجاء في رحمة الله والطمع في مغفرته وحسن الظن به إنما نريد أن نقول إن باب التوبة والعودة إلى رحاب الله مفتوح أمامنا جميعًا، وأمام المقصرين في حق الله خصوصا، والعاصين المقل منهم والمكثر، وكلنا ذلك الرجل ـ فكل ابن آدم خطاء، ومن أعظم الظلم أن يفتحه الله أمام الناس ونغلقه نحن، أو أن يغلقه العبد أمام نفسه؛ وذلك حين يظن أنه ارتكب من الخطايا ما لا يغفره الله، فييأس من رحمة الله ويقنط، وهذا ال################ أكبر من كل خطيئة، وأعظم من كل ذنب، أن نعتقد أن هناك من الذنوب ما تعجز رحمة الله أن تحتويه، أو عفو الله أن يغفره، وقد قال تعالى: {فلا تكن من القانطين} وقال: {ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون}. وقال: {ولا تيأسوا من روح الله إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون}.

    فمهما بلغت ذنوبك ومهما كثرت خطاياك، وعظمت رزاياك، فماذا فعلت: زنيت، سرقت، شربت الخمر، اسمع إلى حديث شطب الممدود أبي طويل الذي أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أرأيت رجلاً عمل الذنوب كلها فلم يترك منها شيئًا، وهو في ذلك لم يترك حاجة ولا داجة إلا اقتطعها بيمينه فهل لذلك من توبة؟ قال: هل أسلمت؟ قال: أما أنا فاشهد ألا إله إلا الله، وحده لا شريك له وأنك رسوله. قال: نعم. تفعل الخيرات، وتترك السيئات، يجعلهن الله لك كلهن خيرات. قال: وغدراتي وفجراتي. قال: نعم. قال: الله أكبر... فما زال يكبر حتى توارى.
    وهذا في كتاب الله في سورة الفرقان: {والذين لا يدعون مع الله إلهًا آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلقى أثامًا * يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانًا * إلا من تاب وآمن وعمل عملاً صالحًا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورًا رحيمًا}.

    ورجاء الرحمة في الآخرة أعظم وأكبر إن شاء الله؛ فقد روى مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه: [إن لله مائة رحمة، أنزل منها رحمة واحدة بين الجن والإنس والبهائم والهوام، منها يتعاطفون وبها يتراحمون، وبها تعطف الوحش على ولدها... وأخر الله تسعة وتسعين رحمة يرحم بها عباده يوم القيامة].

    رجاء لا اغترار
    والرجاء المحمود المطلوب هو الذي لا يتجاوز به صاحبه إلى الاغترار، فبينهما فارق:
    قال النسفي: "وفرقوا بين الرجاء والاغترار فقالوا: الرجاء يكون لمن مهد أسباب المرجو، والاغترار لمن أخل بها".
    وقال قتادة الظن نوعان: ظن منج وظن مرد، فالظن المنجي هو ظن المؤمنين، والظن المردي هو ظن الكافرين والمعرضين.

    وقال ابن القيم في مدارج السالكين: الرجاء ثلاثة أنواع: نوعان محمودان ونوع غروز مذموم.
    فالأول: رجاء رجل عمل بطاعة الله على نور من الله فهو راج لثوابه.
    والثاني: رجل أذنب ذنوبا ثم تاب منها، فهو راج لمغفرة الله تعالى وعفوه وإحسانه وجوده وحلمه وكرمه.
    والثالث: رجل متماد في التفريط والخطايا يرجو رحمة الله بلا عمل فهذا هو الغرور والتمني والرجاء الكاذب.
    ولهذا قد قال ابن القيم أيضا في المدارج: "أجمع العارفون على أن الرجاء لا يصح إلا مع العمل".

    وسر المسألة أن الرجاء وحسن الظن إنما يكون مع العمل والإتيان بالأسباب التي اقتضتها حكمة الله في شرعة وقدره وثوابه وكرامته، فيأتي العبد بها ثم يحسن ظنه بربه ويرجوه ألا يكله إليها، وأن يجعلها موصلة إلى ما ينفعه، ويصرف ما يعارضها ويبطل أثرها.
    ولذلك لما قيل للحسن: إن قوما أساءوا العمل وقالوا نحسن الظن بالله. قال: كذبوا، لو أحسنوا الظن لأحسنوا العمل.

    والناس في حياتهم يعلمون هذا ويقبلونه ويعدون مخالفه مطعونا في عقله وفهمه، فمن رجا ولدا بغير زواج اتهم في عقله، ومن رجا ثمرا بغير زرع وبذر قالوا مجنون، حتى من جاع أو عطش فرجا الشبع بغير طعام، أو الري بغير شرب اتهموه على عقله.
    ولو أنك استأجرت أجيرًا ليؤدي لك عملاً، فأخذ يومه في اللهو واللعب أو النوم والخمول والكسل، وما أدى عمله ثم جاءك آخر النهار يطلب أجره فماذا ستصنع فيه؟!

    وكذلك هنا، من رجا منازل الأبرار بأفعال الفجار، أو رجا الفوز بالجنة وهو يعمل بعمل أهل النار، أو رجا القرب من الله بغير عمل كان رجاؤه من قبيل الأماني والغرور لا من قبيل الرجاء الممدوح المرغوب.

    يقول معروف الكرخي: طلب الجنة بلا عمل ذنب من الذنوب، وانتظار الشفاعة بلا سبب نوع من الغرور، ورجاء رحمة من لا تطيعه جهل وحمق.

    ويقول يحيى بن معاذ: إن من أعظم الاغترار التمادي في الذنوب مع رجاء العفو من غير توبة، وتوقع القرب من الله بغير طاعة، وانتظار الجنة ببذر النار.
    ثم قال: عمل كالسراب، وقلب من التقوى خراب، وذنوب بعدد الرمل والتراب، ثم تطمع في الكواعب الأتراب؟! هيهات هيهات، أنت سكران بغير شراب.
    يا ناظـــرًا يرنــو بعيــني راقــد .. ... ومشــاهدًا للأمر غير مشاهد
    تصل الذنوب إلى الذنوب وترتجي ... درج الجنان ونيل فوز العابد
    ونســيت أن الله أخـــــرج آدمـــا .. ... منــها إلى الدنيا بذنب واحد

    فالذي يرجو رحمة ربه لابد أن يبذل وسعه في طاعة الله ثم يرجو رحمة أرحم الرحمين؛ هذا الذي ذكره ربنا في كتابه فقال: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ}[البقرة:218]، وقال: {إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ}[فاطر:29]، وقال: {وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى}[طـه:82].
    -------------------------------------
    ابتسامة.. وكأس شاي
    أعظم هدية يمكن أن تقدم إلى إنسان غير مسلم هي أن تدعوه إلى دين الله بحكمة وموعظة حسنة، وتعرض عليه الإسلام عرضا جميلا متقنا، وتغلفه له بغلاف منمق مزوق بطريقة مهذبة تجعل قلبه يقبل عليه ويقبله دينا، فينجو من النار.

    ونحن المسلمين مطالبون بدعوة العالم لهذا الذين، فليس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم نبي يبلغ دينه للعالمين؛ فهو خاتم الأنبياء {مَّا كان مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رجالكم وَلَٰكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ}(الأحزاب:40).. فأصبح تبليغ دينه للخلق واجبا كفائيا على أمته من بعده يلزمهم القيام به، وإذا لم تقم به طائفة منهم أثم الجميع.
    وقد ألزمنا القرآن بذلك في قوله تعالى على لسان رسوله: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي}. ولقوله تعالى: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ}(آل عمران:110).. وأعظم المعروف الذي يدعى إليه هو الإيمان بالله وتوحيده سبحانه، وأعظم المنكر الذي ينهى عنه هو الشرك بالله واتخاذ آلهة تعبد من دونه.

    وكون الأمة مبعوثة لهداية الناس ودلالتهم على الطريق الحق ـ وهو طريق الإسلام والإيمان ـ أمر كان مفهوما عند الأولين من هذه الأمة، وهو واضح في قول ربعي بن عامر لرستم: "الله ابتعثنا لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة، فأرسلنا بدينه إلى خلقه لندعوهم إليه".
    فأخبره أنهم مبتعثون من قبل الله تعالى، والابتعاث هو الإرسال، وهو أن يذهب الدعاة إلى المدعوين لدعوتهم وعرض الإسلام عليهم، أو عرض ما هو مطلوب منهم في دينهم. وهذا كما قلنا واجب على الأمة ضيعته وفرطت فيه.

    لكن أن يأتيك المدعو إلى بلادك وإلى بيتك ويعيش معك ليلا ونهارا سنين طويلة ثم لا يعرض عليه دين ولا يدعى لإسلام، فهذا لعمر الله هو التضييع بعينه، وهو التفريط بذاته، وهو التقصير الذي سيسألنا الله عليه يوم القيامة، وسوف يمسك كثير من هؤلاء المساكين الذين أتوا إلى بلادنا كافرين وعاشوا فيها سنين ثم عادوا كما جاءوا كافرين، سوف يمسكون بتلابيبنا يوم القيامة ويسألون الله أن يعاقبنا أشد العقوبة على تفريطنا في حقهم، وقصورنا في دعوتهم، وعدم عرض الإسلام عليهم وتوضيحه لهم وتركهم على حالهم حتى استحقوا دخول النار.

    في بلادنا بلاد العرب، وبلاد الإسلام، خصوصا في بلاد الخليج، يأتي مئات الآلاف بل ربما ملايين من هؤلاء الكافرين والمشركين والملحدين وغيرهم من غير المسلمين، يأتوننا طالبين للعمل وتحصيل لقمة العيش ورغد المعيشة، وأحوالهم تدل على حاجتهم إلينا وعدم استغنائهم عنا، وهو أمر معاون ومساعد على سماعهم لنا، وعدم إساءة الرد على الأقل، فنحن نعرض دينا ونأمن أذى ولو حتى بالكلام..
    والعجيب أنه قد ثبت فعليا أن بعض الجاليات تقبل على الإسلام بصورة عالية، ويدخل كثير منهم هذا الدين بمجرد أن يعرض عليهم عرضا طيبا، أو يعاملوا معاملة حسنة تجعلهم يسألون عن الدين وفي النهاية يدخلون فيه.

    إن كثيرا من المسلمين في إداراتهم وفي شركاتهم وفي أعمالهم أناس كثيرون غير مسلمين، ولكن الغريب أنهم تمر عليهم سنوات دون أن يسمعوا كلمة تدعوهم لدخول الإسلام وترك ما هم عليه من الشرك والكفر وموجبات النار. وأعجب من ذلك أن يكون معك هذا الإنسان في بيتك يعمل عندك، سائقا أو طباخا أو عاملا أو حتى خادما، ويعيش معك، وربما يربي أو تربي أولادك ثم بعد سنوات طويلة يرجع إلى بلاده كافرا كما جاء.

    إن سلعة الله غالية، ولو أن دعوة هؤلاء إلى الإسلام كانت تكلفنا مالا وبذلا، لكان ديننا يستحق أن ننفق عليه من أموالنا لننشره بين الخلق، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يسأل على الإسلام شيئا إلا أعطاه، وهو القائل عليه الصلاة والسلام: [لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم].
    غير أن بعض هؤلاء المساكين لم تكن دعوتهم تكلفنا شيئا، بل ربما كانت تكفيه كلمة طيبة، أو معاملة حسنة، أو موقف طيب يتعرف من خلاله على محاسن الدين ويكون مدخلا له إليه، فينجو به مما هو عليه، كما في قصة هذا المدرس المسلم مع فراش المدرسة، وهي قصة فقط تساق للاعتبار لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.. ولنعلم قدر تفريطنا في هذا الجانب:

    بسمة وكأس من الشاي
    يقول أحد المدرسين:
    وأنا في غرفة المدرسين صببت كأس شاي لأشربه، فضرب الجرس..
    مدير المدرسة شديد جدا، يحب أن يتوجه المدرسون للصف عند قرع الجرس فورا..
    والشاي حار جدا.. فرأيت فراشًا (فلبينيا) ابتسمت في وجهه وأعطيته الكأس.

    في اليوم التالي جاءني الفراش وقال لي: إنه متفاجئ، فلأول مرة يرى ابتسامة مدرس في وجهه، بل ويعطيه كأسا من الشاي – كأن هناك خطأ ما -.
    قلت وأنا محرج: أردت أن أكرمك ونحن مسلمون وهذا من خلقنا..
    قال: بقي لي هنا عامان، لم يكلمني أحد منكم بكلمة، ولم يُعبرني بابتسامة.
    ثم قال إنه يحمل شهادة الماجستير في العلوم، وأن شدة الفقر والحاجة جعلته يقبل بهذه الوظيفة.
    لم أصدقه، وأردت أن أختبره، فدعوته للبيت.
    كانت.. ابنتي في الصف الحادي عشر، عندها سؤال في العلوم، عرضته عليه فأجابها عليه.
    ثم أطلعته على موسوعة العلوم باللغة الإنكليزية فأجاب بطلاقة ما بعدها طلاقة، تأكدت حينها من صحة كلامه.

    كان يزورني بعد ذلك كل جمعة.
    ثم بعد فترة أعلن إسلامه.. ثم أقنع أكثر من عشرين من أصدقائه بالإسلام.

    والسبب "ابتسامة مع كأس شاي".

    اللهم اغفر لنا تقصيرنا وتفريطنا، واستخدمنا ولا تستبدلنا.. يا عفو ياكريم.
    إسلام ويب...

                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

07-17-2020, 12:47 PM

سيف اليزل برعي البدوي
<aسيف اليزل برعي البدوي
تاريخ التسجيل: 04-30-2009
مجموع المشاركات: 18170

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: مقالات مفيدة تهم المجتمع و الأسرة و الشبا� (Re: سيف اليزل برعي البدوي)

    الشباب.. ودار الغرور
    فقد اتفقت كلمة أهل الإسلام على أن القلوب تمرض كما تمرض الأبدان، غير أن أمراض القلوب أشد ضررا، وأعظم خطرا، وأكبر أثرا من أمراض البدن؛ فغاية مرض البدن أن يمنع صاحبه عن الحياة الدنيا، وأما مرض القلب فيقطعه عن الله وعن الفوز في الدار الآخرة.

    وإن من أعظم أمراض القلوب ذاك الداء العضال، والمرض الفتاك، والوباء المنتشر الذي أصاب أكثر الناس مع أنهم عنه غافلون وإليه لا يلتفتون.. إنه طول الأمل:
    قال بعضهم: هو الحرص على الدنيا، والانكباب عليها مع كثرة الانصراف عن الآخرة.
    وقال آخرون: هو تعلق القلب بالحياة، وانشغاله بأمرها وزخارفها ووظائفها عن وظائف العبودية وأعمال الآخرة.
    وقال بعضهم: دوام الغفلة، وكثرة التسويف في التوبة.

    وهذا في الحق ليس طول الأمل، وإنما هو نتائج وعواقب طول الأمل..
    أما طول الأمل فيمكن أن نقول عنه: توقع امتداد العمر، والطمع في البقاء، والتغافل عن إمكانية قرب الموت.
    فتمنيه نفسه بطول العمر وامتداد الحياة وطول البقاء، وبعد الانتقال.

    فإذا أصاب الإنسان هذا الوباء ودخل القلب ألهاه عن الله وعن الدار الآخرة.
    كما قال تعالى : {اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ * مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ * لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ}(الأنبياء:1ـ3)، وقال عن الكافرين: {ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ}(الحجر:3). قال القرطبي : يلههم الأمل: يشغلهم عن الطاعة.
    والمعنى أنه ليس كل أمل مذموم، فلولا الأمل لمات الناس، ولما تهنى أحد بعيش، ولما طابت نفس أن تعمل بشيء من عمل الدنيا أبدا. وإنما المذموم الاسترسال فيه، وتمنية النفس بطول العمر وامتداده حتى يحمله ذلك على عدم الاستعداد للآخرة.

    إن الإنسان إذا ابتلي بهذا البلاء، ودخل قلبه هذا الوباء، تعلق قلبه بالدنيا، وتمسكت نفسه بها، فلا يطيق عنها ارتحالا ولا منها انتقالا، ونظر إليها على أنها دار بقاء لا دار فناء، وأنها منزل حبور لا دار غرور، وموطن اطمئنان لا دار ابتلاء وامتحان.. فهو مخدوع بمظاهرها، مشغول بظواهرها، مفتون بشهواتها وملذاتها وزخارفها، ملهي بسفاسفها، مصروف عن إدراك حقائقها، وأنها سراب خادع، وبريق لامع، ولكنها سيف قاطع، وصارم ساطع. هي والله كالصديق الخؤون الذي لا يبقى على صديق.. وكالغانية اللعوب التي لا تفي لمحبوب.

    كم أحبها أناس وتعلق بها أناس، وعشقها أناس، وتفانى في حبها أناس، وبذل من أجلها أناس، حتى ظنوا أنهم ملكوها، وأنهم صاروا لها وصارت لهم، فلما رأتهم قد اطمأنوا إليها وهاموا بها، عركتهم بثفالها وطحنتهم برحاها، وجرعتهم الكأس الذي أذاقته كل الذين كانوا من قبلهم؛ فنقلتهم من الحبور والسرور وسعة القصور إلى ضيق اللحود والقبور، ومن لين الفراش والمهاد إلى الجنادل والتراب، ومن مجاورة الزوجة والأولاد والخلان، إلى مجاورة العراء والحشرات والديدان. فما وجدوا من الموت حصناً ولا منعة ولا عزاً.. فأصبحوا ـ في لحظة ـ أسرى أعمالهم، ورهن تقصيرهم، لم ينفعهم ما جمعوا، ولا أغنى عنهم ما كسبوا.. بل أوبقهم حب الدنيا وطول الأمل.

    فسائل نفسك: أين الأولون والآخرون؟ أين الذين ملؤوا ما بين الخافقين فخراً وعزاً؟ أين الذين فرشوا القصور حريراً وخزاً؟ أين الذين تضعضعت لهم الأرض هيبة وعزا؟ هل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزاً؟

    لا تغتروا بالدنيا
    أيها الشباب أيها الأحبة أيها الناس: إن الدنيا أيام محدودة، وأنفاس معدودة، وآجال مضروبة، وأعمال محسوبة، هي والله قصيرة، وإن طالت في عين المخدوعين بزخرفها، وحقيرة وإن جلت في قلوب المفتونين بشهواتها.
    وإنما مثلنا فيها كمثل نملة كانت تجمع حبة لتأكلها في قادم الأيام، فجاء عصفور فأخذ النملة والحبة، فلا ما جمعت أكلت ولا ما أملت نالت.. {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا ولا يغرنكم بالله الغرور}[فاطر:5]، {يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ}[غافر:39].

    إن الدنيا إلى زوال وانتهاء، كتب الله عليها الفناء وكتب على كل من فيها الانتقال عنها، وإنما نحن فيها على جناح سفر يوشك أن نبلغ.
    قال علي رضي الله عنه: "إن الدنيا قد ارتحلت مدبرة، وإن الآخرة قد ارتحلت مقبلة، ولكل منهما بنون، فكونوا من أبناء الآخرة، ولا تكونوا من أبناء الدنيا، فإن اليوم عمل ولا حساب، وغداً حساب ولا عمل".

    وخطب عتبة بن غزوان فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: "أما بعد.. فإن الدنيا قد آذنت بصرم وولت حذّاء ، ولم يبق منها إلا صبابة كصبابة الإناء يتصابها صاحبها، وإنكم منتقلون منها إلى دار لا زوال لها فانتقلوا بخير ما بحضرتكم، فإنه قد ذكر لنا أن الحجر يلقى من شفة جهنم فيهوي فيها سبعين عاماً لا يدرك مقرها. ووالله لتملأن".

    وخطب عمر بن عبد العزيز الناس فقال: "أيها الناس، إن الدنيا ليست بدار قرار، كتب الله عليها الفناء، وكتب على أهلها فيها الظعن، فكم من عامر عما قليل يخرب، وكم من مقيم عما قليل يظعن".

    وروي عن عيسى عليه السلام أنه قال لأصحابه: "الدنيا قنطرة، اعبروها ولا تعمروها". وقال: "من ذا الذي يبني على موج البحر داراً، تلكم الدنيا فلا تتخذوها قراراً".

    وقال الإمام النووي:
    إن لله عـــباداً فطـناً .. .. طلقوا الدنيا وخافوا الفـتنا
    نظروا فيها فلما علموا.. .. أنها ليست لحـيٍ وطــنا
    جعلوها لجة واتخذوا .. ..صالح الأعمال فيها سفنا
    -------------------------------------------------
    ومن يهن الله فما له من مكرم
    الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وأضرارا، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

    وإن من خفيات البلايا وأليم العقوبات.. أنها تورث صاحبها الذل والهوان في الدنيا والآخرة. وتؤدي إلى سُقُوطُ الْجَاهِ وَالْمَنْزِلَةِ وَالْكَرَامَةِ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ خَلْقِهِ، فَإِنَّ أَكْرَمَ الْخَلْقِ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاهُمْ، وَأَقْرَبَهُمْ مِنْهُ مَنْزِلَةً أَطْوَعُهُمْ لَهُ، وَعَلَى قَدْرِ طَاعَةِ الْعَبْدِ تَكُونُ لَهُ مَنْزِلَتُهُ عِنْدَهُ، فَإِذَا عَصَاهُ وَخَالَفَ أَمْرَهُ سَقَطَ مِنْ عَيْنِهِ، فَأَسْقَطَهُ مِنْ قُلُوبِ عِبَادِهِ، وَإِذَا لَمْ يَبْقَ لَهُ جَاهٌ عِنْدَ الْخَلْقِ وَهَانَ عَلَيْهِمْ عَامَلُوهُ عَلَى حَسْبِ ذَلِكَ، فَعَاشَ بَيْنَهُمْ أَسْوَأَ عَيْشٍ خَامِلَ الذِّكْرِ، سَاقِطَ الْقَدْرِ، زَرِيَّ الْحَالِ، لَا حُرْمَةَ لَهُ وَلَا فَرَحَ لَهُ وَلَا سُرُورَ.

    وقد دلنا كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم على هذا المعنى في كثير من الآيات والأحاديث الزاكيات، وهو ما اتفق عليه أهل العلم كما سبق القول.

    ومما جاء في القرآن في هذا المعنى قوله سبحانه: {إن أكرمكم عند الله أتقاكم}، فجعل الكرامة للمتقين المطيعين، فبان أن المهانة للمجرمين والفاجرين العاصين.
    ومنه ما وصف الله به اليهود في سورة آل عمران فقال: {ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الأَنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ}(آل عمران:112). فبين أنهم ضربت عليهم الذلة، وأن سبب هذه الذلة أنهم عصوا وكانوا يعتدون.

    وأما السنة فيكفي فيها قول النبي صلى الله عليه وسلم: [وجعل الذلة والصغار على من خالف أمري]. وقوله في دعاء القنوت: [ولا يعز من عاديت].

    وقد كتب أهل العلم كابن القيم في كتابه "الداء والدواء" وإغاثة اللهفان"، وابن الجوزي في "صيد الخاطر" و"المدهش" وغيرها فصولا في هذا المعنى، وكتب غيرهم من أهل العلم وأرباب السلوك. فكان مما قاله ابن القيم رحمه الله:
    وَمِنْهَا (أي من آثار المعاصي والذنوب): أَنَّ الْمَعْصِيَةَ سَبَبٌ لِهَوَانِ الْعَبْدِ عَلَى رَبِّهِ وَسُقُوطِهِ مِنْ عَيْنِهِ.
    وقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: "هَانُوا عَلَيْهِ فَعَصَوْهُ، وَلَوْ عَزُّوا عَلَيْهِ لَعَصَمَهُمْ".
    وقَالَ الْحَسَنُ أيضا رحمه الله عن أهل العصيان: "إِنَّهُمْ وَإِنْ طَقْطَقَتْ بِهِمُ الْبِغَالُ، وَهَمْلَجَتْ بِهِمُ الْبَرَاذِينُ، فإِنَّ ذُلَّ الْمَعْصِيَةِ لَا يُفَارِقُ قُلُوبَهُمْ، أَبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُذِلَّ مَنْ عَصَاهُ".
    وقال ابن الجوزي في "صيد الخاطر": "وقد يهان الشيخ في كبره حتى ترحمه القلوب، ولا يدري أن ذلك لإهماله حق الله تعالى في شبابه‏.‏. فمتى رأيت معاقباً فاعلم أنه لذنوب‏".
    وَقَالَ شيخ الإسلام عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ:
    رَأَيْتُ الذُّنُوبَ تُمِيتُ الْقُلُوبَ وَقَدْ يُورِثُ الذُّلَّ إِدْمَانُهَا
    وَتَرْكُ الذُّنُوبِ حَيَاةُ الْقُـلُوبِ وَخَيْرٌ لِنَفْسِكَ عِصْـيَانُهَا

    أسباب الهوان
    وسبب هوان العاصي على الله أمران:
    الأول ـ هوان المعاصي على العبد:
    فإَنَّ العبد لَا يَزَالُ يَرْتَكِبُ الذَّنْبَ حَتَّى يَهُونَ عَلَيْهِ، وَيَصْغُرَ فِي قَلْبِهِ وعينه، حتى لا يراه شيئا، ولا يخاف عقوبته ولا عاقبته، وَذَلِكَ عَلَامَةُ الْهَلَاكِ، فَإِنَّ الذَّنَبَ كُلَّمَا صَغُرَ فِي عَيْنِ الْعَبْدِ عَظُمَ عِنْدَ اللَّهِ.
    وَقَدْ ذَكَرَ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: "إِنَّ الْمُؤْمِنَ يَرَى ذُنُوبَهُ كَأَنَّهُ فِي أَصْلِ جَبَلٍ يَخَافُ أَنْ يَقَعَ، وَإِنَّ الْفَاجِرَ يَرَى ذُنُوبَهُ كَذُبَابٍ وَقَعَ عَلَى أَنْفِهِ، فَقَالَ بِهِ هَكَذَا فَطَارَ".

    والثاني: عدم تعظيم الرب سبحانه:
    لأَنّ استمراء المعاصي يُضْعِفُ فِي الْقَلْبِ تَعْظِيمَ الرَّبِّ جَلَّ جَلَالُهُ، وَيضْعِفُ وَقَارَهُ فِي قَلْبِ الْعَبْدِ وَلَابُدَّ، شَاءَ أَمْ أَبَى، وَلَوْ تَمَكَّنَ وَقَارُ اللَّهِ وعَظَمَتُهُ فِي قَلْبِ الْعَبْدِ لَمَا تَجَرَّأَ عَلَى مَعَاصِيهِ؛ فَإِنَّ عَظَمَةَ اللَّهِ تَعَالَى وَجَلَالَهُ فِي قَلْبِ الْعَبْدِ تَقْتَضِي تَعْظِيمَ حُرُمَاتِهِ، وَتَعْظِيمُ حُرُمَاتِهِ يَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الذُّنُوبِ، وَالْمُتَجَرِّؤونَ عَلَى مَعَاصِيهِ مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ، وَكَيْفَ يَقْدِرُهُ حَقَّ قَدْرِهِ، أَوْ يُعَظِّمُهُ وَيُكَبِّرُهُ، وَيَرْجُو وَقَارَهُ وَيُجِلُّهُ، مَنْ يَهُونُ عَلَيْهِ أَمْرُهُ وَنَهْيُهُ؟ هذا مِنْ أَمْحَلِ الْمُحَالِ، وَأَبَيْنِ الْبَاطِلِ، وَكَفَى بِالْعَاصِي عُقُوبَةً أَنْ يَضْمَحِلَّ مِنْ قَلْبِهِ تَعْظِيمُ اللَّهِ جَلَّ جَلَالُهُ، وَتَعْظِيمُ حُرُمَاتِهِ، وَيَهُونُ عَلَيْهِ حَقُّهُ. وَإِذَا هانت في قلب العبد المعصية، وهان عنده قدر الرب وذهب تعظيمه من قلبه؛ هَانَ الْعَبْدُ عَلَى اللَّهِ، ومن كان هذا حاله لَمْ يُكْرِمْهُ أَحَدٌ من الخلق، كَمَا قَالَ اللَّهُ: {وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ} [سُورَةُ الْحَجِّ: 18].

    ولا يغرنك أن بعض العصاة من أصحاب النفوذ والمناصب والسطوة والسلطان يعَظَّمَهُمُ بعض النَّاسُ فِي الظَّاهِرِ لِحَاجَتِهِمْ إِلَيْهِمْ أَوْ خَوْفًا مِنْ شَرِّهِمْ، فَهُمْ فِي قُلُوبِهِمْ أَحْقَرُ شَيْءٍ وَأَهْوَنُهُ. وهم كذلك في أنفسهم حقيقة كما قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: "إِنَّهُمْ وَإِنْ طَقْطَقَتْ بِهِمُ الْبِغَالُ، وَهَمْلَجَتْ بِهِمُ الْبَرَاذِينُ، فإِنَّ ذُلَّ الْمَعْصِيَةِ لَا يُفَارِقُ قُلُوبَهُمْ، أَبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُذِلَّ مَنْ عَصَاهُ".

    الهوان على الناس:
    ومن إهانة الله لهذا وأمثاله أَنْ يَرْفَعَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مَهَابَتَهُ مِنْ قُلُوبِ الْخَلْقِ، وَيَهُونُ عَلَيْهِمْ، وَيَسْتَخِـفُّونَ بِهِ، كَمَا هَانَ عَلَيْهِ أَمْرُهُ وَاسْتَخَفَّ بِهِ، فَعَلَى قَدْرِ مَحَبَّةِ الْعَبْدِ لِلَّهِ يُحِبُّهُ النَّاسُ، وَعَلَى قَدْرِ خَوْفِهِ مِنَ اللَّهِ يَخَافُهُ الْخَلْقُ، وَعَلَى قَدْرِ تَعْظِيمِهِ لِلَّهِ وَحُرُمَاتِهِ يُعَظِّمُهُ النَّاسُ.
    وَكَيْفَ يَنْتَهِكُ عَبْدٌ حُرُمَاتِ اللَّهِ، وَيَطْمَعُ أَنْ لَا يَنْتَهِكَ النَّاسُ حُرُمَاتِهِ؟ أَمْ كَيْفَ يَهُونُ عَلَيْهِ حَقُّ اللَّهِ وَلَا يُهَوِّنُهُ اللَّهُ عَلَى النَّاسِ؟ أَمْ كَيْفَ يَسْتَخِفُّ بِمَعَاصِي اللَّهِ وَلَا يَسْتَخِفُّ بِهِ الْخَلْقُ؟

    وَقَدْ أَشَارَ سُبْحَانَهُ إِلَى هَذَا فِي كِتَابِهِ {وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ }(الحج:18). فَإِنَّهُمْ لَمَّا هَانَ عَلَيْهِمُ السُّجُودُ لله وَاسْتَخَفُّوا بِهِ وَلَمْ يَفْعَلُوهُ أَهَانَهُمُ اللَّهُ فَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ مُكْرِمٍ، فمَنْ ذَا يُكْرِمْ مَنْ أَهَانَهُ اللَّهُ؟ أَوْ من ذا يهين مَنْ أَكْرَمَهُ اللَّهُ؟

    هوان العاصي على نفسه:
    ومن آثار المعصية أَنَّهَا تُصَغِّرُ النَّفْسَ، وَتَقْمَعُهَا، وَتُدَسِّيهَا، وَتحْقرها حَتَّى تَكُونَ أَصْغَرَ كُلِّ شَيْءٍ وَأَحْقَرَهُ، كَمَا أَنَّ الطَّاعَةَ تُنَمِّيهَا وَتُزَكِّيهَا وَتُكَبِّرُهَا، قَالَ: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا}[الشَّمْسِ:9ـ10]، وَالْمَعْنَى قَدْ أَفْلَحَ مَنْ كَبَّرَهَا وَأَعْلَاهَا بِطَاعَةِ اللَّهِ وَأَظْهَرَهَا، وَقَدْ خَسِرَ مَنْ أَخْفَاهَا وَحَقَّرَهَا وَصَغَّرَهَا بِمَعْصِيَةِ اللَّهِ.

    فَالْعَاصِي يَدُسُّ نَفْسَهُ فِي الْمَعْصِيَةِ، وَيُخْفِي مَكَانَهَا، يَتَوَارَى مِنَ الْخَلْقِ مِنْ سُوءِ مَا يَأْتِي بِهِ، وَقَدِ انْقَمَعَ عِنْدَ نَفْسِهِ، وَانْقَمَعَ عِنْدَ اللَّهِ، وَانْقَمَعَ عِنْدَ الْخَلْقِ، فَالطَّاعَةُ وَالْبِرُّ تُكَبِّرُ النَّفْسَ وَتُعِزُّهَا وَتُعْلِيهَا، حَتَّى تَصِيرَ أَشْرَفَ شَيْءٍ وَأَكْبَرَهُ، وَأَزْكَاهُ وَأَعْلَاهُ والمعصية تذلها وتصغرها وتحقرها حتى تكون أحقر شيء وأذله وأهونه وأصغره.. فَمَا أَصْغَرَ النُّفُوسَ مِثْلُ مَعْصِيَةِ اللَّهِ، وَمَا كَبَّرَهَا وَشَرَّفَهَا وَرَفَعَهَا مِثْلُ طَاعَةِ اللَّهِ.

    الذل في الآخرة
    وكما ان المعاصي والذنوب تورث فاعليها الذل في الدنيا، فكذلك هي في الآخرة بل أعظم، فتأمل وصف الله لأهل الكفر وهو أكبر الذنوب، {وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُّقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ . سَرَابِيلُهُم مِّن قَطِرَانٍ وَتَغْشَىٰ وُجُوهَهُمُ النَّارُ}(إبراهيم:49، 50)
    وقال {وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ}(السجدة:12).

    وقال صلى الله عليه وسلم عن المتكبرين وكيف يكون حالهم في الآخرة : [يُحشَرُ المتكبِّرون يومَ القيامةِ أمثالَ الذَّرِّ في صُوَرِ الرِّجالِ يغشاهم الذُّلُّ من كلِّ مكانٍ يُساقون إلى سجنٍ في جهنَّمَ يُقالُ له : بُولَسُ تعلُوهم نارُ الأنيارِ يُسقَوْن من عُصارةِ أهلِ النَّارِ طِينةَ الخَبالِ](رواه الترمذي وأحمد وحسنه الألباني)

    وحتى الذين يتوب الله عليهم يكاد الواحد منهم أن يذوب خجلا عند سؤال الله له أتذكر ذنب كذا، أتذكر ذنب كذا؟
    وما أحسن ما قال الفضيل بن عياض رحمه الله‏:‏ واسوأتاه منك وإن عفوت‏.‏

    فعلى كل عاقل أن يعلم أَنَّ الْمَعْصِيَةَ تُورِثُ الذُّلَّ وَلَا بُدَّ؛ وأنَّ الْعِزَّ كُلَّ الْعِزِّ فِي طَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى، قَالَ: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا} [سُورَةُ فَاطِرٍ: 10] أَيْ فَلْيَطْلُبْهَا بِطَاعَةِ اللَّهِ، فَإِنَّهُ لَا يَجِدُهَا إِلَّا فِي طَاعَةِ اللَّهِ.

    فاللَّهُمَّ أَعِزّنا بِطَاعَتِكَ، وَلَا تُذِلّنا بِمَعْصِيَتِكَ.. واسترنا بسترك الجميل في الدنيا والآخرة.
    -----------------------------------------------------------------------------------
    نصائح هامة في فترة الخطوبة
    في بداية هذا المقال نحب أن نوضح أننا هنا نحاول جاهدين أن نعالج ظاهرة اجتماعية معاصرة نرى أن لها نتائج سيئة اجتماعيا ودينيا في حالات كثيرة، ومع هذا ما تزال جمهرة الناس عليها متأثرين فيها بأفكار ونظم غير إسلامية، مما يستدعي التنبيه عليها في وضوح.

    مجرد وعد لا أكثر
    لابد أن يعرف الخاطب والمخطوبة ـ وأهل كليهما ـ أن الخطبة لا تزيد شرعا عن أن تكون وعدا بالزواج، أو تكون عزما وتراضيا على النكاح، لكنها لا تقوم مقام عقده في شيء مما يبيحه هذا العقد خاصة، فلا تبيح الخلوة الكاملة بين طرفيها، لأنهما شرعا ما زالا رجلا وامرأة لم يجمع بينهما ذلك العقد الشرعي الصحيح الذي يبيحها هي وما قد تؤدي إليه، كما لا تبيح الخطبة شيئا من حقوق استمتاع كل من الطرفين بالآخر بدنيا.

    وعلى الخاطب والمخطوبة كليهما أن يراعيا الله في ذلك، وأن يعلما أنهما مقدمان على أمر خطير ـ هو الزواج ـ يحتاجان فيه ـ مهما كان بينهما من الحب الوثيق ـ إلى توفيق الله تعالى وتسديده لهما، وهما لا يطلبان بمعصية الله تعالى.
    فينبغي على كل منهما أن يكبح هواه، وأن يوطن نفسه على أن لا يتعدى حدود الله. ومن ثم ينصرف كل منهما إلى تعريف الآخر تفاصيل طباعه ومشاربه واتجاهاته وآماله، وليلزما في ذلك الصدق قدر الاستطاعة، ليصلا منه إلى الملاءمة بين مشاربهما وطباعهما في حياتهما المستقبلة. وبهذا يصبح لفترة الخطبة فائدة كبيرة فيما وضعت من أجله، دون أن تترتب عليها ـ في جميع الحالات والاحتمالات ـ نتائج ضارة.

    طبيعة في كل الرجال
    ولتعلم المخطوبة خاصة أن الرجل ـ أي رجل ـ مهما تشدق بكلمات عن المساواة الكاملة وتحرير المرأة والتقدمية، فهو بطبعه وأصل خلقته يعجبه جدا أن تحفظ المرأة (التي اختارها زوجة) نفسها منه حتى يكون العقد الشرعي، مهما بلغ به الحب والرغبة فيها. وهناك من الدلائل ما يشير إلى أن الرجال جميعا متساوون في ذلك، فلا فرق بينهم فيه بين المتدين وغيره، والصالح والفاسق. بل ربما كان فسق الرجل وتجاربه الماضية داعيين إلى مزيد من الثقة بالخطيبة والإعجاب الباطني بها كلما اعتصمت بدينها وخلقها، مما قد يدعوها إليه في فترة الخطبة. وذلك أمر ينعكس ـ وتبدو نتيجته في وضوح ـ بعد عقد الزواج، من حيث الثقة بها والإعزاز لها، واليقين بأنها امرأة تعرف كيف تحفظ نفسها مهما استبدت بها الرغبة ودفعها الهوى.

    وعلى العكس من ذلك.. فكثيرا ما نقرأ ونسمع عن انصراف الخاطب عن مخطوبته قبل العقد حين يبلغ منها مأربا أو يصل إلى ما لم يكن ينبغي لها أن تمكنه منه قبل العقد. فإن رضي بإتمام العقد بعد ذلك كان في موقف المتفضل، وهو موقف يحسن بالزوجة أن لا توقع نفسها فيه.

    فجماع الأمر أن الخاطب قد يحث مخطوبته بالقول والفعل ـ وطرق أخرى متعددة ـ على الاستجابة لدواعي الهوى، وقد يدفعه إلى ذلك جنوح هوى، أو رغبة في الاختبار ومزيد من التعرف الخلقي أو النفسي أو الجسدي.. بيد أنه ـ في قرار نفسه وعمقها ـ يود أن لو ردت المرأة ذلك كله في حسم ورغبة عنه من دين وخلق.. وتمتزج الرغبتان عنده في مزيج معقد تعقيد النفس البشرية ذاتها وتركيبها من المتناقضات.

    واجبات أهل المخطوبة
    أما أهل المخطوبة فعليهم في ذلك واجبان ضروريان:
    أولهما: عدم تمكين الخاطب والمخطوبة من الخلوة الكاملة، أو توفير ظروف قد تؤدي بهما إلى جموح الهوى.
    أما أن يهيئوا هم لذلك ظروفا يقولون عنها إنها تؤدي إلى مزيد من التعارف والتوفيق بينهما، فذلك خطأ جسيم كثيرا ما يدفعون ثمنه غاليا بعد ذلك، وهو خيانة لواجب الرعاية الذي افترضته الشريعة عليهم في حق ابنتهم.

    ثم هو في حقيقته ـ رغم مخاطره الكثيرة المتوقعة غالبا بحكم الطبيعة البشرية ـ لا يؤدي إلى ما يقولونه من معرفة كل من الطرفين لطباع الآخر على نحوصحيح، لأن هذا التعارف يمكن أن يحدث ـ إن صدق كل منهما في ظروف آمنة ولقاء كريم يأمن الطرفان والأهل فيها من حدوث شيء فيه من المحظور المتقى.

    ثم إنه ـ مما لا شك فيه ـ أن الطرفين غالبا ما يتصنعان ـ بخاصة عند الخلوة الكاملة ـ طباعا ليست هي الحقيقة الكاملة.
    وهناك أمور لا تتضح في الحقيقة مهما تكن درجة الاختلاط بين الخطيبين إلا عند العشرة الكاملة وتعايش الطرفين في بيت واحد بعد عقد الزواج.

    والأمورالأساسية فيما يمكن أن يعرفه كل مهما عن الآخر قبل تعايشهما الكامل بعد العقد يمكن التوصل إليها دون الخلوة الكاملة بمخاطرها الكثيرة وذلك بطرق متعددة لا نحتاج إلى تقريرها.

    أما الواجب الثاني على الأهل فهو أن يساعدوهما ـ جهد الطاقة والمستطاع ـ على الإسراع بعقد الزواج، وأن يذللوا لهما ما قد ينشأ في طريق ذلك من عقبات.

    فما داموا قد ارتضوا هذا الخاطب صهرا فيجب عليهم أن لا يرهقوه بمطالب يعجز عنها أو تعسر عليه، إنمايجب عليهم أن يعينوه بشتى الوسائل على تهيئة بيت الزوجية دون عنت أو إرهاق، عملا بتوجيه النبي صلى الله عليه وسلم في أن خير الزواج أقله تكلفة وأبعده عن إرهاق الزوج بالمهر وغيره؛ كما جاء عند ابن حبان من حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: [من يمن المرأة تسهيل أمرها وقلة صداقها]، ومن حديث ابن عباس رضي الله عنهما: [خيرهن أيسرهن صداقا]، وذلك أيضا إسراعا بابنتهم إلى بيت الزوجية الذي فيه يباح كل ما نبهنا على حرمته قبل العقد.

    لا للخطبة الطويلة الأمد
    ويعين على تحقيق كل ما ذكرناه آنفا أن لا يقبل أهل المخطوبة خطبة طويلة الأمد جدا، قبل أن يتهيأ الخاطب لكثير من أمور الزواج ومطالبه:
    أولا: لما في الخطبة الطويلة من مخاطر ذكرناها، وهي تزيد إلحاحا على الطرفين كلما تيقنا من بعد لقائهما الشرعي لعدم توفر ظروفه ومطالبه قبل زمن طويل قد يصل إلى سنين.

    وأيضا فإن الله يقلب القلوب والأبصار، وزمن الخطبة الطويل ـ بما يتضمنه من تغير في ظروف الخاطب أو المخطوبة الاجتماعية والثقافية والمالية، والنضج النفسي لدى كل منهما، وما قد يؤدي إليه ذلك من تغير في مقاييس النظر والاختيار ـ مجال متسع لمثل هذا التقلب، وكثيرا ما يدفع أحد الطرفين أو أهله عندئذ ثمن إقباله على خطبة طويلة الأمد إلى حد تتغير فيه الظروف والمقاييس، وتتقلب فيه القلوب أو الأبصار، مهما واثق كل منهما نفسه وصاحبه وأهله في أول الخطبة على الصدق والإخلاص ودوام الرغبة.

    إنها أمور غاية في الخطورة والأهمية أحببنا أن ننبه عليها ونذكر بها، ونحذر من التفريط فيها لكثرة ما رأينا في الواقع من مشكلات وبليات عادت بالشر الوبيل على الطرفين أو أحدهما وخصوصا المخطوبة وأهلها ومستقبلها.. فنسأل الله أن تنبته جميع الأطراف وأن يحفظ الله المسلمين من كل شر وسوء.
    وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

    ---------------------------------------
    الشباب والقراءة.. أسباب العزوف وسبل العلاج
    في عصرنا الحديث تعددت وتنوعت وسائل اكتساب العلم والمعرفة ما بين وسائل مقروءة ومسموعة ومرئية.. ولكن مع كثرة هذه الينابيع واختلافها تبقى القراءة هي أساس العلم والمعرفة، ومفتاح الرقي والحضارة، وسبب التقدم والتطور، ولا يمكن أن تتقدم أمة أبناؤها قد هجروا القراءة ونبذوا العلم.

    ولما كان الإسلام دين العلم، والعلم ـ كما قلنا ـ أصله القراءة والكتابة، كانت أول كلمة نزل بها الوحي، ونطق بها الشرع هي الأمر بالقراءة والكتابة والتعلم {اقرأ باسم ربك الذي خلق . خلق الإنسان من علق . اقرأ وربك الأكرم . الذي علم بالقلم . علم الإنسان ما لم يعلم}(العلق).

    فما هو حال أمة اقرأ مع القراءة؟!
    تتباين الأرقام والإحصاءات الرسمية من مراكز الأبحاث والمنظمات الدولية المعنية بهذا الموضوع، لكنها جميعا تتفق على تدني نسبة القراءة لدى الشباب العربي، فقد خلص "مؤشر القراءة العربي الصادر بالتعاون مع الأمم المتحدة" عن واقع القراءة في العالم العربي، إلى أن العربي لا يقرأ سوى عدة سويعات سنويا. ونشير إلى أن المقصود هنا القراءة غير المنهجية (غيرالدراسية).

    وكشف استطلاع للرأي أجرته "ياهو" للأبحاث، أن ربع سكان العالم العربي، نادرا ما يقرؤون كتبا، ويحتل الكتاب في غوغل المرتبة الـ153 من بين الاهتمامات العربية، وتعتبر كتب التنجيم هي ثاني أكثر الكتب قراءة في الوطن العربي.

    ووفقا لدراسات التنمية الصادرة عن مؤسسة الفكر العربي في القاهرة، فإن معدل القراءة في العالم العربي لا يتجاوز 4 بالمئة من معدل القراءة في إنكلترا على سبيل المثال.

    وأما الفاجعة أن كل ما تطبعه دور النشر العربية مجتمعة ”سنويا” لا يعادل سوى أقل من نصف ما تطبعه إسرائيل عدونا اللدود في نفس الفترة.

    وبالطبع فإن هذه الإحصائيات المحبطة تدلنا على ما وصل إليه حال العقل العربي والشباب بصفة خاصة منهم، وهي دلالة أيضا على ما وصلت إليه الحالة الثقافية في هذه البلاد، ودلالة على ما ينتظرها في المستقبل.

    إننا نستطيع القول إن "أمة اقرأ لا تقرأ"، وأن واقع القراءة العربية ينطبق عليه وصف أزمة، وأن طائفة الشباب ـ والتي هي صلب الحاضر وأساس المستقبل ـ في عزوف كبير عن القراءة المثمرة، وأنهم قد قطعوا كل صلة بها، وحتى علاقتهم بوسائل التعليم ووسائل التواصل الجديدة لا تستغل في جوانبها الإيجابية، وإنما استهواهم جانبها الترفيهي والترويحي فقط، فبقي الشباب دون ثقافة تبني شخصيتهم، وعم الناشئة الجهل بالأشياء البديهية وأبسط المعارف الدنيوية والأخروية.
    نعم .. لا يمكننا التعميم بأن الشباب العربي لا يؤمن بجدوى القراءة، ولكن يمكننا القول أن السواد الأعظم من شبابنا لا يقرأ".

    أسباب الانصراف عن القراءة
    هناك أسباب رئيسة اجتمعت فكان من عواقبها عزوف الشباب عن القراءة، وربما عداؤهم لها، ونحن نحاول هنا معرفة بعض هذه الأسباب، ثم نحاول بعد ذلك معالجتها.. فمن أهم هذه الأسباب:
    أولا: النظام التعليمي: كما تقول "رويدة رفاعي" فإن المشكلة لدى جيل الشباب العربي تبدأ من نظام التعليم المليء بالثغرات والبعيد كل البعد عن منهج التحليل والنقد وإعمال العقل، والتشجيع على المطالعة أو رعاية أي مواهب أخرى، وغالبا ما يتخرج الطلاب بمؤهلات علمية وليس في جعبتهم سوى ما درسوه في الكتب المدرسية والجامعية، والاستثناءات قليلة جدا.
    وقد يبتعد الشباب عن القراءة نظرًا لما لاقوه من عناء ومشقة في قراءة الكتب المدرسية وغيرها؛ فإن الارتطام بصعوبة الكتب وعدم فهمها، في بداية الطلب يولد كرها للقراءة عند البعض، خصوصا وأن الكتب الدراسية المنهجية ليس فيها أي نوع من أنواع الجذب للقارئ والمتعة للمتعلم، وأكثرها حشو مع أسلوب غير مشوق إطلاقا.

    ثانيا: غياب الوعي بأهمية وضرورة القراءة وأثرها على الفرد والمجتمع: وقلة المرشدين الذين يوجهون الناشئة إلى قراءة الكتب النافعة الجيدة التي تستحق الاقتناء والقراءة، وإقرار فضيلة العلم في أبناء المجتمع، وعدم إدراك المغزى والهدف من القراءة وأنها الوسيلة المثلى لتغذية ميول الشباب وتنمية قواهم العقلية وتلبية حاجاتهم النفسية. وهذه ثقافة مجتمعية تحتاج إلى تغيير هائل في الوعي والفهم.

    ثالثا: عدم غرس هذه العادة الطيبة في نفوس الأطفال منذ الصغر حتى يشبوا عليها، فالبيت والمدرسة لم يتعاونا على خلق الميل إلى القراءة وغرس هوايتها في نفوس الأبناء قبل أن ينموها بعد ذلك في مراحلهم العلمية.

    رابعا: كثرة الملهيات وتوفرها في أيدي الشباب من نت، وأفلام، وألعاب الفديو إلخ.. وطغيان وسائل التواصل بما تبثه من مغريات وملهيات تأخذ وقت الإنسان كله، فصرت تبصر طوائف من الشباب عاكفين أمام شاشات التلفاز والفيديو والقنوات الفضائية، مضيعين الساعات الطويلة في متابعة الأفلام والبرامج والمسلسلات. وأصبح المشهد العام في القطارات والمترو ومواقف انتظار الحافلات، متمثلا في إمساك الأشخاص بأجهزتهم الذكية بدلا من الكتاب.
    غير أننا نقول: إنه ليس من الإنصاف إلقاء اللوم على التكنولوجيا وثورة المعلومات على شبكة الإنترنت؛ لأنها أثرت بشكل عام على جميع دول العالم، وليس على العالم العربي وحده.

    خامسا: قد يكون لسهولة وسرعة الوصول إلى الشبكة العنكبوتية والكم الهائل من المعلومات التي تحويها ـ صحيحة كانت أو مغلوطة ـ دور في حالة التكاسل والتقاعس عن البحث في الكتب كمصدر معلوماتي، فالحصول على المعلومة عن طريق النت أسرع وأسهل وأحب إلى الشاب من عناء البحث والتملل من مطالعة الكتب.

    سادسا: المبالغة في أسعار بعض الكتب خصوصا وأن الشباب اليوم يعاني من أزمة مادية.
    سابعا: غياب الحضور الفعلي للندوات والدورات ودورها على تشجيع الشباب وإرشادهم للقراءة.

    ثامنا: ندرة الكتاب الموهوبين، وكثرة الحشو التجاري: فالكتابة موهبة والكتاب الموهوبون اليوم قليلون جدا والمقصود من الكاتب الموهوب هو صاحب القدرة على جذب القارئ، وإيصال المعلومة إليه وإثراء عقله مع إقبال المتلقي وعدم ملله. ولكن الحاصل أن الكتب اليوم أصبحت مهتمة بالحشو التجاري قبل الهدف العلمي الثقافي،فاصبحت أكثر الكتب رواجا كتب الطبخ والتجميل وكتب الغرائب والعجائب والخرافات والأساطير لأنها تحقق مبيعات وإقبال أكثر من غيرها من الكتب، وربما لأنها تحقق المتعة المفقودة والتي لا يجدها القارئ الشاب في الكتب. هذا مع كثرة الكتيبات الصغيرة التي هي في الغالب عبارة عن معلومات متكررة ومعادة طرقت أسماع الشباب كثيرًا، فبمجرد رؤيتهم لكتاب منها يتصفحونه سريعًا ثم يلقون به.

    تاسعا: قلة الحوافز والمكافآت التشجيعية والمسابقات التي تدور حول قراءة الكتب وفهمها وتلخيصها.
    عاشرا: تجاهل الدولة للعلماء والمثقفين وأرباب الفكر وأهل العلم، وضعف مكانتهم الاجتماعية وحالتهم الاقتصادية والمادية، في الوقت الذي يكرم فيه أهل الفن واللعب والتوافه مما يزهد الناشئة في العلم وأهله ويتوجه بهم إلى السفاسف والتوافه.

    الحلول:
    وبعد أن استعرضنا بعض الأسباب التي وقفت حائلاً بين الشباب والقراءة، نورد بعض الحلول التي قد تكون ناجحة لترسيخ مبدأ القراءة في نفوس الفتية وغرسه في ذواتهم، فمن هذه الحلول:

    أولا: يجب علينا أن نعي ونستشعر كأمة أنه لا سبيل لسيادة ولا لنهضة وصعود في ربا المجد إلا عن طريق القراءة ونشر حبها وأهميتها بين أطياف المجتمع وخاصة جيل الشباب. ويجب أن يدرك عموم طوائف المجتمع فوائد القراءة وثمرتها في رفع المستوى الثقافي عند الشخص والأمة.

    ثانيا: غرس هذه العادة عند الأطفال منذ الصغر، فيربون على حبها، وذلك بالحديث معهم عن مكانة وفضيلة الإنسان القارئ والثناء عليه ليسلكوا مسلكه، ويكون ذلك أيضًا بجلب القصص المصورة التشويقية ليتعودوا على حمل الكتب ومطالعتها، وحث الأبناء على قراءة القرآن الكريم وحفظه ورصد الجوائز لذلك، فتصبح القراءة عندهم ملكة منذ نعومة أظفارهم.

    ثالثا: يجب أن يكون هنالك على الأقل مكتبة أسرية في كل بيت وعامة في كل حي، يجب أن يتم غرس ثقافة القراءة وحبها في النشء وتحفيزهم على القراءة في مجال اهتماماتهم، أيضا على الجهات التربوية كالمدارس والجامعات والأندية إقامة مسابقات في مجال القراءة ووضع مكافآت تشجيعية عليها.

    رابعا: تطوير المناهج وتحسين الكتب المقررة في الصفوف الأولية، وتقديم الكتب المنهجية بصورة تحبب الطالب في القراءة سواء من جهة تقديم المعلومة أو إخراج الكتاب المدرسي.

    خامسا: الإعتناء بمكتبة المدرسة وتزويدها بالكتب المتنوعة الجذابة ذات الأغلفة المتميزة – مع الاهتمام بالمضمون – وخاصة في المرحلة الإبتدائية إذ يميل الطفل إلى الصور والمناظر الجميلة.

    سادسا: اصطحاب الأطفال إلى المكتبات ومعارض الكتب، وبذل المال عندما يرغبون في شراء كتاب ما، وتشجيعهم على ذلك .

    سابعا: متابعة ما يصدر من الكتب والحكم عليه وإثراء الساحة بالنقد الهادف البناء الذي يبعد الضعاف عن تسلق ذرى التأليف .

    ثامنا: اختيار الأقران الذين يحرصون على القراءة وإقتناء الكتب واغتنام الأوقات.

    تاسعا: رعاية الدولة لهذا الأمر، ورصد المكافآت والجوائز التشجيعية للعلماء والمثقفين والكتاب المميزين، وإعلاء مكانهم في المجتمع.

    عاشرا: رصد المكافآت على الإنتاج الأدبي وإقامة الفعاليات التي ترعاها الدول العربية، و على وإجراء المسابقات على التأليف الجاد الهادف الممير، وعلى تلخيص الكتب الهامة وإجراء المسابقات حولها، واستغلال معارض الكتب التي تقام كل سنة بتنظيم الزيارات لها والحث على زيارتها.

    كانت هذه نظرة لحالنا مع القراءة ومحاولة لحل هذه المشكلة.. لعل أمة اقرأ تعود إلى القراءة، ولعل شباب العرب والمسلمين يهتمون بالعلم والثقافة، فيتغير واقعنا إلى واقع أفضل، ويكون مستقبلنا أرغد وأجمل.
    اسلام ويب..........
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

07-18-2020, 03:53 PM

سيف اليزل برعي البدوي
<aسيف اليزل برعي البدوي
تاريخ التسجيل: 04-30-2009
مجموع المشاركات: 18170

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: مقالات مفيدة تهم المجتمع و الأسرة و الشبا� (Re: سيف اليزل برعي البدوي)

    الإيمان بالقدَر، والشكوى إلى الله
    الإيمان بالقضاء والقدَر يجعل المؤمن يمضي في حياته على منهج سواء، لا تبطره النعمة، لأنه يعلم أن ما يعيش فيه مِنْ نِعَمٍ فمِن الله، قال الله تعالى: {وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللّهِ}(النحل:53). ولا تقنطه المصيبة، لأنه إذا أصيب ببلاء فإنه يعلم أن هذا بتقدير الله، فلا يجزع ولا ييأس، بل يصبر ويرضى بقدر الله عز وجل، قال الله تعالى: {مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنفُسِكُمْ إِلا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ * لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ}(الحديد: 22-23). وقال تعالى: {الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنا لِلّهِ وَإِنا إِلَيْهِ رَاجِعونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ}(البقرة: 156-157). ولما سُئِل النبي صلى الله عليه وسلم عن الإيمان قال: (أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتُؤْمِنَ بالقَدَرِ خَيْرِهِ وشَرِّه) رواه مسلم. قال ابن بطال: "الإنسان إذا مسه الشر ضجر به، ولم يصبر محتسبًا، ويَلْزَم مَنْ آمن بالقدر خيره وشره، وعلم أن الذي أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، الصبر على كل شدة تنزل به". وقد أجمع المسلمون على وجوب الإيمان بالقدر خيره وشره، قال النووي: "وقد تظاهرت الأدلة القطعية من الكتاب والسنة وإجماع الصَّحابة وأهل الحِل والعقد من السلف والخلف على إثبات قدَر الله تعالى". وقال ابن حجر: "ومذهب السلف قاطبة أن الأمور كلها بتقدير الله تعالى".

