مثل نجم أسود في رابعة النهار التقدميّ الوَضَّاح!

مرحبا Guest
اخر زيارك لك: 09-26-2021, 01:43 PM الصفحة الرئيسية

منتديات سودانيزاونلاين    مكتبة الفساد    ابحث    اخبار و بيانات    مواضيع توثيقية    منبر الشعبية    اراء حرة و مقالات    مدخل أرشيف اراء حرة و مقالات   
News and Press Releases    اتصل بنا    Articles and Views    English Forum    ناس الزقازيق   
المنبر العام
نسخة قابلة للطباعة من الموضوع   ارسل الموضوع لصديق   اقرا المشاركات فى شكل سلسلة « | »
اقرا احدث مداخلة فى هذا الموضوع »
09-09-2021, 08:27 PM

عبد الحميد البرنس
<aعبد الحميد البرنس
تاريخ التسجيل: 02-14-2005
مجموع المشاركات: 7102

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
مثل نجم أسود في رابعة النهار التقدميّ الوَضَّاح!

    08:27 PM September, 09 2021

    سودانيز اون لاين
    عبد الحميد البرنس-
    مكتبتى
    رابط مختصر



    "كما قد يشاع بين النّاس أجمعين، أبداً لم يكن لذلك الكلب الأسود غرة بيضاء، في المنتصف تماماً من الجبين".

    قد كان أسود فقط".

    هكذا، أخذتْ تستعيد أدق تفاصيل "فضيحة المدعو أحمد حسن صديق"، ابن ناظر المدرسة الأميرية، التي حدثت في أيام مراهقته، ولم يتبق هناك مع مرور الوقت من حلاوة حكيها تلك، على آذان معظم أهل هذه المدينة وألسنتهم، سوى ذلك الاسم، الذي لازمه كعلامة، من بعد مقاومة قصيرة ومحدودة من جانبه، إلى يومنا هذا:

    "مُسيلمة الكذّاب"!!

    كانت شمس منتصف النّهار تشتعل في سماء زرقاء خالية من السّحب. شجرتا النيم تقبعان دون حراك على جانبي مدخل الدار الغارق في السكون. تطلان في موات مطبق على الشارع التّرابي المقفر الشاحب. لكأنهما سقطتا من لوحة رسّام أراد لحظةَ إلهامٍ جنونيٍّ ما تصوير الحياة كما لو أنّها بستان خال من نسيم، أو نفحة هواء.

    ثمة ديك حزين يرتفع صوته من مكانٍ في الجوار. أرض الفناء الملساء الصّلدة من تردد الأقدام، تلتمع بعشرات الشظايا الفضيّة وكذلك الزجاجيّة متناهيّة الصغر. فجأة، علا صوت إحداهن، وهي تتأمّل العالم المحترق خلف النافذتين:

    "صّيف كما الجحيم"!

    بينما الحوائط تواصل اختزان أنفاس الصَّهد، حتّى تنفثه رئة المساء بعد مرور ساعات قليلة، ما كان بوسع أكثر الناس قدرةً على التوقع أن يتنبأ بما قد آل إليه مجلسهن ذاك من حوادث تبدو لي الآن من بعد مرور كل هذه السنوات كما نغمة حزينة أخرى من أنين القوافل البشرية السائرة عبر القرون دونما لحظة توقف واحدة، أو عزاء.

    كذلك، أو كما جرت عادة تلك الأيام و"مشى الروتين"، كن مجتمعات داخل إحدى تلك الغرف الداخليّة من بيتنا ذاك. أمّي التي يقال لها: "باعثة حضارة المدينة من موتها القديم المتقادم في غمضة عين". أختاي الكبريان اللتان سعتا طوال عمرهما إلى السعادة وما مسكتا قطُّ بطرف ردائها إلا لِماما. جارتنا فاطمة الجميلة التي يطلق عليها عبارة "الساقية عادت من النهر دون قطرة ماء" وعانس حسناء على مشارف الخمسين تُدعى:

    "وكالة رويتر المحلية".