    والإيمان بالقضاء والقدر، والرضا بما يُقدره الله عز وجل علينا، لا يتعارض معه الشكوى إليه سبحانه مما يقع بنا، مِن مرض أو فقر أو بلاء. فالشكوى إلى الله، وسؤاله إزالة ما أصابنا من بلاء لا حرج فيها، بل هي مشروعة، ولا تتعارض مع الإيمان بقدر الله والرضا به.. فالمؤمن حين يُبتلى ببلاء يسارع إلى الله، يشكو إليه حاله، داعياً ربه سبحانه أن يكشف ما به مِنْ ضر وبلاء، مُقتديا بذلك بأنبياء الله عز وجل ورسله، لأنهم صلوات الله وسلامه عليهم كانوا مع إيمانهم بقدر الله ورضاهم به، إذا نزل بهم البلاء، واشتد بهم الكرب، شكوا إلى الله حالهم، وتضرعوا إليه بالدعاء، أن يكشف ما بهم من ضر وبلاء.
    إبراهيم عليه الصلاة والسلام شكا إلى ربه سبحانه أن أهله بواد قحط مجدب، ليس به ماء ولا طعام: {رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلاَةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ}(إبراهيم:37).
    ونوح عليه السلام قال الله تعالى عنه: {وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ * وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيم}(الصافات: 75-76). وقال: {فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانتَصِرْ * فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاء بِمَاء مُّنْهَمِرٍ}(القمر:10-11).
    وأيوب عليه السلام، لما ابتلاه الله بالمرض ثمانية عشر عاماً، وبلغ به البلاء مبلغاً عظيماً، توجه إلى ربه بالشكوى ليرفع عنه الضُرَّ والمرض والبلاء، قال الله تعالى: {وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ}(الأنبياء:83).
    ويونس عليه السلام قال الله تعالى عنه: {وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ}(الأنبياء:87-88).
    وقال تعالى عن زكريا عليه السلام: {وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ}(الأنبياء:89-90). ويعقوب عليه السلام لما اشتد عليه البلاء {قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ}(يوسف:86)..
    ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم شكا إلى الله عز وجل حاله في مواطن عديدة، في غزوة بدر استقبل القبلة ومدَّ يديه وهتف بربه: (اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم آتني ما وعدتني) رواه مسلم. وكان صلوات الله وسلامه عليه يشتكي إلى الله ويدعوه قائلا: (اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، أنت رب المستضعفين، إلى من تكلني، إلى عدو يتجهمني أم إلى قريب ملكته أمري، إن لم تكن غضباناً عليَّ فلا أبالي، أن عافيتك أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة أن تُنزل بي غضبك أو تُحل عليَّ غضبك، لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك) رواه الطبراني وضعفه الألباني، غير أن الكثير من العلماء يوردون هذا الحديث في كتبهم مستشهدين بما ورد فيه من معانٍ، كشيخ الإسلام ابن تيمية الذي قال في "مجموع الفتاوى": "وأما الشكوى إلى الخالق فلا تنافي الصبر الجميل.. وفي الدعاء الذي دعا به النبي صلى الله عليه وسلم لما فعل به أهل الطائف ما فعلوا: (اللهم إني إليك أشكو ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، أنت رب المستضعفين وأنت ربي..). وكلما قوي طمع العبد في فضل الله ورحمته، ورجائه لقضاء حاجته ودفع ضرورته، قويت عبوديته له وحريته مما سواه".

    الشكوى إلى الله، والشكوى إلى المخلوق:

    لا شك أن المؤمن إذا نزل به بلاء فإنه يسارع إلى ربه سبحانه، يشكو إليه حاله، ويلجأ إليه ويدعوه أن يكشف ما به من شدة أو مصيبة أو بلاء، قال الله تعالى: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ}(غافر:60)، وقال تعالى: {أَمَّنْ يُجِيبُ المُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ أَئِلَهٌ مَعَ اللهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ}(النمل:62)، وقال تعالى: {وَإِن يَمْسَسْكَ اللّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلاَ رَآدَّ لِفَضْلِهِ يُصَيبُ بِهِ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ}(يونس107). وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (مَن نَزَلتْ به فَاقةٌ (حاجَةٌ شديدَةٌ، مِن ضِيقٍ في العيْش أو غيره)، فأَنَزَلها بالنَّاس، لَم تُسدَّ فاقتُه، ومَن نَزلَتْ به فاقةً، فأنزلَها بالله، فيُوشِكُ اللهُ له برزقٍ عاجلٍ، أو آجل) رواه أبو داود وصححه الألباني. وهذا مِن باب التَّربيةِ النَّبويَّة للمسلمين على حُسْنِ التَّوكُّل على الله، وسؤاله والطلب منه، وعدم الرُّكونِ إلى النَّاس.
    فالمشروع للعبد المُبْتلى أن يجعل شكواه إلى الله تعالى وحده، قال ابن تيمية في "مجموع الفتاوى": "والصبر الجميل صبر بلا شكوى، قال يعقوب عليه الصلاة والسلام: {إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللّهِ} مع قوله: {فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللهُ المُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ}، فالشكوى الى الله لا تنافي الصبر الجميل.. وذلك أن المشتكي طالب بلسان الحال إما إزالة ما يضره أو حصول ما ينفعه، والعبد مأمور أن يسأل ربه دون خلقه، كما قال تعالى: {فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ}(الشرح:8:7).وقال صلى الله عليه وسلم لابن عباس: (إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله)". وقال الغزالي: "فالأحْرى بالعبد إن لم يحسن الصبر على البلاء والقضاء، وأفضى به الضعف إلى الشكوى، أن تكون شكواه إلى الله تعالى، فهو المُبْتَلِي والقادر على إزالة البلاء، وذل العبد لمولاه عز، والشكوى إلى غيره ذل"، وقال ابن الجوزي: "وقدْ كان السَّلف يكْرَهُون الشَّكْوى إِلى الخَلْق".
    ومع أن المشروع للعبد المُبْتَلَى أن يجعل شكواه إلى الله وحده، إلا أنه ليست كل شكوى إلى المخلوق منهي عنها، بل إن كانت لغرض صحيح كالاستعانة به على زوال الضرر ـ فيما يقدر عليه المخلوق ـ، فلا بأس بها، وذلك كإخبار المريض للطبيب بمرضه ووجعه، وإخبار وشكوى المظلوم لمن ينتصر له ويعينه على رفع هذا الظلم، وإخبار المُبْتَلى ببلائه لمن يرجو أن يكون فرجه على يديه، وأما الشكوى للمخلوق دون حاجة فهي مكروهة، وقد تصل إلى التحريم إن اقترن بها تسخط من قدر الله. قال ابن القيم في "عدة الصابرين": "لما كان الصبر حبس اللسان عن الشكوى إلى غير الله، والقلب عن التسخط، والجوارح عن اللطم وشق الثياب ونحوها، كان ما يضاده واقعا على هذه الجملة، فمنه الشكوى إلى المخلوق فإذا شكى العبد ربه الى مخلوق مثله فقد شكى من يرحمه إلى من لا يرحمه، ولا تضاده الشكوى إلى الله كما تقدم في شكاية يعقوب إلى الله مع قوله: {فَصَبْرٌ جَمِيلٌ}، وأما إخبار المخلوق بالحال فإن كان للاستعانة بإرشاده أو معاونته والتوصل إلى زوال ضرره، لم يقدح ذلك في الصبر، كإخبار المريض للطبيب بشكايته، وإخبار المظلوم لمن ينتصر به بحاله، وإخبار المبتلى ببلائه لمن كان يرجو أن يكون فرجه على يديه، وقد كان النبي إذا دخل على المريض يسأله عن حاله، ويقول كيف تجدك؟ وهذا استخبار منه واستعلام بحاله". وقال ابن مفلح في "الآداب الشرعية": "قال الشيخ مجد الدين في شرح الهداية: ولا بأس أن يخبر بما يجده من ألم ووجع لغرض صحيح، لا لقصد الشكوى، واحتج أحمد بقول النبي صلى الله عليه وسلم ـ لعائشة لما قالت: وارأساه، قال: (بل أنا وارأساه)، واحتج ابن المبارك بقول ابن مسعود للنبي صلى الله عليه وسلم: (إنك لتوعك وعكا شديدا، فقال: أجل إني أوعك كما يوعك رجلان منكم) متفق عليه".

    من المعلوم أنه لا تخلو الحياة من مصائب وشدائد وابتلاءات، والأنبياء والرسل وهم خير خلق الله، وأحب الناس إلى الله عز وجل، نزل بهم البلاء، واشتد بهم الكرب. فالبلاء وإن تباينت صوره وتفاوتت مراتبه، ليس قاصراً على أحد، فمن ابْتُلِيَ فرضي بقدر الله فله الرضا، جزاء لرضاه، ومن كره ولم يرض بقدر الله وقضائه فله السخط، جزاء له على عدم رضاه، عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن عظم الجزاء من عظم البلاء، وإن الله إذا أحب قوماً ابتلاهم، فمن رضي فله الرضى، ومن سخط فله السخط) رواه الترمذي وحسنه الألباني. يقول الإمام السندي: "قوله (فمن رضي فله الرضا) أي رضا الله تعالى عنه، جزاء لرضاه". ولا ينافي ولا يتعارض الرضا بقدر الله مع مشروعية الشكوى إلى الله، وسؤاله العافية، قال الله تعالى: {وَإِن يَمْسَسْكَ اللّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلاَ رَآدَّ لِفَضْلِهِ يُصَيبُ بِهِ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ}(يونس107).

    الإيمان بقدر الله، والرضا به، ودعاء الله، والشكوى إليه، من أعظم الأسباب والعوامل التي تجعل المسلم يعيش حياته في راحة وطمأنينة، وإن وقع عليه بلاء
    يا صاحبَ الهمِّ إنَّ الهمَّ مُنفرِجٌ أبْشِر بخيرٍ فإنَّ الفارجَ اللهُ
    إذا بُليتَ فثِقْ باللهِ وارضَ بهِ إنّ الذي يكشفُ البلْوى هوَ اللهُ
    وكان من سؤال ودعاء نبينا صلى الله عليه وسلم: (أسألك الرضا بعد القضا) رواه الطبراني وصححه الألباني. أي: وأسألُك أن تَرزُقَني الرِّضا بما قضَيتَه وقدَّرتَه، فتَلْقاه نفْسي وهي مُطمئنَّة.. ودعاء الاستخارة الذي علّمنا إيّاه النبي صلى الله عليه وسلم فيه: (واقْدُر لي الخير حيث كان، ثم رضّني به) رواه البخاري. فالإيمان بالقضاء والقدر ركن من أركان الإيمان بالله، والرضا به طاعة وقُرْبة، و طريق إلى الطمأنينة والسعادة، والشكوى إلى الله وسؤاله إزالة ما أصابنا، لا حرج فيها، بل هي عبادة مشروعة، ولا تتعارض مع الإيمان بقدر الله والرضا به.
    -----------------------
    الإيمان بالقدَر، والشكوى إلى الله
    الإيمان بالقضاء والقدَر يجعل المؤمن يمضي في حياته على منهج سواء، لا تبطره النعمة، لأنه يعلم أن ما يعيش فيه مِنْ نِعَمٍ فمِن الله، قال الله تعالى: {وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللّهِ}(النحل:53). ولا تقنطه المصيبة، لأنه إذا أصيب ببلاء فإنه يعلم أن هذا بتقدير الله، فلا يجزع ولا ييأس، بل يصبر ويرضى بقدر الله عز وجل، قال الله تعالى: {مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنفُسِكُمْ إِلا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ * لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ}(الحديد: 22-23). وقال تعالى: {الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنا لِلّهِ وَإِنا إِلَيْهِ رَاجِعونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ}(البقرة: 156-157). ولما سُئِل النبي صلى الله عليه وسلم عن الإيمان قال: (أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتُؤْمِنَ بالقَدَرِ خَيْرِهِ وشَرِّه) رواه مسلم. قال ابن بطال: "الإنسان إذا مسه الشر ضجر به، ولم يصبر محتسبًا، ويَلْزَم مَنْ آمن بالقدر خيره وشره، وعلم أن الذي أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، الصبر على كل شدة تنزل به". وقد أجمع المسلمون على وجوب الإيمان بالقدر خيره وشره، قال النووي: "وقد تظاهرت الأدلة القطعية من الكتاب والسنة وإجماع الصَّحابة وأهل الحِل والعقد من السلف والخلف على إثبات قدَر الله تعالى". وقال ابن حجر: "ومذهب السلف قاطبة أن الأمور كلها بتقدير الله تعالى".

    والإيمان بالقضاء والقدر، والرضا بما يُقدره الله عز وجل علينا، لا يتعارض معه الشكوى إليه سبحانه مما يقع بنا، مِن مرض أو فقر أو بلاء. فالشكوى إلى الله، وسؤاله إزالة ما أصابنا من بلاء لا حرج فيها، بل هي مشروعة، ولا تتعارض مع الإيمان بقدر الله والرضا به.. فالمؤمن حين يُبتلى ببلاء يسارع إلى الله، يشكو إليه حاله، داعياً ربه سبحانه أن يكشف ما به مِنْ ضر وبلاء، مُقتديا بذلك بأنبياء الله عز وجل ورسله، لأنهم صلوات الله وسلامه عليهم كانوا مع إيمانهم بقدر الله ورضاهم به، إذا نزل بهم البلاء، واشتد بهم الكرب، شكوا إلى الله حالهم، وتضرعوا إليه بالدعاء، أن يكشف ما بهم من ضر وبلاء.
    إبراهيم عليه الصلاة والسلام شكا إلى ربه سبحانه أن أهله بواد قحط مجدب، ليس به ماء ولا طعام: {رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلاَةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ}(إبراهيم:37).
    ونوح عليه السلام قال الله تعالى عنه: {وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ * وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيم}(الصافات: 75-76). وقال: {فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانتَصِرْ * فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاء بِمَاء مُّنْهَمِرٍ}(القمر:10-11).
    وأيوب عليه السلام، لما ابتلاه الله بالمرض ثمانية عشر عاماً، وبلغ به البلاء مبلغاً عظيماً، توجه إلى ربه بالشكوى ليرفع عنه الضُرَّ والمرض والبلاء، قال الله تعالى: {وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ}(الأنبياء:83).
    ويونس عليه السلام قال الله تعالى عنه: {وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ}(الأنبياء:87-88).
    وقال تعالى عن زكريا عليه السلام: {وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ}(الأنبياء:89-90). ويعقوب عليه السلام لما اشتد عليه البلاء {قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ}(يوسف:86)..
    ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم شكا إلى الله عز وجل حاله في مواطن عديدة، في غزوة بدر استقبل القبلة ومدَّ يديه وهتف بربه: (اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم آتني ما وعدتني) رواه مسلم. وكان صلوات الله وسلامه عليه يشتكي إلى الله ويدعوه قائلا: (اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، أنت رب المستضعفين، إلى من تكلني، إلى عدو يتجهمني أم إلى قريب ملكته أمري، إن لم تكن غضباناً عليَّ فلا أبالي، أن عافيتك أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة أن تُنزل بي غضبك أو تُحل عليَّ غضبك، لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك) رواه الطبراني وضعفه الألباني، غير أن الكثير من العلماء يوردون هذا الحديث في كتبهم مستشهدين بما ورد فيه من معانٍ، كشيخ الإسلام ابن تيمية الذي قال في "مجموع الفتاوى": "وأما الشكوى إلى الخالق فلا تنافي الصبر الجميل.. وفي الدعاء الذي دعا به النبي صلى الله عليه وسلم لما فعل به أهل الطائف ما فعلوا: (اللهم إني إليك أشكو ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، أنت رب المستضعفين وأنت ربي..). وكلما قوي طمع العبد في فضل الله ورحمته، ورجائه لقضاء حاجته ودفع ضرورته، قويت عبوديته له وحريته مما سواه".

    الشكوى إلى الله، والشكوى إلى المخلوق:

    لا شك أن المؤمن إذا نزل به بلاء فإنه يسارع إلى ربه سبحانه، يشكو إليه حاله، ويلجأ إليه ويدعوه أن يكشف ما به من شدة أو مصيبة أو بلاء، قال الله تعالى: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ}(غافر:60)، وقال تعالى: {أَمَّنْ يُجِيبُ المُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ أَئِلَهٌ مَعَ اللهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ}(النمل:62)، وقال تعالى: {وَإِن يَمْسَسْكَ اللّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلاَ رَآدَّ لِفَضْلِهِ يُصَيبُ بِهِ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ}(يونس107). وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (مَن نَزَلتْ به فَاقةٌ (حاجَةٌ شديدَةٌ، مِن ضِيقٍ في العيْش أو غيره)، فأَنَزَلها بالنَّاس، لَم تُسدَّ فاقتُه، ومَن نَزلَتْ به فاقةً، فأنزلَها بالله، فيُوشِكُ اللهُ له برزقٍ عاجلٍ، أو آجل) رواه أبو داود وصححه الألباني. وهذا مِن باب التَّربيةِ النَّبويَّة للمسلمين على حُسْنِ التَّوكُّل على الله، وسؤاله والطلب منه، وعدم الرُّكونِ إلى النَّاس.
    فالمشروع للعبد المُبْتلى أن يجعل شكواه إلى الله تعالى وحده، قال ابن تيمية في "مجموع الفتاوى": "والصبر الجميل صبر بلا شكوى، قال يعقوب عليه الصلاة والسلام: {إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللّهِ} مع قوله: {فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللهُ المُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ}، فالشكوى الى الله لا تنافي الصبر الجميل.. وذلك أن المشتكي طالب بلسان الحال إما إزالة ما يضره أو حصول ما ينفعه، والعبد مأمور أن يسأل ربه دون خلقه، كما قال تعالى: {فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ}(الشرح:8:7).وقال صلى الله عليه وسلم لابن عباس: (إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله)". وقال الغزالي: "فالأحْرى بالعبد إن لم يحسن الصبر على البلاء والقضاء، وأفضى به الضعف إلى الشكوى، أن تكون شكواه إلى الله تعالى، فهو المُبْتَلِي والقادر على إزالة البلاء، وذل العبد لمولاه عز، والشكوى إلى غيره ذل"، وقال ابن الجوزي: "وقدْ كان السَّلف يكْرَهُون الشَّكْوى إِلى الخَلْق".
    ومع أن المشروع للعبد المُبْتَلَى أن يجعل شكواه إلى الله وحده، إلا أنه ليست كل شكوى إلى المخلوق منهي عنها، بل إن كانت لغرض صحيح كالاستعانة به على زوال الضرر ـ فيما يقدر عليه المخلوق ـ، فلا بأس بها، وذلك كإخبار المريض للطبيب بمرضه ووجعه، وإخبار وشكوى المظلوم لمن ينتصر له ويعينه على رفع هذا الظلم، وإخبار المُبْتَلى ببلائه لمن يرجو أن يكون فرجه على يديه، وأما الشكوى للمخلوق دون حاجة فهي مكروهة، وقد تصل إلى التحريم إن اقترن بها تسخط من قدر الله. قال ابن القيم في "عدة الصابرين": "لما كان الصبر حبس اللسان عن الشكوى إلى غير الله، والقلب عن التسخط، والجوارح عن اللطم وشق الثياب ونحوها، كان ما يضاده واقعا على هذه الجملة، فمنه الشكوى إلى المخلوق فإذا شكى العبد ربه الى مخلوق مثله فقد شكى من يرحمه إلى من لا يرحمه، ولا تضاده الشكوى إلى الله كما تقدم في شكاية يعقوب إلى الله مع قوله: {فَصَبْرٌ جَمِيلٌ}، وأما إخبار المخلوق بالحال فإن كان للاستعانة بإرشاده أو معاونته والتوصل إلى زوال ضرره، لم يقدح ذلك في الصبر، كإخبار المريض للطبيب بشكايته، وإخبار المظلوم لمن ينتصر به بحاله، وإخبار المبتلى ببلائه لمن كان يرجو أن يكون فرجه على يديه، وقد كان النبي إذا دخل على المريض يسأله عن حاله، ويقول كيف تجدك؟ وهذا استخبار منه واستعلام بحاله". وقال ابن مفلح في "الآداب الشرعية": "قال الشيخ مجد الدين في شرح الهداية: ولا بأس أن يخبر بما يجده من ألم ووجع لغرض صحيح، لا لقصد الشكوى، واحتج أحمد بقول النبي صلى الله عليه وسلم ـ لعائشة لما قالت: وارأساه، قال: (بل أنا وارأساه)، واحتج ابن المبارك بقول ابن مسعود للنبي صلى الله عليه وسلم: (إنك لتوعك وعكا شديدا، فقال: أجل إني أوعك كما يوعك رجلان منكم) متفق عليه".

    من المعلوم أنه لا تخلو الحياة من مصائب وشدائد وابتلاءات، والأنبياء والرسل وهم خير خلق الله، وأحب الناس إلى الله عز وجل، نزل بهم البلاء، واشتد بهم الكرب. فالبلاء وإن تباينت صوره وتفاوتت مراتبه، ليس قاصراً على أحد، فمن ابْتُلِيَ فرضي بقدر الله فله الرضا، جزاء لرضاه، ومن كره ولم يرض بقدر الله وقضائه فله السخط، جزاء له على عدم رضاه، عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن عظم الجزاء من عظم البلاء، وإن الله إذا أحب قوماً ابتلاهم، فمن رضي فله الرضى، ومن سخط فله السخط) رواه الترمذي وحسنه الألباني. يقول الإمام السندي: "قوله (فمن رضي فله الرضا) أي رضا الله تعالى عنه، جزاء لرضاه". ولا ينافي ولا يتعارض الرضا بقدر الله مع مشروعية الشكوى إلى الله، وسؤاله العافية، قال الله تعالى: {وَإِن يَمْسَسْكَ اللّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلاَ رَآدَّ لِفَضْلِهِ يُصَيبُ بِهِ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ}(يونس107).

    الإيمان بقدر الله، والرضا به، ودعاء الله، والشكوى إليه، من أعظم الأسباب والعوامل التي تجعل المسلم يعيش حياته في راحة وطمأنينة، وإن وقع عليه بلاء
    يا صاحبَ الهمِّ إنَّ الهمَّ مُنفرِجٌ أبْشِر بخيرٍ فإنَّ الفارجَ اللهُ
    إذا بُليتَ فثِقْ باللهِ وارضَ بهِ إنّ الذي يكشفُ البلْوى هوَ اللهُ
    وكان من سؤال ودعاء نبينا صلى الله عليه وسلم: (أسألك الرضا بعد القضا) رواه الطبراني وصححه الألباني. أي: وأسألُك أن تَرزُقَني الرِّضا بما قضَيتَه وقدَّرتَه، فتَلْقاه نفْسي وهي مُطمئنَّة.. ودعاء الاستخارة الذي علّمنا إيّاه النبي صلى الله عليه وسلم فيه: (واقْدُر لي الخير حيث كان، ثم رضّني به) رواه البخاري. فالإيمان بالقضاء والقدر ركن من أركان الإيمان بالله، والرضا به طاعة وقُرْبة، و طريق إلى الطمأنينة والسعادة، والشكوى إلى الله وسؤاله إزالة ما أصابنا، لا حرج فيها، بل هي عبادة مشروعة، ولا تتعارض مع الإيمان بقدر الله والرضا به.
    -----------------------------------
    أوقاتنا هي أعمارنا !!
    لقد خُلق الإنسان في هذه الدنيا لحكمة وهي عبادة الله لقوله تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) [الذاريات : 56]، لكنه للأسف يضيع عمره في استخدام الإعلام الجديد، فنجد الأبناء في المجالس وجودهم وعدمهم واحد، حاضرون جسديا غائبون ذهنيا لانشغالهم بالجوال، ومن سوء الأدب مع الوالدين حين يدخل الابن عليهم ويقوم بتقبيلهم ثم يجلس على الهاتف طوال الوقت، حتى في المساجد أغلب المصلين قبل الصلاة وبعدها ينظرون في الجوال، كل هذا اهدار للوقت في مالا فائدة فيه فإنه يجب على المسلم أن يستغل وقته في طلب العلم وقراءة القرآن ولا يجعل الجوال يزاحم الأذكار، فعن أبي برزة نضلة بن عبيد الأسلمي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عمره فيمَ أفناه؟ وعن علمه فيمَ فعل به؟ وعن ماله من أين اكتسبه؟ وفيمَ أنفقه؟ وعن جسمه فيمَ أبلاه؟))؛ رواه الترمذي، فيوم القيامة يُسأل المسلم عن وقته وفي هذا دلالة على أهمية الوقت الذي يجب أن يغتنمه في التقرب لله بالطاعات وطلب العلم ولا يضيعه في الجلوس على الجوال.

    ما هي أسباب ضياع الوقت؟
    حتى يستطيع الإنسان أن يعالج مشكلة ضياع الوقت لابد له أن يعلم مسببات ضياع الوقت منها:
    1. استخدام برامج التواصل الاجتماعي مثل الواتساب والسناب شات والدخول عليها ليلاً ونهاراً، فيضيع الوقت دون فائدة تذكر وتشغل الإنسان عن المهام الأساسية.
    2. عدم إدراك الإنسان قيمة الوقت لأنه إذا عرف قيمته سوف يحافظ عليه ويستثمره في شيء يفيده في الدنيا والآخرة ولن يضيعه في اللهو واللعب.
    3. اتباع الإنسان لهوى النفس فيضيع على نفسه اتباع الحق وإدراكه، فيفعل ما يحبه ويجتنب ما يكرهه، فيضيع وقته في غير عبادة الله دون أن يشعر ولا يفيق إلا إذا جاء أجله.
    4. مجالسة أصدقاء السوء وتضييع الوقت في مالا فائدة فيه من محرمات، فمعهم الإنسان لا يعرف طريق المسجد ولا طريق العلم والفقه بل يغرقونه في طرق الفساد ويبعدونه عن ذكر الله.

    5. إضاعة الوقت في المكالمات الهاتفية التي لا تخلو من القيل والقال والكلام الفارغ.
    6. الإكثار من النوم والأكل فالإنسان بذلك لن يحصل علما ولا عبادة ولن يحصل من الدنيا شيئا ولن يبلغ هدفه.
    7. ضعف التنظيم والتخطيط لدى بعض الناس فتجدهم لا يعرفون ما الذي يجب إنجازه اليوم فيضيع يومهم كله دون أن يفعلوا شيئا مفيدا.

    ما الواجب نحو الوقت؟
    - يجب على المسلم أن يحافظ على وقته ويحرص على الاستفادة منه وتسخيره في كل ما يفيده في دينه ودنياه وأن يتأسى بالسلف الصالح، الذين كانوا رضي الله عنهم لا يمر الوقت عليهم إلا وقد تزودوا بعمل صالح أو خير يقومون به.
    - يجب مصاحبة الأخيار فإن مجالسة الصالحين تغرس في نفسه حب الخير والرغبة في محاذاتهم والوصول إلى ما وصلوا إليه من العبادة والطاعة.

    - يجب عليه أن يغتنم أوقات الفراغ بما ينفعه في دينه وأن يسارع في الخيرات وعدم تضييعه في أمور الدنيا التي لا فائدة فيها، يقول الشيخ يوسف القرضاوي: "الفراغ لا يبقى فراغاً أبدا، فلا بد له أن يُملأ بخير أو شرّ، ومن لم يشغل نفسه بالحق، شغلته نفسه بالباطل، فطوبى لمن ملأه بالخير والصلاح، وويل لمن ملأه بالشر والفساد".

    - يجب الاعتبار بمرور الأيام فالأيام صحائف الأعمال فعلى المسلم ملؤها بأحسن الأعمال فحياة الإنسان ما هي إلا أيام معدودات.

    - على الإنسان أن يهتم بمسألة تخطيط الوقت وتنظيمه وترتيب الأوليات فعندما يحسن ذلك فإنه سوف يستثمر وقته بشكل صحيح في العبادات وأداء الفرائض والنوافل وسائر الأعمال.

    - الحذر من التسويف وطول الأمل فهي من أخطر مضيعات الوقت.

    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    المراجع
    1. خالد الجريسي، إدارة الوقت من المنظور الإسلامي والإداري.
    2. عبدالملك القاسم، الوقت أنفاس لا تعود. الكتيبات الإسلامية.
    3. ابن خميس، عبدالله محمد، الشوارد، مطابع الفرزدق، الرياض، ط2، 1406هـ.
    4. مقطع صوتي بعنوان: ضياع العمر في العصر الجديد/ للدكتور عبدالله العنقري.
    --------------------------
    الحياة الطيبة
    ما أجمل هذه الكلمة.. الحياة الطيبة....
    الحياة الطيبة مقصد كل إنسان، ومطلب كل عاقل، تتوق لها كل النفوس، ويسعى لتحصيلها كل أحد.

    لكن ما هي الحياة الطيبة؟
    بعض الناس يتصور أن الحياة الطيبة مقترنة بالأضواء البراقة، او المناصب الخداعة. والبعض يتصورها في تكديس الأموال، والانغماس في الشهوات، واحتساء سموم الموبقات. وآخرون يتصورونها في تشييد القصور الفخمة والأبنية الشاهقة.

    وكل هذا في الحقيقة إنما هي مظاهر خداعة لا تأتي بحياة طيبة ولا بسكون نفس وصفاء روح وسعادة قلب. والحياة في نسختها المعاصرة أكبر شاهد على ما نقوله؛ فإن الدنيا لم تشهد من التطور التكنولوجي والرفاهية، وتعدد المتع ووسائل الرفاهية، وزيادة المال وارتفاع الدخول وأسباب الراحة مثل ما شهدت في هذه الأيام. ولكن مع ذلك فهي تعيش مفهوم الضنك بكل معانيه..
    فهي بحق حضارة القلق، والحيرة الشديدة والضيق القاتل والكآبة والأمراض النفسية. يعاني فيها الإنسان من آلام الحيرة النفسية، والتمزق الروحي رغم ما وصل إليه من ابتكار وسائل للمتعة المادية وإشباعات الجسد.
    ازدادت نسبة الجريمة مع تطور التكنولوجيا.. وازدادت المصحات النفسية مع تعدد المتع ووسائل الرفاهية.. وازدادت حالات الانتحار مع زيادة الدخل.. وازداد القلق والتوتر النفسي على المستوى الفردي والجماعي مع الانفتاح على الملذات.

    الحياة المعاصرة أبدعت في أساليب الرفاهية والمتعة للإنسان لكنها لم تستطع أن تجلب له سعادة القلب واطمئنان النفس.
    بلغ العالم ذروة الرقي المادي ومعه بلغ الحضيض الأخلاقي، أسقط كل الحواجز أمام متعه الحسية ولكنه لم يصل معها للسعادة الداخلية، أقصى ما وهبه التقدم الحضاري لهم مجرد متعة ظاهرية ولذة آنية لم تبلغ مكنونات النفس، ولم تتذوق بها النفس الحياة الطيبة.

    مصادر الحياة الطيبة وأسبابها:
    المؤمن يطيب قلبه بالإيمان ويطيب لسانه بذكر الرحمن وتطيب حياته بالعمل الصالح والإحسان
    قال تعالى: {من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون} (النحل:)
    وهذا وعد مؤكد من الله تعالى لمن آمن وعمل صالحا أن يحيا حياة طيبة، إنها حياة في رحاب الإيمان والعيش في طاعة الرحيم الرحمن. فقد جعل الله للحياة الطيبة أسبابا من سلكها بلغ.. فمنها:

    أولا: الإيمان:
    فالإيمان بالله، والرضا بقضائه، والتسليم لأمره، هو الذي يجعل للوجود معنى وللحياة طعما وللإنسان قيمة، وبه يعرف الإنسان غاية وجوده وسر خلقه.
    فمن عرف حقيقة الكون والحياة والإنسان وحقيقة المنهج الذي أنزله الله، وحقيقة ما بعد الموت، وحقيقة الذي يسعده والذي لا يسعده؛ عندئذ يكون قد مشى في طريق الحياة الطيبة.

    فالإيمان هو أساس طيب النفس وطيب الحياة، وذلك ينبع من نفحات الإيمان بالله والرضا عن أقداره، والثقة به والتوكل عليه، يقول تعالى: {ومن يؤمن بالله يهد قلبه} يملؤه رضا وطمأنينة ورجاء وأملا، فيجد حلاوة ذلك في قلبه وتظهر آثاره في سلوكه.
    وفي الحديث: [عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله له خير، إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له].

    فالمحروم حقا من حرم من نعمة الإيمان بالله، فمن فقد الله فقد كل شيء جميل في الحياة، وكانت حياته كلها ضيق وقلق وملل وكدر، لأن الإنسان ليس جسدا فقط بل حسد وروح. فإذا فقد الإنسان الإيمان فقد إنسانيته ولم يعرف لوجوده معنى ولا لحياته طعما، وضاق صدره وزاد قلقه، مهما اتسع عيشه، ولو ملك من القصور ما ملك، ولو عانق من الثراء قمم الفلك.
    يقول الشاعر:
    إذا الإيمان ضاع فلا أمان .. .. ولا دنيا لمن لم يحيي دينا
    ومن رضي الحياة بغير دين .. .. فقد جعل الفناء لها قرينا
    ويقول الآخر:
    يا خــادم الجســم كم تشقى لخدمته .. .. أتطلب الربح مما فيه خسران
    أقبل على النفس فاستكمل فضائلها .. .. فأنت بالروح لا بالجسم إنسان

    ثانيا: العمل الصالح:
    العمل الصالح في سياق القرآن العظيم أعم وأشمل وأوسع من أداء العبادات، بل هو أسلوب حياة يشمل تفاصيل الحياة كلها.
    والعمل الصالح لم يشرع فقط اختبارا وابتلاء، أو لأجل الحصول على أجر، بل شرع لإسعاد الناس، وطمأنينة نفوسهم، وصلاح أحوالهم، وطيب حياتهم.

    ومن صور الحياة الطيبة والسعادة الغامرة تقديم الإحسان للناس، ويذكر أحد الأثرياء في مذكراته أنه ظن أن السعادة في اقتناء الأشياء الثمينة الغالية ولكنه وجد أنها لذة مؤقتة، ثم ظن أن السعادة في اقتناء المشاريع الكبيرة من شركات أو مؤسسات ولكنه أيضا حصل على ذلك، ووجدها فرحة عابرة، فأشار عليه أحد أصحابه أن يبحث عن السعادة الحقيقية في إسعاد الآخرين، وأشار عليه أن يشتري كراسي متحركة للأطفال أصحاب الاحتياجات الخاصة ويباشر هذا العمل بنفسه ويرى فرحة الأطفال.. وبالفعل حضر إليهم ورأى وجوههم تتهلل فرحا، ففرح بذلك جدا.. ثم حين هم بالانصراف إذا بطفل يمسك به ويحدق النظر في وجهه، فقال له: لم تفعل ذلك؟ فقال: أريد أن أعرف وجهك جيدا حتى أتمكن يوم القيامة إذا كنا في الجنة أن أقول لربي: إن هذا الرجل قدم لنا هذه الخدمة.. فتأثر الرجل جدا، وقال: تغيرت حياتي تماما بعد هذا الموقف.
    فالسعيد من أسعد الناس، والكريم من شمل الناس بكرمه، والطيب من لم ير الناس منه إلا طيب القصد والقول والعمل.

    فلنحيينه حياة طيبة:
    لقد فسر السلف والمفسرون الحياة الطيبة بتفسيرات متنوعة فقال بعضهم: القناعة: فمن قنعه الله بما قسم له لم يكثر للدنيا تعبه، ولم يعظم فيها نصبه، ولم يتكدر فيها عيشه.
    حتى من كان معسرا يطيب عيشه بالقناعة وبالرضا بالقسمة وتوقع الأجر، وعدم الاهتمام، فضلا عن النظر إلى ما عند الآخرين.
    وقال آخرون: الرضا عن أقدار الله.. فيطمئن قلبه وتسكن نفسه.
    وقال آخرون: حلاوة الطاعة.
    وقال آخرون: الرزق الحلال الطيب، وقال آخرون: نسيم القرب من الله.
    قال ابن القيم: الصواب أنها حياة القلب ونعيمه وبهجته وسروره بالإيمان ومعرفة الله ومحبته والإنابة إليه والتوكل عليه، فإنه لا حياة أطيب من حياة صاحبها، ولا نعيم فوق نعيمه إلا نعيم الجنة.

    كان بعض العارفين يقول: إنه لتمر بي أوقات أقول فيها: لو أن أهل الجنة في مثل هذا إنهم لفي عيش طيب.
    قال مالك بن دينار: مساكين أهل الدنيا!! خرجوا منها وما ذاقوا أطيب ما فيها؟ قيل وما أطيب ما فيها؟ قال: محبة الله، والأنس به، والشوق إلى لقائه، والتنعم بذكره وطاعته.
    قال ابن كثير: والحياة الطيبة تشمل وجوه الراحة من أي جهة كانت.

    فالحياة الطيبة تكون في الاتصال بالله والثقة به والاطمئنان إلى رعايته وستره ورضاه، وفيها الصحة والهدوء والرضا والبركة وسكن البيوت ومودات القلوب، وفيها الفرح بالعمل الصالح وآثاره في النفس وفي الحياة، وليس المال إلا عنصرا واحدا يكفي منه القليل حين يتصل القلب بما هو أعظم وأزكى وأبقى عند الله.

    على المسلم الذي يريد أن يحيا حياة طيبة أن يتعلق قلبه بالله وحده، وأن يتوكل على الله في كل شأنه، وأن يقنع بما قسم الله له، وأن يكون راضيا عن أقدار الله كلها. وأن يكون ذا نية طيبة يحب الخير ،للناس وأن يكون ذا قلب طيب متسامح، وأن يكون قوله طيبا، وعمله طيبا وماله طيبا لا يأكل إلا طيبا، وأن يختار عند زواجه المرأة الطيبة العفيفة لتكوين الأسرة الطيبة، وأن يكون طيب الأخلاق وألا يصحب إلا الطيبين.

    تكون الحياة أجمل وعيشها أطيب إذا كان ذكر الله تاجها، وكتابه لبها، وحبه ملاكها، وطاعته سماتها. فما طابت الدنيا إلا بذكره، ولا الآخرة إلا بعفوه، ولا الجنة إلا برؤيته.

    وهناك فرق بين الطيبة والضعف والسذاجة، فالطيبة صفاء في القلب، وأما الضعف فقصور في التفكير والتدبير.. ومن أقوال عمر المأثورة: "لست بالخب ولا الخب يخدعني". فكن طيبا وقويا كي لا يخدعك الخبثاء.

    الحياة الطيبة لا تعني حياة خالية من البلاء:
    الحياة الطيبة لا تعني حياة خالية من المشاكل والهموم والأحزان والابتلاءات، ولكن المؤمن الذي يعيش الحياة الطيبة يحسن استقبال هذه الابتلاءات والهموم والأحزان بنفس راضية مطمئنة، وهو يفهم أن الدنيا دار ابتلاء ونصب، فالأنبياء أشد الناس بلاء مع أنهم كانوا أسعد الناس، ولأن المؤمن جنته في صدره ولو كان مكبلا بالبلاء، فأعتى صور البلاء ليست حياة البائس الفقير المبتلى، إلا إذا كانت استجابته وفهمه للبلاء على نحو لا يجعله خيرا له، أما من استجاب للبلاء الاستجابة التي تجعله خيرا له فليس البؤس إلا في الصورة الظاهرة أما حقيقة أمره فهو أنه يحيى حياة طيبة بقدر جودة استجابته وجريانها على ما يحبه الله.

    جزاء الطيبين:
    من عاش طيبا توفاه الله طيبا وأدخله دار الطيبين.
    عند الاحتضار: {الذين تتوفاهم الملائكة طيبين يقولون سلام عليكم ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون}(سورة النحل)
    وتقول له الملائكة عند موته كما جاء في الحديث: [اخرجي أيتها النفس الطيبة كانت في الجسد الطيب. أخرجي حميدة وأبشري بروح وريحان ورب راض غير غضبان].
    وفي القبر يأتيه عمله الصالح في صورة رَجُل حَسَن الْوَجْهِ حَسَن الثِّيَابِ طَيِّب الرِّيحِ فَيَقُولُ: أَبْشِرْ بِالَّذِي يَسُرُّكَ هَذَا يَوْمُكَ الَّذِي كُنْتَ تُوعَدُ فَيَقُولُ لَهُ: مَنْ أَنْتَ فَوَجْهُكَ الْوَجْهُ يَجِيءُ بِالْخَيْرِ فَيَقُولُ: أَنَا عَمَلُكَ الصَّالِحُ
    وعند دخول الجنة تقول لهم الملائكة: {طبتم فادخلوها خالدين}(سورة الزمر).
    كن طيبا تطيب لك الحياة، ويسخر الله لك الطيبين من عباده، وتسكن في الآخرة دار الطيب والطيبين.
    اللهم ارزقنا طيب الحياة، وطيب الممات، وطيب الجزاء.. يا أكرم الأكرمين.
    إسلام ويب...
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

07-19-2020, 02:58 PM

سيف اليزل برعي البدوي
<aسيف اليزل برعي البدوي
تاريخ التسجيل: 04-30-2009
مجموع المشاركات: 18170

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: مقالات مفيدة تهم المجتمع و الأسرة و الشبا� (Re: سيف اليزل برعي البدوي)

    الكنز الذي ستندم عليه إن تجاهلته؟؟؟!!!

    الكنز الأول:اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات
    قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (من استغفر للمؤمنين والمؤمنات كتب الله له بكل مؤمن ومؤمنة حسنة(
    الراوي: عبادة بن الصامت - خلاصة الدرجة: حسن - المحدث: الألباني - المصدر: صحيح الجامع - الصفحة أو الرقم6026

    الكنز الثاني: سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم
    قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله و بحمده، سبحان الله العظيم)
    الراوي: أبو هريرة - خلاصة الدرجة: صحيح - المحدث: الألباني - المصدر: صحيح الجامع - الصفحة أو الرقم: 457

    الكنز الثالث :قراءة ما تيسر من القرآن
    قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (من قرأحرفا من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول {الم} حرف و لكن: الف حرف، و لام حرف، و ميم حرف)
    الراوي: عبدالله بن مسعود - خلاصة الدرجة: صحيح - المحدث: الألباني - المصدر: صحيح الجامع - الصفحة أو الرقم: 6469

    الكنز الرابع : قول الحمد لله
    قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (الطهور شطرالإيمان، والحمد لله تملأ الميزان، وسبحان الله والحمد لله تملآن ما بين السماء والأرض، والصلاة نور، والصدقة برهان، والصبر ضياء، والقرآن حجة لك أو عليك، كل الناس يغدو، فبائع نفسه،فمعتقها أو موبقها).
    الراوي: أبو مالك الأشعري - خلاصة الدرجة: صحيح - المحدث: الألباني - المصدر: صحيح الجامع - الصفحة أو الرقم: 3957

    الكنز الخامس:سبحان الله عدد ما خلق سبحان الله ملء..الحديث
    عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: رآني النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأنا أحرك شفتي فقال لي: (بأي شيء تحرك شفيتك ياأبا أمامة؟) فقلت أذكر الله يارسول الله، فقال: (ألا أخبرك بأفضل أو أكثر من ذكرك الليل مع النهار و النهار مع الليل؟ أن تقول: سبحان الله عدد ما خلق، سبحان الله ملأ ماخلق، سبحان الله عدد ما في الأرض و السماء، سبحان الله ملأ ما في السماء و الأرض، سبحا ن الله ملأ ما خلق، سبحان الله عدد ما أحصى كتابه، و سبحان الله ملأ كل شيء، و تقول: الحمد الله، مثل ذلك).
    الراوي: أبو أمامةالباهلي - خلاصة الدرجة: إسناده حسن رجالهثقات - المحدث: الألباني - المصدر: السلسلة الصحيحة - الصفحة أو الرقم: 2578

    الكنز السادس :لاحول ولا قوة الابالله
    عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (ألا أدلك على كلمة من كنوز الجنة قلت بلى يا رسول الله قال قل لا حول ولا قوة إلا بالله ).
    الراوي: أبو موسى - خلاصة الدرجة: صحيح - المحدث: الألباني - المصدر: صحيح ابن ماجه - الصفحة أو الرقم: 3097

    الكنز السابع : سبحان الله وبحمدة عدد خلقة ورضا نفسة وزنة عرشه ومداد كلماته
    عن جويرية رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم خرج من عندها بكرة حين صلى الصبح وهي في مسجدها ثم رجع بعد أن أضحى وهي جالسة فقال: (ما زلت على الحال التي فارقتك عليها؟) قالت نعم. قال صلى الله عليه وآله وسلم: (لقد قلت بعدك أربع كلمات، ثلاث مرات، لو وزنت بما قلت منذ اليوم لوزنتهن: سبحان الله و بحمده، عدد خلقه، ورضا نفسه،وزنة عرشه، و مداد كلماته).
    الراوي: جويرية بنتالحارث - خلاصة الدرجة: صحيح - المحدث: الألباني - المصدر: صحيحالجامع - الصفحة أو الرقم: 5139

    الكنز الثامن:سبحان الله وبحمدة 100 مرة
    قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (من قال سبحان الله وبحمده مائة مرة غفرت له ذنوبه ولو كانت مثل زبد البحر).
    الراوي: أبوهريرة - خلاصة الدرجة: صحيح - المحدث: الألباني - المصدر: صحيح ابنماجه - الصفحة أو الرقم: 3089

    الكنز التاسع:لا إله إلا الله وحده لا شريك له 10 مرة
    قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (من قال إذا أصبح: لا إله إلا الله وحده، لاشريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير؛ كان له عدل رقبة من ولد إسماعيل، وكتب له عشر حسنات، وحط عنه عشر سيئات، ورفع له عشر درجات، وكان في حرز من الشيطان حتى يمسي. وإن قالها إذا أمسى كان له مثل ذلك حتى يصبح).
    الراوي : أبو عياش الزرقي - خلاصة الدرجة: صحيح - المحدث: الألباني - المصدر: صحيح أبي داود - الصفحة أو الرقم: 5077

    الكنز العاشر:اللهم صلى على محمد وعلى آل محمد
    قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (من صلى علي واحدة ، صلى الله عليه بها عشر صلوات ، و حط عنه عشر خطيئات ، و رفع له عشر درجات ).
    .......
    قال احدهم :

    تتبعت التسبيح في القرآن فوجدت عجبا، وجدت أن
    التسبيح يرد القدر كما في قصة يونس عليه السلام قال تعالى " فلولا أنه كان من المسبحين للبث في بطنه إلى يوم يبعثون "

    وكان يقول في تسبيحه "لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين " .

    والتسبيح هو الذكر الذي كانت تردده الجبال والطير مع داود عليه السلام قال تعالى " وسخرنا مع داود الجبال يسبحن والطير " .

    التسبيح هو ذكر جميع المخلوقات قال تعالى " ألم تر أن الله يسبح له من في السماوات والأرض " .

    ولما خرج زكريا عليه السلام من محرابه أمر قومه بالتسبيح قال " فخرج على قومه من المحراب فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشيا " .

    ودعا موسى عليه السلام ربه بأن يجعل أخاه هارون وزيرا له يعينه على التسبيح والذكر قال " واجعل لي وزيرا من أهلي هارون أخي اشدد به أزري وأشركه في أمري كي نسبحك كثيرا ونذكرك كثيرا " .

    ووجدت أن التسبيح ذكر أهل الجنة قال تعالى " دعواهم فيها سبحانك اللهم وتحيتهم فيها سلام " .

    والتسبيح هو ذكر الملائكة قال تعالى " والملائكة يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون لمن في اﻷرض" .

    حقا التسبيح شأنه عظيم وأثره بالغ لدرجة أن الله غير به القدر كما حدث ليونس عليه السلام .

    اللهم اجعلنا ممن يسبحك كثيرا ويذكرك كثيرا.

    *فسبحان الله وبحمده عدد خلقه ورضا نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته.*
    هاتين الظاهرتين ( التسبيح والرضا النفسي )
    لم تكونا مرتبطتين في ذهني بصورة واضحة، ولكن مرّت بي آية من كتاب الله كأنها كشفت لي سرّ هذا المعنى، وكيف يكون التسبيح في سائر اليوم سببًا من أسباب الرضا النفسي ؛
    يقول الحق تبارك وتعالى: "وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمسِ وقبل غروبها ومن آنائ الليل فسبّح وأطراف النهار لعلّك ترضى"
    لاحظ كيف استوعب التسبيح سائر اليوم ..
    قبل الشروق وقبل الغروب وآناء الليل وأول النهار وآخره
    ماذا بقي من اليوم لم تشمله هذه الآية بالحثّ على التسبيح !
    والرضا في هذه الآية عام في الدنيا والآخرة .

    وقال في خاتمة سورة الحجر: "ولقد نعلم أنه يضيق صدرك بما يقولون * فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين"
    فانظر كيف أرشدت هذه الآية العظيمة إلى الدواء الذي يُستشفى به من ضيق الصدر والترياق الذي تستطبّ به النفوس .

    ومن أعجب المعلومات التي زودنا بها القرآن أننا نعيش في عالم يعجّ بالتسبيح :
    "ويسبح الرعد بحمده"
    "وسخرنا مع داود الجبال يسبحن والطير"
    "تسبح له السماوات والأرض ومن فيهن، وإن من شيءٍ إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم"

    سبحانك يارب ~
    ندرك الآن كم فاتتنا كثير من لحظات العمر عبثًا دون استثمارها بالتسبيح !

    ⬆⬆جعلنا الله وإياكم أحبتي من المسبحين الله كثيرآ .. آمين
    ......
    جماليات الدين.. التسبيح
    " سبحان الله " كلمةٌ صغيرة يقولها اللسان، لكنها كلمة إجلالٍ وتعظيمٍ، تبجيلٍ وتقديسٍ، ينطقها العبد تنزيهاً لله عزَّ وجلا حينما ينبهر بعظمته وملكوته، ويدرك هيبته المتجلّية في مخلوقاته وأفعاله، فيقف فاغراً فاه في آية من آيات الله الكونية.
    أن تسبح الله معناه أن تقر بربوبيته سبحانه، وتقرَّ بجوارحك وتفكيرك أنه عز وجلّ أعلى من أن يحيط به عقلٌ، أو يتصوره خيالٌ { ليس كمثله شيء وهو السميع البصير } ( الشورى : 11 )، ليس كمثله شيء، ولا يحيط به شيء، بل هو يحيط بكل شيء : { وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ورقةٍ إلا يعلمها ولا حبّة في ظلمات الأرض ولا رطبٍ ولا يابسٍ إلا في كتابٍ مبين } ( الأنعام : 59 ) .
    أن تقول سبحان الله معناه أن تستحضر صفات الجمال والجلال، في رحلةٍ كونية عظيمةٍ، تتأمل فيها وتبصر، تتدبّر وتعقِل، فتلك نملةٌ تسعى في الأرض وتكدح، وذلك طائرٌ يعانقُ السماء ويسترزق، تلك أمٌّ تحنو على صغارها وتُرضع، وذاك رجلٌ يسعى من أجل أسرته ويعمل، و كواكبٌ تدور في الفلك بإحكام ، وفي الأرض شجرةٌ تملأ الجائع بالثمار، ومياهٌ عذبةٌ تروي العطشان و بخريرها يقف كلُّ رسّامٍ مشدوه الإحساس بريشته يرسم الأنهار، وأعماقها عالمٌ والمالحة منها البحار ... كله من خلق الله، فتعجّب وقل : سبحان الله .
    اقرأ حروف الكون، وتناغم مع تلك العظمة، وقل فيه ما شئت، وانظم في جماله القصائد، واكتب في وصفه الصحائف، لكن لا تنسَ " سبحان الله ".
    فأممٌ في الأرض، وأممٌ في السماء، وأخرى في أعماق المحيطات، كلٌّ له حياته، ودوره، وكل الخليقة أممٌ : { وما من دابّة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم ما فرّطنا في الكتاب من شيء ثم إلى ربهم يحشرون } ( الأنعام : 38 ) .
    تلكَ الأمم والمخلوقات كلها تسبّح الله تعالى، طوعاً أو كرهاً، شاءت أم أبت، فذاك عظيم الكون وإلهه، الملك القائم بأمر الكون؛ فاقرأ إن شئت كتاب الذكر والتسبيح الأعظم حين يقول الله تعالى : { تسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم إنه كان حليما غفوراً } ( الإسراء 44 ) .
    ومن هنا كان التسبيح شعار السالكين، والأنبياء والأولياء الصالحين، بل هو دأب الملأ الأعلى : { وله ما في السماوات والأرض ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته ولا يستسحرون * يسبحون الليل والنهار لا يفترون} ( الأنبياء : 19-20 ).
    فتأمّل أيها القارئ كلمة " مَن عنده " وهم الملائكة في العوالم العليا؛ يقول الإمام الألوسي : " وهم الملائكة مطلقاً عليهم السلام على ما روي عن قتادة وغيره " -1-.
    فلا تحرم نفسك أيها السالك في مدارج الإيمان من فضله، وأنت ترى أنه مقرون مع الصلاة؛ وهي أفضل العبادات وأرقى القربات، " سبحان ربي العظيم " في الركوع، و " سبحان ربي الأعلى " في السجود، فتكونَ ورداً دائماً في الصلاة المفروضة والنافلة أيضاً، واستزد منها في الأذكار { وفي ذلك فليتنافس المتنافسون } ( المطففين : 26 ).
    فجمالية التسبيح فضلاً عمّا ذكرناه آنفاً، من تأملات في نفس الإنسان خاصّةً، ومخلوقات الله عامّة، وتدبير الله للكون وتصريفه له ولمآلات البشر وأقدراهم، تتجلى جماليته أيضاً في فضله العظيم، وأجره الكبير.
    فهذا الإمام البخاري يروي في صحيحه عن النبي – صلى الله عليه وسلم – يقول : (من قال سبحان الله وبحمده في يوم مائة مرة حطت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر ) رواه البخـاري.
    فالتسبيح لمائة مرة فقط يحطُّ عنك الخطايا وإن كانت مثل زبد البحر في كثرتها وتنوّعها، فأيُّ جمالٍ بعد هذا، وأيُّ شيءٍ يُقال ؟
    والعبد المخلص يدرك نعم الله عليه، ويستحضر عظمة الله في سرّه وعلانيته، والمحبُّ يفعل ما يُرضي حبيبه، ومن أرضى الله تعالى فقد فاز في دنياه وآخرته، فتأمّل معي وأبصر حين يروى عن أبي هريرة عن النبي -صلى الله عليه وسلم – قال :( كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان حبيبتان إلى الرحمن سبحان الله العظيم سبحان الله وبحمده).
    وأزيدك في فضل التسيح حتى تقف على جمالياته قول النبيّ – صلى الله عليه وسلم – أم هانيء بنت أبي طالبٍ – رضي الله عنها - : (سبٍّحي الله مائة تسبيحة ، فإنها تعدل لك مائة رقبة تعتقينها من ولد إسماعيل ) -2-
    مائة رقبة ؟ فتصوّر معي أيها القارئ الفطن، لو استمر الرقّ في عصرنا، فبكم سيكون تحرير رقبة أو شراء أمَةٍ أو عبدٍ ؟ لاشك أنه سيكون أغلى من شراء سيارة، ولكلّف آلاف الدراهم والدولارات، واضرب ذلك في مائة، واحسب الأجر لو استطعت، والله يضاعف لمن يشاء !
    " أخي يا رفيق الطريق، ليس كلّ من نطق بعبارة التسبيح قد سبّح الله، فسبّح الله؛ سبّح الله، سبّح الله ! تلك لمعةٌ من لمعات التسبيح، وومضةٌ من ومضاته، ومضةٌ أقلُّ من أثر البرق،ضرب هنا ثم انتهى قبل أن تدركه عين ! " -3-
    فاغتنم أيها السالك، واتعظ أيها المخالف، وتأمّل جمالية التسبيح، واسبح بعقلك وتفكيرك في عبره وعظاته وعالمه، تكن إن شاء الله من المبصرين.
    هوامش المقال
    -1- روح المعاني للألوسي، تفسير سورة الأنبياء .
    -2- أخرجه النسائي والطبراني وابن خزيمة، وصححه الألباني في الصحيح الجامع .
    -3- الشيخ فريد الأنصاري، ميثاق العهد في مسالك التعرّف إلى الله، ص : 45.
    أبو عبد الرحمن الإدريسي-إسلام ويب
    منقول....
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

07-20-2020, 05:18 PM

سيف اليزل برعي البدوي
<aسيف اليزل برعي البدوي
تاريخ التسجيل: 04-30-2009
مجموع المشاركات: 18170

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: مقالات مفيدة تهم المجتمع و الأسرة و الشبا� (Re: سيف اليزل برعي البدوي)

    من ذكريات الحج
    ألا ترون العروق الشعرية كيف تحمل الدم من أطراف الجسم ثم تصبه في الأوردة الكبار، حتى يدور دورته في القلب مجتمعاً، وفي الرئة منتشراً، فيصفو بعد العكر، وينقى من الوضر، ويعود في الشرايين دماً أحمر جديداً، بعد أن كان في الأوردة دماً أسود فاسداً؟ كذلك الحج.
    يأتي المسلمون من آفاق الأرض الأربعة، أفراداً ثم ينتظمون جماعات، ثم يدورون حول الكعبة قلب الأرض المسلمة، ثم ينتشرون في عرفات رئة الجسم الإسلامي فتصفي نفوسهم من أكدار الشهوات، وتنقى أوضار الذنوب، ويعودون إلى بلادهم أطهاراً، قد استبدلوا بتلك النفوس نفوساً جديدة كأنها ما عرفت الإثم، ولا قاربت المعاصي.
    لذلك كان الحج أكبر أُمْنِية يتمناها لنفسه المسلم، ويتمناها له إخوانه وأصدقاؤه، فهم إذا دعوا له دعوة صالحة دعوا له بالحج.

    وإذا كان أقصى ما يتمناه من يُقدِّر العالِم، أو يُكْبِر الكاتب، أو يهوى الحبيب، أن يزور البيت الذي ولد فيه، والعشَّ الذي خرج منه، والمواطن التي شهدت طفولته وصباه، وكهولته وموته، ويطأ الأرض التي وطئ. وينشق الهواء الذي نشق، فكيف لا يتمنى المسلم أن يزور موطن الروح، ومهوى القلب؛ الأرض التي انبلج منها فجر الإسلام، وأشرقت منها شمسه، وعاش في ربوعها أعظم العظماء، وسيد الأنبياء، حبيب قلب كلِّ مسلم، ومن هو أعزُّ عليه وأحبُّ إليه مِن أُمِّه وأبيه وولده وأهله، ويدخل من باب السلام، ويبصر البيت الحرام، ويطوف بالكعبة والحطيم، ويرى زمزم والمقام.

    هنالك الفرحة الكبرى، التي لا تعدلها أفراح الدنيا، وهنالك اللقاء لا لقاء الحبيب بعد طول الهجران، وهنالك الموكب النوراني الذي يمرُّ مِن حول الكعبة، موكب الطائفين، من كلِّ جنس ولون، من بِيض وسُمر، وسُود وشُقْر، وشيوخ وفتيان، ورجال ونسوان، من كلِّ قطر من أقطار الأرض، ينادون بكلِّ لسان، يدعون ربًّا واحدًا يسألونه، وهو الكريم لا يرد سائلًا، ولا يضجره سؤال.
    إنكم لتعجبون إن رأيتم موكبًا يمشي ساعات لا يقف ولا ينقطع، أو أبصرتم جيشاً يلبث أيامًا، وهو يمر لا يتريث ولا ينفد، فاعجبوا، واعجبوا أشد العجب من موكب بدأ يمشي من خمسة آلاف سنة، من يوم بنى إبراهيم هذه البنية، ولا يزال يمشي إلى اليوم يطوف بهذه الغرفة القائمة في وادٍ غير ذي زرع من بطن مكة.
    هذا الموكب الذي بدأ يمشي من خمسة آلاف سنة، ولا يزال يمشي إلى اليوم، وسيقف كلُّ جيش في الدنيا مهما بلغ من القوة والعديد، وكلُّ موكب بشري مهما حوى من الفخامة والعظم، ويظلُّ هذا الموكب يمشي، يمشي ما بقي الزمان ماشياً على طريق الأبد، يمشي في وقدة الشمس المتلظية في آب، ويمشي في قرة الشتاء في كانون، ويمشي في رأد الضحى، ويمشي في هدأة السحر، يمشي في الليل وفي النهار، يمشي في هناءة السلم، وفي غمرة الحرب، يمشي رغم النكبات والمصاعب والأهوال.

    لم توقفه سيره جيوش الصليبيين لما رمتنا بها أوربة، فجاءت كالسيل المنهمر، ولكنه سيل من نار مدمرة، وهلاك مبيد، ولا القرامطة لما ثاروا ثورة البركان يرمي بالحمم، وعاثوا في الأرض فسادًا وتدميرًا، وأدخلوا الموت إلى الحرم الآمن، ولطخوا بدم الطائفين أرض المطاف، ولا المغول لما هبوا كما تهب الريح الصرصر العاتية، تدمر كلَّ شيء، لا وليس في الوجود قوة بشرية تستطيع أن تقف موكب الخلود الذي يطوف أبداً حول الكعبة البيت الحرام.

    إنه ليس الخبر كالعيان، وأنا مهما أوتيت من البيان لا أستطيع أن أصف لكم ما يحسُّ به الحاج عندما يقف على باب الحرم، ويرى الكعبة لأول مرة، فقولوا: آمين! أسأل الله أن يكتب لمن يريد منكم ألا يموت حتى تكتحل عينه برؤية هذا المشهد، مشهد الكعبة، الكعبة التي تتوجهون إليها من الشام ومصر والمغرب والمشرق، وكلِّ بلد على ظهر الأرض تتخيلونها بقلوبكم من وراء الجبال والصحارى والآكام البعاد، وكلما اقتربتم منها مرحلة شعرتم بازدياد الشوق، وغلبة الجهد.
    تحسون كأنكم تدنون من الحبيب ودونه الحجب والأستار، فلا تزال ترفع لكم حجابًا بعد حجاب وسترًا بعد ستر، حتى تروا طلعة الحبيب، وأين طلعته من طلعة الكعبة، قبلة الإسلام، ومهوى القلوب.

    ها هي ذي الكعبة يا ناس، وهذا الحطيم وزمزم والمقام، لقد صحت الرؤى وتحققت الأحلام، وهؤلاء المسلمون صفوفًا حولها، وراءها صفوف، صفوف تمتدُّ إلى خارج الحرم إلى وراء الحجاز، إلى الدنيا كلِّها، فهذه مركز الدائرة وهذه سرة الأرض، وهنا يلتقي المكان كله، فالمشرق هنا والمغرب، والنائي من الأرض والداني، وهنا الشام ومصر والعراق والمغرب وفارس والمشرق والهند هنا، وجاوة والأرض المسلمة كلها، وقد جاء أبناؤها من كلِّ مكان، كما تصبُّ الجداول في النهر الأعظم تدور معه حتى تستقر معه في حضن البحر الرحيب، يطوفون بالكعبة ثم يمضون إلى حضن عرفات. فلا ترى إلا بحرًا يموج بالسفائن البيض، بالخيام التي تبسم طهرًا لعين الشمس.

    قلت لكم إنه ليس الوصف كالعيان، ولا يستطيع قلم ولا لسان أن يصف لكم هاتيك العواطف السماوية، التي تملأ قلب المسلم إنه يطوف بالكعبة، فيخرج من حاضره، وينسى دنياه، ويرى أمامه هذا الموكب الطويل يمتدُّ خلال الزمان، فيبصر الخلفاء تمشي معه، والصالحين والعباد والأئمة، ويرى أبا بكر وعمر وعثمان وعليًّا، ويبصر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو يمشي على أثره، يدور من حيث دار، ويضع شفتيه موضع شفتي محمد الحبيب على الحجر الأسود.
    صدقوني إن كلَّ لذات الدنيا، بطعامها وشرابها ولباسها ومتع شهواتها ومناعم أموالها، لا تبلغ ذرة من اللذة الروحية التي يشعر بها الحاج وهو يلثم الحجر الأسود، الذي لثمه محمد صلى الله عليه وسلم ، ومن قبله أبو الأنبياء إبراهيم، صلى الله عليهم جميعًا. فقولوا آمين، أسأل الله أن لا يحرمكم هذه النعمة.
    وعرفات، إنها لن ترى عين البشر مشهدًا آخر مثله، هيهات ما في الدنيا ثان لهذا المشهد العظيم، ولقد يجتمع في المعارض والألعاب الأولمبية واحتفالات التتويج في بلاد الغرب حشود من الناس وحشود، ولكن شتان ما بين الفريقين، أولئك جاؤوا للمتعة والفرجة والتجارة، وحملوا معهم دنياهم، وقصدوا بلدًا زاخرًا بأسباب اللذة والتسلية، وهؤلاء خلَّوْا دنياهم وراء ظهورهم، ونزعوها عن أجسادهم ومن قلوبهم ...

    مشهد لو كان يجوز أن يشهده غير مسلم لاقترحت أن تجعله هيئة الأمم المتحدة عيدها الأكبر، إذ هنا أُعلنت حقوق الإنسان، لا كما أُعلنت في الثورة الفرنسية، ولا كميثاق الأطلنطي الذي كُتب على الماء، أُعلنت قبل ذلك بأكثر من ألف سنة، وطبقت حقيقة، يوم قام سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع، فأعلن الحرية والمساواة وحرمة الدماء والمساكن ووصى بالنساء، وقرَّر لهن من ذلك اليوم الاستقلال الشخصي والمالي، مع أنَّ أكثر قوانين الأرض المدنية لا تقرُّ للمتزوجة في أموالها هذا الحق، وكان هذا المشهد في كلِّ سنة دليلًا قائمًا يملأ عيون البشر وأسماعهم على أن ما قرَّره محمد صلى الله عليه وسلم قد طُبِّق أكمل التطبيق.
    مشهد يهدم الفروق كلَّها، فروق الطبقات وفروق الألوان، وفروق الأجناس، الناس كلهم إخوة، لا ميزة لأحد على أحد إلا بالعمل الصالح، وإذا كان اللباس الرسمي في الحفلات والمواقف الرسمية ما تعرفون، فاللباس الرسمي هنا قطعتان من قماش فقط، لا خياطة ولا أناقة ولا زخرف، ولا يفترق في هذا المقام أكبر ملك عن أصغر شحاد؛ إنه مشهد عجيب، إنه أُعجوبة الأعاجيب.

    عشرات وعشرات من آلاف الخيام، تحتها أقوام من كلِّ بقعة في الأرض، لا يجمعهم لون ولا لسان ولا بلد، ولكنهم لا يقفون ساعة حتى يحسَّ كلٌّ أنه أخ للآخر، أعز عليه من أخيه لأمه وأبيه، إخوان وحَّدتهم العقيدة، ووحَّدتهم القبلة، وربما عادى الأخ أخاه حقيقة، إن لم يكن دينه من دينه، ومذهبه من مذهبه؛ لأن أُخوَّة الدين والمذهب أقوى من أُخوَّة النسب.
    إنهم يضجُّون بكلِّ لغة، يهتفون جميعًا: لبيك اللهم لبيك، لبيك إن الحمد لك والملك لا شريك لك، دعوتنا فجئنا من أقاصي الدنيا، لم تمنعنا الجبال ولا القفار ولا البحار، ولم يمسكنا حب الأهل والولد، دعوتنا إلى القرآن لا قراءة وترنيمًا وتغييبًا، بل عملًا وتطبيقًا، فقلنا: لبيك اللهم لبيك، دعوتنا إلى العزة والوحدة والصدق في القول والعمل، فقلنا: لبيك اللهم لبيك. دعوتنا إلى الجهاد؛ جهاد النفس وجهاد الكافرين، فقلنا: لبيك اللهم لبيك.
    لبيك اللهم لبيك، لبيك إن الحمد لك والملك لا شريك لك.

    إن الحج هو الدورة التدريبية الكبرى، التي تقوي الأجسام والأرواح، التي تربي الأجساد والقلوب، التي تعدُّ للحقِّ جيشًا جنده متمرسون بالشدائد، حمَّالون للمصاعب، سامون بأرواحهم إلى حيث لا تستطيع أن تبلغ مداه روح.
    إن الحجَّ عيش في تاريخ المجد، في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم ، في سماء الإيمان، إنه النهر الذي يغسل أوضار الناس، إنه الرئة التي تصفي الدم، وترده أحمر نظيفًا مملوءًا بالصحة والحياة.
    إنه المؤتمر الإسلامي الأكبر.
    أسأل الله أن يكتبه لمن لم ينعم به منكم، وأن يجعل لي ولمن حج معادًا إليه.
    الشيخ علي الطنطاوي (رحمه الله تعالى)
    ----------------------------------------
    الشباب والهُوية الإسلامية
    يعاني الانتماء العقدي والفكري لدى الشباب المسلم – بصورة عامة وفي المجتمعات الغربية بصورة خاصة – ضعفًا قد يصل في بعض الحالات إلى الذوبان في الثقافات الأخرى، بل والإحساس بالخجل والأسف من الانتماء للهوُية الإسلامية ومحاولة التنصل من كل ما هو إسلامي سواء على المستوى الفكري وعلى المستوى السلوكي؛ حتى يمكننا القول بأن الأزمة الحقيقة التي تعانيها الأمة الإسلامية اليوم: هي أزمة هُوية.
    فالهُوية هي حقيقة الشيء التي تُميزه عن غيره وتصبغه بصبغة ذاتية، تمده القوة والحيوية والقدرة على البقاء وهي بالنسبة لأمة ما مجموعة من: حقائق، وأفكار، وتاريخ، وثقافة، وحضارة وسلوكيات، وعادات وتقاليد، وآداب وأخلاق مشتركة لتلك الأمة، تختص بها وتميزها عن غيرها.

    أمّا الهُوية الإسلامية : فهي الانتماء إلى الدين الإسلامي الصحيح والذي هو من عند الله تعالى ، وفق ما صح عن رسول الله – محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم – إلى البشرية جميعًا وإلى عقيدة التوحيد، والتي هي أعظم فكرة حملها الإسلام للبشرية. وما يترتب على ذلك من اصطباغ الإنسان بصبغة الإسلام فكرًا وسلوكًا في كآفة جوانب الحياة، بداية من الإعتقاد وحتى الشكل الظاهر في الملبس والزي والهيئة، وذلك من خلال أطر عامة تحكم الحياة، مع ترك التفاصيل تُحدد وفقًا للواقع المتجدد المتغير، بما يحقق مصالح الإنسان وسعادته في الدنيا والآخرة.

    وربما يلتمسُ المرءُ العذرَ لشباب الأمة الإسلامية اليوم، فهم جيل صَكت مسامعه منذ نعومة أظافره عبارت التشوية والتشنيع بالإسلام، ومورست عليه مجموعة كبيرة من الضغوط النفسية والاجتماعية والاقتصادية والإعلامية، أضف إلى ذلك حالة الضعف والتخلف والترجع التي يعيشها المسلمون اليوم في كافة المجالات – والمغلوب كما يقول ابن خلدون : مولع أبدًا بالاقتداء بالغالب في شعاره وزيه ونحلته وسائر أحواله وعوائده – وفقد الصلة بالتراث الفكري الإسلامي وغياب القدوة، وغياب تعاليم الدين، والفراغ النفسي والمعنوي المسيطر على كثير من الشباب … كل ذلك وغيره أدى إلى ضعف هُوية الشباب؛ فأنتج هذا الواقع الأليم ثلاثة أصناف من الشباب:
    صنف تطرف في أفكاره فأفسد أكثر مما أصلح وقدم لخَصمه سهمًا مسمومًا ليطعن به الإسلام.
    وصنف مُسخت هُويته تمامًا فانسلخ من عقيدته ودينه ودفعه الانبهار بالغرب وحضارته، مع شعوره بالدونية والإنكسار، إلى التحرر من قيمه وأخلاقه ودينه، منتهجًا نهجًا إباحيًا مقيتًا.
    وصنف ثالث ظل مُتشبثًا بحبل النجاة الموصول بسفينة الإسلام الراسخة وقيمه السامقة وتعاليمه النافعة، ومنهجه القويم، يستمد أفكاره من دستور الإسلام الدائم القرآن والسنة، مُستصحبًا فهم الأوائل لتلك النصوص، مُسترشدًا بعلماء الأمة الكرام فهُدي إلى صراط مستقيم.

    ولعل أول وأنفع الوسائل لرد الشباب إلى هُويته الإسلامية أن يُدرك الشباب مدى أهمية ومكانة هذه الهُوية في الحفاظ على ذاته وشخصيته، وأن الهُوية الإسلامية هي أكمل وأفضل الأطروحات الموجودة؛ وذلك من خلال تصحيح المفاهيم الخاطئة التي ألصقها البعض بالإسلام – بقصد أو بدون قصد – فالإسلام دين العمل والنظام والرحمة، والمحبة ، والتعاون، واحترام الآخر، والتعايش معه، بل هو يكرم الإنسان دون النظر إلى لونه أو جنسه، فهو دين يضمن لمعتنقه السعادة في الدنيا والآخرة.
    كما يجب التفريق بين الفكر الإسلامي كفكر مجرد وبين المعتنقين له في أرض الواقع، فلا يُحكم علي الإسلام من خلال أفراده، بل يُحكم عليه من خلال محتواه الفكري المجرد بموضوعية مستقلة تمامًا عن معتنقيه، فالفكرة شيء وتطبيقها من قبل أفراد معينين شيء آخر، فمن الظلم للإسلام أن يُحكم عليه من خلال أفراد ربما لا يحسنون فهمه، أو لا يحسنون تطبيقه، فتجد الإسلام مثلًا يدعوهم إلى العمل والجد ويعتبر من يسعى لتحصيل الرزق كالمجاهد في سبيل الله ثم تراهم في ذيل الأمم حضارةً وتقدمًا.
    ثم يأتي دور المؤسسات الاجتماعية: الأسرة، المدرسة، المسجد، الجامعة، الإعلام، والتي يجب عليها ترسيخ الهُوية الإسلامية ، والإعتزاز بها وبلغتها العربية، من خلال بيان محاسنها وأهميتها وغرس مبادئها الاعتقادية والإيمانية والأخلاقية في نفوس الأطفال الصغار، ليشبوا متشبعين بأفكارها مستظلين بظلها.

    الحفاظ على الهُوية الذاتية للإنسان، يحمل في طياته رسالة سلام وأمان للآخر الذي يصبح لدية صورة واضحة لك، يمكنه أن يرسمها من خلال أفكارك وعقائدك؛ ومن ثم يصبح التعامل أكثر سهولة ونفعًا، بدلًا من الغموض الذي يؤدي حتمًا إلى اضطراب وتخوف وحذر في التعاملات، خاصة وأن الإسلام قد رسم صورةً جليةً للتعامل مع الآخر، باعتباره إنسانًا له كل ما للمسلم من حقوق، وقدم له كل الضمانات – من خلال نصوص قطعية الثبوت والدَلالة – التي تجعله يعيش في أمان وسلام حقيقي مع المسلمين.
    كما أنّ الحفاظ على الهُوية، لا يعني أبدًا الإنغلاق والعُزلة والتقوقع في داخل شرنقة الذاتية، بل على العكس تمامًا فصاحب الهُوية الواضحة يتعامل مع كل الأفكار وكل الأطياف دون خوف أو تردد؛ لأنه ببساطة واثق في هُويته مؤمن بعقيدته.
    د. محمد فاروق...
    --------------------------------------
    العلمانيون العرب.. والإسلام
    يحار عقل الإنسان ـ العاقل فعلا، والمنصف والحيادي ـ من الموقف المعلن من قبل العلمانيين العرب تجاه الإسلام والنبي العربي محمد (صلى الله عليه وسلم) الذي أرسله الله به.
    ذلك الإسلام العظيم الذي جاء به النبي العربي محمد والذي وضع أسس العدالة، وقواعد الإيمان، ومعاني الرحمة والإحسان، والمبادئ العامة التي تكرم الإنسان بصنفيه ذكره وأنثاه، وتقرر وحدة الأصل الإنساني في الخلقة، ومحاربة التمييز العنصري، ومواجهة كل أنواع التعصب واالتفرقة القائمة على اللون أو الجنس، وتواجه كل أنواع الظلم والقهر واستعباد الخلق والإساءة إليهم، بل وحتى الإساءة إلى الحيوان بل وحتى النبات.

    لماذا يتخذ أغلب العلمانيين العرب موقفاً معادياً للإسلام على وجه الخصوص، ولماذا يبذلون جهداً حثيثا في محاولة سلخ الأمة عن تاريخها الحضاري وثقافتها العربية الإسلامية، ولماذا يعيشون الانفصام الحاد بين الواقع التاريخي للأمة الممتد على مساحة أربعة عشر قرناً من الزمان، حيث تشكلت من خلاله هويتها الحضارية ومعالم ثقافتها المستقرة قائمة على أعراف مشتهرة وعادات وتقاليد وأفكار راسخة وأنظمة مستمدة من قاعدة الايمان والتوحيد.

    لماذا يتخذ العلمانيون الأجانب في العالم موقفاً أكثر انصافاً للنبي محمد صلى الله عليه وسلم، وبعضهم يعتبره بعد دراسة استقرائية مستفيضة أنه الشخص رقم (واحد) على مستوى عظماء البشرية، من خلال عدة معايير تم الاستناد اليها تتمثل بالأثر العظيم الذي أحدثه في مسار البشرية وفي مسار العقل الإنساني والعقل والوجدان الآدمي وفي منظومة القيم العظيمة التي أرساها وما أدت إليه من تقديم نموذج حضاري إنساني عالمي متميز.

    لماذا لا يشعر العلمانيون العرب بالانتماء لأمتهم ضميرها ووجدانها العميق وأعرافها وهويتها المستقرة، ولماذا يشعرون بالغربة والاغتراب عن مجتمعاتهم وعن الواقع العربي بكل تجلياته، ويكونون في الأغلب أكثر ميلاً لقيم أخرى وحضارة أخرى وشخصيات تاريخية تنتمي لبقاع مختلفة من العالم وأفكار أخرى بعيدة عن تراثهم وتاريخهم، ولماذا لا يسلكون مسلك الاصلاح الهادئ المتدرج لبعض الاخطاء ـ إن وجدت ـ أو بعض المظاهر السلبية دون مصادمة مع ضمير الأمة، ودون افتعال لإثارة النزاعات والنعرات والحروب الداخلية في مجتمعاتهم.

    أعتقد أن أغلب العلمانيين العرب ـ أو من يعلن الانتساب إلى العلمانية منهم ـ لا يتقن فهم جوهر العلمانية الحقيقي القائم على الحياد؛ بمعنى تحييد الدين عن السلطة والحكم، (ولا شك أننا نخالف ذلك ولا نقبله)، ولكن ما نشاهده ليس حياداً بل انحيازا واضحا إلى درجة التطرف في مواجهة الإسلام دينا وقيماً وأعرافاً وعقائد وأنظمة، ولا يصح الادعاء أنهم ضد حركات الإسلام السياسي فقط، بل إنهم يتخذون من ذلك غطاء وستارا لمواجهة الإسلام نفسه، فنجد على سبيل المثال شخصية معروفة تعلن عبر مقالاتها الصحفية (أنها لا تحترم كل محجبة)!! فما علاقة ذلك بالإسلام السياسي؟

    ولذلك لا تجد انتماءً منهم لهذا الدين، ولا للنبي محمد الذي بنى هذه الأمة، وجمع شمل العرب، وجعل لهم رسالة ومنظومة قيم وحضارة سامقة، ولا لشخصيات الأمة وعظمائها مثل أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وأبي عبيدة وعمر بن عبد العزيز وهارون الرشيد والمأمون والغزالي وابن رشد وابن الهيثم والخوارزمي، وسلسلة طويلة من عظماء الاسلام؛ من الذين ملؤوا التاريخ فكراً وعلماً وانجازاً.

    إسبانيا تقيم التماثيل والنصب لابن رشد وابن العربي والباجي وابن حزم في قرطبة بصفتهم شخصيات أندلسية، والعلمانيون العرب يحاولون طمس أي معلم إسلامي وأي قيمة إسلامية معتبرة.

    كنت أنتظر أن يفتخروا بالنبي العربي العظيم، ولو من باب الانتصار للعروبة والقومية على طريقتهم، أو من خلال إبراز المبادئ العظيمة التي يجمع عليها العقل العالمي وتتلاءم مع الفطرة الإنسانية السليمة، بعيداً عن أفكار ما يطلق عليه الإسلام السياسي؛ لأن مواجهة ما يسمى الإسلام السياسي (لو سلمنا لهم) لا يعني بحال الوقوف في مواجهة الإسلام ومنظومته القيمية، ولا يعني الانسلاخ من تاريخ هذه الأمة وتراثها وحضارتها وعدم الانتماء لعظمائها وشخصياتها الفذة ومحاولة الاحتفاء بأعداء الإسلام والخارجين عليه.
    -----------------------------------------------------
    من أخلاقنا
    أعرف رجلاً أنعم الله عليه بسعة المال، وفطره على صدق الود، وبسط اليد؛ فأباح إخوانه ماله، يغترقون منه اغترافاً، ويأخذون منه علاًّ ونهلاً، قرضاً حسناً لا يطالبون برده، وهدية لا يسألون المقابلة بمثلها، وهبة لا يُرتَقَبُ منهم عوضٌ عنها، ولا يسمعون كلمة منّ أو تذكير بها.
    وفَتَحَ لهؤلاء الإخوان ـــ وما كان أكثرهم ــ داره، وأفرد لهم جناحاً فيها لا يدخله أحد من حرمه وأهله، وأقام عليهم خادماً وطاهياً، وانقطع فيه لاستقبالهم قادمين بالبشاشة والترحيب، وإيناسهم مقيمين وخدمتهم، وتوديعهم راحلين مشيِّعاً إياهم بالكرامة، شاكرهم على تفضلهم بالزيارة، سائلهم التكرم بالعودة.
    ولبث هذا الرجل على ذلك حتى أضاع ماله كله، فباع الدار وأثاثها، وغدا فقيراً يحتاج إلى الورقة السورية، فلا يجد في كل أولئك الإخوان من يدفعها إليه، لا وفاء دين، ولا مقابل هدية، ولا عوضاً من هبة، ولا قرضاً حسناً إلى أيام السعة، اللهم إلا قرضاً برباً، ولا يرضى المرابون أن يقرضوا مفلساً.
    ولعل الرجل أخطأ حين عمد إلى هذا الكرم الجاهلي فأخذ به، وترك التأدب بأدب القرآن الذي يقول: [وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً]؛ والذي جعل المبذرين إخوان الشياطين.

    مراجعة طائفة من أخلاقنا:
    ولعله لقي جزاءه؛ فما سقت القصة للحكم عليه، وإنما قصصتها لأنها ذكرتني بطائفة من أخلاقنا، هي كالداء في جسم الأمة، لا يجمل بالكتَّاب وحملة الأقلام السكوت عنها والرضا بها، وهم أطباؤها وأساتها، وعندهم دواؤها.
    ذكرتني بما نكاد نراه كل يوم من الحوادث وما يكاد يعرف له كل قارئ شبيهاً ومثيلاً، حين يأتيك الرجل من أصدقائك أو جيرانك متذللاً متواضعاً، مظهراً للتقى والأمانة، يسألك أن تقرضه مالاً قد تكون أنت في حاجة إليه في يومك أو غدك، ويذكرك الكرم والثواب؛ وربما استعان عليك بمن لا يُرَدُّ طلبُه عندك، فتعطيه ما يريد، تضعه في كفه خالياً به، تستحيي أن تشهد عليه شاهداً، أو تأخذ به كتاباً، مع أن الله أمر بكتابة الدين إلى الأجل المسمى أمر ندبٍ واستحبابٍ، لا أمر إيجاب وافتراض؛ فيأخذه منك ويذهب شاكراً فضلك، مثنياً عليك ثناءً يخجلك ويضايقك، ثم لا تراه بعد ذلك، ولا تبصر له وجهاً، فتفتش عنه؛ لتسأله رد المال وقد انقضت مدة الدَّين، وتجددت حاجتك إليه، فيروغ منك، وينأى عنك، فتطرق بابه، فيقال لك: هو غائب عن الدار، فتعود إليه في الصباح فيقال: هو نائم، فترجع بعد ساعة فيقال: خرج، فتبتغي إليه الوسائل وتتشفع إليه بالأصدقاء، فيلقاك شامخ الأنف مصعّراً خده، يقول: يا أخي، أزعجتنا بهذا الدين، ما هذا الإلحاح الغريب؟ أتخاف أن آكله…؟!
    وينتهرك وأنت تداريه، ثم إن كان رجلاً طيباً دفع إليك الدين، ولكن قرشاً بعد قرش، وورقة بعد ورقة، فتريق في استيفاء دينك ماء وجهك، وتنفق فيه الثمين من وقتك، ثم لا تنتفع منه بشيء.
    وإن لم يكن صاحب ذمة أكل الدين كله، وصرخ فيك حيثما لقيك: ما لك عندي شيء. اشتك للمحاكم!، وهو يعلم أنه لا سند في يدك، ولا بينة لك عليه.
    وهبك أخذت منه كتاباً بدينك، أفتصبر على طول المحاكمة، ومتابعتها، وتأجيلها، وتسويفها، ورسومها، ومصارفها؟ إن ضياع المال أهون من إقامة الدعوى به.

    مستعيرو الكتب
    ومثل هؤلاء المقترضين الأفاضل مستعيرو الكتب، أولئك الذين تركوا في قلبي غصصاً حلفت بعدها بموثقات الأيمان أني لا أعير أحداً كتاباً، ولم أنج مع ذلك منهم، ولم يردّ لي إلى الآن كتاب كشف الظنون الذي نسيت من استعاره مني منذ إحدى عشرة سنة…
    ولهؤلاء المستعيرين نوادر شهدت منها العجب، منها أن أستاذاً محترماً في قومه جاءني مرة يلتمس إعارته جزءاً من تفسير الخازن من خزانة كتبي؛ ليراجع فيه مسألة، ويرده إليَّ عاجلاً، ففعلت؛ وانتظرت أربع… أربع سنوات والله ثم ذكرته به؛ فغضب وقال: ليش العجلة يا أستاذ؟ لم أراجع المسألة بعد…!
    والذي يذكر منهم صاحب الكتاب، ويتنازل، فيرده إليه، يرده مخلوع الجلد ممزق الأوصال. وأنكى منه المستعير المحقق المدقق الذي يرى في الكتاب موطناً يحتاج إلى تعليق، فيكتب التعليقة التي يفتح الله بها عليه، على هامش كتابك بالحبر الصيني الذي لا يمحى ولا يكشط، ويذيّلها باسمه الكريم!!
    وشر من هؤلاء جميعاً الثقيل الذي يتظرف، ويتخفف، فيرى أن من الظرف سرقةَ الكتب، فإذا زارك وتركته في المكتبة وخرجت؛ لتأتيه بالقهوة والشاي أخذ كتاباً فدسَّه تحت إبطه، أو وضعه في جيبه ثم ذهب به وأنت لا تدري.

    علامات التقوى
    وربما كان هذا المدين المماطل، وذلك الذي يأكل الدين وينكره، والذي يستعير الكتاب ويمسكه، ربما كانوا عند العامة من أقطاب الوقت، وأولياء الله الكبار؛ ذلك لأن الناس جهلوا حقيقة التقى، وبدلوا معناه؛ فكان التقي في صدر الإسلام هو الذي يتقي المحارم والمظالم ما ظهر منها وما بطن، ولا يدخل جوفه ولا جيبه إلا طيباً حلالاً، ويفر من مواطن الشبهات، ولا يطلب المال إلا لإمساك الرمق ونيل القوام، والعيش عيش القناعة والرضا، ولا يأخذه إلا من حلّه.

    ولم يكن الرجل؛ ليشهد للرجل بالتقوى إلا إن صحبه في سفر، أو عامله في مال؛ فصار التقي اليوم من يكبِّر عمامته، ويطوّل لحيته، ويوسع كمه، ولا تفارق يده سبحته، ولا يقف لسانه عن ذكر؛ ومن يتوقر ويطيل المكث في المساجد.
    وهذا كله حسن لا اعتراض عليه، غير أن حُسْنَهُ ينقلب قبحاً أبشع القبح إذا اتخذه صاحبه أحبولة يصطاد بها الدنيا.
    كذلك الذي كان وصيَّاً على أيتام ضعاف لا يملكون حيلة، اغتر أبوهم بلحيته وسبحته فوصى بهم إليه، فجرعهم كؤوس المذلَّة والجُوع، ونشَّأهم في الأزقة نشأة اللصوص، وأكل أموالهم وهو يقرأ كل يوم بصوته الجميل:[إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً] .
    وهو مع ذلك لا ينقطع عن الأذكار وحلقاتها، ويجهر بالبكاء إذا سمع الموعظة، وينكر أشد الإنكار على من يهمل السنن؛ فيشرب بشماله، أو يحلق لحيته، والناس يتبركون بلثم يده؛ فكيف السبيل إلى إفهام هؤلاء الناس ما هي حقيقة التقى كيلا يعظموا اللص، ويجعلوه وليَّاً مباركاً، ولا يغتروا بالصلاح المجاني الذي لا يكلف صاحبه مالاً، بل يجمع به المال، ويعلموا أن الله الذي وضع في نفوس الشباب شهوة الجسد وضع في نفوس هؤلاء المشايخ ـــ لست أعني المشايخ كلهم ــ شهوة المال، وأنه لا فضل لأحدهما على صاحبه؛ وأن الشيخ التقي هو الذي لا يقيم للمال وزناً، ويغض البصر عن النساء ويتبع سبيل العفاف؛ وأن الشاب الصالح هو الذي لا تغلبه على نفسه تلك الشهوة …

    انحدار الأخلاق
    لقد انحدرت أخلاقنا حتى صار الشاب منا حين يخوض خِضَمَّ الحياة، ويرى الاختلاف بين ما علموه من الأخلاق في المدرسة، وما تواضع عليه الناس في الحياة يقف حائراً مدهوشاً لا يدري ما يأخذ وما يدع.
    حدثني صديق لي أنه انتسب في شبابه إلى الشرطة، فجعلوه رئيس مصلحة السير في بلدة من بلاد الشام، وكان ذلك منذ خمس وعشرين سنة أو أوفى من ذلك، وكان مقره في مخفر في ظاهر البلد، فمر عليه رَتْلٌ من السيارات فيه حجاج آيبون، وكان نظام تلك الأيام أن سيارة لا تجتاز على مخفره إلا بوثيقة وإذن، لا أدري ما صفتهما فقد نسيت دقائق حديثه، ولم يكن معهم ذلك الإذن فوقفهم، ومنعهم من المرور إلا به، قال: فغاب السائق هنيهة ثم عاد وفي يده صرة وضعها على مكتبي فيها أربعون ريالاً مجيديَّاً، وقال: هؤلاء حجاج آيبون يريدون التعجيل بالوصول، وهذه الصرة ثمن فنجان قهوة رجاء السماح لهم… إلخ.

    قال: فلما سمعت ذلك قفَّ شعري وصحت به: أتريد أن ترشوني يا كذا وكذا، وأمرت به فوقف، واستلمت الهاتف (التلفون) أهتف بمدير الشرطة أرفع إليه الأمر، وأنا أرى أنه سينزل به أشد الجزاء، فإذا به يأمر بإطلاقه، ويأذن للسيارات بأن تسافر على خلاف النظام، وأن يبعث إليه بالمال، ليجري التحقيق.
    قال صديقي: وذهب المال ولم يعد، وتركت العمل، ولو أني بقيت لطرحت عن عاتقي ثقل الأخلاق التي تجعلني غريباً بين زملائي، وتحرمني الغنى، وتكسبني غضب الرؤساء، فلا يصيبني ترفيع، ولا يصل إليَّ خير.

    قصة كل يوم
    وليست هذه القصة فريدة في بابها، ولا هي نادرة من النوادر، بل هي قصة كل يوم، وهي الداء الذي يزداد ويسيطر، والأساة عنه غافلون.
    وأين أساته وأهل الرأي وقادة المجتمع مشغولون بالقتال على المناصب والكراسي، هي الدنيا لهم وهي الأخرى، وأهل الأدب بين نائم يستمتع بشهيِّ الأحلام، ومستيقظ قد ألهاه هواه، فهو يملأ الدنيا بكاءاً ونحيباً؛ لأن صاحبته أسهرته بعدِّ النجوم ولم تأته، أو أنها قد وعدته وأخلفت ، وأهل العلم يعيش أكثرهم على هامش الحياة.
    ومن اشتغل منهم بالمسائل العامة أخذ نفسه بالاهتمام بأمر لا يقدم في الدين ولا يؤخر، ولا يتوقف عليه إيمان ولا كفر.

    والشباب الناشئون؛ لجهلهم حقائق الإسلام، وبُعْدِ ما بينهم وبين المشايخ، وقَصَرِ أيديهم وأفهامهم عن نيل الكتب ذات الشروح والحواشي قد زهدوا في كل ما هو شرقي واستهانوا به، وعظموا ما يقابله من كل حماقة دعيت مذهباً اجتماعيَّاً، وكل سفسطة سميت فلسفة، وكل كفر بالدين والعرض دعي أدباً،وأعانهم على ذلك أن أكثر المدرسين من الذين لم يقدر لهم فهم علوم الإسلام والغوص على كنوز كتبه.

    الكثرة وليس التعميم
    ولست أطلق القول وأجنح إلى التعميم؛ فإن في كل فئة من هؤلاء ـــ الطيبين والمصلحين ـــ ولكن الكثرة على نحو ما ذكرت؛ فمن أين يرجى إصلاح أخلاقنا وأوضاعنا؟ ومن أين يرجى لأخلاقنا صلاح؟ ولم نتفق بعد على الأخلاق التي ينبغي أن نتخلق بها؛ فمنا من يرى المثل الأعلى في أخلاق الجاهلية: كرم إلى حدّ التبذير، وشجاعة إلى حدّ التهوُّر، كصاحبنا الذي استهللت بحديثه هذا المقال، ومنا من يميل إلى التخلق بأخلاق أجدادنا في القرن الماضي على ما كانت عليه بلا زيادة عليها ولا نقصان منها، ومن يخالفهم مخالفة الضدّ للضدّ فيرى أن نقتبس الأخلاق الغربية برمتها.

    ويتشعب بهؤلاء الرأي فيميل كل إلى الأمة التي تعلم في مدارسها، أو رحل إلى أرضها، ومن يرى اقتباس الجيد النافع من كل أمة من غير أن يحدد أو يعين.
    ولا دواء لهذه الفوضى في رأيي، ولا صلاح لأخلاقنا، إلا بالرجوع إلى الإسلام الصحيح الذي جاء به سيدنا وسيد العالم محمد صلى الله عليه وسلم ؛ لا الإسلام الذي يفهمه المتاجرون بالدين، ولا الذي تفهمه العامة؛ فإذا فعلنا فثمة كلُّ خيرٍ، ولا يكون ذلك إلا إذا شمر العلماء وحققوا المسائل، ودرسوا المشكلات، وألقوا عن المصنفين الأولين رداء التقديس، واستمدوا الأحكام من موردها، ثم ترجموا هذه الكتب القديمة إلى لغة العصر.
    _____________
    بــــ" تصرف في المقال"-الشيخ علي الطنطاوي
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

07-21-2020, 03:01 PM

سيف اليزل برعي البدوي
<aسيف اليزل برعي البدوي
تاريخ التسجيل: 04-30-2009
مجموع المشاركات: 18170

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: مقالات مفيدة تهم المجتمع و الأسرة و الشبا� (Re: سيف اليزل برعي البدوي)

    خذوا الكتاب بقوة
    كثيرا ما نسمع بعض الناس يتأفف من تكاليف الدين ويصيح: الدين ثقيل.. الدين صعب.. تزمت .. تشدد.
    وعلى الوجه الآخر تسمع أناسا يقولون: الدين يسر.. الدين سهل.. الدين سماحة.
    وكثيرا ما يكون مراد هؤلاء وهؤلاء التفلت من تكاليف الدين وأوامره.. الأول يبرر لنفسه تفلتها بزعم صعوبة الدين.. والآخر يبرر لنفسه تهاونه وعدم اهتمامه بحجة يسر الدين وسماحته.

    والحق أن دين الإسلام دين الجد والنشاط والقوة، وهو أيضا دين اليسر والسماحة:
    هو دين الجد والقوة.. فلا مكان فيه للعبث والكسل والهزل، فكل ما فيه يدعو أصحابه لأن يكونوا أرباب جد لا هزل كما قال تعالى: {إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ * وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ} [الطارق:13-14].
    وهو دين اليسر والسماحة فقد أتى بالحنيفية السمحة، وأراد بأتباعه اليسر لا العسر ـ ولكن في حدود أوامره وشعائره وشرائعه ـ {يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر}.
    فهو جامع بين الجد والقوة، لكنه جد بلا تشدد ولا تنطع ولا تهوك.. وبين اليسر والسماحة، ولكنه يسر بلا تهاوي ولا تخاذل ولا تفلت.

    خُذِوا الْكِتَابَ بقوة
    وفي كتاب الله مواطن كثيرة يأمر الله فيها عباده بأن يكونوا جادين ويأخذوا كتاب الله وأوامره على محمل الجد وأن يأخذوها بقوة.. كما قال تعالى: {يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بقوة}(مريم:12).. ويحيى هو يحيى بن زكريا عليهما السلام، والكتاب هو التوراة كما جاء في كل كتب التفسير.

    قال ابن كثير: "علمه (الله) الكتاب وهو التوراة التي كانوا يتدارسونها بينهم، وقد كان سنه إذ ذاك صغيراً، فلهذا نوه بذكره وبما أنعم به عليه وعلى والديه، فقال: {يا يحيى خذ الكتاب بقوة} أي تعلم الكتاب بقوة أي بجد وحرص واجتهاد.

    وقد كان يحيى منذ صباه وصغره مقبلا على العبادة مجتهدا في العلم والعمل، قال عبد اللّه بن المبارك: "قال الصبيان ليحيى بن زكريا: اذهب بنا نلعب، فقال: ما لّلعب خلقنا".. ولهذا قال الله في حقه: {وآتيناه الحكم صبيا}.. أي الفهم والعلم والجد والعزم ، والإقبال على الخير والإكباب عليه والاجتهاد فيه، وهو صغير حدث.
    وقال الإمام القرطبي في تفسيره:{الكتاب} التوراة بلا خلاف. (بقوة) أي بجد واجتهاد؛ قاله مجاهد. وقيل العلم به، والحفظ له والعمل به، وهو الالتزام لأوامره، والكف عن نواهيه؛ قاله زيد بن أسلم".

    فخذها بقوة:
    وموسى عليه السلام أخبر الله سبحانه وتعالى أنه كتب له في الألواح (التوراة أو غيرها) من كل شيء موعظة وتفصيلاً لكل شيء، {وَكَتَبْنَا لَهُ فِي ٱلأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَوعِظَة وتَفصِيلاً لكلّ شَيْءٍ}(الأعراف:145) كتب فيها مواعظ وأحكاماً مفصلة، مبينة للحلال والحرام، (كما يقول ابن كثير).

    وقال الطبري رحمه الله: "كَتَبْنَا لِمُوسَى فِي أَلْوَاحه مِنْ التَّذْكِير وَالتَّنْبِيه عَلَى عَظَمَة اللَّه وَعَزَّ سُلْطَانه، وَمِنْ أَمْر بِالْعَمَلِ بِمَا كَتَبَ فِي الْأَلْوَاح، وَتَبْيِينًا لِكُلِّ شَيْء مِنْ أَمْر اللَّه وَنَهْيه".
    وقال الشيخ الشعراوي عليه رحمة الله: قوله سبحانه {وَكَتَبْنَا لَهُ فِي ٱلأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ} يعني: من كل شيء تتطلبه خلافة الإِنسان في الأرض في هذا الوقت.

    والمقصد أن الله كتب له في التوراة والألواح وبين له منهجه وشرعه، وأوامره ونواهيه، ومراده من خلقه.. ثم بعد ذلك أمره بأن يأخذ كل ذلك بالجد والعزم والقوة. فقال سبحانه: {فخذها بقوة} أي بعزم على الطاعة... قال ابن عباس: أمر موسى عليه السلام أن يأخذ بأشد ما أمر قومه. وهذا تماما كقوله سبحانه ليحيى عليه السلام {خذ الكتاب بقوة}.

    خُذُوا مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ
    وقد أمر الله أهل الإيمان على مدار الأزمان بأن يأخذوا ما آتاهم الله بقوة، وأن يعملوا به بجد واجتهاد؛ كما قال لبني إسرائيل {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تتَّقُونَ}(البقرة:63)
    قال قتادة والسدي: (بقوة)، يعني: بجد واجتهاد.
    قال ابن جرير رحمه الله: "خذوا ما افترضناه عليكم في كتابنا من الفرائض، فاقبلوه، واعملوا باجتهاد منكم في أدائه، من غير تقصير ولا توان. وذلك هو معنى أخذهم إياه بقوة، بجد".
    وقال الشعراوي رحمه الله: {خُذُواْ مَآ ءَاتَيْنَٰكُم بِقُوَّةٍ} أي لا تأخذوا التكليف بتخاذل.. والإنسان عادة يأخذ بقوة ما هو نافع له.. ولذلك فطبيعة مناهج الله أن تؤخذ بقوة وبيقين.. لتعطي خيرا كثيرا بقوة وبيقين..

    لكن لماذا يأمر الله بأخذ الكتاب بقوة؟
    إن مناهج الله تعالى تأتي دائما بما يخالف عوائد الناس وإلفهم وما نشؤوا عليه من عقائد باطلة وأخلاق فاسدة، كما أنها تخالف أهواء الناس ومستحبات نفوسهم وميلهم إلى إشباع رغباتهم والتوسع في شهواتهم.. ولهذا حين يؤمر الإنسان أمراً قد يكون الأمر مخالفاً لرتابة ما ألف، وحين يُنهي نهيا قد يكون مخالفاً لرتابة ما ألف. ومخالفا لما اعتاد عليه فعند ذلك يحتاج إلى قوة نفس تتغلب على الشهوة الرتيبة التي تخلقها العادة.
    وقد يكون الأمر والنهي مخالفا أيضا لهوى النفوس ومحبوباتها كما هو في غالب تكاليف الشرائع والمناهج الربانية كالجهاد بالنفس وتعريضها للموت، والأمر بالزكاة والصدقة والنفقة في سبيل الله وهو خروج من المال للغير، وهو من أشد محبوبات النفس، وكذلك الصيام وما فيه من مشقة، والصلوات ومعاناة الوضوء بالماء البارد في اليوم الشديد القر، أو الاستيقاظ للصلوات في هجعة الليل كصلاة الفجر.. وكذلك مغالبة الشهوة ومقارعة النفس في تناول ما قد تحبه من الحرام ..
    كل ذلك يحتاج لا شك إلى قوة وعزيمة وجد في مواجهة المألوفات والعادات والأهواء.. ولذلك كان الأمر بأخذ الكتاب بقوة.

    إن أتباع الرسالات وأهل الدين وكل من يريد أن يقبل على منهج الله، عليهم أن يعرفوا أن المنهج سوف يخرجهم مما ألفوا، ومن كثير مما يهوون ويحبون، ولابد أن يقبلوا على المنهج بقوة وعزم ليستطيعوا أن يتغلبوا على العادة والهوى. لا فرق في ذلك بين التوراة التي أمر موسى ويحيى وأتباعهما من بني إسرائيل بأن يأخذوها بقوة، وبين القرآن الذي أنزله الله على محمد صلى الله عليه وسلم، فكلاهما منهج الله وشرعه ودينه وأمره.. فنحن المسلمين مأمورون أيضا بأن نأخذ القرآن بقوة يعني بجد وحزم وعزم، وأن نأخذ تكاليفه بصرامة وعدم تخاذل، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً) (البقرة: 208)، ( وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ) (الأحزاب: 36).


    إنما الجد العمل
    إن أخذ الكتاب بقوة معناه الجد في التطبيق، والاستجابة للأمر والنهي بالطاعة فعلا وتركا.. ولا مجال هنا للوقوف عند تشقيق الكلام وكثرة القيل والقال، واستنزاف الأوقات، وإهدار الطاقات على حساب الفعل والتطبيق الحقيقي.

    أخذ الكتاب بقوة معناه الانطلاق في العمل والتقليل من الكلام، فإن من الخذلان أن يفتح للإنسان باب القول ويسد عليه باب العمل، "دخَلَ الحسَنُ البَصريُّ رحمَه اللهُ المسجِدَ، فقعَدَ إلى جَنبِ حَلْقةٍ يَتكلَّمونَ، فأنصَتَ لحديثِهم، ثم قال: هؤلاء قومٌ ملُّوا العِبادةَ، ووجَدوا الكلامَ أهونَ عليهم، وقلَّ وَرَعُهم فتَكلَّموا». وقال الأوزاعيُّ رحمَه اللهُ: "إنَّ المؤمِنَ يقولُ قليلًا، ويَعمَلُ كثيرًا، وإنَّ المنافِقَ يقولُ كثيرًا، ويَعمَلُ قليلًا». قال معروفٌ: "إذا أرادَ اللهُ بعبدِه شرًّا أغلَقَ عنه بابَ العَملِ، وفتَحَ عليه بابَ الجدَلِ".

    إن أخذ الكتاب بقوة هو إيمان بالله وبرسوله وبكتابه، ووتعلق بالدارِ الآخِرةِ يوجِبُ العَملَ والبِدارَ، والِجدَّ والاجتهادَ، كما في الحديثِ: «مَن خافَ أدْلَجَ، ومَن أدْلَجَ بلَغَ المنزِلَ، ألَا إنَّ سِلعةَ اللهِ غاليةٌ، ألَا إنَّ سِلعةَ اللهِ الجَنَّةُ».

    إن أخذ الكتاب بقوة هو انقياد صادق، وإخلاص جازم، واعتقاد راسخ، وعلم يتبعه عمل متوازن، وفق ما شاء الله وأراد وشرع، وكل ذلك في رحاب استسلام عام ورضا تام لحكم الله وحكم رسوله: ( فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ) [النساء: 65].

    إن القوة كل القوة في أخذ الكتاب إنما تكون في تحقيق الإيمان في نفوسنا ثم نشره في واقعنا، ثم الانطلاق بعد ذلك في عمارة الأرض مستعينين بالله ومعتمدين عليه: (ولا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) [آل عمران : 139]
    ----------------------------------------
    الامتنان الإلهي
    منّة الله على عباده عظيمة، ولا حدودَ لرحماته، ولا تصور لألطافه، يجود في الشدائد، ويرحم في المحن، ..ويفرج في الكروبات ..(وَنُريدُ أَن نَمُنَّ عَلَى الَّذينَ استُضعِفوا فِي الأَرضِ وَنَجعَلَهُم أَئِمَّةً وَنَجعَلَهُمُ الوارِثينَ) [القصص: ٥] .
    • امتنان يأخذك إلى كوكب المعجزات العجيبة، فيريك كيف يبدلُ الله الضعف قوة، ويجعل المسكين مكينا، والفقير قائدا، والمقهور عظيما رائداً.
    • بُغي بهم، واعتُدي على حقوقهم، ونُكل بهم، وعُلقوا في جذوع النخل، وخُدت لهم الأخاديد، فجاءهم الفرج، وانطلقت الفتوحات، وتمت البشائر، وزُلزل البطلان الجاثم.
    وكان ذلك لبني إسرائيل زمن فرعون وعنت الظالمين، فصبروا واستنقذهم الله ببعثة موسى عليه السلام، وأورثهم مغانم القوم المجرمين! وهذه السنة لهم ولمن بعدهم من أهل الايمان والصبر (إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيَصبِر فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضيعُ أَجرَ المُحسِنينَ) [يوسف: ٩٠] .
    • والاستضعاف مس أبدانهم وأموالهم، ولَم يمس إيمانهم وخلقهم، ولذلك صبروا على المرارة، وتجرعوا المخاطر، ولَم يتزحزحوا عن استقامتهم وهذا طريق النصر والظهور البشري.
    • ونتج عن الإيمان الصبور، والعقيدة الباسلة أن تساقطت الرؤوس، واضمحل الظلمة، وتدحرج الغواة، وباتوا أثراً بعد عين.
    • وما ذلك الشقاء المبدئي إلا كمتاعب الحياة المتكررة، تمر وتعبر، وتفحص وتصقل، يقول ابن القيم -رحمه الله-: (إنما يصيب المؤمن في هذه الدار من إدالة عدوه عليه، وغلبته له، أذاه له في بعض الأحيان أمر لازم لا بد منه، وهو كالحر الشديد، والبرد الشديد، والأمراض والهموم والغموم، فهذا أمر لازم للطبيعة والنشأة الإنسانية في هذه الدار) .اهـ . ولا ارتياب أن ذاك تدريب له وإعداد.

    • امتنان فاق كل وصف، وخرج عن كل تقدير، وتجاوز كل تدبير، فيه انقطعت القلوب المؤمنة إلى خالقها، وتوكلت عليه حق التوكل، وفوضت أمرها، ولَم تذل أو تجبن، أو تبدل أوتهن..(وَما بَدَّلوا تَبديلًا) [الأحزاب: ٢٣] .
    • وامتنان يجعلك توقن أن الأمر كله لله، وما صنائع البشر إلا عبثية زينها الشيطان لهم، تسقط أمام صدق عزيز، وكلِم جليل، أو موقف ثابت.
    • وليعتقد الجميع أن تدبير الأمور بيد الله تعالى، وله مقاليد السموات والأرض، يحكم لا معقّب لحكمه ، ولا راد لأمره، فهو مالك الملك، والحكَم العدل، والقوي العزيز، إرادته نافذة، وقدرته بالغة،.. وهذه الإرادة لا يُعيقها عائق، ولا يَصدها صادّ.
    • وأن مدة الاستضعاف والبلاء لا تطول، ولن يُخلّد العدوان، أو تسود المظالم، بل لها أجل محدود، وزمن مرصود، وعلينا العمل والترقب، وعدم اليأس والتراجع (وليُنصرن الله من ينصره) سورة الحج .
    وهذه الآية من الآيات التفاؤلية والنصوص الإيمانية البهيجة، والتي تجدّد الإيمان، وتصنع الراحة والسرور، وتزيد من أسارير اليقين، وفِي أيام المحن والشدائد ينبغي العناية بآيات التفاؤل والانشراح، ومجدّدات الظهور والتمكين، لنحارب الإحباط، ونقضي على اليأس، ومقدمات الفشل المعترية لبعض الناس.. (ونريد أن نمن على الذين استُضعفوا....)

    • ومن حكمة الله أن منن التمكين والنصر لا تأتي إلا عقيب بلاء وتمكن للباطل ، حتى تُمحص النفوس، وتُمتحن الأرواح، وتُصفى المسيرة، فيحيا من حيّ عن بينة، ويهلِك من هلك عن بينة، ولذا ذكر قبلها تمكن فرعون وإسرافه في الفساد وبطشه ببني إسرائيل(إن فرعون علا في الارض وجعل أهلها شيعا...) سورة القصص .
    وقد " سئل الإمام الشافعي رحمه الله عن الأفضل للمؤمن: هل يمكن أو يبتلى؟ فقال: لا يُمكن حتى يبتلى." وفي هذا دليل أن البلاء طريق الرفعة والتمكين، كما هو طريق الفرز والتبيين، وأشد الناس بلاءً، الأنبياء ثم الصالحون، ثم الأمثل فالأمثل.
    • قال الإمام النووي رحمه الله :" قال العلماء : والحكمة في كون الأنبياء أشد بلاء ثم الأمثل فالأمثل، أنهم مخصوصون بكمال الصبر، وصحة الاحتساب، ومعرفة أن ذلك نعمة من الله تعالى، ليتم لهم الخير ويضاعف لهم الأجر ويظهر صبرهم ورضاهم" .
    فهذا الامتنان له مقدمات وشرائط : كالإيمان والصبر، والثبات والبذل، والصدق والعمل، والنزاهة والتباعد، والتقوى والدعوة، واليقين والتفاؤل، وكل ذلك قد حوته المدرسة النبوية، وعلمتنا الصبر في المحن، واليقين زمن الشدة، والتفاؤل ولو اسودت البيئة، والدأب ولو اشتد النفاق(فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله..) سورة آل عمران .

    • وقد كان رسول الله وصحبه الأوائل من المستضعفين في الأرض، وفجأة حضرتهم المنة، وجاء الإحسان، وتحقق البرهان... (وَاذكُروا إِذ أَنتُم قَليلٌ مُستَضعَفونَ فِي الأَرضِ تَخافونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ النّاسُ فَآواكُم وَأَيَّدَكُم بِنَصرِهِ وَرَزَقَكُم مِنَ الطَّيِّباتِ لَعَلَّكُم تَشكُرونَ) [الأنفال: ٢٦] .
    • وكم من أمم وأقوام، استُضعفوا ونيل منهم، ونُهبت حقوقهم، ثم أبدل الله خوفهم أمنا، وبلّغهم سعادتهم، ومكنهم دينا ودعوة وصلاحا، بسبب ثباتهم واستعصامهم بدينهم ورفضهم التبديل (وَعَدَ اللَّهُ الَّذينَ آمَنوا مِنكُم وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَيَستَخلِفَنَّهُم فِي الأَرضِ كَمَا استَخلَفَ الَّذينَ مِن قَبلِهِم وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُم دينَهُمُ الَّذِي ارتَضى لَهُم وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِن بَعدِ خَوفِهِم أَمنًا يَعبُدونَني لا يُشرِكونَ بي شَيئًا وَمَن كَفَرَ بَعدَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الفاسِقونَ) [النور: ٥٥] .

    • وكم من عالم صبور، وعابد وقور، أتاه الامتنان بعد مراحل من الصبر والاحتساب، واحتساء النكبات، لعلمه بأن ذلك هو الطريق، وأنه مسار المصلحين عبر التاريخ، ولا انفكاك عنه، أو مناص عن سلوكه.
    • وإذا آلمتك الحياة بقضّها وقضيضها، ومرها وشرها، فعش مع مثل تلك النصوص، واستلهم منها العظة، واستطعم العبرة، واملأ قلبك باليقين، والتفاؤل، والعمل، وضم لها السيرة النبوية، وقصص الذين عانوا ولاقوا، ثم كانت لهم العافية والعاقبة، فانهل منها وتعلم، (والله غالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون).
    ----------------------------------------------
    ‏لماذا "يفتون الناس"
    يدعو كثيرون لاحترام التخصص في مختلف مجالات العلم الا بالدِّين على ما يبدو فقد أصبح الكل يتصدر للفتوى فيه .
    أذكر مجلسًا مع أحد علماء الشريعة بادره أحدهم فيه بسؤال فقهي وقبل أن يجيب تصدّر آخر للإجابة وثالث رد عليه والرابع استدرك على كلامه؛ فما وجدت الشيخ في ذلك المجلس إلا وقد آثر الصمت حتى غادر بهدوء.
    ‏نعم لا كهنوت في الإسلام ! ولكن استباحة نوازل الأمور بالفتوى والتجرؤ على التوقيع عليها نيابة عن رب العالمين دون اختصاص أو تأهيل هو بمثابة شرعنة وحث على الفوضى .

    ورغم شيوع المثل الشعبي " ضعها برقبة عالم واخرج (سالم) " إلا أن ممارسة كثيرين على أرض الواقع خلاف ذلك فهم يذهبون لغير المختص أو الأدهى أنهم كثيرون يفتون لأنفسهم! تجده يبحث عن أفضل طبيب إذا مرض وأدق محاسب لقضاياه المالية وأمهر محام لأموره القانونية ولكن لا يكترث لأموره الشرعية التي في نهايتها حساب أخروي شديد !!
    ورغم وجود العلماء الثقاة يلجأ البعض لغيرهم أو لفتاوى " غوغل " ! أو يتصدر هو ليفتي للناس من بضاعته المزجاة.
    في عصر الإمام ابن تيمية تجاوز الناس كثيرا في ذلك الأمر ما دفعه ليقول : "من تكلم في الدين بلا علم فهو آثم وإن وافق الحق". لأن مسألة موافقة الحق في هذه الحالة قائمة على الحظ لا الدليل.

    ورد في الحديث الشريف : "مَنْ أُفْتِيَ بِفُتْيَا غَيْرَ ثَبَتٍ، فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى مَنْ أَفْتَاهُ" (ابن ماجة ، والإمام أحمد) ولكن في نفس الوقت أرى لوم المستفتي إذا لم يتحر الشخص العالم المؤهل والثقة ليستفتيه.
    لا أتحدث هنا مستبعدًا طلبة علم يجتهدون أو مهتمين بالشريعة يتناقشون فيما بينهم، فهذا محمود بل ومطلوب ولكن الطامة في رجل ..يتحدث تارة عن التجديد الديني وأخرى يمس بها من مكانة مؤسسة مثل الأزهر وثالثة يزعم وجود تأييد إلهي له؛ بل حتى هرطقات العبث بالرؤى والأحلام لم تسلم منه! ومثله كثر في الجرأة على دين الله عن هوى لا عن علم.
    و استذكر في هذا ما جاء عن عدد من التابعين أنهم قالوا: (إن أحدكم ليفتي في المسألة لو وردت على عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - لجمع لها أهل بدر).

    العلامة القرضاوي يقول في هذا السياق : ‏"على المسلم أن يستفتي من يثق بسعة علمه وقوة دينه من أهل الفقه والورع والاعتدال، الذين يعصمهم فقههم من الحكم بالجهل، أو الاستدلال بغير دليل، أو وضع الدليل في غير موضعه، ويعصمهم ورعهم من اتباع هوى النفس أو أهواء الغير، ويعصمهم اعتدالهم من الجنوح إلى الغلو أو التفريط".

    وفي السياق أشير لمن يفتي لبلدان أخرى أو لمجتمعات هو غير مطلع عليها، فهو لا يعرف شيئا عن الدول الأوروبية ويفتي لأهلها رغم وجود علماء مؤهلين في معظم الدول الغربية و حضور المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث على الساحة من خلال نخبة من العلماء و بصورة مؤسسية قائمة على عقد مؤتمرات وندوات علمية لمختلف المستجدات، والأسلم له مع التقدير أن يحيل من يستفتيه في أمور تمس الإقامة بالدول الغربية لهم.

    وفي النهاية من يجتهد ليصل للأصوب في أمور دينه يكسب دنياه وآخرته والعكس صحيح خصوصًا عندما يكون المرء نهاية بين يدي العدل الصمد الذي لا يظلم عنده أحد.
    --------------------------
    من هم المثقفون؟
    كثيرا ما يتداول المثقفون و الدارسون و عموم المتعلمين و سائر الناس مفهوم المثقف على أساس مغلوط، و مجانب للفهم الصحيح، و العلمي وعلى أساس السيرورة التاريخية لمختلف التشكيلات الاقتصادية والاجتماعية. فمنهم من يتعامل مع المثقف على أنه المتعلم الحامل لدرجة علمية-دراسية معينة. و منهم من يتعامل معه على أنه هو الذي يفهم و يعرف، و منهم من ينظر إليه على أنه هو المنتج للفكر … الخ.
    و نحن هنا سوف لا نركز على دلالات المفهوم حسب ما ذهب إليه الدارسون، لأن ذلك قائم فعلا في العديد من الدراسات التي تفرغ أصحابها لدراسة الموضوع دراسة علمية دقيقة.

    و هذه الدراسة ، حتى وإن أعطت للمفهوم ما يجب من تمحيص، إلا أنها تبقى سجينة الواقع الأكاديمي، و العقلية الأكاديمية ورفوف المكتبات بدل أن تتحول إلى واقع ملموس يتطور، ويتحول بفعل الثقافة والمثقفين. بل إن ما نذهب إليه ببساطة هو أن المثقف هو الذي امتلك القدرة على إنتاج وسائل إنتاج القيم الاجتماعية والإنسانية التي تلتصق بالحياة العامة، وبالحياة الفردية، فتعمل على تطويرهم على جميع المستويات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والمدنية والسياسية بما يتناسب مع التحولات الاقتصادية الاجتماعية نحو المرحلة الأرقى.
    و مثقف هذه هويته لابد أن يسعى بثقافته إلى نشر قيم الدين والحرية والعدالة الاجتماعية والإنسانية.
    ..
    المثقف:
    فماذا نعني بالمثقف ؟ وهل المثقف هو المتعلم ؟ هل هو الحامل لشهادة علمية معينة ؟ هل هو المنتج للمعرفة الأكاديمية ؟ هل هو الموظف السامي ؟ هل هو رجل السلطة ؟ هل هو رجل الأعمال ؟ هل هو الأديب أو الفنان أو المسرحي السينمائي ؟
    إننا عندما نقف على الحقيقة العلمية لهذه المفاهيم موضوع الأسئلة سوف نجد أنفسنا أمام حقيقة مهولة عندما نقوم بالتفريق بين المتعلم والمثقف، و بناء على ذلك فالمتعلم قد يكون مثقفا، وقد يكون غير مثقف، و المثقف قد يكون متعلما أو غير متعلم. ونفس الشيء نقوله بالنسبة لحاملي الشهادات العلمية مهما كانت درجتها كما نقوله في الموظفين مهما كان سلم ترتيبهم، و في رجال السلطة مهما كانت مسؤوليتهم، و في رجال الأعمال مهما كانت استثماراتهم. و نعتبر أن كل ذلك قد يخدم الثقافة من وجهة نظر معينة إذا كان هؤلاء مثقفون فعلا، و كون الإنسان من عامة الناس أو من الكادحين لا يمنع صيرورته مثقفا إذا كان منتجا للقيم الثقافية.