    كن صامتات الأغلب إلا هي. ومَن يجرؤ على الحديث هناك دون حذر في حضورها؟ كلمة منها ترفع مقاماً، أو تخفض. لا تكاد تتوقف عن الكلام. مخزونها لا ينفد. كانت من النوع الذي يشد الانتباه بخيوط محكمة من المتعة والسكون وإثارة الأشواق الدفينة. في حديثها دوماً ما يجذب. تعرف متى تصمت؟ كيف تستعين بأصابعها النحيلة أثناء الكلام؟ كيف تبدأ الأنس وتنهي وأين تلقي بالمغزى الكامن داخل الحكاية؟ لكأنني أراها، "الآن"!! كما لون سنابل القمح الناضجة، ذاك لونها. ممشوقة القوام. شعرها أسود ناعم ينسدل إلى أعلى ردفيها بقليل تزينه بعض الخصل البيضاء اللامعة. خصرها لا يزال ضامراً. جسدها عامة مشدود. لها ابتسامة من سحر فلا تدري حقّاً إن كانت تثير داخلك مشاعر الذعر أو المسرة؟ فمها يتخذ أحياناً هيئات الوَدْع حين تُلقيه على الرمل يد العرَّافة. لا تكاد عيناها الواسعتان السوداوان تستقران طويلاً على حال. ولا أحد في مدينتنا الواقعة على ضفاف النيل الأبيض تلك قد يعلم يقيناً متى وأين وكيف محا "اسمُ وكالة رويتر المحليّة" اسمها القديم: جواهر؟

    مازلت أذكر بوضوح تامّ توهج السعادة على وجهها حين يحدث في المدينة أمر ذو بال. أتذكر جيداً طريقتها تلك في الكلام. كما لو أن صوتها فرشاة، تنهل بحذق من ألوان خفيّة، تضرب على لوح لا وجود له ببراعة ودِربة، راسمة عوالم من المتعة والشجون وربما حتى الأمل. أتذكر ذلك وغيره بشيء من حنين طاغ وغامض إلى أحداث تلك الأيام "الفائتة". أتذكر حتى ما ظلّ يُحكى هناك بين الناس عن موت أبويها الثريين في حادث غرق وقع قبل ولادتي بنحو العام. يا للسنوات! لكأنّ كل ذلك قد حدث قبل نحو الساعة. لكنّ أكثر ما قد ظل يشيع الأسى في قلبي من تلك الذكريات ولا أدري لماذا، هو علمي أن "وكالة رويتر المحلية" قد ماتت في منتصف العقد السادس من عمرها دون أن ينعم بستان جمالها الذابل لحظة بالماء المتدفق عبر قناة أحد أولئك الرجال؟

    يتبع:






                  

09-10-2021, 05:28 AM

عبد الحميد البرنس
<aعبد الحميد البرنس
تاريخ التسجيل: 02-14-2005
مجموع المشاركات: 7102

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: مثل نجم أسود في رابعة النهار التقدميّ الو� (Re: عبد الحميد البرنس)

    على غير العادة، أخذ الحاج محمود يشقّ طريقه مبكِّراً إلى المسجد، بعد أن رأى في المنام كلباً أسود يضع في فمه غليوناً أسود يتصاعد منه دخان أسود. كان الحاج محمود جلس فور استيقاظه داخل الفرندة على طرف السرير متصالب الساقين ملفوفاً بالعتمة واضعاً رأسه بين كفيه. وقد أخذ يُقلّب في ذاكرته ما قال ابن سيرين عن الأحلام، وعيناه ترنوان إلى شيء أبعد من العتمة والفناء وذكرى زوجته الراحلة وبناته اللائى تزوجن وغادرنه مع أزواجهن إلى مدن بعيدة. أخيراً، غادر الفراش. وهو عائد من المرحاض وإبريق الماء في يده، أخذ يتمتم: "اللهم اجعله خيراً". ثم ما لبث أن جلس القرفصاء في صدر حوش الديوان وطفق يتوضأ من ذلك الإبريق النحاسيّ القديم بتمهل خالطه وجل وقلبه يحدثه أن كارثة لا قبل للنّاس بها في طريقها عاجلاً أو آجلاً لتقويض سلام "هذه" المدينة الوادعة مرة وإلى الأبد". إلا ماذا قد تعني رؤية كلب أسود، غليون أسود، دخان أسود؟

    "اللهم لا نسألك رد القضاء لكن نسألك اللطف فيه"، تمتم الحاج محمود ملقياً بالأمر كلّه على كاهل الخالق ونهض.