    وعليه ينبغي أن يكون المثقف مشتملا على الصفات التالية:
    1- أن يكون منتميا إلى الفئة المتمثلة للقيم الاجتماعية و الإنسانية و الاقتصادية و الثقافية و المدنية و السياسية، و هم الغالبية العظمى من الناس.
    2 - وأن يكون منتميا للقيم المختلفة بوسيلة معينة، وهؤلاء غالبا ما يكونون قلة قليلة جدا من المجتمع، سواء تعلق الأمر بموظفي وسيلة الأدب، أو وسيلة الفنون، أو الفكر، أو غيرها من الوسائل التي تعمل على إنتاج القيم، أو على إشاعتها بين البشر. وبناء على هذا التمييز و التحديد الذي نريده واضحا. فهل يمكن القول بأن المثقف هو المنتج للقيم المساهمة في بلورة الشخصية الاجتماعية والإنسانية المتناسبة مع السلوكيات العامة الاقتصادية و الاجتماعية والثقافية والمدنية والسياسية المتطورة، والسائدة في إطار تشكيلة اقتصادية اجتماعية معينة. و المساعدة على انتقال تلك التشكيلة إلى المرحلة الأرقى.
    و بناء على هذا الفهم المحدد، و الذي تبلور لدينا من خلال تعاطينا مع أشكال الفهم الأخرى التي قد يعتمدها هذا المثقف أو ذاك، أو يروج لها هذا المنبر أو ذاك. فإن المطلوب في المثقف أن يكون :

    أ - خبيرا بالقيم الإيجابية و السلبية المتصارعة في المجال الاجتماعي محليا، ووطنيا، وقوميا وعالميا، حتى يستطيع تحديد القيم التي يستهدف إزالتها و نفيها من الواقع في أبعاده المختلفة. و ما هي القيم التي يقبل على إنتاجها أو إشاعتها من اجل المساهمة في تقويم الشخصية الاجتماعية والإنسانية، والعمل على تطويرها من أجل جعلها مساهمة في تطور وتطوير الواقع في مختلف مناحي الحياة.

    ب - متتبعا للحركة الثقافية المحلية والوطنية، والقومية والعالمية من أجل إغناء خبرته، حتى تزداد صلابة أمام تحديات عناد الواقع الذي يبقى أسير الرؤى الجاهزة القائمة على استحضار سلطة العادات والتقاليد والأعراف.

    ج - متشبعا بالقيم الناتجة عن استيعاب مضامين دينه ومطلعا على المواثيق الدولية المتعلقة بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والمدنية والسياسية. والميثاق الدولي المتعلق بحقوق الطفل، وتوظيف تلك القيم من أجل العمل على إبداع قيم جديدة تتناسب مع ضرورة تحولات التشكيلة الاقتصادية الاجتماعية في الاتجاه الأحسن في أفق تحقيق المرحلة الأعلى.

    هـ - مستفيدا من مختلف التجارب الثقافية في حياة الشعوب حتى يسترشد بالجوانب الإيجابية في إغناء الثقافة المحلية والوطنية والقومية والإنسانية بالمزيد من القيم التي تساعد على تطوير المجتمعات البشرية والعلاقات الإنسانية، و ترسخ القيم النبيلة في السلوك الفردي و الجماعي في مختلف المجالات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والمدنية والسياسية مما يجعله يحتل مكانة ممتازة في المجتمع الذي يعيش فيه، و لدى الطبقة التي يصنَّف فيها على المستوى الاجتماعي، وفي التنظيمات الحزبية والجماهيرية التي ينتمي إليها.

    فالمثقف، و بهذا المفهوم الذي عرضناه، إذا لم يكن خبيرا بالقيم الإيجابية و السلبية، و متتبعا للحركة الثقافية على المستويين الخاص والعام، ومتشبعا بالقيم الناتجة عن استيعاب المواثيق الدولية المتعلقة بالحقوق العامة، و بالحقوق الخاصة، ومستفيدا من تجارب الشعوب الثقافية المختلفة، لا يكون قادرا على المساهمة الفعالة في محاربة القيم الثقافية السلبية، وفي العمل على بناء منظومة القيم الثقافية الإيجابية، أي أنه لا يستطيع بناء وعي ثقافي متقدم ومتطور، ويخدم عملية التقدم الاقتصادي والاجتماعي والثقافي والسياسي في الاتجاه الذي يخدم حركة التاريخ.

    ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    الأستاذ/ محمد حنفي بـــ "تصرف في المقال"

                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

07-23-2020, 00:52 AM

سيف اليزل برعي البدوي
<aسيف اليزل برعي البدوي
تاريخ التسجيل: 04-30-2009
مجموع المشاركات: 18170

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: مقالات مفيدة تهم المجتمع و الأسرة و الشبا� (Re: سيف اليزل برعي البدوي)

    كيف نجدد أفكارنا؟
    الفكر هو المدخل الصحيح للتغيير والإصلاح؛ لأن حركة الإنسان تأتي تاليةً لما يقتنع به ويفكر فيه، والصورة المثلى هي أن تكون الجوارح مُنقادةً للعقل، الذي هو أداة الفكر والفهم والوعي، فبعد الوعي يكون السعي، وعلى قدر استقامة الفكر والوعي، تكون صحة الحركة وفاعليتها، ولذا كان أول ما تنزل من القرآن الكريم {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ}، قبل الحديث عن الواجبات والمنهيات، وبوَّب البخاري في صحيحه: (باب العلم قبل القول والعمل).
    وأما التجديد فيمكن أن نقول عنه بشيء من العموم إنه نَفْضٌ للغبار عما لحق بالمفاهيم والتصورات، لتستعيد صحتها وسلامتها، وعما لحق بالخطط والبرامج وكلِّ ما يقوم به الإنسان، ليستعيد فاعليته وإنتاجيته، بحيث يكون ما يعتقده المرء وما يقوم به موافقًا للواجب ومحقِّقًا للمطلوب بكفاءة.
    ولا شك أن تجديد الفكر هو أحد الأسئلة الكبرى التي يلح عليها واقعنا المتداخل، وتستدعيها مشكلاتنا المتراكمة، ولا مفر من الاشتباك معها والتماسِّ مع إجاباتها.
    ولهذا أعتقد أن سؤال “لماذا نجدد أفكارنا؟” لسنا بحاجة للتفصيل في الإجابة عنه؛ لأن ما نعانيه من مشكلات وتراكمات، على المستويات المتعددة، قد وفرَّ علينا عناء الخوض في هذه الإجابة، لإثبات ضرورة التجديد ولزومه، وبالتالي: أصبحنا مباشرة أمام السؤال الذي يعقبه، وهو “كيف نجدد أفكارنا؟”
    وأعتقد أن الإجابة عن هذا السؤال المهم، تكون من خلال ثلاث خطوات أساسية، وهي:

    إدراك تغير الواقع:
    أي أن ندرك أن واقعنا قد تغير جذريًّا عما عهده أسلافنا، في المجالات كافة؛ تربويًّا وفكريًّا واقتصاديًّا واجتماعيًّا وسياسيًّا، وصرنا أمام مشكلات لم تعرفها الأمم التي قبلنا، وأمام واقع جديد لم تشهد البشرية مثله، ومن ثم فأي قياس لهذا الواقع الجديد على ما سبقه هو قياس يفتقد المعيار الصحيح، ولن يؤدي إلى تصور دقيق.
    هذا الواقع الجديد وهذه المشكلات المستحدَثة، لاشك أنهما يستلزمان حلولاً تناسبهما، وتصوراتٍ تتماشى معهما، ومن الخطأ البيِّن أن يحسب البعض أن الزمان توقف عند عهد بعينه من الماضي، أو ينظر إلى أحوال الناس ووقائعهم كأنها لم يصبها مسٌّ من التغيير والتبديل!
    أما من يحاول إصلاح الواقع وهو يعتقد أنه لم يتغير ولم يتبدل، فلن يأتي إصلاحه وفق الواجب والمطلوب!

    الانتباه إلى تفاوت النصوص وتَناهِي الأحكام:
    أي أن ننتبه بوعي إلى تفاوت درجات النصوص فيما بينها، وإلى تناهي ما يترتب عليها من أحكام: أي محدودية هذه الأحكام.
    فالأحكام الشرعية لم تَجئ كلها على درجة واحدة من: قطعية الثبوت والدلالة.. بل منها ما هو قطعي الثبوت والدلالة، وما هو قطعي الثبوت ظني الدلالة، وما هو ظني الثبوت قطعي الدلالة، وما هو ظني الثبوت والدلالة معًا.. بل لم تستوعب الأحكام المستخرَجة من هذه النصوص- على درجاتها المتنوعة هذه- كلَّ الوقائع المستجدة.. لأنه النصوص متناهية، أي محدودة، والوقائع غير متناهية أي متجددة.. ومن هنا، جاءت مشروعية الاجتهاد وضرورته، وكان لسؤال تجديد الفكر أهميته وإلحاحه..
    يقول الإمام السيوطي: “نعلم قطعًا ويقينا أن الحوادِث والوقائع في العبادات والتصرفات مما لا يقبل الحصر والعد، ونعلم أيضًا أنه لم يرد في كل حادثة نَص ولا يُتصَوَّر ذلك أيضًا. والنصوص إذا كانت متناهية والوقائع غير متناهية، وما لا يتناهى لا يضبطه ما يتناهى؛ عُلِم قطعًا أن الاجتهاد والقياس واجب الاعتبار؛ حتى يكون بصدد كلِّ حادثةٍ اجتهادٌ”.
    وبالتالي، فعلينا أن ندرك ما هو ثابت مما هو متغير.. وما يجوز بل يجب استصحابه مع الواقع الجديد، وما لا يجوز.. وما يقع فيه الاجتهاد وما لا يقع.. وإلا جمدنا حيث يجب أن نتحرك، أو تحركنا حيث يجب أن نقف..!
    إن ما نراه- للأسف- من خلط بين الثوابت والمتغيرات، أو بين مواطن الاتباع ومواقع الاجتهاد؛ هو ما يُحدث الانحراف يمينًا أو يسارًا، إفراطًا أو تفريطًا، جمودًا أو انفلاتًا، غربةً عن الزمان (نحو قرون مضت) أو غربةً عن المكان (نحو استيراد نماذج من خارج بيئتنا).. وكلا الأمرين غير مقبول.
    المقبول هو أن نتصالح مع واقعنا بمثل ما نحترم ماضينا، وأن نجدد أفكارنا فيما يقبل التجديد بمثل ما نحافظ فيما تجب المحافظة عليه.. سواء بسواء..

    معرفة الواقع وترتيب أولوياته:
    أي أن نعرف واقعنا بدقة، ومشكلاتنا بعمق، ومستجداتنا بوعي، وأن نعلم أن الغربة عن الواقع أو تحاشي التفاعل معه- بدعوى ما يمتلئ به من سوءات- لن تُنتج فَهْمًا صحيحًا له، ولا تصويبًا دقيقًا لمشكلاته، فالحكم على الشيء فرعٌ عن تصوُّرِه، وأي حكم صحيح يمكن أن يَنتج عن تصور غير دقيق؟!

    إن البعض- ويا للعجب- مازال يحسب الحياة جاريةً على بساطتها في الزمان الأول، ويمكن إصلاحها بكلمة هنا أو خطبة هناك، أو حتى بضربة عصا كما كانت درَّة عمر تفعل فعلها المبارك!
    أمام هذا التصور الساذج عن الحياة، تأتي وسائل التغيير والإصلاح أكثر إغراقًا في السذاجة، وأبعدَ ما تكون عن الفاعلية؟!

    ولنسائل أنفسنا: هل نحن نتصور المدى الذي بلغته حركة المرأة في مجتمعاتنا، والذي يصعب- إن لم يكن مستحيلاً- التراجع عنه إلى زمن لم تكن تخرج فيه المرأة من بيتها إلا قليلاً، بل وهل عدم خروجهًا من البيت مطلوب أصلاً ؟!
    هل نحن نمتلك معرفة دقيقة عن حركة المال وكيف تدور مع البنوك؟! وكيف يمكن التخلص من ربوياتها؟!
    هل استوعبنا ضرورات إشراك الشعوب في تقرير مصائرها، وتحديد ممثليها، ومراقبة من ينوبون عنها، أم ما زال بعضنا يستدعي تجاربَ ونماذجَ خلت، كانت تعبيرًا عن بيئتها لا عن وحي السماء وهدي النبوة؟! وصارت كلمات مثل: (الديمقراطية مستوردة، والغرب لا يأتي منه خير) أقرب إلى اللسان منها إلى العقل؟!
    إن معرفة الواقع لا تقل أهميةً وضرورةً عن معرفة النصوص، وإن تنزيل النصوص على غير واقعها، أو جرَّ الواقع إلى غير نصوصه؛ لن يحل إشكالية ولن يخفف أزمة، بل سيزيد الفجوة بينهما، وربما يؤثر سلبًا على النصوص ذاتها عند بعض المتلقين !

    يقول الأستاذ عمر عبيد حسنة: “إن فقه المجتمع والواقع يوازي فقه النص؛ وبدون فقه المحل ومعرفة الاستطاعات بشكل علمي وموضوعي فسوف تستمر المجازفات، وهدر الطاقات، والعبث بالأحكام الشرعية، والمساهمة السلبية بالإساءة إليها، ولو عن حسن نية. فلا يمكن أن يسمَّى فقيهًا حامل النصوص؛ لأن فقه أبعاد التكليف قسيم فقه النص ومكمِّل له، فلا فقه لنص بلا فقه لمحله. فالاجتهاد كل الاجتهاد اليوم لا بد أن ينصرف، فيما نرى، إلى محل تنزيل النص ومورده؛ ذلك أن النصوص أصبحت محفوظة وميسور الوصول إليها”.

    وبجانب هذه المعرفة الدقيقة بالواقع، لابد أن نرتب أولوياته ومشكلاته الأكثر إلحاحًا؛ حتى لا ننشغل بالمهم عن الأهم، فضلاً عن الانشغال بعديم الجدوى عن المهم والأهم!
    وكم حدثت من مشكلات، وضاعت من جهود؛ نتيجة خوض معارك وهمية أو معارك كان يمكن تجنبها والإعراض عنها؛ لعدم فائدتها، أو لقلة أهميتها بالنظر لقضايا أخرى!
    ولذا، نستطيع أن نقول في الختام: إذا أدركنا أننا أمام واقع تغيَّر جذريًّا، ويتغير باستمرار، وإذا عرفنا أن النصوص الشرعية تتفاوت فيما بينها، وأن أحكامها محدودة، وإذا اشتبكنا مع واقعنا كما ينبغي، بناءً على المعرفة الدقيقة بمشكلاته، وبترتيب قضاياه من حيث الأولوية، إذا أدركنا ذلك كلَّه، فسينفتح الباب أمامنا عن عشرات القضايا التي تنتظر فكرًا جديدًا وتعاملاً واعيًا، وسنكون على بصيرة بكيفية تجديد فكرنا فيها، على استقامة وبصيرة، وسنتجنب- حينئذٍ- الدورانَ في فلكِ مُعَادٍ من القولِ مكرور!!
    ---------------------------
    تأثيرات الصداقة العقلية
    المرء على دين خليله، وكذلك يحمل مع الدين الخلق والفكر والعادة والتصورات [وإخوانهم يَمُدونهم في الغَي ثم لا يُقصِرون] سورة الأعراف .
    • وهذا ما يُعرف بسلطة المحيط الاجتماعي وتداعياتها على العقول والأفكار، والقليل من يهتم بها وينأى عن آثارها.
    • وهي من القوى الناعمة، والتي تحتشد بلا جنود ولا قوة ولا حرس، ولكنها تأسر بالبساطة المحتفة بكؤوس الشاي والانشراح الديواني.
    • تساهلُ كثير منا في صداقاته ومجالسه، أضعف من عقله وهمته ومسالكه التربوية والحياتية. وفي الحديث الصحيح: (المرء على دين خليله).
    • ربّ مجلسِ أُنس وطعام، أخمل همةً، وأضعف تفكيرا، وبتنا في مخانق السطحية وضعف الرأي والوعي.
    • نتراكض وراء اللطافة وتخفيف الكآبة، ونتغافل عن الرقي العقلي وعوامل دعم التفكير .
    • الصاحب ساحب، يسحب منك جلّ معاني الخلق والاستقامة والعقل والإبداع .
    • لا تعجب ممن كنت تعظّم فكره، فانحدر، وقد بات يصاحب الأسافل والرَعاع والهمجيين.
    • ولن يكون العقل واعيا بنائيا واستنقاذياً، إلا عبر تغذية سليمة وعالية، من شروطها تجنب الصداقات المعوجة، وقال الحسن البصري رحمه الله:"ما استودع الله أحداً عقلاً إلّا استنقذه به يوما ما"
    • إذا أكمل الرحمنُ للمرء عقلَه ... فقد كمُلت أخلاقه ومآربُه
    • والناس مجبولون على تشبه بعضهم ببعض، وستُحمل الرداءة الفكرية من جراء مجالس مغلوطة، أو صداقات معتوهة.
    • وهذا يشمل الصداقات الطويلة والعابرة، وزملاء الدراسة والأنس.
    • وأحيانا صداقة التلامذة لشيوخهم وكتبهم وصيرورتهم أتباعا بلا تثبت وبرهان، وتقليدهم في المواقف والمعتقدات والتصورات المبدئية.
    • وإن تاسَ فأسَ على عالم محقق، عاين الحقائق، ولامس البراهين، لكنه لم يَحِد عن طريقة شيخه البدعية، وتحامله على أئمة السلف والحديث، ووافقه في المين والمكر والتزييف.
    • وهذا ضرب من الصداقة الفكرية المنتهية للتبعية وفقدان المنطق السليم، وقد قالت العرب:"حبك الشيءَ يعمي ويصم"

    تأثيرات الصداقة العقلية
    ويظن بعضهم أن التأثر لا يعدو كونه قيميا وأخلاقيا، وغفلوا عن الأثر العقلي، والفداحات الفكرية الملقاة على عواتقهم من جراء تفاهات تحط الفكر، وتسف المسلك، وتبدد الجهود، والله المستعان [إنَّا وجدنا آباءنا على أمة] سورة الزخرف.
    ومنها:
    ١- انحطاط التفكير : بحيث يغرد فيما يسوء ويهون ويكدر، ويوجع القلب.
    ٢- بلادة الذهن: بسبب الترسبات الواقعة على معالم الإبداع.
    ٣- التقليد: من فقدان الآلة وفقدان الحركة الفكرية الدائبة.
    ٤- تشوش الإدراك: لفساد المقدمات والمحكمات الفكرية السليمة.
    ٥- وهاء المعلومات والقواعد: من جراء مجالسة لا تسمن ولا تغني من جوع.

    ٦- التخدير المفصلي: والذي يعطل جوهر العقل وتوهجه وتوقده.
    ٧- ذوبان الإبداع: لتعطل أساسيات التفكير، والرضا بالدونية العقلية.
    ٨- استصعاب الأمور: لتهالك الإدراك وسيطرة مساحة المخانق على آفاق السعة والانتشار .
    ٩- التلذذ بالسطحية: لا سيما وقد جاءت من خلال طرائف منعشة، أو مؤانسة مطغية.
    ١٠- التخوف من التجديد: ومخاصمة الأفكار الجديدة، والرؤى الحديثة بإطلاق.

    والخشية أن ينتهي ذاك لاستلاب العقل، وذهاب الذكاء والإبداع، وقناعة المرء بأفكار انهزامية دخيلة تمس دينه ومعتقده وسلوكه، كحديث السنن المحذر من جحر الضب وضيقه وهوانه(لتتبعن سَنن من قبلكم)، والتقاطه المعلومات ومصادره المعرفية من جهات غريبة ومشبوهة...! والسبب صداقات اجتماعية أو كتبية، أو بيئية.
    وفي النطاق العلمي يتصاعد التكرار التأليفي، وتختفي مكامن الإبداع، وتشتعل من جديد مسألة " قفل باب الاجتهاد "، والتي كانت إساءة بالغة للإسلام والأمة والعقل والممارسة والتصنيف، ومؤذنة بولادة جيل متخلف عميق الرجعية والانهزام، والله يقول [ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون] سورة آل عمران .
    ونحمد الله أن تصدى لها علماء مفكرون وفطناء في حينها ونسفوها من جذورها.. والله الموفق.
    -----------------------------------
    حاجتنا للاستشارة
    كلنا نريد تحقيقَ النجاحِ في الحياة ، ونتمنى التوفيق في كافةِ أمورنا ، ونرغبُ أن نسيرَ مع ركب المتميزين وثمةَ أمرٌ يجمعُ لك أصولَ النجاحِ والتوفيق .
    إنها الاستشارة.. نعم الاستشارة .
    تلك الجملة التي نتمنى أن نعيشَ في ظلالها ونقطفُ ثمارها .
    الاستشارةُ هي الوسيلةُ المختصرة لسعادتك في كافة أمورك .
    الاستشارةُ هي النور الذي يضيءُ طريقَ حياتك .
    الاستشارة ، إحدى الأوامر التي أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم (وشاورهم في الأمر).
    الاستشارةٌ وصف تميز به أهل الإيمان (وأمرُهم شورى بينهم).


    تعالوا معي لنعيشَ في بساتينِ الاستشارة :
    الاستشارة هي أن تعرض مشكلتك أو موضوعك على أحدِ الحكماء ليعطيك رأيه وخبرته في ذلك الموضوع .
    وقديماً قيل : "الاستشارةُ هي استئجارٌ مجاني لعقول الحكماء" .
    ولو رحلنا في تاريخ الاستشارةِ قليلاً ، فسنجد في تاريخ الأنبياء نماذج :
    فهذا موسى عليه السلام يطلبُ من ربه شخصاً يسانده في الدعوة فيقول (واجعل لي وزيراً من أهلي هارون اشدد به أزري وأشركه في أمري).

    وفي سيرة نبينا صلى الله عليه وسلم تجد عدة مواقف تدل على أنه كان يستشير، فجاء عنه استشارته في المعارك ؛ وثبت عنه استشارته لزوجتهِ أم سلمة رضي الله تعالى عنها لما رفض بعض الصحابة أن يحلقوا شعورهم في قصة الحديبية ،وكان صلى الله عليه وسلم يقضي الليل مع أبي بكر وعمر في شأن المسلمين .وكان الصحابة يتشاورون فيما بينهم في قصصٍ يطولُ المقامُ فيها .

    وفي واقعنا: ولعظيم مكانة الاستشارة في المجتمع فإنّ كل الجهات الحكومية والشركات تعتني بقسمِ الاستشارات فيها .
    وحتى نستفيدُ من موضوعِ الاستشارةِ فلابد أن نتناول بعض التفصيلات المهمة فيها .
    فتأملوا بعض الصفات التي ينبغي أن تكون في الشخص المستشير ، ومن أهمها :
    ١- أن يكونَ صادقاً في طلب الاستشارة وليس مجرباً للرأي الذي سيسمعه من المستشار .
    ٢- أن يتواضع للمستشار فربما كان المستشارُ أصغرُ منك سناً أو من جنسية أخرى ، فلا تتكبر ، واقبل الرأي والحكمة ممن جاء بها .
    ٣- وضِّح المعلومات كلها للمستشار ، ولا تكتم معلومةً في استشارتك حتى يكون الجواب الذي تسمعهُ محيطاً بكل جوانبك .
    ٤- اختر الشخص الحكيم الذي يجمع بين صفة العلم والخبرة والحكمة .
    ٥- ليس شرطاً أن يكون المستشار والدك أو صديقك ، فربما كانوا لا يدركون الجواب المناسب لك .
    ٦- ابتعد عن الشخص المستعجل أو ضعيف العلم لأنه يضرك في الاستشارة .
    ٧- اختر الشخص المتخصص في موضوعك ، فمثلاً إن كانت استشارتك في موضوعٍ مالي فاختر المستشار الذي له عناية بالمال ، وإن كان موضوعك عن الأسرة فاختر المستشار الخبير بالقضايا الأسرية .
    نقول هذا ، لأن بعضَ الناس يستشيرُ في موضوعهِ أي شخصٍ يقابله ممن يعرف من الأقاربِ أو الزملاء ، وربما لم يكونوا من أهل التخصص في الاستشارة .
    ٧- حينما تتضحُ الرؤيةُ لك ، فنفذ كلام المستشار ، وخاصةً إذا توافق مع غيره من الحكماء .

    إننا بحاجةٍ للاستشارة في عدةِ قضايا في حياتنا .
    ففي الجانب الأسري قد يحدثُ بينك وبين زوجتك خلاف ، وقد لا تدرك الحل المناسب لها ، فليس عيباً أن تستشير .
    وكم من زوج غفل عن الاستشارة واتخذ الرأي بشكلٍ سريع فوقع في مشكلاتٍ أكبر من مشكلته الأولى ثم ندم كثيراً .
    وفي الجانب المالي نحتاجُ للاستشارة ، وكلنا يعلم أن بعضَ التجار كان نجاحهم بعد توفيق الله بسببِ استشارةٍ من خبيرٍ في عالم التجارة .
    وأما ذلك الذي استعجل في مشروعه التجاري أو العقاري فقد وقع في ورطات الديون ولم يحقق إلا الفشل والندم وربما نزل السجنُ بسبب مطالبات الناس .
    وتعال للجانب الوظيفي ، كم من قضية تدور في العمل بحاجةٍ إلى استشارة ، وكم يحزنك أن ترى مديرك يتخذ القرارات بشكل فوضوي مما يضر بالعمل والعاملين معه .
    وفي الجانبِ الدعوي نحتاجُ للاستشارة في اختيارِ الموقف الدعوي المناسب للقضايا التي تعترض طريق الدعوة .
    ونحتاج للاستشارة في كيفية التعامل مع المدعوين على اختلاف طبقاتهم .

    هناك صفات لابد من توفرها في الشخص الذي تستشيره ومنها :
    ١- أن يكون أمنياً ، فلا يجوز لك أيها المستشار أن تنشر قصة المستشير ، وقد قال صلى الله عليه وسلم :[المستشار مؤتمن] .
    ٢- إذا عرفت الجواب فالحمد لله ، وأما إذا لم تعلم فلا تتحدث مع صاحب الاستشارة بلا علم ، وقل : لا أدري ، أو أرشده لمن تعرف أنه يعلم .
    ٣- لاتكن عاطفياً مع المستشير ، وقدِّم الرأي الذي تعتقدُ أنه الأفضلُ له ، واعلم أن رأيك ربما كان صلاحاً للمستشير في دينه أو دنياه فاتق الله في الجواب الذي تعطيه إياه .

    قد نصادفُ بعض الناس الذين يظنون أن الاستشارة دليل على ضعف العقل وغياب الحكمة ، ولهذا هم لا يستشيرون .
    إن هؤلاء أكثر الناس وقوعاً في الخطأ ، ولكنهم لا يعلمون .
    فلو كانت الاستشارة ضعفٌ في العقل لما أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم بها .
    ولو كانت الاستشارة دليلٌ على غياب الحكمة لما اعتنت بها الدول في كل شؤونها .
    اجعلوا الاستشارة ركنا مهما في حياتكم ، واغرسوها في نفوس زوجاتكم وأولادكم .
    --------------------------------------------
    حتى لا نفسد للود قضية !
    " الاختلاف في الرأي لا يفسد للود قضية" وقضيتنا اليوم تشتت دائم وعداء مستمر بسبب الاختلاف في الرأي، لقد تعرضت العلاقة الأخوية والصداقة والجيرة بين أفراد الدول المتجاورة، بل بين أفراد المجتمع الواحد إلى عداء مستميت وحقد دفين ونفوس محتقنة، لأن أصحاب هذه العلاقة يجهلون ثقافة الرأي والرأي الآخر، والتي تقوم على احترام الإنسان أي فكرة مخالفة لفكرته، والاستماع إليها ومناقشتها بكل حياد وموضوعية ودون تحيز لرأي معين، وهذا الاحترام للرآي الآخر صفة حضارية تحث على الإبداع في طرح الأفكار المتنوعة والآراء المختلفة.

    الرأي الآخر هو صحيح بكل المقاييس من منظور صاحبه وإن كان يخالف رأينا، وهذا الاختلاف أمر صحي ومفيد طالما لا يتعدى الخطوط الحمراء والمساس بالمسلمات والثوابت سواء الدينية أو الأعراف.
    عندما نرفع شعار " الاختلاف في الرأي لا يفسد للود قضية" نهدف إلى المحافظة على العلاقة الإنسانية بين الأطراف المتحاورة، وعدم انحدار النقاش من التحاور إلى التناحر، والعمل على الوصول لنقطة اتفاق وأرضية مشتركة لبناء وسطية في الرأي تعمل على توازن الاختلاف فيه، وتقرب وجهات النظر، وتقلص مساحة الخلاف.

    إن قمع رأي الآخر بحجة المخالفة يولد احتقانا في البيئة الواحدة ويؤدي إلى نفور الأفراد فيها من بعضهم، وبالتالي إيجاد كمية من المشاعر السلبية من أحقاد وضغائن وتصادم بين الناس.
    علما أن وجود الرأي المخالف يخدم نقطة أو موضوعا مستقبليا تعجز بصيرتنا القاصرة عن رؤيتها في الوقت الحالي، ويعتبر ذلك الرأي الأفضل والأصلح في بعض المواضع والمواضيع، لذلك رفضه التام غير مقبول ومحاربته جريمة شنعاء في حق فرد يمثل عنصرا فعالا في مجتمع قرر أغلبية أفراده الركون إلى الصمت أو التزام ظل التبعية، متخليا عن تفعيل دور العقل وإنتاج الأفكار التي تخدم الأمة بأي شكل من الأشكال، والتي هي خطوط ورسوم لقاعدة أساسية ملزمة في الحياة في يوم ما.
    إن احترام الرأي الآخر ومحاولة الوصول إلى حلول وسطية من شأنه أن يرفع قيمة النقاش ويحقق الأهداف التي تؤدي إلى تطوير جوانب كثيرة في المجتمع، وحيث أن مجتمعاتنا العربية والإسلامية بحاجة ماسة لغربلة الكثير من الأفكار المسمومة والمطروحة في ساحاتها الفكرية، والتي تسعى لتلويث الفكر الإسلامي السمح.

    قال تعالى:" لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا" (الأحزاب 21)، وها هو النبي صلى الله عليه وسلم أسوتنا وقدوتنا في احترام الرأي الآخر، فقد روي البخاري في صحيحه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه:" لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة"، فخرج الصحابة رضوان الله عليهم من المدينة إلى بني قريظة وحان وقت صلاة العصر، فاختلفوا في ذلك؛ فمنهم من قال: لا نصلي إلا في بني قريظة ولو غابت الشمس لأنه صلى الله عليه وسلم قال:" لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة"، فنقول: سمعنا وأطعنا، ومنهم من قال: إن الحبيب صلى الله عليه وسلم أراد بذلك المبادرة والإسراع إلى الخروج، وإذا حان الوقت صلينا الصلاة لوقتها. بلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم ولم يعنف أحدا منهم، أو يوبخه على ما فهم.
    هذه الحادثة تترك في نفوسنا أثرا عميقا نحو قضية قبول الاختلاف مع الآخر واحترام رأيه، وتحثنا على المرونة والإيجابية تجاه الرأي الآخر، فاحترام الأفكار المختلفة مؤشر جيد على نضج وتحضر ووعي المجتمع.
    إسلام ويب...
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

07-24-2020, 01:11 AM

سيف اليزل برعي البدوي
<aسيف اليزل برعي البدوي
تاريخ التسجيل: 04-30-2009
مجموع المشاركات: 18170

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: مقالات مفيدة تهم المجتمع و الأسرة و الشبا� (Re: سيف اليزل برعي البدوي)

    الإياب الفكري.. والانبهار بالغرب
    بدأ الدكتور منصور فهمي باشا (1886 ـ 1959م).. حياته الفكرية برسالته للدكتوراة، التي ذهب إلى باريس سنة 1908م لإنجازها.. وهي الرسالة التي امتلأت بافتراء على صورة المرأة للإسلام.. بل طالت بيت النبوة!
    لكن منصور فهمي باشا كجزء من ظاهرة الإياب إلى الإسلام والعدول عن الانبهار بالغرب في مرحلة النضج الفكري.. قد عاد وآب ليتخذ مكانه بين الأعلام العاملين في "جمعية الشبان المسلمين".. والكتَّاب المدافعين عن الإسلام.. حتى لقد كتب المقدمة للعمل الإسلامي الفذ: (المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم) الذي وضعه العلامة محمد فؤاد عبد الباقي..

    أما الدكتور محمد حسين هيكل باشا.. الذي بدأ حياته الفكريَّة علمانيًّا، يدافع – بفروسية ــ عن علمنة الإسلام.. ويبشِّر بكامل النموذج الحضاري الغربي العقلي منه والروحي.. ثم تحوَّل من "التغريب" إلى "الفرعونية".. إذا به يئوب إلى أحضان الإسلام وحضارته وتاريخه ونموذجه الثقافي المتميز عن النموذج الغربي.. والحي والفاعل في العقل المعاصر والوجدان الفردي والجمعي للأمة.. وليس النموذج الميت الذي انقطعت معه العلائق والصلات -كما هو الحال مع التراث الفرعوني.

    وعلى ذات الدرب -درب الإياب إلى كامل الإسلام ـ كدين ودولة وأمة وحضارة- سار الشيخ علي عبد الرازق.. فبعد أن حمل كتابه الشهير "الإسلام وأصول الحكم" سنة 1925م دعوى علمنة الإسلام وزعم أن الإسلام مجرد شريعة روحية ـ كشرائع الخالين من الرسل ـ وأنه دين لا دولة.. ورسالة لا حكم.. وأن رسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ لم يؤسِّس دولة، ولم يرأس حكومة، ولم يكوّن جماعة سياسيَّة، "فهيهات هيهات، لم يكن ثمة حكومة ولا دولة ولا شيء من نزعات السياسة.. ويا بُعد ما بين السياسة والدين.. وأن للمسلمين أن يختاروا لهم أي نمط من الحكومة حتى ولو كانت فاشيَّة أو بلشفيَّة"!!

    علي عبد الرازق هذا.. الذي حمل كتابه "الإسلام وأصول الحكم" سنة 1925م هذه "البدعة" غير المسبوقة.. قد آب إلى أحضان النموذج الإسلامي ـ في الدين والدولة ـ حتى لقد أعلن سنة 1951م أن دعوى روحانية الإسلام، وتجرده من السياسة والدولة "هي كلمة ألقاها الشيطان على لسانه.. وللشيطان أحيانًا كلمات يلقيها على ألسنة بعض الناس"! كما أعلن "أن الإسلام دين تشريعي، وأنه يجب على المسلمين إقامة شرائعه، وحدوده، وإقامة حكومة منهم تقوم بذلك".
    هكذا عرفت بلادنا.. وثقافتنا هذه الظاهرة الفكرية والثقافية: الانبهار بالنموذج الثقافي الغربي.. وتقليده في مناهجه.. وتطبيقاته.. في نظرياته واتجاهاته.. فيميننا هو اليمين الغربي.. ويسارنا هو اليسار الغربي.. وليبراليتنا هي الليبراليَّة الغربيَّة.. وشموليتنا هي الشموليَّة الغربيَّة..أي أن الغرب الحضاري والثقافي قد أصبح -عند هذا القطاع من مفكرينا- القبلة التي إليها يتجهون وبنموذجها يتعبدون!.. وبنجمها يهتدون!..

    كما عرفت بلادنا ظاهرة الإياب الفكري والثقافي لعددٍ كبير من هؤلاء الذين انبهروا بالغرب في مطالع حياتهم الفكرية.. فلما نضجوا فكريًّا.. وأدركوا تميز تاريخنا وإسلامنا وواقعنا عن الغرب الحضاري.. عادوا إلى تبنِّي النموذج الإسلامي في "الفكر" و"التقدم" و"النهوض".
    د. محمد عمارة
    ---------------------------------------
    أهمية الأخذ بالأسباب لعمارة الأرض
    أرشدنا الإسلام وأمرنا بالنظر في الكون والتفكر والاعتبار، وفصّل ما تمس إليه الحاجة في حياتنا الدنيا، وما يتعلق بالآخرة، وهدانا إلى أن لكل عمل أثرا لا يتعداه، وأن الأسباب مربوطة بمسبباتها، وكل سبب محمود يفضي إلى غاية شريفة، والأمور الدنيوية لا يمنعها الله عن الذين يسعون إذا أتوا البيوت من أبوابها، والتمسوا الرغائب من طرقها وأسبابها الطبيعية، سواء كانوا مؤمنين أو غير ذلك، وإنما الإيمان شرط للمثوبة في العقبى، وكمال السعادة في الدنيا.

    بهذا كان الدين الإسلامي سببا في سعادة ذويه وسيادتهم وريادتهم للدنيا، عندما كانوا مهتدين بهديه ومتمسكين بحبله، لا بأسرار خفية، وأمور غير معقولة. لكن جهل بعض المسلمين بتعاليم دينهم، وتلمسهم النجاة والتقدم بعيدا عن أخلاقهم وهديهم وقيمهم، أفضى بهم إلى التفرق والانقسام، والميل مع الهوى، كما أن جهلهم بحالة وطبيعة العصر زادهم حيرة وتخلفا في معادهم ومعاشهم.

    فقانون الأسباب والمسببات قانون عام، هذا القانون في غاية الدقة والإحكام والشمول بحيث لا يخرج عنه شيء، ولا يفلت منه مخلوق أيّا كان موقعه، يحكم كل شيء من المخلوقات بلا استثناء من أصغر ذرة إلى أكبر جرم، ومن الجمادات والنباتات بأنواعها المختلفة إلى ذي الروح بأنواعها المتعددة، ومن حركة الذرة في مادتها التي لا يشعر بها الإنسان إلى حركة الريح العاصف التي تقلع الأشجار وتخرب البيوت. هذا الخضوع التام من الجميع ما هو في الحقيقة إلا خضوع للملك القوي الجبار واضع هذا القانون، وخالق هذا الكون، وهذا القانون الإلهي العام يُطلق عليه "سنة الله" لا تقبل التبديل ولا التحويل.

    والعدل الإلهي قائم على تلك السنن الكونية التي تحكم هذا الكون بأمر الله، فأيما أمّة عرفت هذه السنن، واحترمت عقولها، وقدّرت العلم الذي هو الطريق الأول لتطبيق تلك السنن سادت وقادت العالم، ولو كانت تلك الأمة غير مسلمة، طالما أخذت بتلك الأسباب الكونية.

    وليس ما نراه اليوم من سيادة غير المسلمين للعالم، وتأخر المسلمين إلى أن أصبحوا في ذيل الأمم في جميع المجالات، إلا عدلا من الله، وتطبيقا لسننه الكونية والتاريخية، لأن من يطبق العدالة بمفهومها الواسع التي تضمن التقدم والرقي في الدنيا، ويأخذ بالعلم ووسائله الحديثة، يتقدّم على غيره، لا محالة، وهذه سنة كونية. ولكن، للأسف الشديد، تخاذل المسلمون وتغنوا بماضيهم التليد، وحضارتهم القديمة فقط، ومواقف من سبقوهم، ونسوا أن عليهم دورا لم يؤدوه، واهتموا بالقشور دون الأصول، ولم يسع الكثير منهم للأخذ بأسباب النهضة والتقدم الرقي.

    إقامة العمران من مهام الإنسان
    إن الوجود البشري في الأرض قائم على إعمار الأرض وإصلاحها، وتغيير وتحسين وجه الحياة التي نحياها: (هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا) (هود: 61)، فإن أدى هذا المخلوق الذي هو خليفة الله في الأرض وظيفته، وأخذ بأسبابها الصحيحة، ساد الأرض وعلا فيها كعبه، وإن طغى وظلم نفسه، أو ظلم غيره فإن مصيره الهلاك حتما: (وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ، فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا إِلَّا أَنْ قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ) (الأعراف: 4 – 5)، فإهلاك الله للأمم بظلمها لنفسها أو لغيرها، والعقوبة أثر طبيعي لازم للعمل الفاسد، وأن ذنوب الأمم لابد من العقاب عليها في الدنيا قبل الآخرة: (أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آَخَرِينَ) (الأنعام: 6)

    وهذه هي سنة الانتخاب الطبيعي وبقاء الأصلح، وهي سنة مطّردة في ملكوت الله: (وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْض) (البقرة: 251) (فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ) (الرعد: 17)، والذي ينفع الناس هو الذي عليه مدار حياتهم وآخرتهم، لا الذي ينفعهم في أمر دنياهم فقط، ولا الذي يفيدهم في أمر آخرتهم فقط، فلابد أن تكون الدنيا معبرا للآخرة، وسبيلا للعيش طبقا للقانون الذي خلقنا الله من أجله، لعمارة الأرض.

    وقد كتب سبحانه وتعالى إرث الأرض للصالحين، لإقامة العدل والحق، وتطبيق سنن الله في العمران البشري، وهذا ما يسميه علماء الاجتماع: بقاء الأمثل والأصلح في كل تنازع.

    ومدار هذه السُّنّة على أن العاقبة في التنازع بين الأمم على الأرض التي تعيش فيها أو تستعمرها للمتقين، الذين يحذرون أسباب الضعف والخذلان والهلاك، كاليأس من روح الله، والتخاذل، والتنازع، والفساد في الأرض، والظلم، والفسق، ويتلبسون بغيرها، وبسائر ما تقوى به الأمم من الأخلاق والعلم، وأعلى هذه الأخلاق الاستعانة بالله، الذي بيده ملكوت كل شيء، والصبر على المكاره مهما عظمت.
    وهذا ما تتفاضل به الأمم في القوى المعنوية، باتفاق علماء الاجتماع.

    ومن العجيب حقا أنك تجد معظم المسلمين اليوم يجهلون هذه السنن الكونية، ولا يبالون بالنتائج الوخيمة المترتبة على ذلك، وفي كثير من الأحيان لا يبذلون الوسع والجهد في تحسين أحوالهم وإصلاح شأنهم.
    ---------------------------------
    الإسلام عقيدة وعمل
    الإسلام عقيدة وشريعة وعمل، والعمل يشمل العبادات والطاعات كما يشمل النشاط المبذول في كسب الرزق وفي عمارة الحياة وتنمية الإنتاج والخيرات، وبذلك يتحقق التوازن بين مطالب الجسد والروح.
    فمع حرص الإسلام على تزكية روح المؤمن وترفعها عن الدنيا والحث على الزهد فإنه حث أيضاً على السعي في الأرض للحصول على المادة {وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا}[القصص] وذلك حتى لا يقع أهل هذا الدين الإسلامي تحت أسر الأمم المادية، وحتى لا يهون شأنهم في هذه الحياة، فالإنسان خليفة الله في أرضه {هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا}[هود].
    وليتمكن الإنسان من عمارة الأرض فإنه سبحانه ذللها له {هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ}[الملك] حتى يعمل على عمارتها ظاهراً وباطناً.
    فهو مأمور بعمارتها بالعبادة وإقامة الحق والعدل ومفطور على عمارتها من النواحي المادية والاقتصادية المختلفة فـ (نعم المال الصالح للرجل الصالح)[ابن حبان].ومن هنا جاءت نصوص الإسلام حاثة المسلمين على مزاولة التجارة والزراعة والصناعة بمهنها المختلفة، لأن بها قوام الأرض، وصلاح أمور العباد الدنيوية.

    فقد جاء في الأثر حث الأمة على مزاولة التجارة (عليكم بالتجارة فإن فيها تسعة أعشار الرزق) ، وجاء عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله: (التاجر الصدوق الأمين مع النبيين والصديقين والشهداء يوم القيامة)[الترمذي].
    كما أنه صلى الله عليه وسلم حث أمته على العناية بالأرض وزراعتها في قوله: (التمسوا الرزق في خبايا الأرض)[الطبراني]، وقوله: (ما من مسلم يغرس غرساً أو يزرع زرعاً أو يبذر بذراً فيأكل منه إنسان أو طير أو بهيمة إلا كان له به صدقة)[مسلم].والمؤمن صاحب الحرفة أحب إلى الله من ذي البطالة كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (إن الله يحب العبد المؤمن المحترف)[الطبراني].
    وهو من الكسب الطيب كما جاء عنه صلى الله عليه وسلم: حين سئل: أي الكسب أطيب؟ قال: (عمل الرجل بيده, وكل بيع مبرور)[الحاكم]. وقوله: (خير الكسب كسب يدي العامل إذا نصح)[أحمد] وفي قوله: (ما أكل أحد طعامًا قط خيراً من أن يأكل من عمل يده، وإن نبي الله داود عليه السلام كان يأكل من عمل يده)[البخاري].

    ومع حث الإسلام على العمل وطلب الرزق أن يكون الرزق حلالاً طيباً كما قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلالاً طَيِّباً}[البقرة].
    وقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (طوبى لمن طاب كسبه)[الطبراني] والرزق الطيب من أسباب إجابة الدعاء كما جاء عنه صلى الله عليه وسلم: (أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة)[البخاري].كذلك فإن الإسلام وجه المؤمن للسعي والعمل والحركة الدائبة وجعلها من لوازم طلب الرزق ففي الأثر (يا ابن آدم حرّك يدك يسبب لك الرزق) .
    ومما يساعد على البركة في الرزق التبكير في طلبه كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (اللهم بارك لأمتي في بكورها)[الترمذي] .
    والعلم والتطوير والتفكر والاعتبار من ضروريات النجاح في العمل لقول الله تعالى: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ والذين لا يعلمون}[الزمر] وقوله تعالى: {وَمَا يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ}[فاطر].
    ولقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (لا يلدغ المؤمن من جحر واحد مرتين)[مسلم] ، والمسلم في عمله يسعى إلى هدف وغاية لقول الله تعالى: {أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبّاً عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيّاً عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ}[الملك].

    ولابد له من اتخاذ الأسباب المعينة له في ذلك ، ثمّ يفوض النتائج إلى الله عز وجل وليؤمن بـ (إن الرزق ليطلب العبد كما يطلبه أجله)[ابن حبان]ويعمل بوصية النبي صلى الله عليه وسلم التي يقول فيها: (لا تستبطئوا الرزق فإنه لن يموت العبد حتى يبلغه آخر رزق هو له فأجملوا في الطلب ...)[ابن حبان].
    والمسلم مطالب بحسن الأداء في عمله والإتقان فيه لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه)[الطبراني].
    وعليه أن يستشعر عظم المسؤولية الملقاة على عاتقه فـ (كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته)[مسلم].ومن أسس العمل بذل المعروف والتعاون على الخير لقوله تعالى: { وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإثم وَالْعُدْوَانِ )[المائدة].
    (والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه)[مسلم].ومما سبق نلحظ أن الدين الإسلامي؛ دين شريعة وحياة، دين عقيدة وعمل، وأنه فاق الأديان السماوية السابقة في تنظيم شؤون الناس الاقتصادية والاجتماعية في حياتهم الدنيوية ليضمن لهم بذلك العيش الكريم الحافل بالحركة الدائبة والعمل المثمر.
    خالد بن عبد الرحمن الجريسي

                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

07-25-2020, 01:58 AM

سيف اليزل برعي البدوي
<aسيف اليزل برعي البدوي
تاريخ التسجيل: 04-30-2009
مجموع المشاركات: 18170

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: مقالات مفيدة تهم المجتمع و الأسرة و الشبا� (Re: سيف اليزل برعي البدوي)

    ثنائية التفاؤل والعمل...!
    • الشخصية النبوية شخصية متفائلة منشرحة، برغم كل الابتلاءات التي تعرض لها المصطفى عليه الصلاة والسلام .
    • يمر على آل ياسر وهم في أتون المحنة والتنكيل فيصبّرهم[ صبرا آل ياسر فإن موعدَكم الجنة ].
    • والتفاؤل شعاع إيجابي يسري في الروح فيصنع الأمل، المؤذِن بالتحرك والانطلاق .
    • ولكن هذ التفاؤل يسبقه إيمان بقطعيات الكتَاب والسنة، وعقيدة راسخة تستعصي على الذوبان والانهيار من عوادي الدهر .( فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله..) سورة آل عمران.
    • وفِي رحلة الهجرة يهمس في أذن أبي بكر رضي الله عنه بعد الحالة التخوفية الحزينة التي اعترته (لا تحزن إن الله معنا ) سورة التوبة. [ ما ظنك باثنين اللهُ ثالثهما ]
    • وحين المواجهات القتالية وفِي أول مشهد عسكري صادم، خفف عليهم ووعدهم النصر، وأراهم مصارع الصناديد القرشيين في بدر..!
    • في الخندق هو وأصحابه قالوا (هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله ) سورة الأحزاب .
    • ويُفترض في أتباعه ومحبيه التعلم من ذلك وارتداء زي التفاؤل في كل المحن والتقلبات.
    • وفِي الخندق بشرهم بانهيار حضارة فارس والروم واليمن وحيازة كنوزهم، رغم الخوف والخطر المحدق (لقد كان لكم في رسول أسوة حسنة ) سورة الأحزاب .
    • القرآن كتاب يبعث على الانشراح، والسنة غاصة بنصوص السعادة والدأب وان العاقبة للمتقين الصابرين .

    • ومن حكم النبي صلى الله عليه وسلم الرائعة [ ويُعجبني الفأل ] أخرجاه. ففي كل محنة سلّ نفسَك بعبارات الظفر والطمأنينة، وأن الله ناصر دينه وممكن لأوليائه .
    • العبارات التشاؤمية قاتلة، وذات إيحاءات سلبية توهِن الطاقات، وتحطم الجهود، وتحكم بالعزلة.
    • بعض الناس تفكيره سلبي ظلامي إحباطي، لا يرى إلا السوء والسواد، فيقبّح ويتشاءم من كل شيء ومن أحسن الردود عليه (وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا ) سورة آل عمران. وقوله ( والله غالب على أمره ) سورة يوسف.

    • وفِي الحديث [ليَبلُغَن هذا الأمرُ ما بلغ الليل والنهار ].

    • أَيهذَا الشاكِي! وَما بِك دَاءٌ كَيْف تَغدو إِذَا غَدوتَ علِيلا!
    • إِنَّ شَرَّ الْجنَاةِ فِي الأَرضِ نَفسٌ تَتَوَخَّى قَبْل الرحِيلِ الرحِيلا
    • وَتَرَى الشوكَ فِي الْورود وَتَعْمَى أنْ تَرَى فَوْقهَا الندَى إكليلا!
    • والذي نفسُه بغير جمالٍ لا يرى في الوجود شيئا جميلا..!
    • التفاؤل يعني السرور الداخلي والانشراح، وهما عاملان يبعثان على العمل والإنجاز.
    • وختام ذلك التفوق والتقدم وإحراز نتائج مثمرة.
    • بينما التشاؤم سينتهي للتشكي والضعف والانهزام، ثم العزلة الدفينة،،،! وهو مما لا يليق بمن قرأ الكتَاب والسنة .

    • والتفاؤل معنى حاضر مع رسول الله، في حضره و أسفاره وأسماء الناس والأماكن، وفِي الحديبية وقد انسدت السبل، لما رأى سهيل بن عمرو قال :[قد سهُل عليكم أمرُكم ] ، فتسهلت المفاوضات وتم الصلح، وأعقبها فتح وتوفيق (إنا فتحنا لك فتحا نبينا ) سورة الفتح .
    • لا يمكن للعامل والداعية والمربي أن ينتج، والإحباط يتقمصه، أو التشاؤم يعتليه، لا بد من محوهما من الذاكرة ولو تبدّت في الواقع .
    • تفاؤل الدعاة من أسباب نجاحهم وتحقيق أهدافهم، ومضاعفة جهودهم.
    • لا تزيد المحن الداعية الموقن إلا أملا ويقينا في النصر والتمكين (ألا إن نصر الله قريب )سورة البقرة .
    • والمهم أن لا يدع العمل والحرص على نفع الناس وتعليمهم (وجعلني مباركاً أينما كنت ) سورة مريم .

    • لذا ينبغي إشاعة مثل هذه المعاني في حياة الناس اليوم، وأن لا يطغى في خطابنا الدعوي الحزن والتشكي، فينوبهم الإحباط وتضعف العزائم .
    • غالبا المتشائم قليل العلم نزر البصيرة، وتخفى عليه مشاهد السرور والانتشار الإسلامي الكبير، وقد قيل: عند التشاؤم طالع الوردة..!
    • وللدعوة وردٌ قد زها، وثمار تناسقت، وغصون أثلجت، وحدائق شعّت وأسرت..!
    • يعلمنا رسول الله وفِي شِداد المحن أن نتفاءل وننظر بعيون الأمل والاستيثاق أن الظفر قادم، وأن التمكين دانٍ بعز عزيز أو بذل ذليل، فقال بعد حادثة الطائف وطردهم له وهو صافح عنهم: [لعل الله أن يُخرج من أصلابهم من يعبد اللهِ وحده لا يشرك به شيئا ] كما في الصحيحين .
    • ومن الحكم العالمية: إن من أعظم أنواع التحدي أنّ تبتسم، وفي عينيك تذرف الدموع ..!
    • وقال لخبّاب وقد آلمتهم شدة المشركين: [ والله ليُتمنّ الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت، لا يخاف إلا الله والذئبَ على غنمه ولكنكم تستعجلون ] .

    • ولم يترك صلى الله عليه وسلم الدعوة على إثر ذلك، بل علمهم الصبر مع العمل، والجد مع التعب والتفاؤل مع البلاء..! ( إن مع العسر يسرا ) سورة الشرح .
    • وفِي الوصية الذهبية لابن عباس رضي الله عنهما [ واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب وأن مع العسر يسرا ].
    حمزة آل فتحي...
    ----------------------------------------------
    المثقف والمسقف
    "إني حَصَان فما أُكّلم وثَقَاف فما أُعَلَّم" أم حكيم بنت عبد المطلب
    أرجو ألا تظنوا أنه موقف عليائي، وأن أم حكيم -رضي الله عنها- قد استبد بها الغرور فقررت التوقف عن تحصيل المعرفة. بل هي وصفت نفسها بالثقافة لا بالمعرفة، وشتان شتان ما بين الاثنين. المعرفة في المحصلة العامة تجميع للمعلومات مع بعض العمليات التنظيمية التي تضمن للعقل استرجاع المعلومات بالشكل المناسب وفي الوقت المناسب. وقد يكون لأحدهم اطلاع موسوعي، وقد يختزن عقله الكثير من الأرقام والنسب والأحداث والمقولات، لكن إياك أن تظن أنه مثقف بالضرورة، هو عارف وحسب.

    أما المثقف (أو الثقاف كما وصفت أم حكيم نفسها بصيغة المبالغة) فهو شخص لا يحتاج أن يُعلّم، لأنه تعلم كيف يتعلم، وخبر آليات اكتساب المعرفة، وتجاوزها إلى شيء أكبر وأعمق: الثقافة. وهذا لا يعني أن المثقف عارف بكل شيء، بل هو يملك قاعدة معقولة من المعارف، انطلق من كتفيها إلى أفق أرحب وهو التثقف. وعلي أن أشير هنا إلى اللبس الذي كثيرا ما يحدث بين الثقافة التي أتكلم عنها (أو المثقفيّة نسبة إلى كون الشخص مثقفا) وبين الثقافة بمعنى القيم والسلوكيات السائدة في مجتمع ما أو مؤسسة.
    المثقف يتسم بصفات فكرية تميزه عن غيره من دوائر المعارف التي تدب على الأرض و"ديدان الكتب"، فهؤلاء كثيرا ما يكونون" مسقّفين"، يضربهم أفق خفيض على رؤوسهم لأنهم لا يفكرون خارج أقوال فلان وفلان، فيصنعون لأنفسهم سقفا قادرا على حفظ الكثير من إنتاج الآخرين، لكنه سقف خال من المسامات التي تسمح لإبداعهم أن ينفذ من خلاله.

    وبالمناسبة -وبما أن هذا الأمر يزعجني- المثقف ليس شخصا يرتدي نظارة بالضرورة(مثلي أنا!)، ويعيش بين كومة من الأوراق وأعقاب السجائر ويستطيع أن يبقى بينها أسبوعا أو أكثر يتنفس ثاني أكسيد الكربون بطريقة لم يكتشف العلم الحديث لها تفسيرا! وليس بين الصلع وبينه عقد احتكار ، ولا يجب أن يكون من بين المرشحين للحصول على لقب عميد البشرية.
    وحتى لا أكثر من التنظير، وأعلم أن القارئ اليوم نفسه قصير، إليكم قائمة بصفات غالبا ما تجدونها لدى المثقف:
    - المثقف له المقدرة على التفكير المستقل، الذي كثيرا ما يتجاوز حدود الزمان والمكان. فهو لا ينظر إلى زمانه ومجتمعه فقط، بل إلى هم أكبر، أممي أو حتى كوني. المثقف يزعجه أن يحصر نفسه في الهم الآني، وقضية الساعة، بل لديه نزعة ظاهرة إلى القفز على خط الزمن (تقديما أو تأخيرا) للحصول على خُلاصة فيها الخَلاص.

    وهذا لا يعني أنه لا يهتم بمجتمعه، لكن هذه النزعة القلقة نحو ما هو أوسع هي ما تمكنه من الوصول إلى حلول مبتكرة لمشاكل مجتمعه في حين يرزح الآخرون في مستنقع التبرم حول الواقع.

    - المثقف له وعي شمولي، لا يحصر نفسه في حقل علمي معين، بل يجوب بساتين مختلفة يلتقط منها الثمار الملائمة، بل ويزاوج بينها. الخيال العلمي – على سبيل المثال لا الحصر- مزيج من العلم والأدب لا يقدر عليه إلا شخص قادر على امتلاك ناصية الأدب والإمساك بلجام العلم، وتزويجهما بغِراء الخيال.

    - المثقف إنسان لم يفقد القدرة على التساؤل، ونزعة الفضول، والقدرة على تطويع أحلام اليقظة وتساؤلاتها لتكون منصة انطلاق إلى قضايا أكبر.

    - المثقف إنسان لا يشبع من المعرفة، لكنه يعرف كيف لا يكون سليبا لها، يعرف كيف لا تصيبه تخمة معرفية. فهو حين يقرأ، يقرأ قليلا ويفكر كثيرا، فالإفراط في القراءة كعدمها، ينتج لنا عقولا ببغائية لا تستطيع النقد ولا التحليل، ويخرّج لنا أفواجا من "المسقّفين". المثقف يعرف من أين تؤكل الكتف المعرفية، يعرف كيف يتحرك كالفراشة ويلسع كالنحلة! يعرف كيف ينتقي ما يقرأ، ويعلم أن ما بين يديه جهد بشري يستوجب التمحيص والأخذ والرد.
    ولذا فهو إنسان له رأي خاص به، فهو ناقد وليس ناقلا يلوك رأي من قرأ لهم دون أن يمرره على مفرزة الشك. وهو إن نقل ينقل بأمانة من جهة، وبحكمة وحذر من جهة أخرى. - المثقف لا يسكن في بطون الكتب، بل شخص تخرّج منها إلى أفق أرحب وأوسع. شخص يحب أمهات الكتب، لكنه قادر على الانفطام من أحضانها.

    - وختاما، المثقف - من وجهة نظري- شخص عليه الخروج من البرج أو القوقعة ليقدم شيئا يفيد الإنسانية بالمفهوم المجهري المتخصص (مايكرو)، أو المنظاري الواسع (ماكرو). فالمثقف الذي يكتب لنفسه أو لـ"شلته" أو يكتب ليتلذذ بتعذيب الناس بكلمات وتهويمات لا - وربما لن- يفهمها إلا هو، ليس مثقفا حتما بل مهووس فكريا يريد استعراض ذخيرته أو مقدرته على اختراع رموز سرية.
    أما المجتمع والأمة والإنسانية فتحتاج إلى لغة كونية، لغة مسؤولة، لغة لها يد تهز العالم لتوقظه من سباته، وتربت عليه إذا ما أصابه الأرق. هؤلاء هم المثقفون الحقيقيون. هؤلاء فشجعوهم حيث ثقفتموهم!
    الأستاذة / حياة القلوب....
    --------------------------------------------------------------
    مقاعد اللبراليين !!!
    دخلوا مسرحاً فسيحاً، قد غَصّ بالروعة والحسن، والمناظر الخلابة، والأماكن النافعة الماتعة، والمهن الجاذبة، من سد فراغ، أو نطق حق، أو بث حكمة، أو ردع ضال، أو شم زهرة حسناء، بدلا من شعواء، أو تناول فاكهة لذيذة...
    وتجاوزوا ذلك وقعدوا هنالك، حيث المشاقة والمشقة، والضلال والظلمة، والتيه والتهمة، والتمرد والنفرة، والرائحة الخبيثة، وتجرع فاكهة فاسدة، حتى باتوا معزولين عن أمتهم، ومعادين لأوطانهم، أشبه ما يمكن وصفهم (بذبابة الحقل) تتجاوز رحيق الأزهار، لتقع على القاذورات، ويتفاخرون أمام الغرب الاستعماري بمثل تيك مقاعد، من نحو...:

    ١- تجريح الأخيار: والتندر بفضلاء الناس، ودعاة الأمة، والحرص على إسقاطهم مهما كلّف الثمن والوقت، حتى تستيقن أنه عداء مستحكِم، وليس مجرد خلاف شخصي، أو تعثر في مواقف محددة..! قال تعالى: ( والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا وإثماً مبينا )سورة الأحزاب .
    لا سيما هيئات الأمر بالمعروف، ورموز الصحوة، يكبرون أخطاءهم، ويفترون عليهم بلا حدود( وقد خاب من افترى ) سورة طه .

    ٢- النيل من الخطاب الديني: وأنه أساس البلاء، ومعدن الشقاء، وتراجع النماء، وما تولدت الفئات الضالة والفكر الداعشي الخارجي، إلا من خطابهم التحريضي، ودرسهم الأسبوعي، ومنابرهم المنفلتة،،، وهلم جرا...( كبرت كلمةً تخرج من افواههم إن يقولون إلا كذبا ) سورة الكهف .
    ولابد من تجديده وتطويره، والتجديد عندهم المسخ والهلهلة، وتقديم التنازلات حتى يرضى المستعمر عنا...!
    ويتجاهلون فضل الخطاب الديني، من نشر الخيرات، وتقليل الانحراف والحد من ارتفاع الجريمة، والتي تضاعفت في كثير من الأقطار العربية..!

    ٣- مهلكتهم الصحوة: لا يرقمُ مقالا، إلا ونبزَها، أو يلقي محاضرة إلا هتكها، ويظن أنه على شئ، وليس هو بشئ..! ومن آخر ترويجاتهم المنحطة: أن داعش خارجة من رحم الصحوة الإسلامية، ويطلقون مصطلح( الصحاينة) على أقطابها المشاهير، وسلم منهم الأعادي، غير أهل الإسلام،،،! ويرى بعضهم في الصحوة العدو اللدود، من عطلت مشروعه، وكبحت نزوعه ، من جراء الهوى والمخالفة

    ٤- الضيقة بالسنن الظاهرة : كصلاة الجماعة واللحية وتقصير الثياب والسواك، ومكبرات الأذان،! ولباس الفرنجة والصلع الوجهي عنده أحلا وأطيب ..!
    والإعلام الإسلامي، والفضائيات النظيفة محل سخرية لديهم...
    وبالتالي ليسوا من عمار المساجد، ولا مرتادي المحاضرات، أو دعاة الخيرات...! بل يأخذون برائحة الشرائع، والواجبات لديهم سنن، والأركان محل نقاشاتهم ومجادلاتهم...!
    وهم كما قال عميد كلية القانون بجامعة هارفارد، وقد سئل من بعض الفضلاء، فقال : دينكم متجذر في مجتمعكم، وإعلامكم لا يعكس واقعكم..!

    ٥ - أزيار للنساء: أصموا الآذان، وأزعجوا الوطن بالمرأة، وحق العمل والمشي، واللباس والسيارة، والبنطال، حتى علقوا تخلف المجتمعات على فقدان المرأة القيادة،وترك الموسيقى...! بينما لا كلام عن حقوق المطلقات والأرامل والعجائز...! فما لكم كيف تحكمون..؟! وغالبا ما يشيدون بالنمط الغربي لبناتنا، لكي تستنسخ التجارب، وتنطمس الأخلاق، وتلك أسمى أمانيهم.

    ٦- بوق تغريبي : معيّن بهذا المسمى، وله راتب فاخر، فلديه (عمود صحفي)، يؤدي فيه مهنة الترويج للمدنية الغربية،، ومدح ثقافتها، والتعالي برؤيتها، ومدح نظامها، والشموخ بطعامهم وحدائقهم وحرياتهم،،،! وماذا بعد....؟! لا ذكر للعرب والمسلمين،،بل رميهم بالتخلف والهمجية، وتحميل كتب التراث كل شقاء، وبلاء في حياتنا...!

    ٧ - صهينة الصحافة : ففي أُتون المحن، ينسى أو يتناسى الاحتلال الصهيوني لفلسطين، فيبدأ يشع ومضات الصهينة من نحو التقارب مع الصهاينة، فناً أو سياسة أو رياضة، ليحقق (خطوة تطبيعية) مع الكيان الغاصب، وقد اقترح غير واحد منهم إدخال الصهاينة في الجامعة العربية، أو تجربة التعايش معهم، حيث لم تُجدِ ستون سنة من الحصار والقطيعة...! كما زعمه بعض مثقفيهم...!

    ٨ - مغازلة اليهود : بترك هجائهم والحديث عن السلام المطلق والاستراتيجي، وتقبيح حرمات المقاومة والجهاد، والتثريب الطاغي لحماس والفصائل المقاتلة، والدعوة لتوسيع السلام من قبل كيانات عربية...! والتثريب الدائم على حركات المقاومة والكرامة المفقودة، وتعز تعليقاتهم القومية والدينية على جرائم اليهود الحالية تجاه الأقصى .

    ٩ - التصالح مع المستعمر : وكأن عالمنا العربي ليس فيه احتلال أو محاولة الضغط علينا لتنفيذ الأجندة الغربية، فيجنح (لسياسة التكيف) مع الواقع الكئيب الذليل، ويسوّق لذلك عبر كتاباته أو برامجه الفضائية..!
    وإن صح ذلك مع مستعمر باغٍ بعيد، كيف المقال مع مستعمر، جاس الديار، وبغى واعتدى، ونال من الدين والهُوية...! مع انبطاح تام للاستبداد، وتأييد للظلمة وشنائعهم، حتى تنكروا لجوهر الفكر الليبرالي، وباتوا قتلة بغطاء ليبرالي...!

    ١٠- تمييع الشرائع: فلا يعرف من الإسلام إلا سهولته، ومن الأحكام إلا يسرها، فيغرد بأوتار السماح والتعايش، ويتجاهل أحكاما أخرى صارمة، وواجبات محتّمة، فيؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض...!

    فما وافق هواهم أشادوا به، وما خالفهم نابذوه واستنكروه...!
    (ومن الناس من يعبد الله على حرف، فإن أصابه خير اطمأن به، وإن أصابته فتنة انقلب على عقبيه ) سورة الحج .
    ويحملون كبر تزعم (تفسير النص الديني)، وقراءته من جديد، والدعوة لذلك، بحيث يتناغم مع معطيات الحياة، وفق تصوراتهم..!
    فبرغم سعة المكان وتنوعه، لم يجد المثقف الليبرالي إلا (مقاعد السوء) والخيبة، ليطعن أمته على غِرة، وقد اعتقدت سلامته ووفاءه، ولكنه باع عقله وضميره، وبات بندقية للإيجار، وسلاحا يضرب وفق إرادة الكفار والمنافقين. والله المستعان.!
    د. حمزة فايع الفتحي...
    -----------------------------------------
    الاجتهاد الزائف
    ليس في الإسلام كهنوت يحتكر التكلُّم باسم الله، أو تفسير الوحي، أو الاستئثار بالمعرفة الدينية؛ كما هو الحال في المسيحية، هذا هو الحقُّ الذي عليه الأمَّةُ منذ وفاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، لكن هذا لا يعني بحالٍ أن الدين كلأٌ مباح، يتناوله ويفسِّره كلُّ من شاء بهواه ومزاجه، بل إن لشؤون الدين علماءَ متخصصين يعرفون دقائق اللغة العربية، متبحرين في علوم القرآن والسُّنة، كما يوجد متخصصون في الاقتصاد والقانون والهندسة والإدارة وغيرها، لكن من المؤسف أن تجد في زماننا هذا مَن يحترم جميع التخصصات، ويقصد أهلَها عند الحاجة، ويسلِّم بأقوالهم، فإذا تعلَّق الأمر بالمسائل الدينية، نصب نفسَه عالِمًا وفقيهًا ومفسِّرًا ومفتيًا، وسمح لنفسه برفض إجماع العلماء، وجزم برأيه في أصعب المسائل، وكأنه مجتهد ومجدِّد.

    يجب أن يكون الأمر واضحًا: أنا ضد التقليد الأعمى، ومع البحث والتحقيق في كلِّ ما يتعلق بالمرجعية الدينية والأحكام الشرعية وتاريخ الأمة، لكن هل من المعقول والمقبول أن يقتحم هذه المجالاتِ من لا يمتلك أدوات البحث والتحقيق؟! هل يكفيه أن يكون قد قرأ رسالة أو كتابًا أو رأيًا، حتى ينتصب للنقاش العلميِّ الذي يحتاج إلى بضاعة راسخة موثقة؟! هل يُسمح له بمثل هذا لو تعلَّق الأمر بمسائلَ قانونية أو طبية مثلًا؟! لماذا يتوقف هنا، ويندفع هناك؟!
    أيهما أشدُّ خطرًا بالنسبة للمسلم: المباحث الدينية أم الدنيوية؟! أليس الخطأ في هذه أهونَ من الخطأ في الأولى؟!

    من أغرب ما رأيت في حياتي الدعويَّة والعلمية أن غير قليل من الناس يفتقرون إلى أخلاقِ طلبة العلم، وعلى رأسها التواضع، فتجدهم لا يقصدون العلماء للانتفاع منهم، بل لمجادلتهم، فهم لا يعدُّون أنفسهم طلبةً يتعلمون، بل علماء بلغوا درجة الاجتهاد، يُخطِّئون البخاريَّ ومالكًا، وابن تيمية وابن باديس والقرضاوي، ويقولون بكل تبجُّح: هم رجال ونحن رجال! في حين لا يعرفون شيئًا عن قواعد التفسير، ولا علم الأصول، ولا مصطلح الحديث، فصنيعُهم كمن يدرس في الجامعة الإسلامية، ويرد نظريات بيتاغور ونيوتن وأينشتاين، أليسوا سيقولون عنه: متطفِّل؟

    إن هؤلاء لا يقصدون العلماء ليعرفوا ما لا يعرفون، أو ليسألوا ويأخذوا الإجابة، ولكنهم يتلقَّفون الشبهات من المستشرقين و"الحداثيين"، وأولئك الذين يُطلِق عليهم الإعلامُ الفرنسيُّ المناهض للإسلام: (مفكِّري الإسلام الجدد)، نعم يأخذون الشبهات حول القرآن والسُّنة والتاريخ، ثم لا يَسألون عن الرد الإسلاميِّ عليها، ولكن يعتبرونها حقائقَ ثابتة، فإذا واجهْتَهم بأقوال العلماء القدامى والمحدَثين، وكيف دحضوا هذه الشبهاتِ منذ زمن بعيد - أعرَضوا وتكبَّروا، وأعرَبوا عن رفضهم لكل المفسرين والمحدِّثين والفقهاء والمفكرين عبر التاريخ؛ لأن المراجع التي يثقون بها هي ماسينيون وجاك بيرك، وأركون وعدنان إبراهيم!

    لعل الواحد من هؤلاء "المجتهدين" لا يحافظ على صلاته ولا أوراده، وتديُّنُه رقيق، وبدل أن يعتنيَ بتزكية نفسه، والاستزادة من المعرفة الشرعية، والإقبالِ على الاستقامة، تجده يخوض في المسائل العويصة التي تنقطع فيها أعناق الإبل، ويرفض تراث المسلمين كلَّه بدءًا بترتيب المصحف وثبوت السُّنة النبوية، وغزوات الرسول - صلى الله عليه وسلم -، ومكانة الصحابة، وانتهاءً بالأحكام الشرعية المتعلِّقة بالمرأة وغير المسلمين والرِّدة، ومرورًا بنزول المسيح وظهور المهدي...كلُّ هذا لا بد من إعادة النظر فيه؛ لأنه غير ثابت، بل هو نتيجة تلاعب السياسيِّين والفِرَق المختلفة! وليس للأمة ثوابتُ إذًا، وهي تموج في الخطأ منذ نشأتها، ولم يكتشف الحقيقةَ إلا هؤلاء المتأخرون الذين يسْتقون "الحقائق" من المستشرقين والشيعة و"القرآنيين" والقديانيَّة.

    إنه الشذوذُ الفكريُّ المنبعث من قلة البضاعة العلمية، وضَعف الإيمان الذي يجعل أصحابه يقتحمون المزالق الخطرة بكل خفَّة، وكأن الأمر رياضة أو تسلية، وليس دينًا، ناقشَني أحدُهم - وهو يعمل في ميدان لا علاقة له بالدراسات الشرعية - في قضية الجهاد، وجزم بكلِّ قوة - كما يفعل المستشرقون بخبث ودهاء - أن الغزوات كانت مجرد دفاع عن النفس، أما الفتوحات، فهي عدوان خالَف فيه المسلمون الهدي النبويَّ، فسألته عن غزوتي حُنينٍ وتبوكَ، وقد كان الجهاد فيهما استباقيًّا وليس للدفع - والظاهر أنه لم يكن يعرف عن ذلك شيئًا، ثم قرأ عنه وتأكَّد من صحة كلامي - وقلت له: هل كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - مخطئًا إذًا؟! فردَّ عليَّ بتوتُّر واضح: إذا كان الأمر كذلك، احمِلوا السلاح، وقاتِلوا العالم كلَّه! ومِن ثَمَّ فإن وجه الخطورة في كلامه أنه لا يسلِّم لحكم النبيِّ، بل يُحكِّم عقله، أو بالأحرى عقلَ غيرِه، ومع ذلك فهو مسلم، بل هو وحدَه المسلم، ونحن جميعًا غارقون في الدجل والكذب والتحريف، وعلى رأسنا العلماء والفقهاء والمفسِّرون، والدعاة والمفكرون! تفاسيرُنا كاذبة، سُنة نبيِّنا محرَّفة، فقهُنا مغشوش، تاريخنا مزوَّر، ومِن ثَمَّ إسلامُنا كله لا وزن له، هذا ما اكتشفه في القرن الخامس عشر "مسلمون" قلما قرؤوا القرآن، أو اطلَعوا على السُّنة.

    أريد أن أؤكد لإخواني أن مداخل الشبهات سهلة، لكنها دهاليز لا يُحسن الخروجَ منها إلا مَن وفَّقه الله - تعالى -، ومن كان غيورًا على دينه، فليتعلمه من مصادره التي أجمعت عليها الأمةُ، وليَتركِ اصْطياد الشبهات والمسائل الشاذة؛ فإنها تُقسي قلبه، وتلوِّث عقله، وتُبعده عن جمهور الأمة، وتحشره مع الطوائف الشاذة، والتواضعُ أمام العلم والعلماء وتراث الأمة العلميِّ: يَعصم من الزلل، ولو اشتغل كل واحد منا بالمجال الذي يعمل فيه، وأتقن أداءه، لكان أفضل من تركه والغوص في مسائلَ العلمُ بها لا ينفع، والجهل بها لا يضرُّ، وقد زاد الطينَ بِلَّةً ما وفَّره الإنترنت من فضاء مفتوح لشباب أغرار، وكهول متطفلين، اطلعوا على صفحات معدودة من كتب، فحسِبوا أنفسهم علماءَ محققين، وفقهاءَ مدققين، يأتون بما لم تستطِعْه الأوائل، وكلامُهم في الحقيقة صريرُ باب، وطنينُ ذباب، لو كانوا يعلمون!

    ومن أنفع الطرق في التعامل مع هؤلاء: تركُ مناقشتهم وجدالهم؛ لأنه لن يزيدهم إلا استكبارًا، أما ما يحتاج إلى مراجعة من مسائل الدين والتاريخ، فيُرَد إلى أهله، وعلينا أن نُقبِل عليهم لنتعلَّم لا لنتعالم؛ ( فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ) [النحل: 43]، (وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ ) [النساء:83].
    الأستاذ/ عبد العزيز كحيل....

                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

08-01-2020, 01:41 AM

سيف اليزل برعي البدوي
<aسيف اليزل برعي البدوي
تاريخ التسجيل: 04-30-2009
مجموع المشاركات: 18170

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: مقالات مفيدة تهم المجتمع و الأسرة و الشبا� (Re: سيف اليزل برعي البدوي)

    أحبُّ الحياة!
    - حب الحياة فطرة، والمؤمن يكره الموت غالبًا، وفي الحديث القدسي: "..المؤمنُ يكره الموتَ، وأنا أكرهُ مَساءَتَه" ( البخاري ).
    وقالت عائشة رضي الله عنها: "كلنا نكره الموت" ( البخاري، ومسلم).
    ولكن يجب أن يكون حب الله ورسوله أقوى وأشد..

    - من حب الحياة الإحسان إلى الأبناء.
    وكما قيل:
    لقد زاد الحياةَ إليَّ حُبًّا *** بناتي إنَّهنَّ من الضِّعافِ
    مخافةَ أن يذقن الفقرَ بعدي *** وأن يشربنَ رَنْقًا غير صافِ

    الإحسان إلى الوالدين، وهما أوسط أبواب الجنة.
    الإحسان إلى الزوجة، وبناء الأسرة الصالحة.

    الإحسان إلى الضعفاء والمساكين والمرضى والغرباء والمعوزين.. وما أكثرهم في العالم، وفي العالم المسلم خاصة!

    - إن الزواج استجابة لغريزة فطرية، ولكنك ترضي ربك، وتقتدي برسولك صلى الله عليه وسلم، وتنفع مسلمة، وتفيد صاحب البيت الذي تستأجره، وصاحب البقالة التي إلى جوارك، وتعزِّز العائلة التي صاهرتها، وتتيح عملًا لسائق أو خادمة في أحيان كثيرة، وتنفع صاحب السيارة، وتتدرَّب على تحمل المسؤوليات، وقد تنجب ذرية، تكون ذكرًا لك في الأرض، ورفعة لك في السماء.

    - إن الرفض المطلق للحياة ومشاريعها لا يصنع شيئًا، والمشاركة هي الأفضل والأبقى والأتقى.
    والله تعالى جعل الليل والنهار خلفة لـمَن أراد أن يذكَّر أو أراد شكورًا.
    فكم في الحياة من فرص التعبد والاقتراب من الله، ومناجاته، وإشباع العقل والقلب والروح بذكره، وتسبيحه، وتلاوة كتابه، والتدرُّب على القيام، والصلاة، والاستحضار والخشوع، وهذه مقامات جليلة، يرفع الله بها عباده المصطَفين الأخيار، ولذا أحبوا الحياة من أجل صف الأقدام بين يدي الملك العلَّام في جنح الظلام، ومن أجل ظمأ الهواجر في اليوم الصائف، بعيد ما بين الطرفين، ومن أجل بذل المعروف والنَّدى، وكف الأذى، وتدارك النفس من آفاتها وعيوبها الباطنة قبل الظاهرة.

    - طول الحياة يسمح لك بتجديد النية، وتصحيح المقصد، وقد يغلب على الشاب حب الظهور، أو الاستعجال، أو الإعجاب بالنفس، أو ما سوى ذلك من الشهوات الخفية، وكم من قتيل بين الصفين الله أعلم بنيته، وإنما الأعمالُ بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى.
    وكان بعض السلف يقول: "طلبنا العلم لغير الله، فأَبَى إلا أن يكون لله".
    أن يمهلك الله حتى تسدِّد، وتقارب، وتحاول، وتتسع تجربتك، وتعطي الأشياء مقدارها، دون غلو أو اجحاف، وتصحِّح نواياك ومقاصدك التي يراها الله ولا يراها الناس؛ فهو من فضل الله عليك.

    - بينما جهاد الإحسان إلى الناس لا يفتقر إلى نية، كما ذكر أهل العلم، أن تغيث ذا الحاجة الملهوف، أو تعين صانعًا، أو تصنع لأخرقَ، أو تسقي أخاك من مائك، أو تميط شوكًا عن طريق الناس.. فذلك كله من الخير الممدوح عند الله، حتى لو لم تحضرك فيه نية، وما ذلك إلا تسهيلًا لفعله، وتحفيزًا إليه دون تردد.

    - التوازن إذًا بين صناعة الموت في ميدانها وبشرطها ونيتها، وهي الاستثناء الذي لابد منه لحفظ الأمة وديانتها وحياتها، وبين صناعة الحياة التي هي المشروع الأصل الذي نضحِّي من أجله ونحميه، فتلك قضية تربوية وأخلاقية، يجب أن يقف عندها الشاب المخلص لنفسه ولأمته طويلًا، قبل أن يتخذ قرار وجهته!

    - الأب الحاني، والصديق الوفي، والأستاذ المشفق، والخطيب الموفَّق، كلهم عون على بناء الحياة، وتجنب المغامرات غير المحسوبة، التي قد يندفع إليها شاب لم تكتمل خبرته، ولم تنضج تجربته، ولا زال في مدارج الحياة الأولى، وربما سبقت إليه فكرة، فتشبَّع بها، ولم ير غيرها، حتى لم يعد في عقله وقلبه متسع إلا لمشروعه الوحيد، الذي يظنه قضاءً على كل المشكلات، وحلًّا لكل المعضلات.
    ولو أنه أقبل على برامج الحياة الإيجابية، وتلمَّس مقعده منها؛ لوجد من وراء ذلك خيرًا كثيرًا، والموفَّق مَن وفَّقه الله، والله يحول بين المرء وقلبه، وإليه المصير
    د. سلمان بن فهد العودة.....
    --------------------------------
    وَلَكِن لاَّ تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ
    ظاهرة التناصح والمراجعة بل والنقد من الظواهر السليمة والصحيّة في المجتمعات الفاضلة، ومنارة باسقة تدل على فلاح الأمم ونجاحها، وعامل أساسي للتطوّر والتقدّم وتجاوز السلبيات والإخفاقات. وهي ظاهرة وأمرٌ ندبت إليه الشريعة الإسلامية، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ}[الحشر: 18]. وهذه إشارة ربانية إلى المراجعة الشخصية ونقد الذات قبل المثول أمام الله يوم القيامة.
    وهاهي نظريّة عمر الفاروق -رضي الله عنه- تصدح في كل زمان عبر التاريخ: "رحم الله امرأً أهدى إليّ عيوبي"، وهو هنا يتكلم على مستوى الدولة، أما على مستوى الأفراد فيقول: "حاسبوا أنفسكم قبل أنْ تُحاسبوا، وزِنوا أعمالكم قبل أنْ توزنوا؛ فإنّ اليوم عمل ولا حساب، وغداً حساب ولا عمل".
    فالنقد والمراجعة والتناصح ظاهرةٌ إسلاميّة أصيلة قبل أنْ تكون ظاهرةً مستوردة، وخلقٌ إسلاميّ عاشه صالحوا هذه الأمّة من القادة والعلماء والمفكرين قبل أنْ يكون ممارسةً لدى دول الغرب الديمقراطي، فلا خلاف ولا إشكال إذاً في مشروعيّة وأهميّة المصارحة والمراجعة وتصحيح المسار، بل سر أزمات المجتمعات في تجاهل هذه الظاهرة وتميع مواقفها تجاه السلبيات ومحاولة خلق الأعذار، دون حسم الإخفاقات باقتدار.

    وتواصوا بالحق
    قال تعالى: {وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْاْ بالحق وَتَوَاصَوْاْ بالصبر}[سورة العصر] .. هذه الآيات فيها وعيد شديد، وذلك لأنه تعالى حكم بالخسارة على جميع الناس إلا من كان آتياً بهذه السلوكيات الأربعة، وهي الإيمان والعمل الصالح والتواصي بالحق والتواصي بالصبر، فدل ذلك على أن النجاة معلقة بمجموع هذه الأمور، وإنه كما يلزم المكلف تحصيل ما يخص نفسه فكذلك يلزمه في غيره أمور، منها: الدعاء إلى الدين، والنصيحة، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وأن يحب له ما يحب لنفسه، ثم كرر التواصي ليضمن الأول الدعاء إلى الله، والثاني الثبات عليه، والأول الأمر بالمعروف، والثاني النهي عن المنكر، ومنه قوله: {وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} [لقمان:17] (تفسير الرازي:17/201بتصرف)
    ومما يدل أيضًا على عِظَم مقام النُّصح في الدين ولزومه وتأكُّده وضرورة إشاعته بين أبناء المجتمع المسلم أنه -صلوات الله وسلامه عليه- كان يشرُطُه على من يُبايِعه على الإسلام، كما جاء في الحديث الذي أخرجه البخاري عن زياد بن علاقة أنه قال: سمعت جرير بن عبد الله -رضي الله عنه- يقول يوم مات المغيرة بن شعبة: إني أتيت النبي -صلى الله عليه وسلم- فقلتُ: أُبايِعُك على الإسلام، فشَرَط عليَّ: «والنُّصح [أي: وعلى النُّصح] لكل مسلم»، فبايعتُه على هذا.
    وقد أخبر رسول الهدى -صلى الله عليه وسلم- عن عِظَم مقام النُّصح في دين الله تعالى، وعن شرف منزلته في حديثٍ عظيمٍ هو من جوامع كلِمِه، فقال -صلى الله عليه وسلم-: «الدين النصيحة، الدين النصيحة، الدين النصيحة». قالوا: لمن يا رسول الله؟ قال: «لله عز وجل، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم» [أخرجه مسلم]

    لا تحبون الناصحين
    يقول ابن قدامة عن صفتي «المصارحة والمناصحة»: "وقد عز في هذا الزمان وجود صديق على هذه الصفة، لأنه قل في الأصدقاء من يترك المداهنة فيخبر بالعيب. وقد كان السلف يحبون من ينبههم على عيوبهم، ونحن الآن في الغالب أبغض الناس إلينا من يعرفنا عيوبنا، وهذا دليل على ضعف الإيمان". [منهاج القاصدين]
    ويبدو أن عدم حب الناصحين سمة على مستوى البشر والمؤسسات والكيانات والأمم، لكن تفاقم هذا الكره للنصح أصابنا بأزمات مزمنة وصرنا نعيش بين أزمتين رئيسيتين، بين مريض لا يدري أنه مريض، وبالتالي لا يريد أن يسمع لنصح الطبيب، وبين معافى لا يرغب في انتشال المريض من مرضه.
    الأول: لا يعلم ويتصرف كالأصحاء والمرض يسري في بدنه ويحمله للهلكة، والثاني: يعلم لكنه يتكاسل أن يعمل بما يمليه عليه علمه.
    الأول: لا يعبأ بالثاني، والثاني: يترقب الأول! ولا أحد يريد أن يغير قواعد تلك المنظومة المشئومة، ولا أن يشق مسارا آخر في الإصلاح! أو يكسر هذا الجمود الضارب في أعماق الأزمات .. في جدلية أشبه ما تكون بالهزلية التي لا تنتهي ..

    ويبقى السؤال: أي فارس يجسر بصهوة جواده هذه الهوة؟! أم سننتظر حتى يدفع الأول والثاني الثمن غاليا، وبعد فوات الأوان ربما يقتنع الأول أنه في محنة حقيقية، وينتفض الثاني لينتشل الأول! ولكن هيهات النجاة .. تلك أزمة أمتنا الكبرى!
    البصيرة العمياء
    من نعمة الله على العبد أن يقيض له الناصحين الذين يرشدونه إلى الخير، ويأمرونه بالمعروف وينهونه عن المنكر، ويسعون في سعادته وفلاحه، ثم من تمام هذه النعمة أن يُوفَّق لطاعتهم، ولا يتشبه بمن قال الله فيهم: {وَلَكِن لاَّ تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ} [الأعراف: 79].
    فأشر ما في النفس الإعراض عن الحق وكره أهله والإعجاب بخاصة رأيه .. قال الشوكاني: "والمتعصب وإن كان بصره صحيحاً، فبصيرته عمياء وأذنه عن سماع الحق صماء، يدفع الحق، وهو يظن أنه ما دفع غير الباطل، ويحسب أن ما نشأ عليه هو الحق، غفلة منه وجهلاً بما أوجبه الله عليه من النظر الصحيح، وتلقي ما جاء به الكتاب والسنة بالإذعان والتسليم، وما أقل المنصفين بعد ظهور هذه المذاهب في الأصول والفروع، فإنه صار بها باب الحق مرتجاً، وطريق الإنصاف مستوعرة، والأمر لله سبحانه والهداية منه، يأبى الفتى إلا إتباع الهوى ومنهج الحق له واضح".
    إن المتعصب إنسان غارق في أوهامه وقناعاته التي يُغلّبها على عقله أو بالأحرى يطوع تفكيره العقلي لتنسجم مع هذه الأوهام، فتسوغها وتبررها في إطار عقلي منطقي، وهو يأنف من المناصحة ويعرض عن المناظرة لأنه يرى أوهامه الحق المبين الذي لا يعوزه الدليل.
    أما الجدال بالباطل فهو السمة الغالبة للمتعصبين، وهو نقاش يقوم على أسس غير موضوعية ولا عقلانية .. جدال يغلفه الجمود ويشوبه التشبث بعتيق الآراء وتقاليد الآباء، دون بارقة أمل في الانفتاح على تنوع الآراء، واستيعاب ما جد من النظريات والدراسات.

    وفي الجملة تشير الدراسات الحديثة إلى أن العقلية المتعصبة تنشأ نتيجة الانحراف عن عدة معايير، منها «العقلانية» التي تتسم بإطلاق الأحكام المتعجلة غير المبنية على معلومات موثقة أو يأخذ شكل الشائعة، أو الحكم المسبق. أو يأخذ شكل القوالب النمطية الجاهزة، كالتقاليد الموروثة التي أحيانا ما تكبل تعاملنا مع واقعنا المعاصر، كما يتضمن الانحراف عن معيار العقلانية التعميم المفرط، ويعني تعميم فكرة معينة على فئة من الناس، ورفض تعديل الرأي في ظل ظهور دلائل جديدة. ويتضمن كذلك تغليب عاطفة الكره تجاه الآخر، حيث يعتمل البغض في نفس صاحبه حتى يرى في الأشياء أضدادها، وفي الرجال عيوبها، وفي العيون أقذاءها.
    ومن المعايير التي يصيبها الانحراف معيار «العدالة» الذي يقوم على وجوب المساواة في المعاملة بين الأشخاص في مجالات الاهتمامات العامة وفي الحقوق، بحيث تخلو المعاملات من التمييز المبني على اللون أو الجنس أو القبيلة.
    فضلاً عن انحراف معيار «العاطفة» أو المشاعر الإنسانية الراقية، الذي يجعلنا أكثر إحساسا بالآخرين، ويمكننا من مشاركتهم والتعاطف معهم.

    نفسية خاصة
    الناس تتفاوت أنصبتهم من التعصب بحسب شخصيتهم ونفسيتهم، فالتعصب أبعد ما يكون عن الإنسان السمح الهين اللين العقلاني الحيادي، وأقرب ما يكون من أصحاب الشخصيات المتصلبة على كافة أنواعها ومواصفاتها، ومنها:
    (الشخصية التسلطية) التي تدمن الهيمنة والرغبة في الخضوع المطلق لها، وتعشق الطبقية والنظر إلى الناس بدونية.
    (الشخصية العدوانية) التي تفتقر لسعة الصدر واحتواء الآخرين، مع فقر معرفي واندفاع في الحكم على الناس.
    (الشخصية الفوضوية) التي لا تجيد ترتيب أوراقها ولا أفكارها فضلا عن سلوكياتها.
    د. خالد سعد النجار...
    --------------------------------------
    الإساءة للآخرين في ضوء المعالجة القرآنية
    لم يزل خلق الله منذ النشأة الأولى مختلفين فيما بينهم أعراقا وقبائل وإثنيات؛ ومن ثم نزعات وتوجهات وأفكارا، وقد نبهت نصوص الوحي المحفوظ إلى سرمدية هذا الاختلاف وأنه من السنن الكونية التي غرسها الله في نفوس ساكنة هذه الدار الدنيا؛ فهم لن يزالوا مختلفين حتى ينتقلوا إلى دار الفصل والجزاء؛ قال تعالى: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ} [هود: 118، 119]، إذا فالخلق وجميع أمم العالم لن تتوحد أفكارهم مهما بذلنا السبيل لذلك لأن الإرادة الإلهية لم تشأ ذلك بل جعلت الخلق ممتدين في هذه الدار على سماطين ومتفرقين على نجدين طريق للخير وأخرى للشر، وستقوم الساعة عندما يتمحض الشر في الدنيا ولا يبقى فيها إلا شرار الناس يتهارجون تهارج الحُمُر كما دلت على ذلك نصوص السنة النبوية المطهرة .

    لكن مع ذلك فالخلق على اختلاف مشاربهم مضطرون إلى التعامل مع بعضهم البعض ومحتاجون إلى إعانة بعضهم بعضا، ليَلْتئم قِوام العالَم، لأجل ذلك كان لا بد من دساتير عامة تحكم التعاملات بين الناس جميعا مسلمهم وكافرهم فاسقهم ومهتديهم وإذا ما تلمسنا منهج الإسلام في ضبط التعاملات التي تتعلق بالآخر - مهما كان حجم الاختلاف معه - فسنجد أنها كانت إرشادات حكيمة في غاية النبل والرقي؛ تكبح الجماح عن التسلط والاستبداد على حرمات الغير أو الإساءة إلى معتقداتهم وإن لم تكن مقدسة في المنظور الإسلامي، كل ذلك جاء مسطورا في نصوص محكمة من الوحيين الكتاب والسنة؛ نستعرض في الأسطر التالية قراءة تحليلية لنماذج من هذه النصوص التي ترسم حدود المعالجة الإسلامية لنزوة الاعتداء والإساءة إلى الآخرين المكبوتة في نزعات النفس البشرية:

    قال الله تعالى: {وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [الأنعام: 108] .
    تضمنت هذه الآية الكريمة نهي للمسلمين عن سبّ معبودات المشركين وعقائدهم، وتنبيه إلى أن هذا قد يحملهم على المقابلة فيسبون الله تعالى بغيا وجهلا واندفاعا في العصبية والحمية الجاهلية، وتقرير بأن الله تعالى قد جبل الناس على طبيعة استحسان ما يعملون أو أن من مقتضى النظام الذي أقام الله عليه الاجتماع البشري أن يستحسن الناس ما يعملون، وأن مرد الجميع إليه حيث ينبئهم بما عملوا ويوفيهم عليه بما استحقوا.
    وهنا مبدأ آخر – بعد مبدأ عدم جواز سب عقيدة الآخر – يعتبر من مبادئ الاجتماع الإنساني وهو أن الله قد زين لكل جماعة اجتمعت على حق أو باطل عملهم من خير أو شر ومن ثم فإنهم حساسون تجاه المساس بمقدساتهم أو تحقيرها فليس من الحكمة مهاجمتها أو الإساءة إليها وإنما المجادلة بالتي هي أحسن .

    وهذا المبدأ السامي الذي تنوه به هذه الآية الكريمة من الواضح أنه يستهدف تحقيق غايات عدة منها:
     - صيانة جناب الذات الإلهية ومقدسات الإسلام عن أن تطالها ألسنة السفهاء جهلا منهم بعظيم حرمتها .
    - سد الوسائل والسبل التي قد تؤدي إلى فتح باب السفاهة والمشاتمة لأن المبدأ القرآني صريح في دفع خطاب الجهالة من لدن السفهاء بالإعراض والإغضاء والسلام .
    - اكتساب احترام الآخرين وعدم تنفيرهم عن قبول الدين أو إدخال الغيظ والغضب في قلوبهم لأن الغاية الأسمى لدعوة الإسلام تتمثل في استخلاص الناس من حبالة الشيطان وإنقاذهم من الضلالة إلى الهدى ومن الغي إلى الرشاد لا إيغار صدورهم وإثارة نعراتهم .

    الإساءة إلى الآخرين والسب والشتم لا تترتب عليها مصلحة دنيوية ولا دينية لأن المقصود من الدعوة هو الاستدلال على إبطال الباطل وفساد حججه، فذلك هو الذي يتميز به الحق عن الباطل، وينهض به المحق ولا يستطيعه المبطل، فأما السب فإنه مقدور للمحق وللمبطل فيظهر بمظهر التساوي بينهما، بل ربما استطاع المبطل بوقاحته وفحشه ما لا يستطيعه المحق فيلوح للناس أنه تغلب على المحق.
    وليست هذه الآية التي ذكرنا وحيدة في مجال إثبات هذا المبدإ الإسلامي النبيل فقد روى ابن عمرو رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " إن من أكبر الكبائر أن يلعن الرجل والديه، قيل يا رسول الله: كيف ذلك؟ قال: يلعن أبا الرجل فيلعن أباه ويلعن أمه فيلعن أمه "، أخرجه: أحمد (2/216، رقم 7029)، والبخاري (5/2228، رقم 5628) .

    من كل ذلك نستنتج أن نصوص الوحي جعلت المتسبب في الفعل فاعلا، وغير المحترز من تبعات ردة أفعاله فاعلا، وأحاطت معتقدات ومقدسات الآخرين بسياج متين من الحرمة فلم تسمح بسبها بمبرر فسادها أو ضلالها – رغم أنها كذلك في ما نعتقد - أو حتى بمبرر الدعوة إلى الله، وفي هذا قدر كبير من الجلال والروعة التأديبية التي تهدف إلى إبعاد المسلم عن الفحش والبذاءة وإثارة الغير وجرح عاطفته الدينية مهما كانت، كذلك يمكننا أن نلمح أن المعالجة الإسلامية لهذه الركيزة الأساسية من ركائز الاجتماع الإنساني كانت متميزة فلم تقع في وحل الازدواجية الذي وقعت فيه الدعوات الحقوقية المعاصرة التي سمحت بالإساءة لمعتقدات بعض المخالفين بحجة أن ذلك من قبيل حرية الرأي التي لا تحدها حدود، ومنعته في حق البعض الآخر بحجة أن فيه معاداة للسامية وتغذية لمشاعر الكراهية والعنف .
    على أنه لا بد هنا من التنبيه إلى أنه ليس من السب ولا يعتبر من الإساءة النسبة إلى خطأ في الرأي أو العمل، وليس منه إبطال ما يخالف الإسلام من عقائد ونسبتها إلى الضلال في مقام المجادلة ولكن السب أن نباشرهم في غير مقام المناظرة بذلك .
    د. محفوظ ولد خيري...
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

08-01-2020, 12:20 PM

سيف اليزل برعي البدوي
<aسيف اليزل برعي البدوي
تاريخ التسجيل: 04-30-2009
مجموع المشاركات: 18170

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: مقالات مفيدة تهم المجتمع و الأسرة و الشبا� (Re: سيف اليزل برعي البدوي)

    الحياة والحوار
    منظومة الحياة تمثل العلم والمعرفة والقيم والأخلاق والمهارات والأذواق، ومنظومة الحوار تتلخص في معرفة أنماط المحاورين ومعرفة أنواع الاتصال الإنساني ومعرفة الثقافة العامة والتخصصية بالإضافة إلى عدم الغضب واحترام الآخر والتسامح وعدم الاستهزاء أو السخرية .

    ويعتبر الاتصال البشري مجال متعدد المحاور ولذا يواجه صعوبات لا حصر لها في الوصول إلى تعريف شامل لمصطلح الاتصال لتنوع هذه الظاهرة، وامتدادها لمجالات متعددة ويعرف الاتصال على انه عملية تبادل الأفكار والآراء والمعلومات عن طريق الحديث أو الكتابة أو الإشارات، ويعرفه اسكندر بأنه: العملية أو الطريقة التي يتم عن طريقها انتقال فكرة أو معنى أو مفهوم أو إحساس أو اتجاه أو مهارة أو خبرة من طرف إلى آخر حتى تصبح مشتركة بينهما.

    ويذكر «شلبي» أن الاتصال ما هو إلا عملية إرسال واستقبال المعلومات بهدف إحداث تغيير إيجابي، وهي عملية أساسية ومهمة في الممارسة الفعالة للعملية الإدارية التي بدونها لا يمكن لتنظيم ما أن تقوم له قائمة.

    ويعرفه لوندبرج بأنه نوع من التفاعل الذي يتم عن طريق الرموز. وقد تكون الرموز حركية أو تشكيلية أو مصورة أو منطوقة أو أية رموز أخرى تعمل كمثير لسلوك لا يثيره الرمز ذاته ما لم تتوافر ظروف خاصة لدى الشخص المستجيب له.

    الاتصال هو المجال المتسع لتبادل الحقائق والآراء بين البشر «ردفيلد».

    ويعرفه «عبدالغفار» بأنه نقل رسالة بين فردين أو أكثر باستخدام رمز أو مجموعة رموز مفهومة للمجموعة باستخدام قنوات اتصالية لتحقيق أهداف متعددة وبشكل يضمن التفاعل والتأثير.

    ويعرفه «الطنوبي» بأنه ظاهرة اجتماعية تتم غالبا بين طرفين لتحقيق هدف أو أكثر لأي منهما أو لكليهما ويتم ذلك من خلال نقل معلومات أو حقائق أو آراء بصورة شخصية أو غير شخصية وفي اتجاهات متضادة بما يحقق تفاهم متبادل بينهما ويتم ذلك من خلال عملية اتصالية.



    والاتصال عبارة عن عملية اجتماعية تهدف إلى تقوية الصلات الاجتماعية في المجتمع عن طريق تبادل المعلومات والأفكار والمشاعر التي تؤدي إلى التفاهم والتعاطف والتحابب أو التباغض. وان الاتصال: نقل وتوصيل أو تبادل الأفكار والمعلومات «بالكلام أو بالكتابة أو بالإشارات». وليس بالضرورة أن يؤدي الاتصال إلى اتفاق، ويتم الاتصال بين المتوافقين والمختلفين، وقد يكون الاتصال باتجاه واحد فقط، كما ويتم الاتصال بين شخصين على الأقل «حتى في حالة الحديث الذاتي - الإنسان ونفسه».

    «أهم ما يميز الحوار»

    ليس بالضرورة الانتهاء إلى رأي أحد المتحاورين. وتحكمه أخلاقيات عالية. وليس له بديل يكافئه (البدائل: العنف - الشجار - التطرف - التعصب...). ويؤدي إلى الإبداع. بالإضافة إلى أنه طريق إلى التعلم. ويقود إلى التحليل والاستنتاج. وإن من خلال الحوار تذوب الفوارق بمختلف أشكالها.

    واستخدام أنماط الشخصية له أهميته في الحوار من أجل التعرف على الفروق والاختلافات في الأنماط الاتصالية للأفراد والتعرف على نقاط القوة التي يوفرها الاختلاف في الأنماط الاجتماعية في المواقف المختلفة ومعرفة وفهم احتياجات كل نمط اجتماعي وتوقعاته من الآخرين حين يتعاملون معه بالإضافة إلى اكتساب القدرة على التكيف مع الأنماط الاجتماعية المختلفة بالإضافة إلى توفير بيئة عمل تتميز بالإنتاج وتحقيق الأهداف، وأهم ما يميز ذلك هو النجاح والتميز في بناء العلاقات مع الآخرين.

    مهارة المرونة والتكيف

    هناك أربع مهارات:

    1- المهارة العملية والتي تركز على «حوار جاد» وضعف في الإنصات وضعف في المهارات الإنسانية.

    2- المهارة التحليلية: فهي تبنى على الحوار الجاد والتفصيلي والإنصات للموضوع وضعف في المهارات الإنسانية.

    3-المهارة التعبيرية تركز على حوار طويل وخروج عن الموضوع وضعف في الإنصات وكثرة الكلام في الموضوع وخارجه والاهتمام بالمهارات الإنسانية.

    4- المهارة الودية: فهي تهتم بمهارات الإنصات وبالمهارات الإنسانية فقط.

    القيم والمشاعر

    العلاقة بين القيم والمشاعر مهمة، والالتزام بالقيمة يولد لدى الشخص الملتزم مشاعر الرضا والفخر والاعتزاز بالنفس والسعادة ويولد لدى الآخرين مشاعر الإعجاب والتقدير والرضا والفخر مما تؤدي إلى المزيد من الالتزام بالقيم، مؤكدا أن القيم ضابط للمشاعر حيث أمرت الشريعة بمشاعر الحب والمودة.

    من فنون الحوار:

    -الدقة في التعبير وتحديد معاني المصطلحات المستخدمة. والدقة في القول أو الإشارة أو الحركة. وحسن العرض والبلاغة فيه وليس المبالغة. وترتيب الأفكار. والرد على النقطة المثارة (عدم الحيدة). بالإضافة إلى عدم الاستعجال (التأني) وقديما قالوا في التأني السلامة، وفي العجلة الندامة. التعبير والأدوات المستخدمة. والتجرد ونبذ الغضب لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم لنصارى نجران: «وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين». على الرغم من أنه على يقين تام وكامل بصحة معتقداته.

    ـــــــــ

    د. أيوب خالد الأيوب، بتصرف. إسلام ويب
    ----------------------------------------
    النجاح
    كلمة يحبها الجميع ويسعى إلى تحقيقها، فهي تبعث السرور والبهجة، وتجدد النشاط والحيوية، بل وتزيد نسبة القدرات وتفجر الطاقات لدى الإنسان.

    كلمة يهتم بها الصغار والكبار، ويهتم بها الرجال والنساء، ويهتم بها العرب والعجم، ويهتم بها القوي والضعيف...؛ فالصغار يفرحون في النجاح من خلال لعبهم وألعابهم، والطلاب وخاصة زمن الاختبارات وظهور النتائج يفرحون بنجاحهم وتفوقهم، والكبار يفرحون بنجاحهم في أعمالهم ومشاريعهم.

    الرجال يفرحون بالنجاح عند تحقيقه في رجولتهم ويتباهون بذلك، ويحزنون لمن تخلى عن رجولته، بل ويشمئزون منه، ويعدونه من الساقطين الراسبين، ولا يقبلونه في أوساط الرجال.

    والنساء يفرحن بنجاحهن فيما فطرهن الخالق عليه، ويتفاخرن بذلك، ويحزنّ لمن فقدت أنوثتها واسترجلت وصارت تناطح الرجال في خواصهم وجبلتهم التي خُلقوا عليها، بل أنهن يبتعدن عنها، ولا يقبلنها في أوساطهن.

    والشاب يفرح عند نجاحه في زواجه بامرأة صالحة طيبة، تدخل السرور إلى بيته، وتحافظ عليه من الانحراف والسقوط.

    والفتاة تفرح عند نجاحها في زواج رجل صاحب دين وخلق، يملأها حبا وسعادة، ويحفظها من الهواجس والسقوط.

    والموظف يفرح بنجاحه في وظيفته وأدائه لعمله، وجودته فيه وإتقانه له؛ وكذلك كل عامل في عمله.

    فالكل يحب النجاح ويسعى إليه، ويخاف من الرسوب والسقوط، ويهرب منه.


    ومن الوسائل المساعدة والمهمة للنجاح:

    1-الإيمان بالله، فهو أساس كل نجاح، فهو النور الذي يضيء لصاحبه الطريق وهو المعيار الحقيقي لاختيار النجاح الحقيقي ..الإيمان يمنح القوة وهو بداية ونقطة الانطلاق نحو النجاح وهو الوقود الذي يدفع نحو النجاح.

    وقد نجح المؤمنون نجاحاً باهرا، لفت أنظار البشرية جمعاء، فالإيمان يحقق المعجزات.

    2- الأمل والطموح والرغبة، يقول عمر بن عبد العزيز خامس الخلفاء الراشدين معبرا عن طموحه:" إن لي نفسا تواقة ،تمنت الإمارة فنالتها،وتمنت الخلافة فنالتها ،وأنا الآن أتوق إلى الجنة وأرجو أن أنالها".
    3- العمل والجد والتضحية والصبر ومن منح طموحه صبرا وعملا وجد ..فمن جدّ وجد ومن زرع حصد..
    وقل من جد في أمر يحاوله * * * وأستعمل الصبر إلا فاز بالظفر

    لا تحسبن المجد تمرا أنت آكله * * * لن تبلغ المجد حتى تلعق الصبرا
    فالنجاح يصنع ولا يأتي وحده، وإنما بالعمل واستغلال للفرص.
    4- تغيير الرأي في النفس: فالإنسان يملك طاقات كبيرة وقوى خفية يحتاج أن يزيل عنها غبار التقصير والكسل .. فطالب النجاح يشطب كل الكلمات السلبية مثل " لا أستطيع – لست ذكياً.." ويردّد باستمرار " أنا أستحق الأفضل – أنا مبدع – أنا ممتاز – أنا قادر .."
    والناجح أقدر مما يتصور وأقوى مما يتخيل وأذكى بكثير مما يعتقد.

    5- التفكير بالنجاح وحبه، فكلما فكر وشغل فكره به قويت العلاقة بينه وبين النجاح، وازدادت محبته له.

    6- عدم الخوف من الفشل، فهو مجرد حدث..وتجارب، والكيس يستغل الفشل ويجعله سبيلا وطريقاً إلى النجاح، فأديسون مخترع الكهرباء مثلا قام بـ 1800 محاولة فاشلة قبل أن يحقق إنجازه الرائع ..ولم ييأس بعد المحاولات الفاشلة التي كان يعتبرها دروسا مفيدة.
    والذي لا يفشل هو من لا يعمل فالفشل فرص وتجارب لا تؤدي إلى الإحباط.

    7- اكتشاف المواهب والقوى الداخلية وتنميتها بدل بقائها معطلة، ومن تلك المواهب الإبداع والذكاء والتفكير والاستذكار والذاكرة القوية .
    8- الإحساس بمتعة الدراسة وطلب العلم والنجاح متعة، فتلك المرحلة من أمتع لحظات الحياة ولا يعرف متعتها إلا من مرّ بها والتحق بها، وكيف لا تكون كذلك وهي عبادة يتقرب بها إلى الله.

    9- الثقة بالنفس: فالثقة في النجاح يعني دخول معركة النجاح منتصرا بنفسية عالية والذي لا يملك الثقة بالنفس يبدأ معركته منهزما.

    10-استغلال الوقت، فهو ثمين وغالي، وخاصة بالنسبة لطالبي النجاح، فلا وقت لديهم يهدر سدى.
    11- الرفقة الصالحة والصحبة الناجحة، التي تتفاعل مع النجاح وتسعى إليه، والحذر من رفقاء السوء.

    12- التنظيم مهم جدا، تنظيم الكتب والمراجع، تنظيم المتابعة والمراجعة، تنظيم الواجبات والمسؤوليات.


    فوائد للنجاح:

    متعددة ومتنوعة، تنفع صاحبها وتدفعه إلى المزيد من العطاء والبذل والمبادرة، والتي منها:

    1- كسب محبة الخالق المعبود سبحانه وتعالى، فهم من خلال نجاحهم في طاعتهم وعبادتهم، وسيرهم في الحياة وفق منهجه يكسبون رضاه ومحبته.

    2- النجاح يؤدي إلى النجاح فالناجح دائما تجدده يسعى إلى تحقيق نجاحات متعددة، فهو ينتقل من مشروع إلى آخر.


    3- الفرح والسرور، وهو مطلب يسعى إليه الإنسان دائماً، والناجحون تجدهم في فرح دائم.

    4- النجاح سبيل إلى شكر المنعم على نعمه، وكسب الحسنات، والانتفاع في الدنيا وبعد الممات.

    5- كسب محبة الآخرين، فالناجحون محبوبون عند الجميع وخاصة الأهل والأقارب وأولهم الوالدين.

    6- حل المشكلات وعلاج المعضلات، فالناجحون هم أصحاب الأهلية والقدرة في ذلك.

    7- التطوير والتجديد والإبداع، فالناجحون هم أصحاب ذلك كله.


    وفي الختام نتمنى النجاح للجميع، والحمد لله رب العالمين.
    ------------------------------------
    حجة الذئب
    كان كل شيء في الغابة يدعو للتفاؤل والبهجة؛ شمس ساطعة، ونسيم جميل، وأشجار قد اكتست بزينتها، والأهم من ذلك أن ميثاق حقوق الحيوانات قد أُعلن، وأن الذئب ـ كبير الغابة بعد أن انقرض الأسد والنمر ـ أعلن أنه شخصياً مـعنيٌّ بالحفاظ على هذا الميـثاق وتطـبيقه، إذاً؛ ممَّ يخاف ذلك الكبش؟! لماذا لا يذهب إلى الغدير الكبير ليشرب؟! ولماذا لا يعلن رضاءه لكل الكائنات عن هذا القرار الحكيم؛ الذي جعل غدران الغابة كلها غديراً واحداً؟!

    نعم؛ هو حرٌّ في قراره، ويمكنه أن يصبر أكثر، وأن يبحث عن الماء في المرتفعات؛ ليشرب بعيداً عن هذا الغدير الكبير الذي تشرب منه كل الحيوانات وكل الوحوش. ولكن؛ لمـاذا لا يجـرّب؟ سيـذهب اليـوم إلى الغدير ليشرب في وضـح النـهار، أمـام أعـين كـل الحـيوانات وكـل الطـيور، لا يمـكن ـ حينئذ ـ أن يغدر الذئب، وساعتها إن غدر سوف يعلم الجميع أنه كاذب، وسيهبّون لمقاومته، وسيسقط ميثاق حقوق الحيوانات.

    أخيراً؛ ارتفع صوت الكبش بالثغاء.. ماء.. ماء..

    أخذ يجري خارجاً من مكمنه إلى الغدير، لم يراعِ اتجاه الريح في جريانه كما كان يفعل من قبل، لم يعدْ يهتم أن تحمل الريح رائحته إلى الوحوش، هو كبش محترم، ملتزم بكل القوانين، وهو ذاهب ليشرب من غدير الحيوانات الجديد، ولكن؛ لماذا توقف كبشنا عن الثغاء وعن الجريان؟! لماذا انبهرت نفسه وارتعشت مفاصله وازدادت دقات قلبه؟! هل يكون هذا لأنه رأى الذئب نفسه يشرب من الغدير؟ نعم؛ هـذا هـو السـبب، الذئب يبدو جائعاً، ولا أحد بجانبه يشرب مـن كل الحيوانات، هل يعود أدراجه إلى حيث كان؟ لم يعدْ يفيد، لقد رآه الذئب وسمع صوته، لا بـد أن يذهب رابط الجـأش ويخفي كل مشاعره، لو جرى فسيعتبر الذئب ـ سيد الغابة الجديد ـ أن هذا سوء أدب منه، وسيعتبره مروّجاً للإشاعات التي تقول: إن الذئب لا يحترم وعوده وعهوده، ولا يحترم ميثاق الحيوانات الجديد، كما فعل من قبل مع تلك الغزلان التي لم تكن تملك نفسها حين تراه فتجري خائفة منه، لم يكن يُؤْويها عندئذ مكان، ولم يكن يساعدها حيوان، وفي النهاية تكون طعاماً للذئب؛ عقاباً لها على عدم تصديقها لوعود الذئب وإيمانه بالنظام الحيواني الجديد.

    لا يدري هذا الكبش نفسه كيف قاوم مشاعر الخوف فيه؟ سيطر على كل جوارحه ومشى بخطى وئيدة، كان يرسم على وجهه ابتسامة كبيرة، ثم قال وهو ينطلق نحو الغدير: طاب صباحك يا سيد الغابة!

    لم يردّ الذئب على تحية الكبش، نظر إليه فقط ثم أقبل على شـرب المياه وهو يقول في نفسه: (أيها الخروف! ستكون فطـوري اليوم لا محالة، سوف أجد حجة لآكلك بها، لو لم تكن هذه الطيور على هذه الأشجار تشهد ما يحدث لأكلـتك على الفـور، دون أن أكلِّـف نفسي عناء البحث عن حجة سخيفة، ولكني سأصبر، وسوف أجد الحجة السخيفة أو المقنعة لا فرق، وفي النهاية سآكلك.. ها.. ها.. ها... ).

    واصل الكبش سيره، لم يستطع أن يسير كثيراً، هو خائف ومرتعد، وهو يبذل قصارى جهده للسيطرة على نفسه، كان يريد أن يبتعد أكثر وأكثر لكنه لم يستطع، وقف ليشرب، فجأة صكَّ سمع كبشنا صوت الذئب يقول: أيها الخروف! ألم تكن تستطيع أن تنتظر حتى أنتهي أنا من شربي؟ ألا تعلم أنك بصنيعك هذا قد عكرت عليَّ الماء؟

    تسـمَّر الكـبش مـكانه، وازداد خفـقان قلبه، اقترب الذئب وعــيناه ترسـلان شـواظاً وبريقاً، ولكن الكبش قال: يا سيد الحيوانات! إن الماء يجري من ناحيتك، فكيف أعكّره أنا عليك؟

    من فوق الأشجار ارتفع صوت عدد من الطيور؛ ترفرف وتقول: نعم أيها الذئب؛ كلام الخروف صحيح، لو كان هناك تعكير للماء فيجب أن يكون منك أنت؛ لا منه هو!

    رغماً عنه توقف الذئب، نظر إلى أعلى الأشجار فوجد الأطيار واقفة تترقب، نظر إليها وضحك، ترك الكبش وأقعى مكانه، ينظر للكبش وهو يشرب ويقول في نفسه: (أنا معجب جـداً بشجاعتك ـ أيها الخروف ـ وبثبات فؤادك، وهـذا يزيـدني رغـبة في التهام لحمك، الذي يبدو ألذّ من لحم كل الخراف التي أكلتها، لا بأس؛ سأجد حجة أخرى آكلك بها... ).

    وقتها؛ كان الكبش قد شرب وقرَّر الرجوع، لم يكن قد روى ظمأه تماماً، ولكنه رأى أن يبتعد عن الذئب. لم يتركه الذئب يمشي، أمسكه وهو يقول: ألستَ الذي شتمتني العام قبل الماضي؛ دون إساءة مني إليك؟ سأقتلك وأجعلك عبرة لكل من تسوّل له نفسه إهانة الناس بدون ذنب.

    ثانـيةً ضـحك الكـبش وهـو يقول: إن عمري أيها الذئب لا يتجاوز العام إلا قليلاً؛ فلا يمكن أبداً أن يكون الذي شتمك هو أنا.

    لم يترك الذئب الخروف من يده، ظل ممسكاً به ولكنه كان سـاهماً يفكر (نعم أيها الخروف الشجاع؛ غلبتني هـذه المرة أيضاً، كل مـن يراك يعرف أنك صغير السن، لماذا تسرعت أنا وقلت أن ذلك كان العام قبل الماضي؟ ولكن الحجج لا تفنى، وسآكلك!)

    قال الذئب بصوت يُسْمع الأطيار فوق الأشجار: كلامك صحيح أيها الخروف؛ فأنت صغير السن، ولكن إذا لم تكن أنت الذي شتمتني فلا بد أنه أحد أقاربك؛ لأن شكله يشبهك تماماً؛ له قرون، وعلى ظهره صوف.

    لم يستطع الكبش حينئذ إلا أن يجمع قوته في ساقَيْه الأماميتين، ثم يضرب بكل خوفه وجه الذئب وهو يقول: سأموت بكرامة أيها الذئب!

    كانت المفـاجـأة على الذئب شـديدة، ظل برهة مدهوشاً لا يصدق، كسر الكبش له سنّاً وجرحه في وجهه، وكانت الأطيار واقفة فوق الأشجار منقسمة على نفسها؛ فريق يرى الحق مع الذئب، وفريق يرى الكبش هو صاحب الحق، وفي النهاية مات الكبش، وحمله الذئب ومشى.