    ما أن فتح باب الحوش وتقدّم في الشارع قليلاً في طريقه لرفع آذان الفجر، تجمد الدم في عروقه وتوقفت أنفاسه. كانت الأرض انشقت قبالته عن كلب أسود، وقف على قائمتيه الخلفيتين، أخذ يتلاوعب للحظة بعينين متقدتين كعيني عاشق لا ينقصه الحياء، قبل أن يمرق في الاتجاه المعاكس بذيل معقوف إلى أعلى. لوهلة اختلط في ذهن الحاج الواقع بالوهم. لم يكن متأكداً في أقواله اللاحقة إن كان الكلب الذي برز قبالته كشيطان يمسك غليوناً أم لا؟ حين التفتَ الحاج أخيراً وقد عادت حواسه للعمل لم يكن ثمة ما يلوح وراءه سوى السكون المخيم على امتداد الشارع المترب. "اللهم اجعله خيراً"، بالكاد خرج صوت الحاج محمود هذه المرة. ومع ذلك، سرعان ما قد هدّأ من روعه وأخذ يغذي الخطى مواصلاً السير قدماً إلى المسجد كما قد يسير أي "مؤمن آخر ورع".

    كانت تقترب من الثالثة.

    ما زال هناك في الوقت متسع للتأمّل والتفكّر في خلق الله الواسع العليم والسير بتؤدة، المصابيح مطفأة داخل المنازل، أعمدة الكهرباء الأسمنتية المتعاقبة أعماها عبث الصبية النهاري، أما القمر في تمامه فيطل خلل السحب السوداء السارية ببطء صوب الشمال، يختفي فتعتم الأشياء آخذة من جديد أشكالها المخيفة الغامضة، "الناس غافلون، الآيات بيِّنات، الحكمة لا يبصرها المبصرون، وهذه ساعة يذكر فيها كثيراً اسم الله الواحد الأحد".

    كذلك واصل الحاج محمود الهمس، مبدداً وحشة الطريق محتسباً بقايا الرؤيا المشئومة، فاركاً مسبحة الصندل الحجازية الدقيقة من آن لآن، مغالباً تلك الدموع الحارقة التي ظلّت تملأ عينيه كلما استشعر في أعماقه عظمة الخالق سبحانه وتعالى، أو تذكر "حتى حينه" أمّ بناته التي رحلت منذ سنوات. فجأة انتبه إلى حركة مريبة أخذت تتناهى إليه لاهثة من وسط كومة الأوساخ المتراكمة عند ناصية سور المدرسة الأميرية الحجريّ القصير.