    ـــــ

    عبد الجواد الحمزاوي (البيان 235).
    --------------------------------------------
    مفهوم اليُسْر في الدين
    اليُسْر مقصد مـن مقـاصـد الـدِّين الكبـرى، جعـله الله ـ تعالى ـ أساساً لكل ما أمر به ونهى عنه في كتابه وسنة نبيه - صلى الله عليه وسلم - ، وأمرنا أن نلتزمه في فهمنا للدين والعمل به والدعوة إليه؛ فقال ـ تعالى ـ: { يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة: 185].

    وقال - صلى الله عليه وسلم - : «إن خير دينكم أَيْسره، إن خير دينكم أَيْسره، إن خير دينكم أَيْسره» وفي لفظٍ: «إنكم أمة أُريد بكم اليُسْر». أخرجه الإمام أحمد بسندٍ صحيح.

    ولكن ما معنى أن يكون الدِّين يسراً؟ إن آية اليُسْر نزلت تعليلاً لأمره ـ تعالى ـ بالفطر للمريض والمسافر. ولكن هل الصيام نفسه الـذي وردت بمناسبته قاعـدة التيسير شـيء لا مشقة فيه؟ ماذا لو قال إنسان: لو كان الصيام نصف شهر لكان أيسر، ولو كان أقل من ذلك لكان أكثر يُسْراً، بل لو لم نُؤمر بالصيام لكان اليُسْر كله؟!

    ومــا يُقــال عن الصيـام يُقــال عــن سائـر ما أمــر الله ـ تعالى ـ به من صلاة وصيام وحج وزكاة وجهاد بالمال والنفس؛ إنها كلها تكاليف فيها شيء من مشقة؟ فلو كان معنى التيسير: أن لا يُؤمر النـاس بشـيء فيـه أدنى مشـقة؛ لما كـان هنالك تكليف بصلاة ولا صيـام ولا حـج ولا زكـاة ولا جـهـاد؛ لأن فعـل ما لا مشقة فيه البتة أَيْسر ـ فيما يبدو لأول وَهْلَة ـ مما في فعله أدنى مشقة.

    فما المقصود باليُسْر إذاً؟ معـناه فيـما يـبدو لي: فـعل ما يحقق الغاية بأدنى قدر من المشقة، مثلاً: إذا كان لا بد لك من وسيلة للكسب تحفظ لك ماء وجهك وتغنيك عن السؤال وتوفر لك ما تحتاج إليه من طعام ولباس وسكن وزيادة توفر بعضها وتتصدق ببعض؛ فإن خير وسيلة هي عمل يحقق لك كل هذا بأدنى قدر من المشقة. فإذا قال لك الشيطان: لكن عدم الكسب أَيْسر من أية وسيلة فيها شيء من مشقة، ولذلك فإن الأفضل لك أن لا تعمل إطلاقاً.. ستقول له ـ إن كنتَ عاقلاً ـ: هذا صحيح بادئ الرأي أيها الخبيث! لكن انظر ماذا سيترتب على البطالة، إنها ستجعل حياتي أعسر نفسياً وربما جسدياً؛ فعملي رغم ما فيه من مشـقة هـو فـي النهـاية أَيْســر من البطـالة الـتي يـبدو أنه لا مشقة فيها.

    وكذلك الأمر بالنسبة للدِّين؛ فما يأمرنا الله ـ تعالى ـ به هو أعمال تحقق غايات ضرورية لنا، غايات لا تكون لنا سعادة إلا بها، ولكنها باعتبارها أعمالاً فلا بد أن تتضمن شيئاً من الجهد والمشقة، لكن الله ـ تعالى ـ الخالق لكل شيء، المحيط علماً بالوسائل والغايات، الرحيم بعباده، يختار لنا أسمى الغايات، ثم يدلُّنا إلى أحسن الوسائل التي تحققها بأدنى مشقة، كما قال الله ـ تعالى ـ في أول آية علّل بها أمره بالصيام: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ) (البقرة: 183).

    فالغاية المطلوب الوصول إليها هي التقوى، والوسيلة إليها التي لا وسيـلة غيرها لتحقـيق هذا النوع من التقوى هو صيام شهر رمضان.

    وعليه؛ فيمكن تقسيم الأعمال بالنسبة لغاياتها ووسائلها إلى أربعة أنواع:

    أحسنها: غاية حسنة ووسيلة ميسرة، وهذا هو الذي اختاره الله ـ تعالى ـ لعباده.

    وأسوؤها: غاية سيئة ووسيلة شاقة، من أمثلتها: محاربة الكفار للمسلمين، وبذلهم أموالهم وأنفسهم في سبيل ذلك. ومنها: ما يتظاهر به المنافق من صلاة وصوم وحج وزكاة وربما جهاد.

    في مثل هذا العمل قالت العرب: لحم جمل غَثٌّ، على رأس جبل وَعْرٍ، لا سمين فيُشْتَهى، ولا سهل فيُرْتَقى.

    وأقل منه سوءاً: غاية سيئة ووسيلة سهلة.

    وأحسن من هذا: غاية حسنة ووسيلة عسرة. وهذا يشمل كل ما خالف السُّنّة من أنواع الأعمال الصالحة.

    عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ جُوَيْرِيَةَ: «أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - خَرَجَ مِنْ عِنْدِهَا بُكْرَةً حِينَ صَلَّى الصُّبْحَ وَهِيَ فِي مَسْجِدِهَا، ثُمَّ رَجَعَ بَعْدَ أَنْ أَضْحَى وَهِيَ جَالِسَةٌ فَقَالَ: مَا زِلْتِ عَلَى الحال الَّتِي فَارَقْتُكِ عَلَيْهَا؟ قَالَتْ: نَعَمْ! قَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - : لَقَدْ قُلْتُ بَعْدَكِ أَرْبَعَ كَلِمَاتٍ ثَلاثَ مَرَّاتٍ لَوْ وُزِنَتْ بِمَا قُلْتِ مُنْذُ الْيَوْمِ لَوَزَنَتْهُنَّ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ عَدَدَ خَلْقِهِ وَرِضَا نَفْسِهِ وَزِنَةَ عَرْشِهِ وَمِدَادَ كَلِمَاتِهِ». (صحيح مسلم).

    فالحديث يدل على أنه بالاقتداء بالنبي - صلى الله عليه وسلم - في عبادته يحصل الإنسان بالعمل القليل في الوقت القصير على الأجر الكبير. فيا خسارة الذين يستبدلون بأذكار النبي - صلى الله عليه وسلم - أذكاراً اخترعوها أو اخترعها لهم سادتهم، إنها في أحسن أحوالها جهد كبير وأجر قليل. ولذلك كان عدد من الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ يقول: اقتصاد في سُنّة خير من اجتهاد في بدعة. أما إذا كانت تتضمّن شركاً أو شيئاً حراماً فإنها قد تكون من النوع الذي قال الله ـ تعالى ـ فيه: {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ * وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ * عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ * تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً} )الغاشية: 1 – 4.

    وقوله ـ تعالى ـ(وَقَدِمْنَا إلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُورًا) (الفرقان 23). وإذاً؛ فالدِّين كله يُسْر بهذا المعنى الذي ذكرناه. قال سماحة الشيخ صالح بن حميد في خطبة له جامعة عن اليُسْر(1): والتيسير مقصد من مقاصد هذا الدِّين، وصفة عامة للشريعة في أحكامها وعقائدها، وأخلاقها ومعاملاتها، وأصولها وفروعها؛ فربُّنا بمنِّه وكرمه لم يكلِّف عباده بالمشاقّ، ولم يردعنا كالناس، بل أنزل دينه على قصد الرِّفق والتيسير.

    شريعة الله حنيفية في التوحيد، سمحة في العمل، فلله الحمد والمنّة.. {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة: 185]، {يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ وَخُلِقَ الإنسَانُ ضَعِيفًا} [النساء: 28]، {هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْـمُسْلِمِينَ} (الحج: 78).

    والتيسير له معــانٍ أخــرى، مـنها: أن الله ـ تعــالى ـ لا يكلِّـف الـناس بما يطيـقون، بـل بمـا هـو في وُسْعهم، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (وتأمَّل قوله ـ عزَّ وجلَّ ـ ) : إلاَّ وُسْعَهَا (، كيف تجد تحته أنهم في سِعَة ومنحة من تكالـيفه، لا في ضـيق وحرج ومشـقة؛ فـإن الوُسْـع يقتـضي ذلـك؛ فاقـتضــت الآية أن ما كلَّفهم به من غير عُسْر لهم ولا ضيق ولا حرج، بخلاف ما يقدر عليه الشـخص؛ فـإنـه قـد يكون مقـدوراً له ولكن فيه ضيق وحرج عليه. وأما وُسْعه الذي هو منه في سِعَة فهو دون مـدى الطـاقة والمجـهود، بل لنفسه فيه مجال ومتّسع). (الفتاوى: ج14، التفسير الجزء الأول، ص 137ـ( 138 .

    ومنها: أن العمل وإن كان فيه مشقة إلا أن الله ـ تعالى ـ يجعله سهلاً بطرائق كثيرة، منها: أنه يغير طبيعته الشاقة فيجعلها سهلة، كما ذكر الشيخ بالنسبة للقرآن الكريم ذكراً وتدبُّراً وفهماً.

    ومنها: أن يجد المؤمن في العمل لذّة روحية، حتى إنه ليكاد ينسى ما فيه من مشقة.

    وإذا حلَّت الهداية قلباً نشطت للعبادة الأعضاءُ

    ومنـها: أن يريـد المؤمن تحقيق غاية يحبها لكنه يعلم أنـها لا تتـحـقق إلا بعبـادة معـينة فيحرص علـيها طـلـباً لتـلك الغـاية المحبـوبة فتهون عليه؛ كما في قوله ـ تعالى ـ عن الصلاة:

    ( وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إلاَّ عَلَى الْـخَاشِعِينَ * الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاقُوا رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إلَيْهِ رَاجِعُونَ) [البقرة: 45 - 46]. وقوله ـ تعالى ـ: {اتْلُ مَا أُوحِيَ إلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ إنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْـمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ} [العنكبوت: 45].

    «وكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - إذَا صَلَّى قَامَ حَتَّى تَفَطَّرَ رِجْلاهُ قَالـَتْ عَائِشَةُ: يَا رَسُـولَ اللَّهِ! أَتَصْـنَعُ هَـذَا وَقَـدْ غُـفِـرَ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ! فَقَالَ: يَا عَائِشَةُ! أَفَلا أَكُونُ عَبْداً شَكُوراً» (أخرجه مسلم) .

    فحرصه - صلى الله عليه وسلم - على شكر ربه ـ وهو شعور له لذّة لا تعدلها لذّة ـ هو الذي يسَّر له هذا العمل الذي يبدو شاقّاً.

    ومـنها: أن الله ـ تعـالى ـ قـد يزيل مشقات العمـل حتـى لا يكاد يبقى منها شيء؛ فأشق شيء على الإنسان أن يُقْتل لكن رسـول الله - صلى الله عليه وسلم - يقـول: «ما يـجد الشهيد من مسِّ القتال إلا كما يجد أحـدكم مـن مسِّ القرصة» الترمذي.

    وعليه؛ فإذا كان الله ـ تعالى ـ قد تكفَّل بتسهيل العمل بما أنزل من أمر ونهي؛ فكذلك يجب أن نفهمه ـ نحن ـ في ممارستنا له. ولذلك قال - صلى الله عليه وسلم - في الحديث الصحيح مشيراً إلى هذه الممارسة: «إن هذا الدِّين متين؛ فأوغلوا فيه برفق». وقال: «إن خير دينكم أَيْسره، إن خير دينكم أَيْسره، إن خير دينكم أَيْسره»، فعبارة «خير دينكم» هي إشارة إلى الدِّين الممارس لا الذي أنزله الله ـ تعالى ـ، فإن ذلك ميسّر في أصله لا يحتاج إلى أن ييسّره إنسان.

    ومن أحسن ما قرأت تطبيقاً لهذه الأحاديث ما أخرجه الإمام البخاري في صحيحه قال: عن الأزرق بن قيس قال: (كنا على شاطئ نهر بالأهواز قد نضب عنه الماء، فجاء أبو برزة الأسلمي على فرس فصلّى وخلّى فرسه، فانطلقت الفرس، فترك صلاته وتبعها حتى أدركها، فأخذها، ثم جاء فقضى صلاته، وفينا رجل له رأي، فأقبل يقول: انظروا إلى هذا الشيخ، ترك صلاته من أجل فرس، فأقبل فقال: ما عنّفني أحد منذ فارقت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وقال: إن منزلي متراخٍ، فلو صليت وتركت لم آتِ أهلي إلى الليل، وذكر أنه صحب النبي - صلى الله عليه وسلم - فرأى من تيسيره ).

    لكنَّ فعل (أبي برزة) يختلف عما يفعله بعض الناس الآن في اختيارهم لما يختارون من الأقوال التي اختلف فيها العلماء. يقول أحدهم لنفسه: ما دام الدِّين يسراً فإنني سأختار ما أراه أسهل عليّ أو على الناس، ثم يبدأ ينظر في الأقوال بهذا المعيار فيقول ـ مثلاً ـ: قول الحنفية هذا صعب، لكن قول الحنابلة أصعب، أما قول المالكية فسهل، وأسهل منه قول الشافعية، وأسهل من هذا كله قول العالم الفلاني الذي خالفهم جميعاً، فأنا آخذ به.

    إن المنهج الصحيح هو أن يقول الإنسان لنفسه: ما دام دين الله كله يُسْراً فسأختار ما أراه بأدلّته أقرب إلى الشرع؛ لأن الأقرب إلى الشرع هو الأقرب لتحقيق الغاية بأدني مشقة.

    قد يقول قائل : أليس هذا الذي انتقدتَ منهجه متأسياً بالنبي - صلى الله عليه وسلم - في أنه ما خُيِّر بين أمرين إلا اختار أَيْسرهما؟ يقال له: نعم إذا خُيِّر كما في قوله ـ تعالى ـ: (فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ) .

    والتخيير معناه أن كل واحد من الأمور المخيّر فيها يؤدي الغرض المطلوب، لكن بعضها قد يكون أَيْسر على الإنسان من بعض، فيختاره. لكن ما نحن في صدده لا علاقة له بالتخيير، بل المطلوب فيه معرفة حكم الله ـ تعالى ـ في الأمر الذي اختلفــت فيه الأقـوال أو الاجتهـادات؛ لأنـها إذا تناقـضت فلا يمكن أن يكون كل واحد منها صحيحاً مؤدّياً الغرض. نعم؛ إذا استوت الأدلة ولم يمكن ترجيح بعض الأقوال على بعض، فإن الأخذ بالأَيْسر يكون منهجاً صحيحاً.

    لكن رغم هذا فقد يحدث التعــسير في الــدِّين شــرعاً أو قدراً، ويكون عقاباً من الله ـ تعالى ـ لبعض الناس. مثال التعـسير شـرعاً: مـا قال الله ـ تعالى ـ فيه: {فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا} (النساء: 160 ).

    وأما التعسير القدري فيكون بسبب سوء فهم بعض النـاس للـدِّيـن وإلـزامهـم أنـفسـهم بمـا لـم يلـزمهم به الـله ـ تعالى ـ من أنواع العنت. وهذا هو الذي يحدث لأناس من هذه الأمة التي اختار الله لها الحنيـفية السمـحة والتـي قال الله ـ تعالى ـ عن رسولها : (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإنجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْـمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْـمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْـخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْـمُفْلِحُونَ ) (الأعراف: 157).

    هذا العنت القدري العقابي هو الذي يدعو المسلمُ ربَّه أن يعيذه منه: {رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنتَ مَوْلانَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} البقرة 286.

    ــــــــ

    أ. د. جعفر شيخ إدريس ( البيان 235).
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

08-03-2020, 03:17 PM

سيف اليزل برعي البدوي
<aسيف اليزل برعي البدوي
تاريخ التسجيل: 04-30-2009
مجموع المشاركات: 18170

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: مقالات مفيدة تهم المجتمع و الأسرة و الشبا� (Re: سيف اليزل برعي البدوي)

    otSponsor3heedn ·
    Shared with Public
    . *من هو المحظوظ؟*
    يتكلم الناس ان فلان حظه طيب . عنده بيت عنده سيارة عنده وظيفة عنده مرة يازينها عنده أولاد صاحب منصب عنده علاقات قوية عنده واسطة .
    هذه كلها حظوظ ولكن من حظوظ الدنيا ولا حسد فيها .
    اذا من هو المحظوظ حقا .....!!!!!؟
    المحظوظ الحقيقي هو
    * من لم يحُرِمَ الخَيْرَ* :
    * *المحظوظ* الذي يعلم أن من قرأ الآيتين الاخيرتين من سورة البقرة في ليلة كفتاه وهي لا تستغرق دقيقة واحدة ، ويقرأها .
    * *المحظوظ* الذي يعلم أن من قرأ اية الكرسي بعد كل صلاة لا يمنعه من دخول الجنة الا ان يموت .. ويقرأها ..
    وهي لا تستغرق دقيقة واحدة.
    * *المحظوظ* الذي يعلم أن من قرأ اية الكرسي عند النوم لا يزال عليه حافظ من الله حتى يصبح ولا يقربنه شيطان .. ويقرأها ..
    وهي لا تستغرق دقيقة واحدة.
    * *المحظوظ* الذي يعلم أن قراءة سورة الاخلاص 3 مرات تعدل ختم القران الكريم ويقرأها ..
    وهي لا تستغرق دقيقة واحدة.
    * *المحظوظ* الذي يعلم أن من استغفر للمؤمنين والمؤمنات كتب الله له بكل مؤمن ومؤمنه(حسنة) ويقول ذلك ..
    وهي لا تستغرق ثواني معدودة.
    * *المحظوظ* الذي يعلم أن قول :
    سبحان الله والحمدلله ولا إله إلا الله و الله أكبر .
    خير مما طلعت عليه الشمس ويقول ذلك .
    وهي لا تستغرق ثواني معدودة .
    * *المحظوظ* الذي يعلم أن قول :
    لاإله الاالله وحدهـ لاشريك له ، له الملك وله الحمد وهوعلى كل شيءقدير ، 10 مرات
    بعد صلاة المغرب وبعد صلاة الفجر
    تعدل عتق 4 رقاب من ولد اسماعيل عليه السلام ويقول ذلك وهي لاتستغرق دقيقة واحدة .
    * *المحظوظ* الذي يعلم أن من قال :
    اللهم أجرني من النار ، 7مرات
    حينما يمسي كُتب له جوار من النار حتى يصبح
    ومن قالها حينما يصبح كُتب له جوار من النار حتى يمسي
    ويقولها وهي لاتستغرق دقيقة واحدة .
    * *المحظوظ* الذي يعلم أن من قال حين يسمع النداء : اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمداً الوسيلة والفضيلة وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته ..
    تحل له شفاعة النبي ﷺ يوم القيامة .. ويقولها وهي لاتستغرق دقيقة واحدة .
    * *المحظوظ* الذي يعلم أن من قال :
    اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ الْهَمِّ وَالْحَزَنِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ الْعَجْزِ وَالْكَسَلِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ الْجُبْنِ وَالْبُخْلِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ غَلَبَةِ الدَّيْنِ، وَقَهْرِ الرِّجَالِ .
    صباح مساء.
    تُذهب عنه الهم وتقضي عنه الدين !؟
    ويقولها وهي لا تستغرق ثوانٍ معدودة .
    * *المحظوظ* الذي يعلم أن اليوم والليلة 24 ساعة ويستطيع أن يقرأ جزء من القرآن وهو لا يستغرق 20 دقيقة تقريبا .
    * *المحظوظ* الذي يعلم أن وقت الضحى يقارب ( 6 ) ساعات ويستطيع أن يصلي فيها ركعتي الضحى وهي لاتستغرق ( 5 ) دقائق وهي صدقة عن ( 360 ) عضواً في جسده !
    * *المحظوظ* الذي يعلم أن الليل مايقارب ( 11 ) ساعة وهو يستطيع أن يصلي الوتر ركعة واحدة ربما لا تستغرق ( 3 ) دقائق تقريباً !
    * *المحظوظ* الذي يعلم من قال :
    سبحان الله وبحمده 100 مرة
    تُغفر ذنوبه ولو كانت ذنوبه مثل زبد البحر ويقول ذلك!؟
    وهي لا تستغرق دقيقة واحدة .
    * *المحظوظ* الذي يعلم من قال :
    استغفر الله الذي لا إله الا هو الحي القيوم وأتوب إليه . 7 مرات
    تُغفر ذنوبه ولو كان قد فر من الزحف ويقول ذلك !؟
    وهي لا تستغرق دقيقة واحدة .
    * *المحظوظ* الذي يعلم أن قول :
    سبحان الله وبحمده عدد خلقه ورضا نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته ، ٣ مرات .
    من اعظم الأذكار وأكثرها أجرا كما ثبت ذلك في الحديث ويقول ذلك !؟
    وهي لا تستغرق ثواني معدودة .
    * *المحظوظ* حقا هو من يعلم
    أن الدال على الخير كفاعله وينشر الخير !
    *طابت اوقاتكم بكل خير❤
    الكنز الذي ستندم عليه إن تجاهلته؟؟؟!!!
    الكنز الأول:اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات
    قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (من استغفر للمؤمنين والمؤمنات كتب الله له بكل مؤمن ومؤمنة حسنة(
    الراوي: عبادة بن الصامت - خلاصة الدرجة: حسن - المحدث: الألباني - المصدر: صحيح الجامع - الصفحة أو الرقم6026
    الكنز الثاني: سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم
    قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله و بحمده، سبحان الله العظيم)
    الراوي: أبو هريرة - خلاصة الدرجة: صحيح - المحدث: الألباني - المصدر: صحيح الجامع - الصفحة أو الرقم: 457
    الكنز الثالث :قراءة ما تيسر من القرآن
    قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (من قرأحرفا من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول {الم} حرف و لكن: الف حرف، و لام حرف، و ميم حرف)
    الراوي: عبدالله بن مسعود - خلاصة الدرجة: صحيح - المحدث: الألباني - المصدر: صحيح الجامع - الصفحة أو الرقم: 6469
    الكنز الرابع : قول الحمد لله
    قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (الطهور شطرالإيمان، والحمد لله تملأ الميزان، وسبحان الله والحمد لله تملآن ما بين السماء والأرض، والصلاة نور، والصدقة برهان، والصبر ضياء، والقرآن حجة لك أو عليك، كل الناس يغدو، فبائع نفسه،فمعتقها أو موبقها).
    الراوي: أبو مالك الأشعري - خلاصة الدرجة: صحيح - المحدث: الألباني - المصدر: صحيح الجامع - الصفحة أو الرقم: 3957
    الكنز الخامس:سبحان الله عدد ما خلق سبحان الله ملء..الحديث
    عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: رآني النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأنا أحرك شفتي فقال لي: (بأي شيء تحرك شفيتك ياأبا أمامة؟) فقلت أذكر الله يارسول الله، فقال: (ألا أخبرك بأفضل أو أكثر من ذكرك الليل مع النهار و النهار مع الليل؟ أن تقول: سبحان الله عدد ما خلق، سبحان الله ملأ ماخلق، سبحان الله عدد ما في الأرض و السماء، سبحان الله ملأ ما في السماء و الأرض، سبحا ن الله ملأ ما خلق، سبحان الله عدد ما أحصى كتابه، و سبحان الله ملأ كل شيء، و تقول: الحمد الله، مثل ذلك).
    الراوي: أبو أمامةالباهلي - خلاصة الدرجة: إسناده حسن رجالهثقات - المحدث: الألباني - المصدر: السلسلة الصحيحة - الصفحة أو الرقم: 2578
    الكنز السادس :لاحول ولا قوة الابالله
    عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (ألا أدلك على كلمة من كنوز الجنة قلت بلى يا رسول الله قال قل لا حول ولا قوة إلا بالله ).
    الراوي: أبو موسى - خلاصة الدرجة: صحيح - المحدث: الألباني - المصدر: صحيح ابن ماجه - الصفحة أو الرقم: 3097
    الكنز السابع : سبحان الله وبحمدة عدد خلقة ورضا نفسة وزنة عرشه ومداد كلماته
    عن جويرية رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم خرج من عندها بكرة حين صلى الصبح وهي في مسجدها ثم رجع بعد أن أضحى وهي جالسة فقال: (ما زلت على الحال التي فارقتك عليها؟) قالت نعم. قال صلى الله عليه وآله وسلم: (لقد قلت بعدك أربع كلمات، ثلاث مرات، لو وزنت بما قلت منذ اليوم لوزنتهن: سبحان الله و بحمده، عدد خلقه، ورضا نفسه،وزنة عرشه، و مداد كلماته).
    الراوي: جويرية بنتالحارث - خلاصة الدرجة: صحيح - المحدث: الألباني - المصدر: صحيحالجامع - الصفحة أو الرقم: 5139
    الكنز الثامن:سبحان الله وبحمدة 100 مرة
    قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (من قال سبحان الله وبحمده مائة مرة غفرت له ذنوبه ولو كانت مثل زبد البحر).
    الراوي: أبوهريرة - خلاصة الدرجة: صحيح - المحدث: الألباني - المصدر: صحيح ابنماجه - الصفحة أو الرقم: 3089
    الكنز التاسع:لا إله إلا الله وحده لا شريك له 10 مرة
    قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (من قال إذا أصبح: لا إله إلا الله وحده، لاشريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير؛ كان له عدل رقبة من ولد إسماعيل، وكتب له عشر حسنات، وحط عنه عشر سيئات، ورفع له عشر درجات، وكان في حرز من الشيطان حتى يمسي. وإن قالها إذا أمسى كان له مثل ذلك حتى يصبح).
    الراوي : أبو عياش الزرقي - خلاصة الدرجة: صحيح - المحدث: الألباني - المصدر: صحيح أبي داود - الصفحة أو الرقم: 5077
    الكنز العاشر:اللهم صلى على محمد وعلى آل محمد
    قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (من صلى علي واحدة ، صلى الله عليه بها عشر صلوات ، و حط عنه عشر خطيئات ، و رفع له عشر درجات ).
    .......
    قال احدهم :
    تتبعت التسبيح في القرآن فوجدت عجبا، وجدت أن
    التسبيح يرد القدر كما في قصة يونس عليه السلام قال تعالى " فلولا أنه كان من المسبحين للبث في بطنه إلى يوم يبعثون "
    وكان يقول في تسبيحه "لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين " .
    والتسبيح هو الذكر الذي كانت تردده الجبال والطير مع داود عليه السلام قال تعالى " وسخرنا مع داود الجبال يسبحن والطير " .
    التسبيح هو ذكر جميع المخلوقات قال تعالى " ألم تر أن الله يسبح له من في السماوات والأرض " .
    ولما خرج زكريا عليه السلام من محرابه أمر قومه بالتسبيح قال " فخرج على قومه من المحراب فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشيا " .
    ودعا موسى عليه السلام ربه بأن يجعل أخاه هارون وزيرا له يعينه على التسبيح والذكر قال " واجعل لي وزيرا من أهلي هارون أخي اشدد به أزري وأشركه في أمري كي نسبحك كثيرا ونذكرك كثيرا " .
    ووجدت أن التسبيح ذكر أهل الجنة قال تعالى " دعواهم فيها سبحانك اللهم وتحيتهم فيها سلام " .
    والتسبيح هو ذكر الملائكة قال تعالى " والملائكة يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون لمن في اﻷرض" .
    حقا التسبيح شأنه عظيم وأثره بالغ لدرجة أن الله غير به القدر كما حدث ليونس عليه السلام .
    اللهم اجعلنا ممن يسبحك كثيرا ويذكرك كثيرا.
    *فسبحان الله وبحمده عدد خلقه ورضا نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته.*
    هاتين الظاهرتين ( التسبيح والرضا النفسي )
    لم تكونا مرتبطتين في ذهني بصورة واضحة، ولكن مرّت بي آية من كتاب الله كأنها كشفت لي سرّ هذا المعنى، وكيف يكون التسبيح في سائر اليوم سببًا من أسباب الرضا النفسي ؛
    يقول الحق تبارك وتعالى: "وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمسِ وقبل غروبها ومن آنائ الليل فسبّح وأطراف النهار لعلّك ترضى"
    لاحظ كيف استوعب التسبيح سائر اليوم ..
    قبل الشروق وقبل الغروب وآناء الليل وأول النهار وآخره
    ماذا بقي من اليوم لم تشمله هذه الآية بالحثّ على التسبيح !
    والرضا في هذه الآية عام في الدنيا والآخرة .
    وقال في خاتمة سورة الحجر: "ولقد نعلم أنه يضيق صدرك بما يقولون * فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين"
    فانظر كيف أرشدت هذه الآية العظيمة إلى الدواء الذي يُستشفى به من ضيق الصدر والترياق الذي تستطبّ به النفوس .
    ومن أعجب المعلومات التي زودنا بها القرآن أننا نعيش في عالم يعجّ بالتسبيح :
    "ويسبح الرعد بحمده"
    "وسخرنا مع داود الجبال يسبحن والطير"
    "تسبح له السماوات والأرض ومن فيهن، وإن من شيءٍ إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم"
    سبحانك يارب ~
    ندرك الآن كم فاتتنا كثير من لحظات العمر عبثًا دون استثمارها بالتسبيح !
    ⬆⬆جعلنا الله وإياكم أحبتي من المسبحين الله كثيرآ .. آمين
    ......
    جماليات الدين.. التسبيح
    " سبحان الله " كلمةٌ صغيرة يقولها اللسان، لكنها كلمة إجلالٍ وتعظيمٍ، تبجيلٍ وتقديسٍ، ينطقها العبد تنزيهاً لله عزَّ وجلا حينما ينبهر بعظمته وملكوته، ويدرك هيبته المتجلّية في مخلوقاته وأفعاله، فيقف فاغراً فاه في آية من آيات الله الكونية.
    أن تسبح الله معناه أن تقر بربوبيته سبحانه، وتقرَّ بجوارحك وتفكيرك أنه عز وجلّ أعلى من أن يحيط به عقلٌ، أو يتصوره خيالٌ { ليس كمثله شيء وهو السميع البصير } ( الشورى : 11 )، ليس كمثله شيء، ولا يحيط به شيء، بل هو يحيط بكل شيء : { وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ورقةٍ إلا يعلمها ولا حبّة في ظلمات الأرض ولا رطبٍ ولا يابسٍ إلا في كتابٍ مبين } ( الأنعام : 59 ) .
    أن تقول سبحان الله معناه أن تستحضر صفات الجمال والجلال، في رحلةٍ كونية عظيمةٍ، تتأمل فيها وتبصر، تتدبّر وتعقِل، فتلك نملةٌ تسعى في الأرض وتكدح، وذلك طائرٌ يعانقُ السماء ويسترزق، تلك أمٌّ تحنو على صغارها وتُرضع، وذاك رجلٌ يسعى من أجل أسرته ويعمل، و كواكبٌ تدور في الفلك بإحكام ، وفي الأرض شجرةٌ تملأ الجائع بالثمار، ومياهٌ عذبةٌ تروي العطشان و بخريرها يقف كلُّ رسّامٍ مشدوه الإحساس بريشته يرسم الأنهار، وأعماقها عالمٌ والمالحة منها البحار ... كله من خلق الله، فتعجّب وقل : سبحان الله .
    اقرأ حروف الكون، وتناغم مع تلك العظمة، وقل فيه ما شئت، وانظم في جماله القصائد، واكتب في وصفه الصحائف، لكن لا تنسَ " سبحان الله ".
    فأممٌ في الأرض، وأممٌ في السماء، وأخرى في أعماق المحيطات، كلٌّ له حياته، ودوره، وكل الخليقة أممٌ : { وما من دابّة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم ما فرّطنا في الكتاب من شيء ثم إلى ربهم يحشرون } ( الأنعام : 38 ) .
    تلكَ الأمم والمخلوقات كلها تسبّح الله تعالى، طوعاً أو كرهاً، شاءت أم أبت، فذاك عظيم الكون وإلهه، الملك القائم بأمر الكون؛ فاقرأ إن شئت كتاب الذكر والتسبيح الأعظم حين يقول الله تعالى : { تسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم إنه كان حليما غفوراً } ( الإسراء 44 ) .
    ومن هنا كان التسبيح شعار السالكين، والأنبياء والأولياء الصالحين، بل هو دأب الملأ الأعلى : { وله ما في السماوات والأرض ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته ولا يستسحرون * يسبحون الليل والنهار لا يفترون} ( الأنبياء : 19-20 ).
    فتأمّل أيها القارئ كلمة " مَن عنده " وهم الملائكة في العوالم العليا؛ يقول الإمام الألوسي : " وهم الملائكة مطلقاً عليهم السلام على ما روي عن قتادة وغيره " -1-.
    فلا تحرم نفسك أيها السالك في مدارج الإيمان من فضله، وأنت ترى أنه مقرون مع الصلاة؛ وهي أفضل العبادات وأرقى القربات، " سبحان ربي العظيم " في الركوع، و " سبحان ربي الأعلى " في السجود، فتكونَ ورداً دائماً في الصلاة المفروضة والنافلة أيضاً، واستزد منها في الأذكار { وفي ذلك فليتنافس المتنافسون } ( المطففين : 26 ).
    فجمالية التسبيح فضلاً عمّا ذكرناه آنفاً، من تأملات في نفس الإنسان خاصّةً، ومخلوقات الله عامّة، وتدبير الله للكون وتصريفه له ولمآلات البشر وأقدراهم، تتجلى جماليته أيضاً في فضله العظيم، وأجره الكبير.
    فهذا الإمام البخاري يروي في صحيحه عن النبي – صلى الله عليه وسلم – يقول : (من قال سبحان الله وبحمده في يوم مائة مرة حطت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر ) رواه البخـاري.
    فالتسبيح لمائة مرة فقط يحطُّ عنك الخطايا وإن كانت مثل زبد البحر في كثرتها وتنوّعها، فأيُّ جمالٍ بعد هذا، وأيُّ شيءٍ يُقال ؟
    والعبد المخلص يدرك نعم الله عليه، ويستحضر عظمة الله في سرّه وعلانيته، والمحبُّ يفعل ما يُرضي حبيبه، ومن أرضى الله تعالى فقد فاز في دنياه وآخرته، فتأمّل معي وأبصر حين يروى عن أبي هريرة عن النبي -صلى الله عليه وسلم – قال 🙁 كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان حبيبتان إلى الرحمن سبحان الله العظيم سبحان الله وبحمده).
    وأزيدك في فضل التسيح حتى تقف على جمالياته قول النبيّ – صلى الله عليه وسلم – أم هانيء بنت أبي طالبٍ – رضي الله عنها - : (سبٍّحي الله مائة تسبيحة ، فإنها تعدل لك مائة رقبة تعتقينها من ولد إسماعيل ) -2-
    مائة رقبة ؟ فتصوّر معي أيها القارئ الفطن، لو استمر الرقّ في عصرنا، فبكم سيكون تحرير رقبة أو شراء أمَةٍ أو عبدٍ ؟ لاشك أنه سيكون أغلى من شراء سيارة، ولكلّف آلاف الدراهم والدولارات، واضرب ذلك في مائة، واحسب الأجر لو استطعت، والله يضاعف لمن يشاء !
    " أخي يا رفيق الطريق، ليس كلّ من نطق بعبارة التسبيح قد سبّح الله، فسبّح الله؛ سبّح الله، سبّح الله ! تلك لمعةٌ من لمعات التسبيح، وومضةٌ من ومضاته، ومضةٌ أقلُّ من أثر البرق،ضرب هنا ثم انتهى قبل أن تدركه عين ! " 😚
    فاغتنم أيها السالك، واتعظ أيها المخالف، وتأمّل جمالية التسبيح، واسبح بعقلك وتفكيرك في عبره وعظاته وعالمه، تكن إن شاء الله من المبصرين.
    هوامش المقال
    -1- روح المعاني للألوسي، تفسير سورة الأنبياء .
    -2- أخرجه النسائي والطبراني وابن خزيمة، وصححه الألباني في الصحيح الجامع .
    😚 الشيخ فريد الأنصاري، ميثاق العهد في مسالك التعرّف إلى الله، ص : 45.
    أبو عبد الرحمن الإدريسي-إسلام ويب...
    *إستنزلوا فرج الله و عطاياه بـ*
    *لَا حَوْلَ و َلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ*
    معنى لَا حَوْلَ وَ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّه ِ:
    معناها :
    اعتراف العبد بعجزه عن القيام بأي أمر إلا بتوفيق الله له و تيسيره ، و أما حوله و نشاطه و قوته فمهما بلغت من العِظم فإنها لا تغني عن العبد شيئا إلا بعون الله الذي علا و ارتفع على سائر المخلوقات ، العظيم الذي لا يعظم معه شيء ،
    - *و تقال لَا حَوْلَ و َلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّه ِ: إذا دهم الإنسان أمر عظيم لا يستطيعه ، أو يصعب عليه القيام به .*
    و لهذا أوصى النبي ﷺ أكثر من ١٩ صحابي أن يكثروا من لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ ...!
    - *لَا حَوْلَ وَ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ كَنْزٌ مِنْ كُنُوزِ الْجَنَّة ِ:*
    قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ و َسَلَّمَ :
    *أَكْثِرُوا مِنْ قَوْلِ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ فَإِنَّهَا كَنْزٌ مِنْ كُنُوزِ الْجَنَّةِ .*.
    البخاري ٦٣٨٤
    - معنى كنز من كنوز الجنـــة:
    قال السندي : قَوْلُهُ : ( كَنْزٌ مِنْ كُنُوزِ الْجَنَّةِ ) :
    جُعِلَتِ الْكَلِمَةُ مِنْ كُنُوزِ الْجَنَّةِ بِاعْتِبَارِ أَنَّ قَائِلَهَا يَمْلِكُهَا بِسَبَبِهَا، و َفِي النِّهَايَةِ ؛
    معنى كنز من كنوز الجنـة :
    أَجْرُهَا مُدَّخَرٌ لِقَائِلِهَا وَ الْمُتَّصِفُ بِهَا كَمَا يُدَّخَرُ الْكَنْزُ .
    - *لَا حَوْلَ و َلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ غرس مِنْ غِرَاسِ الجَنَّة ِ:*
    عن أَبي أَيوب الأنصارِي رضي الله عنه أن رسول اللهِ صلى الله عليه و سلم لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ مَرَّ عَلَى إِبْرَاهِيمَ فَقَالَ :
    *مُرْ أُمَّتَكَ فَلْيُكْثِرُوا مِنْ غِرَاسِ الْجَنَّةِ فَإِنَّ تُرْبَتَهَا طَيِّبَةٌ و َأَرْضَهَا وَاسِعَةٌ ،*
    قَال َ: *وَ مَا غِرَاسُ الْجَنَّةِ ؟*
    قَال َ: *لَا حَوْلَ و َلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ .*
    - *لَا حَوْلَ و َلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ باب مِنْ أَبْوَابِ الجَنَّة ِ:*
    *قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ و َسَلَّم َ: ل قيس بن سعد بن عبادة رضي الله عنهما 😘
    *ألا أَدُلُّك على بابٍ من أبواب الجنَّة ِ؟*
    قلتُ: بلى،
    *قال : لا حولَ و لا قُوَّةَ إلا باللهِ .*
    - *لَا حَوْلَ و َلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ حصن للمال و النعم 😘
    قال الله عز و جل عن المؤمن الذي قال لصاحبه :
    *( و َلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ )*
    قال مالك : ينبغي لكل من دخل منزله أن يقول هذا .
    - *لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ حرز و حصن 😘
    فهي تقي قائلها من شياطين الجن و الإنس عند الخروج من منزله .
    *قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ و َسَلَّم َ:*
    *إِذَا خَرَجَ الرَّجُلُ مِنْ بَيْتِهِ فَقَالَ : بِسْمِ اللَّه ِ، تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّه ِ، لَا حَوْلَ و َلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّه ِ،*
    *يُقالُ له حسبُك ، هُدِيتَ و كُفِيتَ و وُقِيتَ و يتنحَّى عنه الشَّيطانُ ، فَيَقُولُ لَهُ شَيْطَانٌ آخَرُ كَيْفَ لَكَ بِرَجُلٍ قَدْ هُدِيَ و َكُفِيَ وَوُقِي َ.*
    - *لَاحَوْلَ و َلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ تمحو الخطايا 😘
    *قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ:*
    *ما علَى الأرضِ أحدٌ يقولُ لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ و اللَّهُ أَكْبرُ و لا حولَ و لا قوَّةَ إلَّا باللَّهِ إلَّا كُفِّرَت عنهُ خطاياهُ و لو كانت مثلَ زبدِ البحرِ .*
    - *تذكر دائما عندما تقول : لَا حَوْلَ وَ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ*
    *أنه لا تحوّل من الضيق إلى السعة الا بالله*
    *و لا تحوّل من المرض إلى العافية إلا بالله*
    *و لا تحوّل من المعصية إلى الطاعة إلا بالله .*
    *من لزم الحوقلة فرج الله شدته و رفع كربته و حوّل عنه مصيبته و كانت له غراس و كنز في الجنـــة .*
    * هل قلت اليوم :
    أستغفر الله الذي لا‌ إله إلا‌ هو الحي القيوم و أتوب إليه
    * هل قلت اليوم :
    سبحان اللّه و بحمده
    * هل قلت اليوم :
    سبحان الله العظيم
    * هل قلت اليوم :
    لا‌ حول ولا‌ قوة إلا‌ بالله العلي العظيم
    * هل قلت اليوم :
    اللهم صل على سيدنا محمد و على آل سيدنا محمد كما صليت على سيدنا إبراهيم و على آل سيدنا إبراهيم أنك حميد مجيد
    * هل قلت اليوم :
    سبحان الله و بحمده عدد خلقه و رضا نفسه و زنة عرشه و مداد كلماته
    * هل قلت اليوم :
    الحمــد لله ولا‌ إله إلا‌ الله و الله أكبر
    * هل قلت اليوم :
    لا‌ إله إلا‌ الله الواحد الأ‌حد الفرد الصمد الذي لم يلد و لم يولد و لم يكن له كفواً أحد
    * هل قلت اليوم :
    لا‌ إله إلا‌ الله وحده لا‌ شريك له له الملك و له الحمد و هو على كل شئ قدير
    * هل قلت اليوم :
    لا‌ إله إلا‌ أنت سبحانك إني كنت من الظالمين
    ذكروهم فاليوم قصير ..
    ذكروهم فالحياة تسير ..
    ذكروهم فالذنوب تزيد ..
    ذكروهم فالنار تقول هل من مزيد ..
    ذكروهم فالله يقول هل من داعي فأجيبه .
    الكنز الذي ستندم عليه إن تجاهلته؟؟؟!!!
    الكنز الأول:اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات
    قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (من استغفر للمؤمنين والمؤمنات كتب الله له بكل مؤمن ومؤمنة حسنة(
    الراوي: عبادة بن الصامت - خلاصة الدرجة: حسن - المحدث: الألباني - المصدر: صحيح الجامع - الصفحة أو الرقم6026
    الكنز الثاني: سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم
    قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله و بحمده، سبحان الله العظيم)
    الراوي: أبو هريرة - خلاصة الدرجة: صحيح - المحدث: الألباني - المصدر: صحيح الجامع - الصفحة أو الرقم: 457
    الكنز الثالث :قراءة ما تيسر من القرآن
    قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (من قرأحرفا من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول {الم} حرف و لكن: الف حرف، و لام حرف، و ميم حرف)
    الراوي: عبدالله بن مسعود - خلاصة الدرجة: صحيح - المحدث: الألباني - المصدر: صحيح الجامع - الصفحة أو الرقم: 6469
    الكنز الرابع : قول الحمد لله
    قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (الطهور شطرالإيمان، والحمد لله تملأ الميزان، وسبحان الله والحمد لله تملآن ما بين السماء والأرض، والصلاة نور، والصدقة برهان، والصبر ضياء، والقرآن حجة لك أو عليك، كل الناس يغدو، فبائع نفسه،فمعتقها أو موبقها).
    الراوي: أبو مالك الأشعري - خلاصة الدرجة: صحيح - المحدث: الألباني - المصدر: صحيح الجامع - الصفحة أو الرقم: 3957
    الكنز الخامس:سبحان الله عدد ما خلق سبحان الله ملء..الحديث
    عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: رآني النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأنا أحرك شفتي فقال لي: (بأي شيء تحرك شفيتك ياأبا أمامة؟) فقلت أذكر الله يارسول الله، فقال: (ألا أخبرك بأفضل أو أكثر من ذكرك الليل مع النهار و النهار مع الليل؟ أن تقول: سبحان الله عدد ما خلق، سبحان الله ملأ ماخلق، سبحان الله عدد ما في الأرض و السماء، سبحان الله ملأ ما في السماء و الأرض، سبحا ن الله ملأ ما خلق، سبحان الله عدد ما أحصى كتابه، و سبحان الله ملأ كل شيء، و تقول: الحمد الله، مثل ذلك).
    الراوي: أبو أمامةالباهلي - خلاصة الدرجة: إسناده حسن رجالهثقات - المحدث: الألباني - المصدر: السلسلة الصحيحة - الصفحة أو الرقم: 2578
    الكنز السادس :لاحول ولا قوة الابالله
    عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (ألا أدلك على كلمة من كنوز الجنة قلت بلى يا رسول الله قال قل لا حول ولا قوة إلا بالله ).
    الراوي: أبو موسى - خلاصة الدرجة: صحيح - المحدث: الألباني - المصدر: صحيح ابن ماجه - الصفحة أو الرقم: 3097
    الكنز السابع : سبحان الله وبحمدة عدد خلقة ورضا نفسة وزنة عرشه ومداد كلماته
    عن جويرية رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم خرج من عندها بكرة حين صلى الصبح وهي في مسجدها ثم رجع بعد أن أضحى وهي جالسة فقال: (ما زلت على الحال التي فارقتك عليها؟) قالت نعم. قال صلى الله عليه وآله وسلم: (لقد قلت بعدك أربع كلمات، ثلاث مرات، لو وزنت بما قلت منذ اليوم لوزنتهن: سبحان الله و بحمده، عدد خلقه، ورضا نفسه،وزنة عرشه، و مداد كلماته).
    الراوي: جويرية بنتالحارث - خلاصة الدرجة: صحيح - المحدث: الألباني - المصدر: صحيحالجامع - الصفحة أو الرقم: 5139
    الكنز الثامن:سبحان الله وبحمدة 100 مرة
    قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (من قال سبحان الله وبحمده مائة مرة غفرت له ذنوبه ولو كانت مثل زبد البحر).
    الراوي: أبوهريرة - خلاصة الدرجة: صحيح - المحدث: الألباني - المصدر: صحيح ابنماجه - الصفحة أو الرقم: 3089
    الكنز التاسع:لا إله إلا الله وحده لا شريك له 10 مرة
    قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (من قال إذا أصبح: لا إله إلا الله وحده، لاشريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير؛ كان له عدل رقبة من ولد إسماعيل، وكتب له عشر حسنات، وحط عنه عشر سيئات، ورفع له عشر درجات، وكان في حرز من الشيطان حتى يمسي. وإن قالها إذا أمسى كان له مثل ذلك حتى يصبح).
    الراوي : أبو عياش الزرقي - خلاصة الدرجة: صحيح - المحدث: الألباني - المصدر: صحيح أبي داود - الصفحة أو الرقم: 5077
    الكنز العاشر:اللهم صلى على محمد وعلى آل محمد
    قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (من صلى علي واحدة ، صلى الله عليه بها عشر صلوات ، و حط عنه عشر خطيئات ، و رفع له عشر درجات ).
    منقول....
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

08-04-2020, 02:10 PM

سيف اليزل برعي البدوي
<aسيف اليزل برعي البدوي
تاريخ التسجيل: 04-30-2009
مجموع المشاركات: 18170

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: مقالات مفيدة تهم المجتمع و الأسرة و الشبا� (Re: سيف اليزل برعي البدوي)

    من حكم الابتلاء بالضراء أو الشر
    من أسماء الله -عز وجل- "الحكيم" ولهذا الاسم كما لغيره من الأسماء الحسنى آثار في الخلق تترتب عليه، ومن مقتضى ذلك أن تكون أفعاله- سبحانه وتعالى-، وما يجري به قضاؤه وقدره لا يخلو من الحكمة، علمها من علمها وجهلها من جهلها، وسنحاول هنا أن نتأمل بعض- وليس كل- أسرار الابتلاء بالضراء أو ما تراه النفوس شرا.

    للابتلاء بالضراء أو الشر حكم عديدة نشير إلى أهمها فيما يلي:

    أ- تقوية الإيمان بالقضاء والقدر:
    يقول الشيخ محمد بن عثيمين رحمه الله: على الإنسان أن يؤمن بقضاء الله وقدره، قال تعالى: {وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ}(الأنعام/59) : {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذلِكَ فِي كِتابٍ إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ } (الحج/ 70)، {ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ}(الحديد/ 22).

    وعلى المسلمين أن يؤمنوا بمشيئة الله في عموم ملكه فإنه ما من شيء في السماوات أو في الأرض إلا وهو ملك لله عز وجل: { لله مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما فِيهِنَّ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ }(المائدة/ 120)، وما من شيء في ملكه إلا وهو بمشيئته وإرادته فبيده الملك، وبيده مقاليد السماوات والأرض، ما من شيء يحدث من رخاء وشدة، وخوف وأمن، وصحة ومرض، وقلة وكثرة، إلا بمشيئته سبحانه وتعالى. هو سبحانه خالق الإنسان ومدبره، فللإنسان عزيمة وإرادة، وله قدرة وعمل، والذي أودع فيه تلك العزيمة وخلق فيه القدرة هو الله عز وجل ولو شاء لسلبه الفكر فضاعت إرادته، ولو شاء لسلبه القدرة فما استطاع العمل.

    إن الإيمان بالقدر أحد أركان الإيمان الستة لا يتم الإيمان إلا به، لكنه ليس حجة للإنسان على فعل معاصي الله أو التهاون بما أوجب الله، وجه ذلك أنّ الله أعطاك عقلا تتمكن به من الإرادة والاختيار، وأعطاك قدرة تتمكن بها من العمل فلذلك إذا سلب عقل الإنسان لم يعاقب على معصية، ولا ترك واجب، وإذا سلب قدرته على الواجب لم يؤاخذ بتركه.

    ب- الابتلاء جسر يوصل إلى أكمل الغايات:
    يقول ابن القيم- رحمه الله-: (إذا تأملت حكمته سبحانه فيما ابتلى به عباده وصفوته وجدت أنه ساقهم به إلى أجلّ الغايات وأكمل النهايات التي لم يكونوا يعبرون إليها إلا على جسر من الابتلاء والامتحان، وكان ذلك الجسر لكماله كالجسر الذي لا سبيل إلى عبورهم إلى الجنة إلا عليه، وكان ذلك الابتلاء والامتحان عين المنهج في حقهم والكرامة، فصورته صورة ابتلاء وامتحان وباطنه فيه الرحمة والنعمة، فكم لله من نعمة جسيمة ومنة عظيمة تجنى من قطوف الابتلاء والامتحان، فتأمل حال أبينا آدم عليه السلام وما آلت إليه محنته من الاصطفاء والاجتباء والتوبة والهداية ورفعة المنزلة، ولولا تلك المحنة التي جرت عليه وهي إخراجه من الجنة وتوابع ذلك لما وصل إلى ما وصل إليه...).
    فرق كبير بين حال آم عليه السلام قبل الابتلاء وبعده؛ فقبل الابتلاء: {إنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى*وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى}(طه/118-119) أكل وشرب وتمتع، وبعد الابتلاء وقد أخبر عنه المولى بقوله: {ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ فَتابَ عَلَيْهِ وَهَدى}(طه/122). وهذه الحالة الثانية حال اجتباء واصطفاء وهداية، وكما يقول ابن القيم رحمه الله: ويا بُعد ما بينهما.

    ج- الابتلاء وسيلة للتمكين في الأرض:
    قيل للشافعي- رحمه الله- يا أبا عبد الله، أيهما أفضل للرجل أن يمكّن أو يبتلى؟ (أي بالضراء) ، فقال الشافعي: لا يمكّن حتى يبتلى، فإنّ الله تعالى ابتلى نوحا وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمدا- صلوات الله عليهم أجمعين- فلما صبروا (على الابتلاء) مكّنهم.
    وآيات الكتاب تشهد لهذا المعنى: {وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون}(السجدة/24).

    د- تمحيص المؤمن وتخليصه من الشوائب المنافية للإيمان:
    إن المصائب التي تصيب الناس في أنفسهم أو في أرزاقهم، أو غير ذلك مما يتصل بهم مما يسرهم الكمال فيه ويؤلمهم النقص منه، تكمن حكمتها في التمحيص الناتج عن هذا الابتلاء والامتحان، يقول الله تبارك وتعالى: {إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ* وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكافِرِينَ* أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ}( آل عمران/ 140- 142) .

    قال القاسمي (4/239) :(أي لينقّيهم ويخلّصهم من الذنوب ، ومن آفات النفوس . وأيضاً فإنه خلصهم ومحصهم من المنافقين ، فتميزوا منهم...ثم ذكر حكمة أخرى وهي ( ويمحق الكافرين ) أي يهلكهم ، فإنهم إذا ظفروا بَغَوا وبطروا ، فيكون ذلك سبب دمارهم وهلاكهم ؛ إذ جرت سنّة الله تعالى إذا أراد أن يهلك أعداءه ويمحقهم قيّض لهم الأسباب التي يستوجبون بها هلاكهم ومحقهم ، ومن أعظمها بعد كفرهم بغيهم وطغيانهم في أذى أوليائه ومحاربتهم وقتالهم والتسليط عليهم ... وقد محق الله الذي حاربوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد وأصروا على الكفر جميعاً).

    فالبلايا والمحن محك يكشف عما في القلوب وتظهر به مكنونات الصدور، ينتفي بها الزيف والرياء، وتنكشف الحقيقة بكل جلاء.. قال الفضيل بن عياض : (الناس ما داموا في عافية مستورون ، فإذا نزل بهم بلاء صاروا إلى حقائقهم ؛ فصار المؤمن إلى إيمانه ، وصار المنافق إلى نفاقه).

    ورَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِي "الدَّلائِل" عَنْ أَبِي سَلَمَة قَالَ : اُفْتُتِنَ نَاس كَثِير - يَعْنِي عَقِب الإِسْرَاء - فَجَاءَ نَاس إِلَى أَبِي بَكْر فَذَكَرُوا لَهُ فَقَالَ : أَشْهَد أَنَّهُ صَادِق . فَقَالُوا : وَتُصَدِّقهُ بِأَنَّهُ أَتَى الشَّام فِي لَيْلَة وَاحِدَة ثُمَّ رَجَعَ إِلَى مَكَّة ؟ قَالَ نَعَمْ , إِنِّي أُصَدِّقهُ بِأَبْعَد مِنْ ذَلِكَ , أُصَدِّقهُ بِخَبَرِ السَّمَاء , قَالَ : فَسُمِّيَ بِذَلِكَ الصِّدِّيق.

    فالابتلاء قد يقتضي في بعض أشكاله أن يكون بالمصيبة وبما تكره النفوس ، وتحمّل المؤمن مصائب الامتحان الإلهي بصبر وصدق مع الله ورضا بقضائه وقدره، هو من أفضل أعماله الصالحة، التي يكتب الله له بها أجرا عظيما وثوابا جزيلا. قال الله تعالى: {ما كانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلا نَصَبٌ وَلا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَطَؤُنَ مَوْطِئاً يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلا يَنالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ* وَلا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً وَلا يَقْطَعُونَ وادِياً إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ}(التوبة/ 120- 121) ، إن هذه الضراء ليست هي خاتمة المطاف، وسرعان ما تنقشع وتزول، يقول الله تعالى: {فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً* إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً}(الشرح/ 5- 6)، ولن يغلب عسر يسرين.

    هـ- الردع والتحذير من الغرور:
    إنّ العقوبة العاجلة على ما اقترفه الإنسان أو الجماعة أو الأمة من معاص تقتضي حكمة المولى- عز وجل- أن تعجل عقوبتها حيث إن فيها ردعا وتحذيرا وعبرة، لهم ولغيرهم من الأفراد والجماعات، وقد أشارت إلى ذلك الآية الكريمة: {كَذلِكَ نَبْلُوهُمْ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ}(الأعراف/ 163). وقوله عز من قائل: {وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذابٍ بَئِيسٍ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ}(الأعراف/ 165) ، وقال سبحانه: {قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ}(الأنعام/ 11).

    و- الرحمة بالعصاة والتخفيف عنهم يوم القيامة:
    من حكمة الابتلاء بالعقوبة أن يعجل الله للمذنب عقوبته فتأتيه في الدنيا تخفيفا عنه يوم القيامة، يقول الله- عز وجل-: {وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ}(الشورى/ 30) .

    قال علي- رضي الله عنه-: هذه أرجى آية في كتاب الله عز وجل، وإذا كان يكفّر عني بالمصائب ويعفو عن كثير فما يبقى بعد كفارته وعفوه!!.
    وعن أنس- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: "إذا أراد الله بعبده الخير عجل له العقوبة في الدنيا وإذا أراد بعبده الشر أمسك عنه بذنبه حتى يوافي به يوم القيامة". (رواه الترمذي وقال: حديث حسن غريب).
    وروى البخاري رحمه الله عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما مِن مُصِيبَةٍ تُصِيبُ المُسْلِمَ إلَّا كَفَّرَ اللَّهُ بها عنْه، حتَّى الشَّوْكَةِ يُشاكُها".

    وقال ابن عون: إن محمد بن سيرين لما ركبه الدَّين اغتم لذلك، فقال: إني لأعرف هذا الغم، هذا بذنب أصبته منذ أربعين سنة. وقال عكرمة: ما من نكبة أصابت عبدا فما فوقها إلا بذنب لم يكن الله ليغفره له إلا بها، أو لينال درجة لم يكن يوصله إليها إلا بها.

    ز- إقامة حجة العدل على العباد:
    يقول ابن القيم- رحمه الله-: «ومنها (أي من الحكم في الابتلاء بالضراء) إقامة حجة عدله عز وجل على عبده ليعلم هذا العبد أن لله عليه الحجة البالغة، فإذا أصابه من المكروه شيء فلا يقول: من أين هذا؟ ولا من أين أتيت؟ ولا بأي ذنب أصبت؟ وما نزل بلاء قط إلا بذنب ولا رفع إلا بتوبة، والله عز وجل يقول:{ وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير}. {أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم إن الله على كل شيء قدير}.

    الابتلاء يربي فينا الشوق إلى الجنة:
    لن تشتاق إلى الجنة إلا إذا ذقت مرارة الدنيا ، فكيف تشتاق إلى الجنة وأنت هانئ في الدنيا ؟ الهم والغم والتعب والمحن والمرض والديون والمشاكل....إلخ كل هذا يشوقك إلى دار لا يوجد فيها شيء من هذا الكدر، وليس ذلك إلا في الجنة، ألم يخبر النبي صلى الله عليه وسلم عمن يدخل الجنة أنه :"ينعَمُ ولا يبأسُ، ويخلدُ ولا يموتُ، لا تبلَى ثيابُهُم، ولا يفنى شَبابُهُم...".
    "لا يَبْصُقُونَ فِيهَا، ولَا يَمْتَخِطُونَ، ولَا يَتَغَوَّطُونَ....لا اخْتِلَافَ بيْنَهُمْ ولَا تَبَاغُضَ، قُلُوبُهُمْ قَلْبٌ واحِدٌ، يُسَبِّحُونَ اللَّهَ بُكْرَةً وعَشِيًّا". وبعد غزوة أحد كان من دعائه صلى الله عليه وسلم: " اللهم إني أسألُك النَّعيمَ المقيمَ الذي لا يحُولُ و لا يزولُ ، اللهم إني أسألُك النَّعيمَ يومَ العَيْلَةِ " وهو نعيم الآخرة ، أي : أسألك يا اللَّه أن تكمل علي النعيم يوم الشدة والفقر، وأن تُغنيني عن السؤال، والافتقار لسواك من الخلق.
    كما كان من دعائه صلى الله عليه وسلم: "وأسألُكَ نعيمًا لَا ينفَدُ، و أسالُكَ قرَّةَ عينٍ لا تنقَطِعُ..".
    نسأل الله تعالى العافية في الدنيا والآخرة، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد وآله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وآخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمين.
    -------------------------------------------
    الانتقام ليس خلق الكرام
    روى البخاري ومسلم عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أنَّها قالت: (ما خُيِّر رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلَّا أخذ أيسرهما، ما لم يكن إثمًا، فإن كان إثمًا كان أبعد النَّاس منه، وما انتقم رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفسه، إلا أن تُنتَهك حُرْمَة الله فينتقم لله بها).
    وروى مسلم عنها رضي الله عنها قالت: (ما ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئًا قطُّ بيده، ولا امرأة، ولا خادمًا، إلَّا أن يجاهد في سبيل الله. وما نِيل منه شيء قطُّ، فينتقم مِن صاحبه، إلا أن يُنْتَهك شيء مِن محارم الله، فينتقم لله عزَّ وجلَّ).
    قال علي القاري: (... "وما انتقم رسول الله صلى الله عليه وسلم" أي: ما غاضب أحدًا لنفسه، أي: لأجل حظِّها، "إلَّا أن تُنْتَهك حُرْمَة الله" أي: يُرْتَكَب، فينتقم أي: فيعاقب حينئذ لغرض آخر، أي بسبب تلك الحُرْمَة).
    قال النَّوويُّ: (قولها: "إلَّا أن تُنْتَهك حُرْمَة الله" استثناء منقطع، معناه: لكن إذا انتُهِكت حُرْمَة الله، انتصر لله تعالى، وانتقم ممَّن ارتكب ذلك، وفي هذا الحديث الحثُّ على العفو والحِلْم واحتمال الأذى، والانتصار لدين الله تعالى ممَّن فعل محرَّمًا أو نحوه، وفيه أنَّه يُسْتَحبُّ للأئمَّة والقُضَاة وسائر وُلاة الأمور التَّخلُّق بهذا الخُلُق الكريم، فلا ينتقم لنفسه، ولا يهمل حقَّ الله تعالى).

    وقال العلامة ابن عثيمين رحمه الله: (حديث عائشة رضي الله عنها، أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم ما ضرب أحدًا -لا خادمًا ولا غيره- بيده، إلَّا أن يجاهد في سبيل الله، وهذا مِن كرمه صلى الله عليه وسلم ؛ أنَّه لا يضرب أحدًا على شيءٍ مِن حقوقه هو الخاصَّة به؛ لأنَّ له أن يعفو عن حقِّه، وله أن يأخذ بحقِّه. ولكن إذا انتُهِكت محارم الله؛ فإنَّه صلى الله عليه وسلم لا يرضى بذلك، ويكون أشدَّ ما يكون أخذًا بها؛ لأنَّه صلى الله عليه وسلم لا يُقرُّ أحدًا على ما يُغضِب الله سبحانه وتعالى، وهكذا ينبغي للإنسان أن يحرص على أخذ العفو، وما عفي مِن أحوال النَّاس وأخلاقهم ويعرض عنهم، إلَّا إذا انتُهِكَت محارم الله، فإنَّه لا يقرُّ أحدًا على ذلك).

    إن الانتقام كما ذكر بعضهم هو: إنزال العقوبة مصحوبًا بكراهية تصل إلى حدِّ السَّخط. لا شك قد تكون له لذة لما فيه من موافقة هوى النفس والتشفي ممن أساء، لكن لذة العفو أعظم وأكبر، قال المنصور لولده المهديِّ: (لذَّة العفو أطيب مِن لذَّة التَّشفِّي).
    وقال ابن القيِّم رحمه الله: (وفي الصَّفح والعفو والحِلْم مِن الحلاوة والطَّمأنينة، والسَّكينة وشرف النَّفس، وعزِّها ورفعتها عن تشفِّيها بالانتِقَام ما ليس شيء منه في المقَابَلة والانتِقَام).
    ويُحْكَى عن عنان بن خريم أنَّه دخل على المنصور، وقد قدَّم بين يديه جماعةً -كانوا قد خرجوا عليه- ليقتلهم، فقال أحدهم: يا أمير المؤمنين مَن انتقم فقد شَفَى غَيْظه وأخذ حقَّه، ومَن شَفَى غَيْظه وأخذ حقَّه لم يجب شُكره، ولم يَحُسن في العالمين ذِكْرُه، وإنَّك إن انتقمت فقد انتصفت، وإذا عفوت فقد تفضَّلت، على أنَّ إقالتك عِثَار عباد الله موجبة لإقالته عَثْرتك، وعفوك عنهم موصولٌ بعفوه عنك، فقَبِل قوله، وعفا عنهم).
    وقد مدح الله تعالى أهل العفو والغفران فقال تعالى: {وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ} (الشُّورى: 37).
    قال الطَّبري: (وقوله: {وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ} يقول تعالى ذكره: وإذا ما غضبوا على من اجترم إليهم جُرمًا، هم يغفرون لمن أجرم إليهم ذنبه، ويصفحون عنه عقوبة ذنبه).
    وقال أبو إسحاق: (ولم يقل هم يقتلون، وفي هذا دليل على أنَّ الانتِقَام قبيح فِعْله على الكِرَام؛ فإنَّهم قالوا: الكريم إذا قَدِر غَفَر، وإذا عثر بمساءة ستر، واللَّئيم إذا ظفر عقر، وإذا أَمِن غَدَر).
    وبيَّن الله سبحانه وتعالى أنَّ العفو عن المعتدي -والتَّغاضي عن خطئه- أفضل مِن الانتِقَام منه قال تعالى: {لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَاْ بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ 28 إِنِّي أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ} (المائدة: 28-29). فهابيل كان أقوى وأقدر على الانتِقَام والبطش؛ لكن منعه خوف الله.

    لزوم التقوى عند إنزال العقوبة:
    قد لا تطاوع العبدَ نفسُه في ترك الانتقام فينزل العقوبة وعندئذ لابد من التزام ما أمر الله تبارك وتعالى به حين قال:{ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ} (البقرة: 194).
    قال السعدي: (ولما كانت النُّفوس -في الغالب- لا تقف على حدِّها إذا رُخِّص لها في المعاقبة لطلبها التَّشفِّي -أي: الانتِقَام-، أمر تعالى بلزوم تقواه، التي هي الوقوف عند حدوده، وعدم تجاوزها، وأخبر تعالى أنَّه مَعَ الْمُتَّقِينَ ، أي: بالعون، والنَّصر، والتَّأييد، والتَّوفيق).

    آثار الانتقام السيئة
    للانتقام آثارٌ سيِّئةٌ تعود على المنتقم نفسه، ومِن هذه الآثار:
    1- أنَّ صاحب هذه الصِّفة لا ينال السِّيادة والشَّرف:
    عن داود بن رشيد قال: قالت حكماء الهند: (لا ظفر مع بغي... ولا سؤدد مع انتقام).
    وعن ابن الكلبيِّ عن أبيه، قال: (كان سلم بن نوفل الدِّيليُّ سيِّد بني كِنَانة، فخرج عليه ذات ليلة رجل مِن قومه، فضربه بالسَّيف، فأُخِذ بعد أيامٍ، فأُتِيَ به سلم بن نوفل، فقال: ما الذي فعلت؟! أما خشيت انتقامي؟! قال له: فلِمَ سوَّدناك إلَّا أن تكَظْم الغَيْظ، وتعفو عن الجاني، وتَحْلُم عن الجاهل، وتحتمل المكروه في النَّفس والمال. فخلَّى سبيله، فقال فيه الشَّاعر:
    يسود أقوام وليسوا بسادة بل السيد المعروف سلم بن نوفل
    2- أنَّ الانتِقَام ليس مِن عادة الكرام:قال بعض البلغاء: (ليس مِن عادة الكِرَام سرعة الانتِقَام، ولا مِن شروط الكَرَم إزالة النِّعم).
    3- أنَّ المنتقم لا يجب شُكْرُه ولا يُحْمَد ذِكْرُه:قال الأبشيهي: (قيل: مَن انتقم فقد شَفَى غَيْظه، وأخذ حقَّه، فلم يجب شُكرُه، ولم يُحمَد في العالمين ذِكْرُه).
    4- أنَّ الانتِقَام يعقبه النَّدامة:قال ابن القيِّم: (فما انتقم أحدٌ لنفسه قطُّ إلَّا أعقبه ذلك ندامة).
    5- يُوَلِّد بين النَّاس الأحقاد والضَّغائن.

    أولى الناس بترك الانتقام من كان قادرا:
    قال معاوية رضي الله عنه لابنه -وقد رآه ضرب غلامًا له-: (إيَّاك -يا بُنيَّ- والتَّشفِّي ممَّن لا يمتنع منك، فو الله قد حالت القُدْرة بين أبيك وبين ذوي تِرَاته، ولهذا قيل: القُدْرة تُذْهِب الحفيظة).
    وعن الأصمعي قال: (أُتِي المنصور برجل يعاقبه، فقال: يا أمير المؤمنين، الانتِقَام عدلٌ، و التَّجاوز فضلٌ، ونحن نُعِيذ أمير المؤمنين بالله أن يرضى لنفسه بأَوْكَس النَّصيبين دون أن يبلغ أرفع الدَّرجتين. فعفا عنه).
    وقال أعرابي: (أقبح أعمال المقتدرين الانتِقام).
    قال ابن حبَّان: (ولم يُقْرَن شيءٌ إلى شيءٍ أحسن مِن عفوٍ إلى مَقْدِرة. والحِلْم أجمل ما يكون مِن المقتدر على الانتِقَام).
    وما أحسن ما قال معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه في ترك الانتِقَام ممَّن تعدَّى عليك بالشَّتم:
    وما قَتَلَ السَّفاهةَ مثلُ حِلْمٍ يعودُ به على الجهلِ الحليمُ
    فلا تسفهْ وإن مُلِّيتَ غيظًا على أحدٍ فإنَّ الفحشَ لُومُ
    ولا تقطعْ أخًا لك عندَ ذنبٍ فإنَّ الذَّنبَ يعفوه الكريمُ
    نسأل الله تعالى أن يرزقنا الحلم والعفو عند المقدرة، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
    --------------------------------------
    واعظ الله في القلب
    أخرج الإمام أحمد رحمه الله عن النواس بن سمعان رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ضرَبَ اللهُ مَثلًا صِراطًا مُستَقيمًا، وعلى جَنَبَتَيِ الصِّراطِ سُورانِ فيهما أبوابٌ مُفَتَّحةٌ، وعلى الأبوابِ سُتُورٌ مُرْخاةٌ، وعلى بابِ الصِّراطِ داعٍ يقولُ: يا أيُّها النَّاسُ، ادخُلوا الصِّراطَ جميعًا ولا تَعْوَجُّوا، وداعٍ يَدْعو مِن فوقِ الصِّراطِ، فإذا أراد الإنسانُ أنْ يَفتَحَ شيئًا مِن تلكَ الأبوابِ، قال: وَيْحَكَ! لا تَفْتَحْهُ؛ فإنَّكَ إنْ تَفْتَحْهُ تَلِجْهُ، فالصِّراطُ الإسلامُ، والسُّورانِ حُدودُ اللهِ، والأبوابُ المُفَتَّحةُ مَحارِمُ اللهِ، وذلك الدَّاعي على رأسِ الصِّراطِ كتابُ اللهِ، والدَّاعي مِن فوقِ الصِّراطِ واعِظُ اللهِ في قَلبِ كلِّ مسلمٍ".

    قال ابن تيمية رحمه الله: (فقد بيَّن في هذا الحديث العظيم الذي من عرفه انتفع به انتفاعا بالغا -إن ساعده التوفيق- واستغنى به عن علوم كثيرة أن في قلب كل مؤمن واعظا، والوعظ هو الأمر والنهي، والترغيب والترهيب).
    قال الحسن رحمه الله: (إن العبد لا يزال بخير ما كان له واعظ من نفسه...).
    وقال: (من كان له واعظ من نفسه كان له من الله حافظ، فرحم الله من وعظ نفسه وأهله...).
    وقال ابن سيرين رحمه الله: (إذا أراد الله تعالى بعبد خيرا جعل له واعظا من قلبه يأمره وينهاه).
    إن هذا الواعظ الداخلي في قلب المؤمن هو السبيل إلى الإقبال على الخير وترك الشر والفجور والظلم والإثم، كما قال الشاعر:
    لن ترجع الأنفس عن غيها ما لم يكن لها منها زاجر

    لأن هذا الواعظ في الحقيقة يكون حارسا ورقيبا على صاحبه لا يفارقه، يحصي عليه أفعاله، يجعله يزن بميزان دقيق يميز الخير من الشر، والبر من الإثم. إنه الضمير الذي يوجه نشاط المسلم، وهو الذي يظهره الله تعالى للعلن والحساب والجزاء يوم القيامة {يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ} (الطارق:9).
    إن هذا الواعظ حين يقوى في قلب المؤمن سيدعو صاحبه إلى طاعة الله وامتثال أمره واجتناب نهيه، والله تعالى يوفقه لذلك ويؤيده بمَلَك يقذف في قلبه إلهامات الخير.
    وهو الذي يُشعر صاحبه المراقبة الدائمة واطلاع الله تعالى عليه في كل أحواله {إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا}(النساء:1). {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}(الحديد:4). {أَلَمْ يَعْلَم بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى}(العلق:14).

    يقول الشيخ حسن البنا رحمه الله تعالى: (فيقظة الضمير، ودقة الشعور، وحياة الوجدان، جعلها الإسلام قوام صلاح الفرد، وديدبانا(رقيبا وحارسا) قائما لا يغفل، يحصي عليه خواطره وهواجسه، وألفاظه وكلماته، وأعماله وتصرفاته..).
    كما أن هذا الواعظ الداخلي في نفس المؤمن يقوي الشعور بحضور الملائكة الكرام الكاتبين الذين يكتبون كل ما يصدر من العبد، وأن هذا المكتوب سيعرض على صاحبه فيقرأه بنفسه ويُسأل عنه ويجازى به {وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (10) كِرَامًا كَاتِبِينَ (11) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ} (الانفطار:10-12) {هذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} (الجاثية:29). {مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} (ق:18). {وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ (52) وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُّسْتَطَرٌ}(القمر:52-53). {وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ ۖ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا (13) اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا (14)} (الإسراء:13-14). {وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَٰذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا}(الكهف:49).

    إن هذا الواعظ الداخلي – الضمير – هو الذي يحمل صاحبه على محاسبة نفسه في كل أحواله، قبل العمل بمراقبة الباعث على العمل، هل هو إرادة وجه الله تعالى؟ أم إرادة الثناء والمجد والجاه عند المخلوقين؟ كما قال الحسن رحمه الله تعالى: (كان أحدهم إذا أراد أن يتصدق بصدقة نظر وتثبت فإن كان لله أمضاه). وقال: (رحم الله تعالى عبدا وقف عند همه فإن كان لله مضى وإن كان لغيره تأخر).
    كما يحاسب نفسه أثناء العمل وبعده، ويحاسب نفسه على طاعة لله قصر فيها ولم يوقعها على الوجه الذي ينبغي، وعلى كل عمل كان تركه خيرا من فعله..ويحاسب نفسه على المناهي، فإن فعل شيئا منها تداركه بالتوبة والاستغفار وفعل الحسنات الماحية؛ فإن الله تعالى يمحو الخبيث بالطيب{وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ}(هود:114).

    إن هذه اليقظة لواعظ الله في القلب هي صفة رئيسة للمؤمن يبينها الحسن البصري فيقول: (المؤمن قوام على نفسه يحاسب نفسه لله عز وجل، وإنما خف الحساب يوم القيامة على قوم حاسبوا أنفسهم في الدنيا، وإنما شق الحساب يوم القيامة على قوم أخذوا هذا الأمر من غير محاسبة). ويقول: (إن المؤمنين قوم أوقفهم القرآن وحال بينهم وبين هلكتهم، إن المؤمن أسير في الدنيا يسعى في فكاك رقبته، لا يأمن شيئا حتى يلقى الله ، يعلم أنه مأخوذ عليه في سمعه وبصره ولسانه وفي جوارحه...).
    إن هذا الواعظ في قلب المؤمن هو الذي يجعله يُسر بحسنته وتسوؤه سيئته، وينطبق عليه قول النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا ساءتك سيئتك وسرتك حسنتك فأنت مؤمن".

    إنه داع إلى التصويب الذاتي للسلوك، والتقويم الذاتي للنفس الإنسانية بحيث لا تنساق وراء الأهواء والنزوات بلا رادع يردعها عما يشينها في الدنيا والآخرة.
    إن تربية وتنمية هذا الواعظ أو الضمير هي التي تخرج الإنسان الحق من البشر، وهي التي تحول النفس الأمارة بالسوء إلى نفس أمارة بالخير..إنها تربية إلى الحد الذي لا يكتفي صاحبه بالندم بعد الوقوع في خطأ أو معصية، بل يدفعه إلى اختيار سبيل الحق وملازمة طريق التقوى في سلوكه مع الله تعالى، ومع الخلق، وأقصر سبيل إلى تربية هذا الواعظ في النفوس هو تربية الإيمان في النفوس، وهو أمر شاق ليس بالأمر الهين.

    إن بناء المصانع والمدارس والسدود والمنشآت سهل ومقدور عليه، ولكن الأمر الشاق حقاً هو بناء الإنسان .. الإنسان القادر على نفسه، المتحكم في شهواته، الذي يعطي الحياة كما يأخذ منها، ويؤدي واجبه كما يطلب حقه، الإنسان الذي يعرف الحق ويؤمن به ويدافع عنه، ويعرف الخير ويحبه للناس كما يحبه لنفسه، ويتحمل تبعته في إصلاح الفساد، والدعوة إلى الخير، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وتضحية النفس والمال في سبيل الحق.
    إن صنع هذا الإنسان أمر عسير غير يسير.
    ولكن الإيمان وحده هو صانع العجائب، الإيمان هو الذي يهيئ النفوس لتقبل المبادئ الخيرة مهما يكمن وراءها من تكاليف وواجبات، وتضحيات ومشقات، وهو العنصر الوحيد الذي يغير النفوس تغييراً تاماً، وينشئها خلقاً آخر. ويصبها في قالب جديد، فيغير أهدافها وطرائقها، ووجهتها وسلوكها وأذواقها ومقاييسها، ولو عرفت شخصاً واحداً في عهدين -عهد الكفر وعهد الإيمان- لرأيت الثاني شخصاً غير الأول تماماً، لا يصل بينهما إلا الاسم، أو النسب أو الشكل.
    إسلام ويب...
    ----------------------------
    صلاح العبد بصلاح القلب
    ثبت عند الإمام البخاري رحمه الله تعالى من حديث النعمان بن بشير رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "الحَلَالُ بَيِّنٌ، والحَرَامُ بَيِّنٌ، وبيْنَهُما مُشَبَّهَاتٌ لا يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَمَنِ اتَّقَى المُشَبَّهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وعِرْضِهِ، ومَن وقَعَ في الشُّبُهَاتِ: كَرَاعٍ يَرْعَى حَوْلَ الحِمَى، يُوشِكُ أنْ يُوَاقِعَهُ، ألَا وإنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى، ألَا إنَّ حِمَى اللَّهِ في أرْضِهِ مَحَارِمُهُ، ألَا وإنَّ في الجَسَدِ مُضْغَةً: إذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وإذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ، ألَا وهي القَلْبُ".
    وهذا الحديث الشريف أحد الأحاديث التي يقوم عليها الدين، كما بين ذلك أهل العلم رحمهم الله، حتى قال بعضهم إنه ثلث الإسلام.
    قال الكرماني رحمه الله: (أجمع العلماء على عِظَمِ موقع هذا الحديث، وأنه أحد الأحاديث التي عليها مدار الإسلام، قال جماعة: هو ثلث الإسلام، وإن الإسلام يدور عليه وعلى حديث: "الأعمال بالنية"، وحديث: "مِن حُسن إسلام المرء: تركه ما لا يعنيه"، وقال أبو داود السجستاني: يدور على أربعة أحاديث؛ هذه الثلاثة، وحديث: "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه").

    فالقلب هو القائد وهو بالنسبة إلى الأعضاء كالملك بالنسبة إلى الجنود، ولهذا قال في هذا الحديث:" ألَا وإنَّ في الجَسَدِ مُضْغَةً: إذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وإذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ، ألَا وهي القَلْبُ".
    فاتقاء العبد للشبهات ، ومن باب أولى اجتنابه للمحرمات بحسب ما يقوم بالقلب من محبة الله تعالى وتعظيمه وخشيته، فإن عظمت هذه الصفات في القلب صلحت حركات الجوارح فاجتنبت الحرام واتقت الشبهات، أما إن كان القلب فاسدا قد ضعفت فيه محبة الرب تبارك وتعالى وخشيته ، وإذا استولى على القلب اتباع الهوى وطلب ما يحب ولو كرهه الله، فسدت حركات الجوارح وانبعثت إلى ارتكاب المعاصي والوقوع في الشبهات.

    قال العلامة ابن رجب رحمه الله تعالى: (فالقلب ملك الجوارح وسلطانها، والجوارح جنوده ورعيته المطيعة له، المنقادة لأوامره، فإذا صلح الملك صلحت رعاياه وجنوده المطيعة له المنقادة لأوامره ، وإذا فسد الملك فسدت جنوده ورعاياه المطيعة له المنقادة لأوامره و نواهيه).
    وقال: (فالقلب الصالح هو القلب السليم الذي لا ينفع يوم القيامة عند الله غيره، وهو أن يكون سليما عن جميع ما يكرهه الله من إرادة ما يكرهه الله ويسخطه ولا يكون فيه سوى محبة الله وإرادته، ومحبته ما يحبه الله وإرادة ذلك وكراهة ما يكرهه الله والنفور عنه .
    والقلب الفاسد : هو القلب الذي فيه الميل إلى الأهواء المضلة والشهوات المحرمة، وليس فيه من خشية الله ما يَكُفُّ الجوارح عن اتباع هوى النفس).
    وقال ابن حجر رحمه الله في شرحه للحديث: (وخص القلب بذلك لأنه أمير البدن، وبصلاح الأمير تصلح الرعية، وبفساده تفسد، وفيه تنبيه على تعظيم قدر القلب والحث على صلاحه).

    وإذا كان الأمر بهذه الخطورة فحري بالعبد أن يجعل أهم أولوياته صلاح قلبه، لهذا قال النووي رحمه الله عند كلامه عن هذه الجملة: (بيَّن أهم الأمور وهو مراعاة القلب). وقال الحكيم الترمذي: (وتربية القلوب تؤدي إلى منازل القربة).

    (والذي يُربى ليس هو المضغة اللحمية، إنما هو عالم الأفكار والتصورات الإيمانية، وعالم الرغبات في الخير والمعروف، وعالم النيات والإرادات المحركة للاتصاف بالأخلاق الحسنة، والباعثة لممارسة أفعال الخير. إن الذي يُربى هو شجرة الإيمان، بتعبير الحكيم الترمذي: "لأن الإيمان شجرة أنبتها الله في قلوب أصفيائه للتربية، فالمؤمن في جميع عمره يربيها حتى ترسخ عروقها في جميع جسده، ويغلظ ساقها، وتتفرع فروعها باسقة صاعدة إلى السماء، وثمرة الفروع هي أعمال الجوارح...ولذلك قال علي رضي الله عنه: الإيمان يبدو لمظة – أي نقطة – بيضاء، فلا يزال يفشو ويعظم حتى يأخذ القلب كله.
    ففشوه من تربية العبد، كما تربى الشجرة إذا غرست وهي دقيقة بالماء والتراب حتى تتربى وترسخ عروقها، وتبسق فروعها، وتنتج ثمارها، فكذلك تربى شجرة الإيمان، فماؤها: العلم، وترابها: العمل، وتحفظ وتحرس حتى لا تيبس من تناول الدواب في أيام غرسها، وتنقى من النبات الذي يحتويها وتحتوي عليها.
    فكذلك يحرس إيمان القلب من الآفات، فإذا تمكنت هذه الشجرة من الأرض رسوخا، وتمكنت في الجو فروعها، وزكت ثمرتها حلَّت من مالكها محلا يحبها، ويشفق عليها، ويحوطها. وإن كانت هذه الشجرة من الأشجار التي تحمل في السنة مرتين، أقبل عليها مالكها بالمحبة لها، والإشفاق عليها. وإن كانت مع ذلك بحال لا يضرها شتاء ولا صيف، ولا ينقطع ثمرها ؛ فهي مخضرة في الشتاء والصيف، وغير منقطعة ثمارها في الشتاء والصيف، فعين صاحبها عليها من بين الأشجار، فلا يعدل بها شجرة ، وهي سُرَّة بستانه، فحلت منه محلا إنما يمسك ذلك البستان ويسقيه ويعمره من أجلها، فكذلك المؤمن إذا كانت طاعته لا تنقطع من السماء، وذكر الله لا ينقطع من قلبه، فهو في جميع حالاته مُريد لله إن صلى أو نام، أو أكل أو شرب، أو صمت أو تكلم، أو قام أو قعد، أو تناول أو ترك، ذلك كله من أجل الله، فهذا عبد خادم لله، جميع أعماله طاعة وعبادة، وقلبه مع الله في جميع أحواله لا يسهو عنه. فهذا كشجرة لا ينقطع ثمرها ولا ييبس ورقها، فهي خضراء ناعمة، هو ولي الله، والله وليه، به يعمر الأرض، وعين الله ترعاه، مشتاق إلى الله، والله إليه أشوق).(تربية القلب، د/عثمان رسلان).

    فما تقوم به الجوارح من خير أو شر إنما هو نتاج ما وقر في القلب، يقول ابن القيم رحمه الله تعالى: (فالخبيث يتفجر من قلبه الخبث على لسانه وجوارحه، والطيب يتفجر من قلبه الطيب على لسانه وجوارحه).
    ويقول أبو حفص: (حسن آداب الظاهر عنوان حسن أدب الباطن).
    ويقول أبو العباس بن مسروق الطوسي: (من راقب الله في خطرات قلبه عصمه الله في حركات جوارحه).
    وقال أبو يعقوب النهرجوري: (مفاوز الدنيا تقطع بالأقدام، ومفاوز الآخرة تقطع بالقلوب).
    وقال أبو تراب النخشبي: (ليس من العبادات شيء أنفع من إصلاح خطرات القلوب).

    إن ما بالقلب من خير أو شر يظهر على الجوارح ولابد، كما قال أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه: (ما أسر عبد سريرة إلا أبداها الله على صفحات وجهه وفلتات لسانه).
    فالله الله في السرائر، الله الله في القلوب؛ فإنه لا صلاح للظاهر إلا بصلاح الباطن واستقامته، كما قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه: (من أصلح سريرته أصلح الله علانيته).

    نسأل الله الكريم بمنه وفضله أن يصلح سرنا وعلانيتنا، وأن يجعل باطننا خيرا من ظاهرنا، إنه على كل شيء قدير.
    والحمد لله رب العالمين.
    ----------------------------------------------
    واعظ الله في القلب
    أخرج الإمام أحمد رحمه الله عن النواس بن سمعان رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ضرَبَ اللهُ مَثلًا صِراطًا مُستَقيمًا، وعلى جَنَبَتَيِ الصِّراطِ سُورانِ فيهما أبوابٌ مُفَتَّحةٌ، وعلى الأبوابِ سُتُورٌ مُرْخاةٌ، وعلى بابِ الصِّراطِ داعٍ يقولُ: يا أيُّها النَّاسُ، ادخُلوا الصِّراطَ جميعًا ولا تَعْوَجُّوا، وداعٍ يَدْعو مِن فوقِ الصِّراطِ، فإذا أراد الإنسانُ أنْ يَفتَحَ شيئًا مِن تلكَ الأبوابِ، قال: وَيْحَكَ! لا تَفْتَحْهُ؛ فإنَّكَ إنْ تَفْتَحْهُ تَلِجْهُ، فالصِّراطُ الإسلامُ، والسُّورانِ حُدودُ اللهِ، والأبوابُ المُفَتَّحةُ مَحارِمُ اللهِ، وذلك الدَّاعي على رأسِ الصِّراطِ كتابُ اللهِ، والدَّاعي مِن فوقِ الصِّراطِ واعِظُ اللهِ في قَلبِ كلِّ مسلمٍ".

    قال ابن تيمية رحمه الله: (فقد بيَّن في هذا الحديث العظيم الذي من عرفه انتفع به انتفاعا بالغا -إن ساعده التوفيق- واستغنى به عن علوم كثيرة أن في قلب كل مؤمن واعظا، والوعظ هو الأمر والنهي، والترغيب والترهيب).
    قال الحسن رحمه الله: (إن العبد لا يزال بخير ما كان له واعظ من نفسه...).
    وقال: (من كان له واعظ من نفسه كان له من الله حافظ، فرحم الله من وعظ نفسه وأهله...).
    وقال ابن سيرين رحمه الله: (إذا أراد الله تعالى بعبد خيرا جعل له واعظا من قلبه يأمره وينهاه).
    إن هذا الواعظ الداخلي في قلب المؤمن هو السبيل إلى الإقبال على الخير وترك الشر والفجور والظلم والإثم، كما قال الشاعر:
    لن ترجع الأنفس عن غيها ما لم يكن لها منها زاجر

    لأن هذا الواعظ في الحقيقة يكون حارسا ورقيبا على صاحبه لا يفارقه، يحصي عليه أفعاله، يجعله يزن بميزان دقيق يميز الخير من الشر، والبر من الإثم. إنه الضمير الذي يوجه نشاط المسلم، وهو الذي يظهره الله تعالى للعلن والحساب والجزاء يوم القيامة {يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ} (الطارق:9).
    إن هذا الواعظ حين يقوى في قلب المؤمن سيدعو صاحبه إلى طاعة الله وامتثال أمره واجتناب نهيه، والله تعالى يوفقه لذلك ويؤيده بمَلَك يقذف في قلبه إلهامات الخير.
    وهو الذي يُشعر صاحبه المراقبة الدائمة واطلاع الله تعالى عليه في كل أحواله {إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا}(النساء:1). {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}(الحديد:4). {أَلَمْ يَعْلَم بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى}(العلق:14).

    يقول الشيخ حسن البنا رحمه الله تعالى: (فيقظة الضمير، ودقة الشعور، وحياة الوجدان، جعلها الإسلام قوام صلاح الفرد، وديدبانا(رقيبا وحارسا) قائما لا يغفل، يحصي عليه خواطره وهواجسه، وألفاظه وكلماته، وأعماله وتصرفاته..).
    كما أن هذا الواعظ الداخلي في نفس المؤمن يقوي الشعور بحضور الملائكة الكرام الكاتبين الذين يكتبون كل ما يصدر من العبد، وأن هذا المكتوب سيعرض على صاحبه فيقرأه بنفسه ويُسأل عنه ويجازى به {وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (10) كِرَامًا كَاتِبِينَ (11) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ} (الانفطار:10-12) {هذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} (الجاثية:29). {مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} (ق:18). {وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ (52) وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُّسْتَطَرٌ}(القمر:52-53). {وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ ۖ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا (13) اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا (14)} (الإسراء:13-14). {وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَٰذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا}(الكهف:49).

    إن هذا الواعظ الداخلي – الضمير – هو الذي يحمل صاحبه على محاسبة نفسه في كل أحواله، قبل العمل بمراقبة الباعث على العمل، هل هو إرادة وجه الله تعالى؟ أم إرادة الثناء والمجد والجاه عند المخلوقين؟ كما قال الحسن رحمه الله تعالى: (كان أحدهم إذا أراد أن يتصدق بصدقة نظر وتثبت فإن كان لله أمضاه). وقال: (رحم الله تعالى عبدا وقف عند همه فإن كان لله مضى وإن كان لغيره تأخر).
    كما يحاسب نفسه أثناء العمل وبعده، ويحاسب نفسه على طاعة لله قصر فيها ولم يوقعها على الوجه الذي ينبغي، وعلى كل عمل كان تركه خيرا من فعله..ويحاسب نفسه على المناهي، فإن فعل شيئا منها تداركه بالتوبة والاستغفار وفعل الحسنات الماحية؛ فإن الله تعالى يمحو الخبيث بالطيب{وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ}(هود:114).

    إن هذه اليقظة لواعظ الله في القلب هي صفة رئيسة للمؤمن يبينها الحسن البصري فيقول: (المؤمن قوام على نفسه يحاسب نفسه لله عز وجل، وإنما خف الحساب يوم القيامة على قوم حاسبوا أنفسهم في الدنيا، وإنما شق الحساب يوم القيامة على قوم أخذوا هذا الأمر من غير محاسبة). ويقول: (إن المؤمنين قوم أوقفهم القرآن وحال بينهم وبين هلكتهم، إن المؤمن أسير في الدنيا يسعى في فكاك رقبته، لا يأمن شيئا حتى يلقى الله ، يعلم أنه مأخوذ عليه في سمعه وبصره ولسانه وفي جوارحه...).
    إن هذا الواعظ في قلب المؤمن هو الذي يجعله يُسر بحسنته وتسوؤه سيئته، وينطبق عليه قول النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا ساءتك سيئتك وسرتك حسنتك فأنت مؤمن".

    إنه داع إلى التصويب الذاتي للسلوك، والتقويم الذاتي للنفس الإنسانية بحيث لا تنساق وراء الأهواء والنزوات بلا رادع يردعها عما يشينها في الدنيا والآخرة.
    إن تربية وتنمية هذا الواعظ أو الضمير هي التي تخرج الإنسان الحق من البشر، وهي التي تحول النفس الأمارة بالسوء إلى نفس أمارة بالخير..إنها تربية إلى الحد الذي لا يكتفي صاحبه بالندم بعد الوقوع في خطأ أو معصية، بل يدفعه إلى اختيار سبيل الحق وملازمة طريق التقوى في سلوكه مع الله تعالى، ومع الخلق، وأقصر سبيل إلى تربية هذا الواعظ في النفوس هو تربية الإيمان في النفوس، وهو أمر شاق ليس بالأمر الهين.

    إن بناء المصانع والمدارس والسدود والمنشآت سهل ومقدور عليه، ولكن الأمر الشاق حقاً هو بناء الإنسان .. الإنسان القادر على نفسه، المتحكم في شهواته، الذي يعطي الحياة كما يأخذ منها، ويؤدي واجبه كما يطلب حقه، الإنسان الذي يعرف الحق ويؤمن به ويدافع عنه، ويعرف الخير ويحبه للناس كما يحبه لنفسه، ويتحمل تبعته في إصلاح الفساد، والدعوة إلى الخير، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وتضحية النفس والمال في سبيل الحق.
    إن صنع هذا الإنسان أمر عسير غير يسير.
    ولكن الإيمان وحده هو صانع العجائب، الإيمان هو الذي يهيئ النفوس لتقبل المبادئ الخيرة مهما يكمن وراءها من تكاليف وواجبات، وتضحيات ومشقات، وهو العنصر الوحيد الذي يغير النفوس تغييراً تاماً، وينشئها خلقاً آخر. ويصبها في قالب جديد، فيغير أهدافها وطرائقها، ووجهتها وسلوكها وأذواقها ومقاييسها، ولو عرفت شخصاً واحداً في عهدين -عهد الكفر وعهد الإيمان- لرأيت الثاني شخصاً غير الأول تماماً، لا يصل بينهما إلا الاسم، أو النسب أو الشكل.
    إسلام ويب...
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

08-05-2020, 02:06 PM

سيف اليزل برعي البدوي
<aسيف اليزل برعي البدوي
تاريخ التسجيل: 04-30-2009
مجموع المشاركات: 18170

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: مقالات مفيدة تهم المجتمع و الأسرة و الشبا� (Re: سيف اليزل برعي البدوي)

    التواضع خلق الكبار
    ما من فضيلة من الفضائل إلا دعا إليها الإسلام وحث عليها، ومن رذيلة إلا نهى عنها، ومن أهم الفضائل وأسمى الأخلاق وأنبل الصفات التي اهتم بها الشرع ودعا إليها وحث عليها: التواضع.
    معنى التواضع:
    قال ابن المبارك: (رأس التَّواضُع أن تضع نفسك عند مَن هو دونك في نعمة الدُّنْيا حتى تُعْلِمه أن ليس لك بدنياك عليه فضل، وأن ترفع نفسك عمَّن هو فوقك في نعمة الدُّنْيا، حتى تُعْلِمه أنَّه ليس له بدنياه عليك فضل).
    وسُئِل الفضيل بن عياض عن التَّواضُع، فقال: (يخضع للحقِّ، وينقاد له، ويقبله ممَّن قاله).
    وعن صالح المرِّيِّ قال: (خرج الحسن ويونس وأيوب يتذاكرون التَّواضُع، فقال لهما الحسن: وهل تدرون ما التَّواضُع؟ التَّواضُع: أن تخرج مِن منزلك فلا تلقى مسلمًا إلَّا رأيت له عليك فضلًا).
    وكانت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها تقول: (إنَّكم لتغفلون أفضل العبادة: التَّواضُع).
    وقال معاذ بن جبل رضي الله عنه: (لا يبلغ عبدٌ ذُرَى الإيمان حتى يكون التَّواضُع أحبَّ إليه مِن الشَّرف، وما قلَّ مِن الدُّنْيا أحبَّ إليه ممَّا كَثُر، ويكون مَن أحبَّ وأبغض في الحقِّ سواء، يحكم للنَّاس كما يحكم لنفسه وأهل بيته).

    الترغيب في التواضع:
    ورد في القرآن والسنة الكثير من الأدلة التي ترغب في التواضع وتحث عليه وتبين فضله، ومن ذلك:
    قول الله تعالى: {وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا} (الفرقان: 63)، قال ابن القيِّم رحمه الله: (أي: سكينة ووقارًا، متواضعين غير أشرين ولا مَرِحين ولا متكبِّرين، قال الحسن: علماء حلماء. وقال محمَّد بن الحنفيَّة: أصحاب وقار وعفَّة، لا يسفِّهون، وإن سُفِه عليهم حلموا).
    وقال الله تعالى مخاطبًا رسوله صلى الله عليه وسلم، ممتنًّا عليه وعلى المؤمنين فيما أَلان به قلبه على أمَّته المتَّبعين لأمره، التَّاركين لزجره، وأطاب لهم لفظه: { فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ} (آل عمران: 159).
    كما أمره الله سبحانه وتعالى أن يلين جانبه للمؤمنين، وأن يتواضع لهم، فقال: {وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ} (الحجر: 88).
    قال القرطبيُّ: (أي: أَلِن جانبك لمن آمن بك، وتواضعْ لهم).
    وقال عزَّ وجل: {وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} (الشُّعراء: 215).
    ووصف الله سبحانه وتعالى أصحاب النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم بأنَّهم (يُظهرون العطف والحُنُوَّ والتَّواضُع للمؤمنين، ويظهرون الشِّدَّة والغلظة والتَّرفُّع على الكافرين) حيث قال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ} (المائدة: 54 ).
    قال ابن كثير رحمه الله: (هذه صفات المؤمنين الكُمَّل أن يكون أحدهم متواضعًا لأخيه ووليِّه، متعزِّزًا على خصمه وعدوِّه، كما قال تعالى: {مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ} (الفتح: 29).
    وقوله تعالى: {وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا} (الإسراء: 24)، (حيث أمر الله بالتَّواضُع للوالدين ذلًّا لهما ورحمة واحتسابًا للأجر).
    وقال سبحانه: {تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} (القصص: 83).
    قال ابن كثير: (يخبر تعالى أنَّ الدَّار الآخرة ونعيمها المقيم الذي لا يحول ولا يزول، جعلها لعباده المؤمنين المتواضعين {لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ}، أي: ترفُّعًا على خلق الله وتعاظمًا عليهم وتجبُّرًا بهم، ولا فسادًا فيهم).

    الرفعة في التواضع
    قال صلى الله عليه وسلم: "ما نقصت صدقة مِن مال، وما زاد الله عبدًا بعفوٍ إلَّا عزًّا، وما تواضع أحد لله إلَّا رفعه الله".
    قال القاضي عياض في قوله صلى الله عليه وسلم "وما تواضع أحد لله إلَّا رفعه الله": (فيه وجهان: أحدهما: أنَّ الله تعالى يمنحه ذلك في الدُّنْيا جزاءً على تواضعه له، وأنَّ تواضعه يُثْبِتُ له في القلوب محبَّةً ومكانةً وعزَّةً.
    والثَّاني: أن يكون ذلك ثوابه في الآخرة على تواضعه).

    تواضع إذا ما نلت في الناس رفعة فإن رفيع القوم من يتواضع

    وعن عياض بن حمار رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنَّ الله أوحى إليَّ أن تواضعوا حتى لا يفخر أحدٌ على أحد، ولا يبغي أحدٌ على أحدٍ".
    (يعني: أن يتواضع كلُّ واحد للآخر، ولا يترفَّع عليه، بل يجعله مثله أو يكرمه أكثر، وكان مِن عادة السَّلف رحمهم الله أنَّ الإنسان منهم يجعل مَن هو أصغر منه مثل ابنه، ومَن هو أكبر مثل أبيه، ومَن هو مثله مثل أخيه، فينظر إلى من هو أكبر منه نظرة إكرام وإجلال، وإلى مَن هو دونه نظرة إشفاق ورحمة، وإلى مَن هو مثله نظرة مساواة، فلا يبغي أحدٌ على أحد، وهذا مِن الأمور التي يجب على الإنسان أن يتَّصف بها، أي بالتَّواضُع لله عزَّ وجلَّ ولإخوانه مِن المسلمين).
    وعن معاذ بن أنس الجهني رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مَن ترك اللِّباس تواضعًا للَّه، وهو يقدر عليه دعاه الله يوم القيامة على رءوس الخلائق حتى يخيِّره مِن أيِّ حلل الإيمان شاء يلبسها".

    وأحسن مقرونَين في عين ناظر جلالة قدر في خمولِ تواضعِ

    قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: (وهذا يعني أنَّ الإنسان إذا كان بين أناس متوسِّطي الحال لا يستطيعون اللِّباس الرَّفيع، فتواضع وصار يلبس مثلهم، لئلَّا تنكسر قلوبهم، ولئلَّا يفخر عليهم، فإنَّه ينال هذا الأجر العظيم، أمَّا إذا كان بين أناس قد أنعم عليهم، ويلبسون الثِّياب الرَّفيعة لكنَّها غير محرَّمة، فإنَّ الأفضل أن يلبس مثلهم؛ لأنَّ الله تعالى جميل يحبُّ الجمال، ولا شكَّ أنَّ الإنسان إذا كان بين أناس رفيعي الحال، يلبسون الثِّياب الجميلة، ولبس دونهم فإنَّ هذا يُعَدُّ لباسَ شهرة؛ فالإنسان ينظر ما تقتضيه الحال).

    من صور التواضع:
    أولا: تواضع الإنسان في نفسه:
    ويكون ذلك بألَّا يظنَّ أنَّه أعلم مِن غيره، أو أتقى مِن غيره، أو أكثر ورعًا مِن غيره، أو أكثر خشية لله مِن غيره، ولا يظنّ أنَّه قد أخذ صكًّا بالغفران!! وآخر بدخول الجنَّة!! لأنَّ القلوب بين إصبعين مِن أصابع الرَّحمن، يقلِّبها كيف يشاء، يقول الله تعالى: {وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} (الأنفال: 24).
    وقال أبو زيد: ما دام العبد يظنُّ أنَّ في الخَلْق مَن هو شرٌّ منه فهو متكبِّر، فقيل له: فمتى يكون متواضعًا؟ قال: إذا لم ير لنفسه مقامًا ولا حالًا.
    ومِن التَّواضُع ألَّا يَعْظُم في عينك عملك، إن عملت خيرًا، أو تقرَّبت إلى الله تعالى بطاعة، فإنَّ العمل قد لا يُقْبَل، {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ} (المائدة: 27) ولهذا قال بعض السَّلف: لو أعلم أنَّ الله قبل منِّي تسبيحة لتمنَّيت أن أموت الآن!.
    ومِن ذلك: التَّواضُع عندما تسمع نصيحة، فإنَّ الشَّيطان يدعوك إلى ردِّها، وسوء الظَّنِّ بالنَّاصح؛ لأنَّ معنى النَّصيحة أنَّ أخاك يقول لك: إنَّ فيك مِن العيوب كيت وكيت.

    ثانيا: التَّواضُع في التعلُّم:
    قال الشَّافعي: لا يطلب هذا العلم أحدٌ بالملْك وعزَّة النَّفس فيفلح، لكن مَن طلبه بذلَّة النَّفس، وضيق العيش، وخدمة العلم، وتواضع النَّفس أفلح.
    وعن الأصمعي قال: مَن لم يتحمَّل ذلَّ التَّعلُّم ساعة، بقي في ذلِّ الجهل أبدًا.
    قال عبد الله بن المعتز: المتواضع في طلب العلم أكثرهم علمًا، كما أنَّ المكان المنخفض أكثر البقاع ماء.
    كذلك ينبغي أن يتحمَّل الطَّالب ما يكون مِن الشَّيخ أو مِن بقيَّة الطَّلبة لئلَّا يفوته العلم، فتفوته الدُّنْيا والآخرة.
    قال الشَّافعي: غضب الأعمش يومًا على رجل مِن الطَّلبة، فقال آخر: لو غضب عليَّ مثلك لم أعد إليه. فقال له الأعمش: إذًا هو أحمق مثلك، يترك ما ينفعه لسوء خلقي.

    ثالثا: التَّواضُع مع النَّاس:
    فالمسلم يخالط النَّاس ويدعوهم إلى الخير، وإلى الأخلاق الإسلاميَّة، ومِن طبيعة النَّاس أنَّهم لا يقبلون قول مَن يعظِّم نفسه ويحقرهم، ويرفع نفسه ويضعهم، وإن كان ما يقوله حقًّا، بل عليه أن يعرف أنَّ جميع ما عنده هو فضلٌ مِن الله، فالمسلم المتواضع هو الذي لا يعطي لنفسه حظًّا في كلامه مع الآخرين، ومِن تواضع المسلم مع النَّاس: أن يجالس كلَّ طبقات المجتمع، ويكلِّم كلًّا بما يفهمه، ويجالس الفقراء والأغنياء.
    قال تعالى: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا} (الكهف: 28).

    رابعا: التَّواضُع مع الأقران:
    ومِن التَّواضُع: تواضع المسلم مع قرينه؛ وذلك لأنه كثيرًا ما تشتعل المنافسة ويقع التَّحاسد بينهم، وربَّما يؤدي ذلك إلى نوع من استعلاء بعضهم على بعض، ثم محاولة الحط من قدر قرينه، والتنقص منه بأي صورة من الصور، أو السعي في النيل منه، وقد يلبس عليه الشيطان ذلك ويلبسه لبوس النصح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

    خامسا: تواضع الإنسان مع مَن هو دونه:
    مِن التَّواضُع: التواضع مع من هو أقل منك، بل لا يُتصوَّر التواضع إلا مع من هو دونك، سواء في العلم أو الفهم أو المال أو الجاه ومن هو أصغر منك سنا وغير ذلك، بل إذا رأيت من وقع في معصية فلا تتعالى عليه وتعجب بنفسك وعملك، فربما كانت معصيته سببًا في توبة وإنابة، وذل وانكسار، وربما كان إعجاب الإنسان بعمله سببًا في حبوط عمله.
    عن جندب رضي الله عنه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم حدَّث: "أنَّ رجلًا قال: والله لا يغفر الله لفلان. وأنَّ الله تعالى قال: مَن ذا الذي يتألَّى عليَّ أن لا أغفر لفلان؟! فإنِّي قد غفرت لفلان وأحبطت عملك".

    سادسا: تواضع صاحب المال:
    فإنَّ مَن مَنَّ الله عليهم بالمال، والجاه، والقوَّة، والنُّفوذ، أحوج الخَلْق إلى خُلُق التَّواضُع؛ لأنَّ هذه النِّعم مدعاة إلى الكِبْر والفخر.
    وأكثر ما يكون الكبر في الأمَّة مِن هؤلاء إلا ما رحم ربي، ولو نظر صاحب المال -مثلًا- إلى سالف أمره، لكان أجدر به إذا ما رُزِق مالًا أن يشكر ربَّه الذي أغناه بعد فقر، وأعطاه بعد حرمان، وأشبعه بعد جوع، وأمَّنه بعد خوف، وأن يجعل التَّواضُع فراشه، ودثاره، وزينته، هذا هو الشُّكر العملي الحقيقي.

    سابعا: تواضع القائد مع الأفراد:
    القائد النَّاجح هو الذي يخفض جناحه للأفراد الذين تحت إمرته؛ لأنَّه كلَّما تواضع لهم وخفض لهم جناحه كان أقرب إلى نفوسهم، وكان أمره لهم محببًّا إليهم، فهم يطيعونه عن حبٍّ وإخلاص، يقول تعالى: {وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} (الشُّعراء: 215).
    ومِن مظاهر هذا التَّواضُع، عدم الاستبداد بالرَّأي والانفراد باتخاذ القرار، وذلك أنَّ استفراغ ما عند الأفراد مِن آراء وأفكار لا شكَّ أنَّ ذلك يفتح أبوابًا كانت مغلقة على القادة، والاستماع إليها والنُّزول عن الرَّأي إليها – إذا كانت صحيحة – تقلِّل مِن نسبة الخطأ في القرار، وببركة الشُّورى قد يجبر الله ما بها مِن قصور، ولله درُّ القائل:

    رأي الجماعة لا تشقى البلاد به رغم الخلاف ورأي الفرد يشقيها

    وومن مظاهر التواضع التي ينبغي أن يتصف بها القادة ألَّا يجدوا في نفوسهم شيئًا إذا تحوَّلوا إلى جنود أو أفراد في الصَّفِّ بعد أن كانوا قادة؛ وذلك لأنَّ الأجر والثَّواب يكون بالإخلاص والتجرُّد، والصِّدق مع الله.
    وكما يقول الفضيل بن عياض: (مَن أحبَّ الرِّياسة لم يفلح أبدًا)، ولا شكَّ أنَّ المؤمن كلَّما ازداد تواضعًا ازداد إيمانًا بالله وقربًا منه، وكلَّما ازداد عتوًّا وترفُّعًا على النَّاس، ازداد مقتًا وبعدًا منه سبحانه.

    الرسول سيد المتواضعين
    كان رسول الله صلى الله عليه وسلم جمَّ التَّواضُع، لا يعتريه كِبرٌ ولا بَطَرٌ على رِفْعَة قَدْرِه وعلوِّ منزلته، يخفض جناحه للمؤمنين ولا يتعاظم عليهم، ويجلس بينهم كواحد منهم، ولا يُعْرَف مجلسه مِن مجلس أصحابه؛ لأنَّه كان يجلس حيث ينتهي به المجلس، ويجلس بين ظهرانيهم فيجيء الغريب فلا يدري أيُّهم هو حتى يسأل عنه، روى أبو داود في سننه عن أبي ذرٍّ وأبي هريرة رضي الله عنهما قالا: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجلس بين ظهري أصحابه فيجيء الغريب فلا يدري أيُّهم هو حتى يسأل، فطلبنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نجعل له مجلسًا يعرفه الغريب إذا أتاه".
    وقال له رجل: يا محمَّد، أيا سيِّدنا وابن سيِّدنا، وخيرنا وابن خيرنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا أيُّها النَّاس، عليكم بتقواكم، ولا يستهوينَّكم الشَّيطان، أنا محمَّد بن عبد الله، أنا عبد الله ورسوله، ما أحبُّ أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلنيها الله".
    وكان مِن تواضعه صلى الله عليه وسلم، القيام بخدمة أصحابه، روى مسلم في صحيحه مِن حديث أبي قتادة، وفيه في قصَّة نومهم عن صلاة الفجر، قال: ودعا بالميضأة، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يصبُّ وأبو قتادة يسقيهم -أي أصحابه- فلم يَعْدُ أن رأى النَّاس ماءً في الميضأة تكابُّوا عليها. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أحسنوا الْمَلَأَ كلُّكم سيَرْوى". قال: ففعلوا. فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يصبُّ وأسقيهم حتى ما بقي غيري وغير رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: ثمَّ صبَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لي: "اشرب". فقلت: لا أشرب حتى تشرب يا رسول الله. قال: "إنَّ ساقي القوم آخرهم شربًا". قال: فشربت، وشرب رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فأتى النَّاس الماء جامِّين رِوَاء. أي: مستريحين قد رووا من الماء.

    ومِن تواضعه صلى الله عليه وسلم، أنَّه إذا مرَّ على الصِّبيان، سلَّم عليهم، فقد روى البخاريُّ ومسلم عن أنس رضي الله عنه أنَّه مرَّ على صبيان فسلَّم عليهم، وقال: كان النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم يفعله.
    وكان صلى الله عليه وسلم يزور الأنصار، ويسلِّم على صبيانهم، ويمسح رؤوسهم.
    وعن أنس رضي الله عنه قال: إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليخالطنا حتى يقول لأخٍ لي صغير: "يا أبا عُمَيْر، ما فعل النُّغَير؟".
    ومِن تواضعه صلى الله عليه وسلم: استجابته للدَّعوة، وقبوله الهديَّة مهما قلَّت قيمتها، روى البخاريُّ مِن حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: "لو دُعِيت إلى ذراع أو كُرَاع لأجبت، ولو أُهْدِي إليَّ ذراع أو كراع لقَبِلت".
    هذا تواضعه صلى الله عليه وسلم وهو سيد ولد آدم أجمعين، فهلا تأسينا به؟!.
    ولا تمش فوق الأرض إلا تواضعا فكم تحتها قــوم هم منك أرفــع
    فـإن كـنت في عـز وخـير ومـنـعـة فكم مات من قوم هم منك أمنع

    وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله سيد المتواضعين وإمام المتقين، وآخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمين.
    --------------------------------------------------
    الدعاء هو العبادة
    جعل الله تعالى من الدعاء عبادة وقربى، وأمر عباده بالتوجه إليه لينالوا عنده منزلة رفيعة وزلفى، أمر بالدعاء وجعله وسيلة الرجاء، فجميع الخلق يفزعون في حوائجهم إليه، ويعتمدون عند الحوادث والكوارث عليه.
    وحقيقة الدعاء: هو إظهار الافتقار لله تعالى، والتبرؤ من الحَوْل والقوة، واستشعار الذلة البشرية، كما أن فيه معنى الثناء على الله، واعتراف العبد بجود وكرم مولاه. يقول الله تعالى: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ} [البقرة:186].
    تأمل يا أخي هذه الآية تجد غاية الرقة والشفافية والإيناس، آية تسكب في قلب المؤمن النداوة والود والأنس والرضا والثقة واليقين.
    ولو لم يكن في الدعاء إلا أنه عبادة ترقق القلب لكفى: {فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ} [الأنعام:43]. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "الدعاء هو العبادة".
    بل هو من أكرم الأشياء على الله تعالى، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "ليس شيء أكرم على الله من الدعاء".
    والمؤمن موعود من الله تعالى بالإجابة إن هو دعا مولاه: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} [غافر:60].
    وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما من رجل يدعو الله بدعوة ليس فيها إثم، ولا قطيعة رحم، إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث خصال: إما أن يعجل له دعوته، أو يدخر له من الخير مثلها، أو يصرف عنه من الشر مثلها". قالوا: يا رسول الله، إذًا نكثر. قال: "الله أكثر".
    ولذلك كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: (إني لا أحمل همَّ الإجابة، ولكن أحمل هم الدعاء، فمن رزق الدعاء فإن الإجابة معه).

    من آداب الدعاء:
    مما لا شك فيه أن الدعاء الذي يرجو صاحبه الإجابة هو ما التزم فيه الآداب الواردة فيه ومنها:

    تحري أوقات الاستجابة:
    فيتخير لدعائه الأوقات الشريفة؛ كيوم عرفة من السنة، ورمضان من الأشهر، ويوم الجمعة من الأسبوع، ووقت السَّحَر من ساعات الليل.
    وأن يغتنم الأوقات والأحوال التي يُستجاب فيها الدعاء، كوقت التنزُّل الإلهي في آخر الليل، وفي السجود، وأن ينام على ذِكْر فإذا استيقظ من الليل ذكر ربه ودعاه، وعند الأذان، وبين الأذان والإقامة، وعند نزول المطر، وعند التقاء الجيوش في الجهاد، وعند الإقامة، وآخر ساعة من نهار الجمعة، ودعاء الأخ لأخيه بظهر الغيب، ودعوة المسافر والمظلوم، ودعوة الصائم والوالد لولده، ودعاء رمضان.

    ومن الآداب:
    • أن يدعو مستقبل القبلة وأن يرفع يديه، وألا يتكلف السجْع في الدعاء، وأن يتضرع ويخشع عند الدعاء؛ قال تعالى: {ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} [الأعراف:55]، {إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً} [الأنبياء:90].
    وأن يخفض الصوت؛ فإنه أعظم في الأدب والتعظيم، ولأن خفض الصوت أبلغ في التضرع والخشوع الذي هو رُوح الدعاء ومقصوده؛ فإن الخاشع الذليل المتضرع إنما يسأل مسألة مسكين ذليل، قد انكسر قلبُه وذلَّت جوارحُه، وهذه الحالة لا يليق معها رفع الصوت بالدعاء أصلاً. ولأنه أبلغ في الإخلاص، وأبلغ في حضور القلب عند الدعاء.
    ولأن خفض الصوت يدل على قرب صاحبه من الله، فيسأله مسألة القريب للقريب، لا مسألة نداء البعيد للبعيد، وهذا من الأسرار البديعة جدًّا، ولهذا أثنى الله على عبده زكريا بقوله: {إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيّاً} [مريم:3].
    وإخفاء الدعاء يكون سببا في حفظ هذه النعمة العظيمة -التي ما مثلها نعمة- من عيْن الحاسد..

    • أن يفتتح الدعاء بذكر الله والثناء عليه وأن يختمه بالصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم:
    فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كل دعاء محجوبٌ حتى يُصلَّى على النبي صلى الله عليه وسلم".

    المحافظة على أدب الباطن:
    ومن أهم الآداب التي ينبغي للداعي أن يحافظ عليها تطهير الباطن – وهو الأصل في الإجابة – فيحرص على تجديد التوبة ورد المظالم إلى أهلها، وتطهير القلب من الأحقاد والأمراض التي تحول بين القلب وبين الله ، وتطييب المطْعَم بأكل الحلال.

    • أن يجزمَ بالدعاء ويُوقن بالإجابة:
    قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ادعوا الله وأنتم مُوقنون بالإجابة، واعلموا أن الله لا يستجيب دعاءً من قلبٍ غافل لاهٍ".
    وقال صلى الله عليه وسلم: "إذا دعا أحدكم فلا يقل: اللهم اغفر لي إن شئت. وليعزم المسألة، ولْيعظم الرغبة؛ فإن الله لا يعظُمُ عليه شيء أعطاه".
    وقال صلى الله عليه وسلم: "لا يقل أحدُكم إذا دعا: اللهم اغفر لي إن شئت، اللهم ارحمني إن شئت. فليعزم المسألة؛ فإنه لا مُكره له".ويعزم المسألة معناه أن يطلب ما يريد من غير تعليقه بالمشيئة، فيقول مثلا: اللهم ارزقني، اللهم اغفر لي.
    قال سفيان بن عُيينة: لا يمنعنَّ أحدكم من الدعاء ما يعلم من نفسه؛ فإن الله عز وجل أجاب دعاء شرِّ الخلق إبليس لعنه الله: {قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ} [الحجر:36، 37].

    • أن يُلحَّ في الدعاء ويكرِّره ثلاثًا:
    قال ابن مسعود: "كان عليه السلام إذا دعا دعا ثلاثًا، وإذا سأل سأل ثلاثًا".
    وفي صحيح مسلم من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مازال يهتف بربِّه، مادًّا يديه، مستقبل القبلة، حتى سقط رداؤه عن منكبَيْه، فأتاه أبو بكر فأخذ رداءه، فألقاه على منكبيه، ثم التزمه من ورائه وقال: يا نبي الله، كفاك مناشدتُك ربَّك، فإنه سيُنجِزُ لك ما وعدك.
    وهذا نبي الله يعقوب صلى الله عليه وسلم، مازال يدعو ويدعو، فذهب بصره ، وأُلقي ولدُه في الجُبِّ ولا يدري عنه شيئًا، وأُخرج الولدُ من الجُبِّ، ودخل قصرَ العزيز، إلى أن شبَّ وترعرع، ثم راودته المرأة عن نفسها فأبى وعصَمَه الله، ثم دخل السجن فلبث فيه بضع سنين، ثم أُخرج من السجن، وكان على خزائن الأرض، ومع طول هذا الوقت كله ويعقوب يقول لبنيه: {يَابَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ} [يوسف:87].
    • أن يُعظِّمَ المسألة:
    قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا تمنى أحدُكم فليُكثر، فإنما يسأل ربَّه".
    قال المناوي رحمه الله: إذا تمنى أحدكم خيرًا من خير الدارَيْن فليكثر الأماني، فإنما يسأل ربه الذي ربَّاه وأنعم عليه وأحسن إليه، فيعظم الرغبة ويوسِّع المسألة ... فينبغي للسائل إكثار المسألة ولا يختصر ولا يقتصر؛ فإن خزائن الجُود لا يُفنيها عطاءٌ وإن جلَّ وعظُم، فعطاؤه بين الكاف والنون، وليس هذا بمناقضٍ لقوله سبحانه: {وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ} [النساء:32] فإن ذلك نهي عن تمنِّي ما لأخيه بغْيًا وحسدًا، وهذا تمنى على الله خيرًا في دينه ودنياه، وطلب من خزائنه فهو كقوله: {وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ} [النساء:32].
    وقد ذم الله من دعا ربه الدنيا فقط، فقال تعالى: {فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ} [البقرة:200]، وأثنى سبحانه وتعالى على الداعين بخيري الدنيا والآخرة فقال تعالى: {وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} [البقرة:201].
    وفي صحيح البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن في الجنة مائة درجة، أعدَّها الله للمجاهدين في سبيل الله، ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض، فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس؛ فإنه أوسط الجنة وأعلى الجنة – أراه قال: وفوقه عرشُ الرحمن – ومنه تفجَّرُ أنهار الجنة".

    • الدعاء باسم الله الأعظم الذي إذا دُعي به أجاب:
    فعن بُريدة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمع رجلاً يقول: اللهم إني أسألك بأني أشهد أنك أنت الله، لا إله إلا أنت الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد. فقال صلى الله عليه وسلم: "لقد سألت الله بالاسم الذي إذا سُئل به أعطى، وإذا دُعي به أجاب".
    • أن يجتهد في الإتيان بالأدعية الواردة في الكتاب والسنة ؛ فإنها لم تترك شيئا من خير الدنيا والآخرة إلا وأتت به، وألا ييأس إن تأخرت الإجابة فإن هذا من العجلة التي نهى عنها الشرع.
    نسأل الله أن يجعلنا وإياكم ممن يستجيب دعاءهم ويحقق رجاءهم، والحمد لله رب العالمين.
    --------------------------------------------
    من حكم الابتلاء بالضراء أو الشر
    من أسماء الله -عز وجل- "الحكيم" ولهذا الاسم كما لغيره من الأسماء الحسنى آثار في الخلق تترتب عليه، ومن مقتضى ذلك أن تكون أفعاله- سبحانه وتعالى-، وما يجري به قضاؤه وقدره لا يخلو من الحكمة، علمها من علمها وجهلها من جهلها، وسنحاول هنا أن نتأمل بعض- وليس كل- أسرار الابتلاء بالضراء أو ما تراه النفوس شرا.

    للابتلاء بالضراء أو الشر حكم عديدة نشير إلى أهمها فيما يلي:

    أ- تقوية الإيمان بالقضاء والقدر:
    يقول الشيخ محمد بن عثيمين رحمه الله: على الإنسان أن يؤمن بقضاء الله وقدره، قال تعالى: {وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ}(الأنعام/59) : {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذلِكَ فِي كِتابٍ إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ } (الحج/ 70)، {ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ}(الحديد/ 22).

    وعلى المسلمين أن يؤمنوا بمشيئة الله في عموم ملكه فإنه ما من شيء في السماوات أو في الأرض إلا وهو ملك لله عز وجل: { لله مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما فِيهِنَّ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ }(المائدة/ 120)، وما من شيء في ملكه إلا وهو بمشيئته وإرادته فبيده الملك، وبيده مقاليد السماوات والأرض، ما من شيء يحدث من رخاء وشدة، وخوف وأمن، وصحة ومرض، وقلة وكثرة، إلا بمشيئته سبحانه وتعالى. هو سبحانه خالق الإنسان ومدبره، فللإنسان عزيمة وإرادة، وله قدرة وعمل، والذي أودع فيه تلك العزيمة وخلق فيه القدرة هو الله عز وجل ولو شاء لسلبه الفكر فضاعت إرادته، ولو شاء لسلبه القدرة فما استطاع العمل.

    إن الإيمان بالقدر أحد أركان الإيمان الستة لا يتم الإيمان إلا به، لكنه ليس حجة للإنسان على فعل معاصي الله أو التهاون بما أوجب الله، وجه ذلك أنّ الله أعطاك عقلا تتمكن به من الإرادة والاختيار، وأعطاك قدرة تتمكن بها من العمل فلذلك إذا سلب عقل الإنسان لم يعاقب على معصية، ولا ترك واجب، وإذا سلب قدرته على الواجب لم يؤاخذ بتركه.

    ب- الابتلاء جسر يوصل إلى أكمل الغايات:
    يقول ابن القيم- رحمه الله-: (إذا تأملت حكمته سبحانه فيما ابتلى به عباده وصفوته وجدت أنه ساقهم به إلى أجلّ الغايات وأكمل النهايات التي لم يكونوا يعبرون إليها إلا على جسر من الابتلاء والامتحان، وكان ذلك الجسر لكماله كالجسر الذي لا سبيل إلى عبورهم إلى الجنة إلا عليه، وكان ذلك الابتلاء والامتحان عين المنهج في حقهم والكرامة، فصورته صورة ابتلاء وامتحان وباطنه فيه الرحمة والنعمة، فكم لله من نعمة جسيمة ومنة عظيمة تجنى من قطوف الابتلاء والامتحان، فتأمل حال أبينا آدم عليه السلام وما آلت إليه محنته من الاصطفاء والاجتباء والتوبة والهداية ورفعة المنزلة، ولولا تلك المحنة التي جرت عليه وهي إخراجه من الجنة وتوابع ذلك لما وصل إلى ما وصل إليه...).
    فرق كبير بين حال آم عليه السلام قبل الابتلاء وبعده؛ فقبل الابتلاء: {إنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى*وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى}(طه/118-119) أكل وشرب وتمتع، وبعد الابتلاء وقد أخبر عنه المولى بقوله: {ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ فَتابَ عَلَيْهِ وَهَدى}(طه/122). وهذه الحالة الثانية حال اجتباء واصطفاء وهداية، وكما يقول ابن القيم رحمه الله: ويا بُعد ما بينهما.

    ج- الابتلاء وسيلة للتمكين في الأرض:
    قيل للشافعي- رحمه الله- يا أبا عبد الله، أيهما أفضل للرجل أن يمكّن أو يبتلى؟ (أي بالضراء) ، فقال الشافعي: لا يمكّن حتى يبتلى، فإنّ الله تعالى ابتلى نوحا وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمدا- صلوات الله عليهم أجمعين- فلما صبروا (على الابتلاء) مكّنهم.
    وآيات الكتاب تشهد لهذا المعنى: {وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون}(السجدة/24).

    د- تمحيص المؤمن وتخليصه من الشوائب المنافية للإيمان:
    إن المصائب التي تصيب الناس في أنفسهم أو في أرزاقهم، أو غير ذلك مما يتصل بهم مما يسرهم الكمال فيه ويؤلمهم النقص منه، تكمن حكمتها في التمحيص الناتج عن هذا الابتلاء والامتحان، يقول الله تبارك وتعالى: {إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ* وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكافِرِينَ* أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ}( آل عمران/ 140- 142) .

    قال القاسمي (4/239) :(أي لينقّيهم ويخلّصهم من الذنوب ، ومن آفات النفوس . وأيضاً فإنه خلصهم ومحصهم من المنافقين ، فتميزوا منهم...ثم ذكر حكمة أخرى وهي ( ويمحق الكافرين ) أي يهلكهم ، فإنهم إذا ظفروا بَغَوا وبطروا ، فيكون ذلك سبب دمارهم وهلاكهم ؛ إذ جرت سنّة الله تعالى إذا أراد أن يهلك أعداءه ويمحقهم قيّض لهم الأسباب التي يستوجبون بها هلاكهم ومحقهم ، ومن أعظمها بعد كفرهم بغيهم وطغيانهم في أذى أوليائه ومحاربتهم وقتالهم والتسليط عليهم ... وقد محق الله الذي حاربوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد وأصروا على الكفر جميعاً).

    فالبلايا والمحن محك يكشف عما في القلوب وتظهر به مكنونات الصدور، ينتفي بها الزيف والرياء، وتنكشف الحقيقة بكل جلاء.. قال الفضيل بن عياض : (الناس ما داموا في عافية مستورون ، فإذا نزل بهم بلاء صاروا إلى حقائقهم ؛ فصار المؤمن إلى إيمانه ، وصار المنافق إلى نفاقه).

    ورَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِي "الدَّلائِل" عَنْ أَبِي سَلَمَة قَالَ : اُفْتُتِنَ نَاس كَثِير - يَعْنِي عَقِب الإِسْرَاء - فَجَاءَ نَاس إِلَى أَبِي بَكْر فَذَكَرُوا لَهُ فَقَالَ : أَشْهَد أَنَّهُ صَادِق . فَقَالُوا : وَتُصَدِّقهُ بِأَنَّهُ أَتَى الشَّام فِي لَيْلَة وَاحِدَة ثُمَّ رَجَعَ إِلَى مَكَّة ؟ قَالَ نَعَمْ , إِنِّي أُصَدِّقهُ بِأَبْعَد مِنْ ذَلِكَ , أُصَدِّقهُ بِخَبَرِ السَّمَاء , قَالَ : فَسُمِّيَ بِذَلِكَ الصِّدِّيق.

    فالابتلاء قد يقتضي في بعض أشكاله أن يكون بالمصيبة وبما تكره النفوس ، وتحمّل المؤمن مصائب الامتحان الإلهي بصبر وصدق مع الله ورضا بقضائه وقدره، هو من أفضل أعماله الصالحة، التي يكتب الله له بها أجرا عظيما وثوابا جزيلا. قال الله تعالى: {ما كانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلا نَصَبٌ وَلا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَطَؤُنَ مَوْطِئاً يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلا يَنالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ* وَلا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً وَلا يَقْطَعُونَ وادِياً إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ}(التوبة/ 120- 121) ، إن هذه الضراء ليست هي خاتمة المطاف، وسرعان ما تنقشع وتزول، يقول الله تعالى: {فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً* إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً}(الشرح/ 5- 6)، ولن يغلب عسر يسرين.

    هـ- الردع والتحذير من الغرور:
    إنّ العقوبة العاجلة على ما اقترفه الإنسان أو الجماعة أو الأمة من معاص تقتضي حكمة المولى- عز وجل- أن تعجل عقوبتها حيث إن فيها ردعا وتحذيرا وعبرة، لهم ولغيرهم من الأفراد والجماعات، وقد أشارت إلى ذلك الآية الكريمة: {كَذلِكَ نَبْلُوهُمْ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ}(الأعراف/ 163). وقوله عز من قائل: {وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذابٍ بَئِيسٍ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ}(الأعراف/ 165) ، وقال سبحانه: {قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ}(الأنعام/ 11).

    و- الرحمة بالعصاة والتخفيف عنهم يوم القيامة:
    من حكمة الابتلاء بالعقوبة أن يعجل الله للمذنب عقوبته فتأتيه في الدنيا تخفيفا عنه يوم القيامة، يقول الله- عز وجل-: {وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ}(الشورى/ 30) .

    قال علي- رضي الله عنه-: هذه أرجى آية في كتاب الله عز وجل، وإذا كان يكفّر عني بالمصائب ويعفو عن كثير فما يبقى بعد كفارته وعفوه!!.
    وعن أنس- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: "إذا أراد الله بعبده الخير عجل له العقوبة في الدنيا وإذا أراد بعبده الشر أمسك عنه بذنبه حتى يوافي به يوم القيامة". (رواه الترمذي وقال: حديث حسن غريب).
    وروى البخاري رحمه الله عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما مِن مُصِيبَةٍ تُصِيبُ المُسْلِمَ إلَّا كَفَّرَ اللَّهُ بها عنْه، حتَّى الشَّوْكَةِ يُشاكُها".

    وقال ابن عون: إن محمد بن سيرين لما ركبه الدَّين اغتم لذلك، فقال: إني لأعرف هذا الغم، هذا بذنب أصبته منذ أربعين سنة. وقال عكرمة: ما من نكبة أصابت عبدا فما فوقها إلا بذنب لم يكن الله ليغفره له إلا بها، أو لينال درجة لم يكن يوصله إليها إلا بها.

    ز- إقامة حجة العدل على العباد:
    يقول ابن القيم- رحمه الله-: «ومنها (أي من الحكم في الابتلاء بالضراء) إقامة حجة عدله عز وجل على عبده ليعلم هذا العبد أن لله عليه الحجة البالغة، فإذا أصابه من المكروه شيء فلا يقول: من أين هذا؟ ولا من أين أتيت؟ ولا بأي ذنب أصبت؟ وما نزل بلاء قط إلا بذنب ولا رفع إلا بتوبة، والله عز وجل يقول:{ وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير}. {أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم إن الله على كل شيء قدير}.

    الابتلاء يربي فينا الشوق إلى الجنة:
    لن تشتاق إلى الجنة إلا إذا ذقت مرارة الدنيا ، فكيف تشتاق إلى الجنة وأنت هانئ في الدنيا ؟ الهم والغم والتعب والمحن والمرض والديون والمشاكل....إلخ كل هذا يشوقك إلى دار لا يوجد فيها شيء من هذا الكدر، وليس ذلك إلا في الجنة، ألم يخبر النبي صلى الله عليه وسلم عمن يدخل الجنة أنه :"ينعَمُ ولا يبأسُ، ويخلدُ ولا يموتُ، لا تبلَى ثيابُهُم، ولا يفنى شَبابُهُم...".
    "لا يَبْصُقُونَ فِيهَا، ولَا يَمْتَخِطُونَ، ولَا يَتَغَوَّطُونَ....لا اخْتِلَافَ بيْنَهُمْ ولَا تَبَاغُضَ، قُلُوبُهُمْ قَلْبٌ واحِدٌ، يُسَبِّحُونَ اللَّهَ بُكْرَةً وعَشِيًّا". وبعد غزوة أحد كان من دعائه صلى الله عليه وسلم: " اللهم إني أسألُك النَّعيمَ المقيمَ الذي لا يحُولُ و لا يزولُ ، اللهم إني أسألُك النَّعيمَ يومَ العَيْلَةِ " وهو نعيم الآخرة ، أي : أسألك يا اللَّه أن تكمل علي النعيم يوم الشدة والفقر، وأن تُغنيني عن السؤال، والافتقار لسواك من الخلق.
    كما كان من دعائه صلى الله عليه وسلم: "وأسألُكَ نعيمًا لَا ينفَدُ، و أسالُكَ قرَّةَ عينٍ لا تنقَطِعُ..".
    نسأل الله تعالى العافية في الدنيا والآخرة، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد وآله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وآخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمين.
    أولا: إصلاح علاقة العبد بنفسه.

    ويظهر هذا جليا في النقاط التالية:

    أ- تعريف العبد حقيقة نفسه:

    ومن حكمة الابتلاء بالذنب أن العبد يعرف حقيقة نفسه، وأنها الظالمة، وأن ما صدر عنها من الشر صدر من أهله، إذا الجهل والظلم منبع الشر كله، وأن كل ما فيها من خير وعلم وهدى وإنابة وتقوى من الله- عزوجل- هو الذي زكاها، وإذا لم يشأ تزكية العبد تركه مع دواعي ظلمه وجهله، لأن الله- عز وجل- هو الذي يزكي من يشاء من النفوس فتزكو وتأتي بأنواع الخير والبر، وقد كان من دعائه صلّى الله عليه وسلّم: "اللهم آت نفسي تقواها وزكّها أنت خير من زكاها أنت وليها ومولاها". (مسلم)، فإذا ابتلى الله العبد بالذنب عرف نفسه ونقصها فيجتهد من ثم في كمالها.

    ب- خلع رداء الكبر والعظمة:

    ومن الحكمة في الابتلاء بالمعاصي أن يخلع العبد صولة الطاعة من قلبه وينزع عنه رداء الكبر والعظمة الذي لبس له، ويلبس رداء الذل والانكسار، إذ لو دامت تلك الصولة والعزة في قلبه لخيف عليه ما هو من أعظم الآفات وأشدها فتكا، ألا وهو العجب.

    ج- زوال الحصر والضيق:

    ومن الحكمة في ذلك، أنّ العبد يقيم معاذير الخلائق وتتسع رحمته لهم، ويزول عنه ذلك الحصر والضيق، والانحراف، ويستريح العصاة من دعائه عليهم و################ه منهم وسؤال المولى- عز وجل- أن يخسف بهم الأرض ويرسل عليهم البلاء ؛ فإنه حينئذ يرى نفسه واحدا منهم، فهو يسأل الله لهم ما يسأله لنفسه، وإذا دعا لنفسه بالتوبة والمغفرة والعفو أدخلهم معه، فيرجو لهم فوق ما يرجو لنفسه، ويخاف على نفسه أكثر مما يخاف عليهم، ولا ينظر إليهم بعين الاحتقار.

    د- تحقق صفة الإنسانية في العبد:

    لقد اقتضت الحكمة الإلهية تركيب الشهوة والغضب في الإنسان، وهاتان القوتان هما بمنزلة صفاته الذاتية وبهما وقعت المحنة والابتلاء، وهاتان القوتان لا يدعان العبد حتى ينزلانه منازل الأبرار أو يضعانه تحت أقدام الأشرار، وهكذا فإن كل واحد من القوتين يقتضي أثره من وقوع الذنب والمخالفات والمعاصي، ولو لم يكن الأمر كذلك لم يكن الإنسان إنسانا بل كان ملكا، ومن هنا قال المصطفى صلّى الله عليه وسلّم: "كل بني آدم خطّاء وخير الخطائين التوابون".(الترمذي وأحمد).

    هـ- الندم والبكاء:

    إذا ابتلي الإنسان بالذنب جعله نصب عينيه، ونسي طاعته وجعل همه كله بذنبه، ويكون هذا عين الرحمة في حقه، قال بعض السلف في هذا المعنى: "إن العبد ليعمل الذنب فيدخل به الجنة، ويعمل الحسنة فيدخل بها النار" قالوا: وكيف ذلك؟ قال: "يعمل الخطيئة فلا تزال نصب عينه، كلما ذكرها بكى وندم وتاب واستغفر وتضرع وأناب إلى الله- عز وجل- وذل له وانكسر، وعمل لها أعمالا فتكون سبب الرحمة في حقه، ويعمل الحسنة فلا تزال نصب عينيه يمن بها ويراها ويعتد بها على ربه- عز وجل- وعلى الخلق، ويتكبر بها، ويتعجب من الناس كيف لا يعظمونه ويكرمونه ويجلونه عليها، فلا تزال هذه الأمور به حتى تقوى عليه آثارها فتدخله النار، وعلامة السعادة أن تكون حسنات العبد خلف ظهره وسيئاته نصب عينيه، وعلامة الشقاوة أن يجعل حسناته نصب عينيه وسيئاته خلف ظهره".

    الحكمة الثالثة: إصلاح علاقة العبد بالآخرين:

    ويبدو ذلك جليا في الآتي:

    أ- تعلم العبد المسامحة وحسن المعاملة والرضا عن الغير:

    ومنها أن العبد إذا ابتلي بالمحنة أو بالذنب فإنه يدعو الله أن يقيل عثرته ويغفر زلته فيعامل بني جنسه في إساءتهم إليه وزلاتهم معه بما يحب أن يعامله الله به، لأن الجزاء من جنس العمل فمن عفا عفا الله عنه، ومن سامح أخاه في إساءته إليه سامحه الله، ومن عفا وتجاوز تجاوز الله عنه، ويلحق بذلك أن العبد إذا عرف هذا فأحسن إلى من أساء إليه ولم يقابل إساءته بإساءة تعرض بذلك لمثلها من رب العزة والجلال، وأن الله- عز وجل- يقابل إساءته بإحسان منه وفضل؛ إذ المولى- عز وجل- أوسع فضلا وأجزل عطاء.

    ب- التواضع مع الخلق والعفو عن زلاتهم:

    مشاهدة العبد ذنوبه وخطاياه توجب ألا يرى لنفسه على أحد فضلا ولا يقع في اعتقاده أنه خير من أحد، وأين هذا ممن لا يزال عاتبا على الخلق شاكيا ترك قيامهم بحقه ساخطا عليهم وهم عليه أسخط، ويستتبع هذا أن يمسك عن عيوب الناس والفكر فيها لأنه مشغول بعيب نفسه، وطوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس، وويل لمن نسي عيبه وتفرغ لعيوب الناس. وإذا شهد العبد نفسه سيئا مع ربه مع فرط إحسانه إليه، فإن هذا يقتضي منه أن يغفر للمسيئين إليه من حوله ويعفو عنهم ويسامحهم.

    هذه الثمرات ونحوها متى اجتناها العبد من الذنب فهي علامة كون الابتلاء رحمة في حقه، ومن اجتنى منه أضدادها وأوجبت له خلاف ذلك، فهي علامة الشقاوة، وأنه من هوانه على الله وسقوطه من عينه خلى بينه وبين معاصيه ليقيم عليه حجة عدله، فيعاقبه باستحقاقه، وتتداعى السيئات في حقه فيتولد من الذنب ما شاء الله من المهالك والمتالف التي يهوي بها فى دركات الجحيم، والمعصية كل المعصية أن يتولد من الذنب ذنب ثم يتولد من الاثنين ثالث ثم تقوى الثلاثة فيتولد منها رابع وهلم جرا، ذلك أن الحسنات والسيئات آخذ بعضها برقاب بعض ويتلو بعضها بعضا، قال بعض السلف: "إن من ثواب الحسنة الحسنة بعدها وإن من عقاب السيئة السيئة بعدها".

    وقد علمنا المولى سبحانه وتعالى ألا نيأس من رحمة الله مهما كانت معاصينا، وأيا كان إسرافنا على أنفسنا فقال: {قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} (الزمر/ 53) ، وحذرنا من التمادي في المعصية وتأخير التوبة وقرن بين غفرانه لمن تاب وعقابه لمن أعرض فقال: {نَبِّئْ عِبادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ* وَأَنَّ عَذابِي هُوَ الْعَذابُ الْأَلِيمُ}(الحجر/ 49- 50) .
    نسأل الله تعالى أن يعفو عنا ويغفر لنا ويرحمنا ويتوب علينا.
    إسلام ويب...
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

08-06-2020, 02:56 PM

سيف اليزل برعي البدوي
<aسيف اليزل برعي البدوي
تاريخ التسجيل: 04-30-2009
مجموع المشاركات: 18170

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: مقالات مفيدة تهم المجتمع و الأسرة و الشبا� (Re: سيف اليزل برعي البدوي)

    وقفات مع جائحة "كورونا"
    بين الفينة والأخرى يرسل الله جل في علاه من الآيات ما يذكر الناس بقدرته الباهرة وعظمته القاهرة، ويبين للخلق عجزهم أمام عظمته وقدرته وجنده الذي لا يعلمه إلا هو لعلهم يتذكرون.. فلعل كافرا يؤمن، أو غافلا يفيق، أو عاصيا يتوب.. وهي سنة الله في خلقه.

    إن التعاليم التي جاء بها ديننا وأرشدت إليها سنة نبينا صلى الله عليه وسلم في التعامل مع مثل هذا الوباء الذي غزا بلاد العالم وغشاها، وأرعب القلوب وسلب الأجفان كراها، لمما يزيدنا شرفا بانتسابنا لهذا الدين الذي لم يدع الله تعالى شيئا إلا وبينه لنا فيه كتابا أو سنة.. حتى هذا المرض العضال وذاك الوباء القتال.. فعلمنا كيف نتعامل معه ومع أمثاله: {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ}[الأنعام:38]، {وَنَزَّلْنَا عَلَيْك الْكِتَاب تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْء}(النحل:89).

    لقد ضرب المرض بلادا وانتقل إلى أخرى كثيرة، حتى لا تكاد تخلوا منه بلد، وانتقل إلينا كما انتقل لغيرنا، فليس في هذا منقصة ولا غضاضة..
    ومثل هذه الأوبئة علمنا الرسول صلى الله عليه وسلم كيف نتعامل معها، ثم جاء من بعد ذلك الطب ليؤكد ما سبق إليه الكتاب والسنة، مما يزيد المؤمن إيمانا وتصديقا بدين الله وسنة نبيه وكمال شريعته.

    التعامل مع الوباء
    لقد لوحظ مع الإعلان عن ظهور المرض أن البعض أخذ ينشر الشائعات، وينقل الأخبار الكاذبات، حول عدد المرضى وأعداد الوفيات، فيروع المؤمنين ويحزن المسلمين، وقد نهانا الله ورسوله عن نقل الكذب، ونشر الشائعات، وترويع المؤمنين بأي شكل من الأشكال.

    ثانيا: إن بعض الناس أصابهم الهلع، وأطبق على قلوبهم الخوف وأقعدهم الرعب والفزع، وكأنهم تيقنوا المرض أو الهلاك، فمرضوا من غير مرض، وماتوا وهم أحياء.. ولهم ولأمثالهم نقول: اربعوا على أنفسكم، وخففوا الوطء، وهونوا المصائب تهون، فما هكذا تورد الإبل..

    إننا لا نقلل ولا نهون، ولكننا أيضا لا نضخم ولا نهول، فكما لا ينبغي التقليل والتهوين فكذلك أيضا لا يجوز التضخيم والتخويف والتهويل.. فالمصائب تكون ثم تهون.. وكم من مرض كان ثم زال، وكم أوبئة حلت ثم اضمحلت، وتوالت ثم تولت.. والله ما أنزل من داء إلا وأنزل له دواء.. فتفاءلوا بالخير تجدوه، فقد كان نبيكم صلى الله عليه وسلم متفائلا يحب الفأل والتفاؤل. انشروا بين الناس الطمأنينة بدلا من أن تخوفوهم. وافتحوا لهم باب الأمل بدلا من أن تقنطوهم.. فما هي سحابة ولابد لها أن تنقشع.

    الأخذ بالأسباب
    وليس معنى هذا التواكل والتخاذل، وإنما التوكل والأخذ بالأسباب، ثم تسليم القلب لرب الأرباب جل في علاه.

    فمن الأخذ بالأسباب قبل ظهور المرض، الدعاء بالعافية كما علمنا النبي صلى الله عليه وسلم.. فكان يقول في دعائه: [اللهم إني أسألك العفو والعافية في الدنيا والآخرة....] ، ويقول: [اللهم عافني في بدني، اللهم عافني في سمعي، اللهم عافني في بصري لا إله إلا أنت]، ويقول: [اللهم إني أعوذ بك من البرص والجنون والجذام ومن سيء الأسقام](رواه أبو داود).

    وأما إذا ظهر المرض وانتشر، فالوقاية في البعد وعدم الاختلاط: ففي الحديث [لا يورد ممرض على مصح]، فمنع من اختلاط المصح بالمريض، وقال: [وَفِرَّ من المجذوم كما تَفِرُّ من الأسد](أخرجه البخاري)؛ حتى لا تنتقل العدوى، وهو ما يسميه أهل الطب بالحجر اتقاءً لانتقال العدوى وانتشار المرض.

    وحتى لا يتعلق القلب بغير الله قال عليه الصلاة والسلام: [لا عدوى ولا طيرة]، ولما سئل عن انتقال الأمراض بالعدوى قال [فمن أعدى الأول؟].. وليس هذا نفيا لذات العدوى، وإنما نفي لانتقالها بنفسها من غير أمر الله.. ليعلم العبد أن كل شيء إنما هو بأمر الله، وأن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه {قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا ۚ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} (التوبة:51).

    ومن الآداب الإسلامية في ذلك: أن المريض ينبغي أن يسعى للتداوي كما أمره الإسلام ورسوله فقال: [تداووا عباد الله]، وليس في هذا طعن في التوكل فقد تداوى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا من الأخذ بالأسباب، ومعلوم أنه كما أن الاعتماد الكلي على الأسباب طعن في التوحيد، فكذلك نفي الأسباب طعن في التشريع.

    ومن آداب المريض: ألا يخالط إخوانه.. ولا يحضر اجتماعاتهم وتجمعاتهم ـ وهو مرخص له في ترك الجمع والجماعات والأعياد ـ حتى لا ينقل المرض إليهم قال صلى الله عليه وسلم: [لا ضرر ولا ضرار]، وقال: [كل المسلم على المسلم حرام].

    ومن الآداب الإسلامية أيضا: التزام النظافة، وديننا بحمد الله دين النظافة، فالوضوء خمس مرات، ومن السنة غسل اليد قبل الأكل، وأيضا غسل الفم بعد الأكل وعدم النوم وفي الفم زهومة أو أثر طعام، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: [مَنْ بات وفي يده غَمْرٌ ولم يغسله فأصابه شيءٌ فلا يلومنَّ إلا نفسَه](أخرجه أحمد)، والغَمْر: هو ريح الطعام وأثر زهومته.

    وكل هذه التدابير الشرعية النبوية جاءت مؤسسات الطب الحديث لتؤكدها وتطالب الناس باتباع أشباهها دفعا للمرض ورفعا للوباء وتقليلا لمخاطر الإصابة به.. فالحمد لله على نعمة الإسلام وشرع الرحمن.

    ومما ينبغي أيضا التزام ما اتخذته الدولة وذوو الاختصاص من تدابير للحماية من المرض ومحاصرته، أو تقليل خطره.

    الدعاء لرفع البلاء
    إن الأخذ بالأسباب الدنيوية والوقائية أمر جميل وقد أمرنا الله بسؤال أهل الذكر {فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون}، ولا يعني هذا إغفال الأسباب الدينية وطرق الأبواب الإيمانية التي أمرنا الله تعالى بها أيضا كما أمرنا بالأخذ بأسباب الدنيا..

    وقد قال علي رضي الله عنه: "ما نزل بلاء إلا بذنب، ولا رفع إلا بتوبة"، ولا يرفع البلاء بمثل الدعاء وصدق الرجاء والتضرع لرب الأرض والسماء {فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا}، فالتوبة إلى الله وملازمة الاستغفار وكثرة الدعاء ترفع بإذن الله البلاء {وقال ربكم ادعوني أستجب لكم}، {أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ ۗ أَإِلَٰهٌ مَّعَ اللَّهِ ۚ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ}(النمل:62)}

    فتوبوا إلى ربكم واستغفروه، وأكثروا من التضرع والدعاء فإنه سميع قريب مجيب.
    اللهم إنا نستغفرك ونتوب إليك فاغفر لنا وتب علينا.
    اللهم ارفع عنا البلا والوبا والمرض والفتن ما ظهر منها وما بطن.
    --------------------------------------
    الحياة الطيبة
    ما أجمل هذه الكلمة.. الحياة الطيبة....
    الحياة الطيبة مقصد كل إنسان، ومطلب كل عاقل، تتوق لها كل النفوس، ويسعى لتحصيلها كل أحد.

    لكن ما هي الحياة الطيبة؟
    بعض الناس يتصور أن الحياة الطيبة مقترنة بالأضواء البراقة، او المناصب الخداعة. والبعض يتصورها في تكديس الأموال، والانغماس في الشهوات، واحتساء سموم الموبقات. وآخرون يتصورونها في تشييد القصور الفخمة والأبنية الشاهقة.

    وكل هذا في الحقيقة إنما هي مظاهر خداعة لا تأتي بحياة طيبة ولا بسكون نفس وصفاء روح وسعادة قلب. والحياة في نسختها المعاصرة أكبر شاهد على ما نقوله؛ فإن الدنيا لم تشهد من التطور التكنولوجي والرفاهية، وتعدد المتع ووسائل الرفاهية، وزيادة المال وارتفاع الدخول وأسباب الراحة مثل ما شهدت في هذه الأيام. ولكن مع ذلك فهي تعيش مفهوم الضنك بكل معانيه..
    فهي بحق حضارة القلق، والحيرة الشديدة والضيق القاتل والكآبة والأمراض النفسية. يعاني فيها الإنسان من آلام الحيرة النفسية، والتمزق الروحي رغم ما وصل إليه من ابتكار وسائل للمتعة المادية وإشباعات الجسد.
    ازدادت نسبة الجريمة مع تطور التكنولوجيا.. وازدادت المصحات النفسية مع تعدد المتع ووسائل الرفاهية.. وازدادت حالات الانتحار مع زيادة الدخل.. وازداد القلق والتوتر النفسي على المستوى الفردي والجماعي مع الانفتاح على الملذات.

    الحياة المعاصرة أبدعت في أساليب الرفاهية والمتعة للإنسان لكنها لم تستطع أن تجلب له سعادة القلب واطمئنان النفس.
    بلغ العالم ذروة الرقي المادي ومعه بلغ الحضيض الأخلاقي، أسقط كل الحواجز أمام متعه الحسية ولكنه لم يصل معها للسعادة الداخلية، أقصى ما وهبه التقدم الحضاري لهم مجرد متعة ظاهرية ولذة آنية لم تبلغ مكنونات النفس، ولم تتذوق بها النفس الحياة الطيبة.

    مصادر الحياة الطيبة وأسبابها:
    المؤمن يطيب قلبه بالإيمان ويطيب لسانه بذكر الرحمن وتطيب حياته بالعمل الصالح والإحسان
    قال تعالى: {من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون} (النحل:)
    وهذا وعد مؤكد من الله تعالى لمن آمن وعمل صالحا أن يحيا حياة طيبة، إنها حياة في رحاب الإيمان والعيش في طاعة الرحيم الرحمن. فقد جعل الله للحياة الطيبة أسبابا من سلكها بلغ.. فمنها:

    أولا: الإيمان:
    فالإيمان بالله، والرضا بقضائه، والتسليم لأمره، هو الذي يجعل للوجود معنى وللحياة طعما وللإنسان قيمة، وبه يعرف الإنسان غاية وجوده وسر خلقه.
    فمن عرف حقيقة الكون والحياة والإنسان وحقيقة المنهج الذي أنزله الله، وحقيقة ما بعد الموت، وحقيقة الذي يسعده والذي لا يسعده؛ عندئذ يكون قد مشى في طريق الحياة الطيبة.

    فالإيمان هو أساس طيب النفس وطيب الحياة، وذلك ينبع من نفحات الإيمان بالله والرضا عن أقداره، والثقة به والتوكل عليه، يقول تعالى: {ومن يؤمن بالله يهد قلبه} يملؤه رضا وطمأنينة ورجاء وأملا، فيجد حلاوة ذلك في قلبه وتظهر آثاره في سلوكه.
    وفي الحديث: [عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله له خير، إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له].

    فالمحروم حقا من حرم من نعمة الإيمان بالله، فمن فقد الله فقد كل شيء جميل في الحياة، وكانت حياته كلها ضيق وقلق وملل وكدر، لأن الإنسان ليس جسدا فقط بل حسد وروح. فإذا فقد الإنسان الإيمان فقد إنسانيته ولم يعرف لوجوده معنى ولا لحياته طعما، وضاق صدره وزاد قلقه، مهما اتسع عيشه، ولو ملك من القصور ما ملك، ولو عانق من الثراء قمم الفلك.
    يقول الشاعر:
    إذا الإيمان ضاع فلا أمان .. .. ولا دنيا لمن لم يحيي دينا
    ومن رضي الحياة بغير دين .. .. فقد جعل الفناء لها قرينا
    ويقول الآخر:
    يا خــادم الجســم كم تشقى لخدمته .. .. أتطلب الربح مما فيه خسران
    أقبل على النفس فاستكمل فضائلها .. .. فأنت بالروح لا بالجسم إنسان

    ثانيا: العمل الصالح:
    العمل الصالح في سياق القرآن العظيم أعم وأشمل وأوسع من أداء العبادات، بل هو أسلوب حياة يشمل تفاصيل الحياة كلها.
    والعمل الصالح لم يشرع فقط اختبارا وابتلاء، أو لأجل الحصول على أجر، بل شرع لإسعاد الناس، وطمأنينة نفوسهم، وصلاح أحوالهم، وطيب حياتهم.

    ومن صور الحياة الطيبة والسعادة الغامرة تقديم الإحسان للناس، ويذكر أحد الأثرياء في مذكراته أنه ظن أن السعادة في اقتناء الأشياء الثمينة الغالية ولكنه وجد أنها لذة مؤقتة، ثم ظن أن السعادة في اقتناء المشاريع الكبيرة من شركات أو مؤسسات ولكنه أيضا حصل على ذلك، ووجدها فرحة عابرة، فأشار عليه أحد أصحابه أن يبحث عن السعادة الحقيقية في إسعاد الآخرين، وأشار عليه أن يشتري كراسي متحركة للأطفال أصحاب الاحتياجات الخاصة ويباشر هذا العمل بنفسه ويرى فرحة الأطفال.. وبالفعل حضر إليهم ورأى وجوههم تتهلل فرحا، ففرح بذلك جدا.. ثم حين هم بالانصراف إذا بطفل يمسك به ويحدق النظر في وجهه، فقال له: لم تفعل ذلك؟ فقال: أريد أن أعرف وجهك جيدا حتى أتمكن يوم القيامة إذا كنا في الجنة أن أقول لربي: إن هذا الرجل قدم لنا هذه الخدمة.. فتأثر الرجل جدا، وقال: تغيرت حياتي تماما بعد هذا الموقف.
    فالسعيد من أسعد الناس، والكريم من شمل الناس بكرمه، والطيب من لم ير الناس منه إلا طيب القصد والقول والعمل.

    فلنحيينه حياة طيبة:
    لقد فسر السلف والمفسرون الحياة الطيبة بتفسيرات متنوعة فقال بعضهم: القناعة: فمن قنعه الله بما قسم له لم يكثر للدنيا تعبه، ولم يعظم فيها نصبه، ولم يتكدر فيها عيشه.
    حتى من كان معسرا يطيب عيشه بالقناعة وبالرضا بالقسمة وتوقع الأجر، وعدم الاهتمام، فضلا عن النظر إلى ما عند الآخرين.
    وقال آخرون: الرضا عن أقدار الله.. فيطمئن قلبه وتسكن نفسه.
    وقال آخرون: حلاوة الطاعة.
    وقال آخرون: الرزق الحلال الطيب، وقال آخرون: نسيم القرب من الله.
    قال ابن القيم: الصواب أنها حياة القلب ونعيمه وبهجته وسروره بالإيمان ومعرفة الله ومحبته والإنابة إليه والتوكل عليه، فإنه لا حياة أطيب من حياة صاحبها، ولا نعيم فوق نعيمه إلا نعيم الجنة.

    كان بعض العارفين يقول: إنه لتمر بي أوقات أقول فيها: لو أن أهل الجنة في مثل هذا إنهم لفي عيش طيب.
    قال مالك بن دينار: مساكين أهل الدنيا!! خرجوا منها وما ذاقوا أطيب ما فيها؟ قيل وما أطيب ما فيها؟ قال: محبة الله، والأنس به، والشوق إلى لقائه، والتنعم بذكره وطاعته.
    قال ابن كثير: والحياة الطيبة تشمل وجوه الراحة من أي جهة كانت.

    فالحياة الطيبة تكون في الاتصال بالله والثقة به والاطمئنان إلى رعايته وستره ورضاه، وفيها الصحة والهدوء والرضا والبركة وسكن البيوت ومودات القلوب، وفيها الفرح بالعمل الصالح وآثاره في النفس وفي الحياة، وليس المال إلا عنصرا واحدا يكفي منه القليل حين يتصل القلب بما هو أعظم وأزكى وأبقى عند الله.

    على المسلم الذي يريد أن يحيا حياة طيبة أن يتعلق قلبه بالله وحده، وأن يتوكل على الله في كل شأنه، وأن يقنع بما قسم الله له، وأن يكون راضيا عن أقدار الله كلها. وأن يكون ذا نية طيبة يحب الخير ،للناس وأن يكون ذا قلب طيب متسامح، وأن يكون قوله طيبا، وعمله طيبا وماله طيبا لا يأكل إلا طيبا، وأن يختار عند زواجه المرأة الطيبة العفيفة لتكوين الأسرة الطيبة، وأن يكون طيب الأخلاق وألا يصحب إلا الطيبين.

    تكون الحياة أجمل وعيشها أطيب إذا كان ذكر الله تاجها، وكتابه لبها، وحبه ملاكها، وطاعته سماتها. فما طابت الدنيا إلا بذكره، ولا الآخرة إلا بعفوه، ولا الجنة إلا برؤيته.

    وهناك فرق بين الطيبة والضعف والسذاجة، فالطيبة صفاء في القلب، وأما الضعف فقصور في التفكير والتدبير.. ومن أقوال عمر المأثورة: "لست بالخب ولا الخب يخدعني". فكن طيبا وقويا كي لا يخدعك الخبثاء.

    الحياة الطيبة لا تعني حياة خالية من البلاء:
    الحياة الطيبة لا تعني حياة خالية من المشاكل والهموم والأحزان والابتلاءات، ولكن المؤمن الذي يعيش الحياة الطيبة يحسن استقبال هذه الابتلاءات والهموم والأحزان بنفس راضية مطمئنة، وهو يفهم أن الدنيا دار ابتلاء ونصب، فالأنبياء أشد الناس بلاء مع أنهم كانوا أسعد الناس، ولأن المؤمن جنته في صدره ولو كان مكبلا بالبلاء، فأعتى صور البلاء ليست حياة البائس الفقير المبتلى، إلا إذا كانت استجابته وفهمه للبلاء على نحو لا يجعله خيرا له، أما من استجاب للبلاء الاستجابة التي تجعله خيرا له فليس البؤس إلا في الصورة الظاهرة أما حقيقة أمره فهو أنه يحيى حياة طيبة بقدر جودة استجابته وجريانها على ما يحبه الله.

    جزاء الطيبين:
    من عاش طيبا توفاه الله طيبا وأدخله دار الطيبين.
    عند الاحتضار: {الذين تتوفاهم الملائكة طيبين يقولون سلام عليكم ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون}(سورة النحل)
    وتقول له الملائكة عند موته كما جاء في الحديث: [اخرجي أيتها النفس الطيبة كانت في الجسد الطيب. أخرجي حميدة وأبشري بروح وريحان ورب راض غير غضبان].
    وفي القبر يأتيه عمله الصالح في صورة رَجُل حَسَن الْوَجْهِ حَسَن الثِّيَابِ طَيِّب الرِّيحِ فَيَقُولُ: أَبْشِرْ بِالَّذِي يَسُرُّكَ هَذَا يَوْمُكَ الَّذِي كُنْتَ تُوعَدُ فَيَقُولُ لَهُ: مَنْ أَنْتَ فَوَجْهُكَ الْوَجْهُ يَجِيءُ بِالْخَيْرِ فَيَقُولُ: أَنَا عَمَلُكَ الصَّالِحُ
    وعند دخول الجنة تقول لهم الملائكة: {طبتم فادخلوها خالدين}(سورة الزمر).
    كن طيبا تطيب لك الحياة، ويسخر الله لك الطيبين من عباده، وتسكن في الآخرة دار الطيب والطيبين.
    اللهم ارزقنا طيب الحياة، وطيب الممات، وطيب الجزاء.. يا أكرم الأكرمين.
    ----------------------------------------
    التوازن بين الخوف والرجاء
    الحب، والخوف، والرجاء مقامات ومنازل لابد للسائر إلى الله أن ينزلها ويحلها قلبه حتى يتم له سيره إلى خالقه وولي نعمته سبحانه. كما قال طاووس: أحب الله حتى لا يكون شيء أحب إليك منه، وخف الله حتى لا يكون شيء أخوف عندك منه، وارج الله حتى لا يكون شيء أرجى عندك منه.
    والجمع بين هذه الثلاثة حتم لازم، وحق واجب، ومتى ذهب واحد منها وقع الخلل في الديانة، العبادة كالطائر ؛ المحبة رأسه، والخوف والرجاء جناحاه.. فمتى سلم الرأس والجناحان فالطائر جيد الطيران، ومتى قطع الرأس مات الطائر، ومتى فقد الجناحان أو أحدهما صار نهبة لكل صائد وكاسر.

    ولما كنا تحدثنا معك عن الخوف في مقال سابق، لزم أن نتبع ذلك بالحديث عن الرجاء؛ إذ الخوف والرجاء ـ كما قال أئمة الإسلام ـ متلازمان لا ينفك أحدهما عن الآخر، فخوف بلا رجاء يأس و################، ورجاء بلا خوف أمن وغرور، والسلامة أن يستوي الأمران، ويعتدل الجانبان، حتى يصبحا للسائر كالجناحين للطائر يطير بهما حتى يحط في جنات النعيم.

    وإذا كان العلماء قد نصحوا بأن يغلب جانب الخوف في حال صحة الإنسان فهذا لا يعني تجاهل جانب الرجاء وإهماله مطلقا؛ لأن العبد إذا تفكر في الموت وغصته، والقبر وضمته، والصراط وزلته، والقيامة وأهوالها، والنار ونكالها، وحرها ولظاها، وضريعها وزقومها، وصراخ أهلها فيها، وتقرح أكبادهم، وتفطر قلوبهم، مع طول الثواء فيها، وعدم الخروج منها. ثم تذكر غدراته وفجراته، ومعاصيه وسيئاته، ووساوسه وخطراته، والتقصير والإهمال، وقبيح الأقوال والأفعال.

    فإذا استحضر العبد كل هذا ولم يجد من الرجاء ما يعدل الكفة فهو أحد رجلين:
    ـ إما رجل يصدع الخوف قلبه، فربما مات من شدة الخوف من أية يقرؤها كزرارة بن أوفى الذي مات عند ما قرأ: {فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ فذلك يومئذ يوم عسير على الكافرين غير يسير}[المدثر:8ـ10]، أو كعلي بن الفضيل الذي مات حين سمع قوله تعالى: {وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ وُقِفُوا عَلَىٰ رَبِّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هَٰذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَىٰ وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ}[الأنعام:30].
    أو أن ينغص الخوف عليه حياته كيزيد بن مرثد الذي كان يقول: والله إنه لتوضع القصعة بين أيدينا فيعرض لي فأبكي ويبكي أهلي ويبكي صبياننا لا يدرون ما أبكانا، ووالله إني لأسكن إلى أهلي فيعرض لي فيحول بيني وبين ما أريد.
    أو كالربيع بن خثيم الذي قالت له ابنته: يا أبتِ ما لي أرى الناس ينامون ولا تنام؟ فقال: يا بنية إن أباك يخاف البيات.. أو قال: منع خوف النار النوم عن أبيك.

    ـ والقسم الثاني: رجل يحمله شدة الخوف على ال################ واليأس ولزوم العصيان طالما ليس ثمة أمل.

    ومن هنا كانت الضرورة إلى الرجاء في رحمة الله والطمع في مغفرته، والتطلع إلى عفوه وصفحه وواسع كرمه وعظيم بره، وجميل فعله بعبده، وأنه أرحم بالإنسان من أبيه وأمه، بل ومن نفسه التي بين جنبيه.
    ففي الصحيحين أنه [قدِم على رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبي فإذا امرأة من السبي تبتغى إذا وجدت صبيا في السبي أخذته فألصقته ببطنها وأرضعته ، فقال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم : أترون هذه المرأة طارحة ولدها في النار؟ قلنا: لا والله! وهى تقدر على أن لا تطرحه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لله أرحم بعباده من هذه بولدها].

    طريق الأنبياء والصالحين
    فاعتدال الخوف والرجاء في القلب هو طريق الأنبياء والمرسلين، والمؤمنين الصالحين المتقين:
    فطريق الأنبياء بينه الله تعالى في كتابه في سورة الأنبياء فبعد أن ذكر الله عددا منهم قال: {إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ}[الأنبياء:90].
    رغبا: أي راغبين في الأجر، طالبين للثواب، مؤملين للجزاء.
    ورهبا: أي هربا من غضبنا، وخوفا من عذابنا وفرارا من عقابنا.

    وقال تعالى في وصف أهل الإيمان:{إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآياتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّداً وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ * تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ}[السجدة:15، 16].

    وقال سبحانه: {ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ * وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ}[الأعراف:55، 56].
    فلابد من الرغبة والرهبة، ولابد من الخوف والطمع، ولابد من الرجاء والوجل.

    منهج قرآني وهدي نبوي
    والتوازن بين الخوف والرجاء منهج قرآني وسبيل رباني وهدي نبوي، أرسى الله قواعده في القرآن وأرشد إليه عباد الرحمن حتى لا تميل بهم إحدى الكفتين فتطغى على أختها فتهلك صاحبها
    يقول سبحانه في كتابه العزيز: {نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ . وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ}(الحجر:49ـ50). فأخبرهم أنه غفور رحيم، وحتى لا يغتروا برحمته أتبعها بأن عذابه هو العذاب الأليم.
    وهذا مثل قوله تعالى: {اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}(المائدة::98). فإنه خوفهم شديد عقابه، وحتى لا يقنطوا ذكرهم بواسع رحمته وعظيم مغفرته.
    ومثله قوله تعالى: {إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ}(فصلت:43)، وقوله: {وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ عَلَىٰ ظُلْمِهِمْ ۖ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ}(الرعد:6). وهذا باب كثير في القرآن الكريم. إذ هو منهج متكامل رغبة ورهبة، خوف وطمع، رجاء ووجل.

    ورسول الله صلى الله عليه وسلم سار على هذا النهج وسلك ذلك السبيل القويم:
    يقول صلى الله عليه وسلم: [أنا سيد ولد آدم ولا فخر}.. وفي ذات الوقت يقول: [لن ينجي أحدا عمله، يقولون: حتى أنت يارسول الله؟ فيقول: حتى أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل].
    ويذكر الشفاعة وأنها منزلة لا تنبغي إلا لعبد فيرجو أن يكون هو ذلك العبد الأشرف على الإطلاق، ثم يقوم الليل حتى تتورم قدماه، فإذا سئل لماذا وقد غفر لك ما تقدم من ذنبك؟ قال: أفلا أكون عبدا شكورا.. توازن عجيب وفهم رائق سديد.

    والصحابة أيضا رضي الله عنهم:
    وقد تعلم الصحابة من رسول الله هذا المنهج وساروا عليه:
    اسمع إلى الصديق أبي بكر وهو يقول في وصيته لعمر: "إن الله لما ذكر أهل الجنة ذكرهم بأحسن أعمالهم، وتجاوز عن سيئاتهم، فإذا ذكرتهم خشيت ألا أكون منهم.. وعندما ذكر أهل النار ذكرهم بأسوأ أعمالهم ورد عليهم حسناتهم، فإذا ذكرتهم رجوت ألا أكون منهم.
    أبو بكر يخشى ألا يكون من أهل الجنة، ويرجو ألا يكون من أهل النار!!

    وفي حلية الأولياء يقول عمر رضي الله عنه: "والله لو أن مناديًا من السماء نادى ليدخل الناس أجمعون الجنة إلا واحدًا لخشيت أن أكون أنا هذا الواحد، ولو نادى مناد من السماء ليدخل الناس أجمعون النار إلا واحدًا لرجوت أن أكون أنا هذا الواحد.
    فما أعظم هذا الخوف والله، وما أعظم هذا الرجاء.
    رجاء يبلغ المدى، وخوف يبلغ المنتهى. فبلغ من الخوف مداه، ومن الرجاء منتهاه. {إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ}(فصلت:43)

    الرجاء المطلوب والممنوع
    وكما قلنا: إن الخوف المشروع الممدوح هو الذي يزجر صاحبه عن الوقوع في السيئات والولوغ في المحرمات، ويحفظه من الخروج عن طريق الجادة وسبيل رضا رب الأرض والسموات.. فإذا زاد فخرج بصاحبه إلى اليأس وال################ كان مذموما.

    فكذلك نقول إن الرجاء الصحيح هو الذي يزن الكفة ويفتح باب الأمل في المغفرة ويدعو إلى العمل، فإذا زاد عن حده أصبح مذموما وانقلب أمنا وغرورا. ولهذا كان لابد من معرفة ضوابط الرجاء.. وهو ما نتحدث عنه بعد إن شاء الله.
    ---------------------------------------------
    زينة العبادة.. الخــوف
    الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده.. وبعد:
    فإن العبد في سيره إلى الله والدار الآخرة لابد أن يتقلب في ثلاث مقامات، وينزل منازل ثلاث، لا غنىً له عنها هي: الحب، والخوف، والرجاء.
    جاء رجل إلى طاووس فوجده في الموت؛ فجلس عند رأسه يبكي فقال: ما يبكيك؟. قال: أبكي على علمٍ جئت أتعلمه. فقال: فإني أعلمك كلمات فيها علم الأولين والآخرين: أحب الله حتى لا يكون شيء أحب إليك منه، وخف الله حتى لا يكون شيء أخوف عندك منه، وارج الله حتى لا يكون شيء أرجى عندك منه.

    أيها الأحبة: القلب في سيره إلى الله عز وجل بمنزلة الطائر: المحبة رأسه، والخوف والرجاء جناحاه.. فمتى سلم الرأس والجناحان فالطائر جيد الطيران، ومتى قطع الرأس مات الطائر، ومتى فقد الجناحان أو أحدهما صار نهبة لكل صائد وكاسر.

    فالجمع بين هذه الثلاثة حتم لازم، وحق واجب، ومتى ذهب واحد منها وقع الخلل في الديانة، والعبادة؛ ولذا قال مكحول الدمشقي: من عبد الله بالخوف وحده فهو حروري، ومن عبد الله بالرجاء وحده فهو مرجئي، ومن عبد الله بالحب وحده فهو زنديق، ومن عبد الله بالحب والخوف والرجاء فهو موحد صديق.
    فالحرورية (الخوارج) نظروا إلى الوعيد فكفروا المسلمين بالذنب، وخلدوهم في النار بالكبيرة.. والمرجئة غلبوا جانب الرجاء حتى قالوا الإيمان الكلمة، ولا يضر مع الإيمان معصية.. وأما غلاة الصوفية فتركوا الخوف والرجاء وزعموا أنهم محبون بلا خوف ولا رجاء فتعاملوا مع الله معاملة العشاق، وقالوا فيه مثل كلامهم وظنوا أن لهم عند الله مقاما لا يعذبهم أبدا، حتى قال أحدهم: لو دخلت النار لبصقت فيها فأطفأتها..
    وأما أتباع الرسل فعبدوا الله على الحب والخوف والرجاء جميعا.. فالمحبة هي المركب، والرجاء حاد، والخوف سائق، والله الموصل بمنه وكرمه.

    الكلام عن الخوف:
    وقد اخترت أن أبدأ بالحديث عن الخوف؛ لأن السلف رضي الله عنهم استحبوا أن يقوي العبد في حال الصحة جانب الخوف على جانب الرجاء، والعكس عند الموت.
    وقالوا: ينبغي للقلب أن يكون الغالب عليه الخوف، فإن غلب عليه الرجاء فسد.
    وقالوا: ما فارق الخوف قلبًا إلا خرب.
    وقالوا: الخوف هو سوط الله يقوم به الشاردين عن بابه.
    وقالوا: الخوف سراج في القلب يستضيء به فلا يتعثر في المخالفات.
    وقالوا: الناس على الطريق ما لم يزل عنهم الخوف، فإذا زال عنهم الخوف ضلوا الطريق.

    الخوف زينة العبادة
    وإذا كان مفهوم الخوف: هو توقع العقوبة على مجاري الأنفاس، كما قال الجنيد رحمه الله، فيتوقع العبد عقاب الله له على سيء فعاله وقبيح خصاله مع كل نفس ومع كل طرفة عين" فيكون ذلك مانعا له عن الوقوع في المخالفة. فمن امتلأ قلبه بمثل هذا ازدان وانتفع.
    قال حاتم الأصم: "لكل شيء زينة وزينة العبادة الخوف". وقال الفضيل: "من خاف الله دله الخوف على كل خير".

    ولهذا جعله الله فرضًا على كل أحد فقال سبحانه: {فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ}[آل عمران:175]، وقال: {وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ}[البقرة:40]، وقال: {فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي}[البقرة:150]، {وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الأَلْبَابِ}[البقرة:197].

    ومدح أهل الخوف فقال: {إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ}[المؤمنون:57 -61].
    ولما نزلت هذه الآيات قالت عائشة رضي الله عنها للنبي صلى الله عليه وسلم: أَهو الذي يزني ويشرب الخمر ويسرق؟! قال:لا يا ابنة الصديق، ولكنه الرجل يصوم ويصلي ويتصدق ويخاف ألا يقبل منه][رواه الترمذي].
    قال الحسن: عملوا والله بالطاعات، واجتهدوا فيها وخافوا أن ترد عليهم، إن المؤمن جمع إحسانًا وخشية، والمنافق جمع إساءة وأمنًا.

    إن خشية الله والوجل منه والخوف من عقابه هو وصف الملائكة الأبرار، والأنبياء الكرام، والعباد والصالحين الأخيار..
    قال سبحانه عن الملائكة: {يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون}(الأنبياء: )

    وروى الإمام الطبراني في الأوسط عن جابر رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [مررت ليلة أُسري بي بالملأ الأعلى وجبريل كالحلس البالي من خشية الله].
    وروى أحمد بسند جيد عن أنس رضي الله عنه أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال لجبريل عليه السلام: [ما لي لا أرى ميكائيل يضحك؟ قال: ما ضحك ميكائيل منذ خلقت النار].

    وأما الأنبياء الكرام عليهم أفضل الصلاة والسلام؛ فاسمع إلى وصف الله لهم في سورة الأنبياء فقال: {إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ}[الأنبياء:90]،
    وفي سورة مريم: {أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرائيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيّاً}[مريم:58].

    وروى أبو داود والنسائي وابن حبان بسند حسن عن عبد الله بن الشخير قال: "رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي وفي صدره أزيز كأزيز الرحى(وفي رواية "المرجل") من البكاء".
    وقيل له: قد شبت يا رسول الله. قال: "شيبتني هود وأخواتها" [رواه الترمذي].
    ولما قال له أبو بكر قد شبت يارسول الله؟ رد عليه قائلا: "شيبتني هود والواقعة والمرسلات وعمَّ يتساءلون وإذا الشمس كورت".

    وكان عمر رضي الله عنه يمر بالآية من القرآن في ورده بالليل فيمرض شهرًا يعوده الناس. وروى أهل السير عنه أن الدموع حفرت خطين أسودين في وجه عمر..
    وكان تحت عيني ابن عباس مثل الشراك البالي من كثرة الدموع.
    فقل لي بربك: كيف تحفر الدموع مجرى في اللحم، وكم يحتاج ذلك من الزمان.
    من لم يبت والخوف حشو فؤاده.. ... ..لم يدر كيف تفتت الأكباد

    كان أبو عبيدة يقول: وددت أني كنت كبشًا فيذبحني أهلي فيأكلون لحمي ويحسون مرقي.
    وقال كثير من الصحابة: ليتني كنت شجرة تعضد، ليت أمي لم تلدني.

    وما لهم رضي الله عنهم لا يقولون، ولا يبكون، ولا يخافون وقد رأوا رسول الله وشدة خوفه مع جلالة قدرة ومكانه عند ربه، وقد سمعوه يقول لهم: [لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا وما تلذذتم بالنساء على الفرش ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله].

    لا تأمنوا مكر الله
    . أيها الكرام: لا ينبغي للمسلم أن يأمن مكر ا