    لم يخالج الحاج محمود الشك لحظة أن الشياطين تتناسل داخل كومة الأوساخ، "تلك الخرابة والعياذ بالله"، في غفلة من عين الإنسان "حامل الأمانة". مثلما حدث قبيل ذلك مع الكلب الأسود، توقف الحاج على بعد خطوة من بداية "الخرابة" وقال بيقين المؤمن الصادق نفسه: "بسم الله الرحمن الرحيم". "أي شيطان لا يفر إذا ما أطلق عليه اسم الجلالة"؟ ردد الحاج البسملة. لا شيء تغير. بدأ القلق يساوره. "بسم الله الرحمن الرحيم". ظل اللهاث نفسه يتفاقم متناهياً من داخل الخرابة. "لو أن الحاج محمود لحظتها لم يكن هو نفسه المؤذن الرسمي للمسجد الكبير لأطلق العنان لساقيه لا يلوي على شيء آخر خلّفه وراءه". شبحان من خيال العتمة، يلتحمان في وضع غريب ومريب، لكأن القاذورات تحتهما سجادة حرير يتمرغ على نعومتها جسدا عاشقين التقيا بلهفة من بعد طول غياب لم ينقطع خلاله نداء الشوق وظمأ رغبة لا رواء له. كان القمر محتجباً آنئذ وراء سحابة سوداء كثيفة، العرق لا يني يتصبب من جبينه وصدغيه مبللاً لحيته البيضاء المستديرة وقلبه يرتجف داخل صدره كأنف فأر حاصره قط في ركن ضيّق، كان استنفد في تلك الدقيقة كل ما في جُعبته من آيات وأدعية وأحاديث مأثورة "وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ". لا شيء أبداً قد تغير هناك، مع ما ظلّ يتلفظ به تباعاً بوصفه أسلحة المؤمن. ما أن قرر أخيراً مغادرة المكان "بأسرع قدم"، وقد أدرك برعب مدى ضعف إيمانه "الذي لم يصمد طويلاً" إزاء "هذا البلاء الرباني اليسير"، حتى جاء الغيث من السماء "رأساً"، حيث اندلق نور القمر المنير كاشفاً له في ثانية معالم الفصول الدراسية وتضاريس السور الحجري القصير، بل وأدق تفاصيل الشبحين داخل الخرابة، واللذين كادا منذ نحو الدقيقة أن يقلبا نظام العالم القائم في ذهنه رأساً على عقب. رويداً رويداً، أخذ الحاج محمود يفيق من "ذهوله العظيم ذاك". باختصار، بدأ يتنفس الصعداء. وقد وضح له الأمر "الآن" جلياً. إلا أنّه لبث في مكانه لحظات. يلفه الغيظ والغضب والحنق والحيرة والوجوم. وأكثر من ذلك: تخاذل إيمانه في اللحظة الأخيرة! وقد هدأ روعه، عقد الحاج عزمه، فتقدم وسط أكوام أوساخ الخرابة المتلاحمة، شاقاً طريقه كثعلب يقترب بحذر وخفة من حظيرة الحملان. في أحوال أخرى، ما كان له حتى أن يلوث ناظريه بمرأى تلك الخرابة. لقد صمم الحاج!

    كان بين الحاج وبين الشبحين "في منتصف الخرابة" خطوة، حين تبين له وجه الصبي أحمد حسن صديق على نحو شديد الوضوح. "ذلك الفاجر"، قالت "وكالة رويتر المحلية"، ثم رمت نظرة نافذة متناوبة على وجهي أختيَّ جعلت الكبرى تتأمّل أظافرها المطلية حديثاً بينما تغير وجه أمّي قليلاً حالما رأت الأصغر وهي تبادل "وكالة رويتر المحلية" نظرة الند للند بل صعدت إلى حصان جرأتها المعهود لحظة أن مدت عنقها إلى الأمام وقد خيل لي أنها قد تتحول في أي لحظة إلى أذن فيل ضخمة لا محالة. أما جارتنا فاطمة فقد كانت لا تزال هادئة تبتسم بعينيها الجميلتين دون أن تنفك يداها من تهوية وجهها بكتاب: "ألف طريقة وطريقة لصناعة الحلوى ".

    كان نصف الفاسق "أحمد حسن صديق" الأسفل ذاك عارياً إلا من سرواله الساقط عند كاحليه، جلبابه متكوّم بين الصدر والعنق، عيناه شاخصتان في البعيد، بينما ينغرس فكه في الظهر المائل لحمارة أمينة الفرَّاشة التي أغمضت عينيها نصف راقدة مرخية أذنيها الكبيرتين، وقد راحت تلوك شيئاً ما ببطء وتمهل أثارا على ضوء القمر المنير وزادا من غضب الحاج محمود الذي سبق له أن وطأ في أثناء سيره الحذر داخل كومة الأوساخ المتراكمة على "جثة فأر متفسخة". لقد بدا إجمالاً كأن الحمارة تعودت على مثل تلك الممارسة الاستثنائية "الشاذّة"!

    كانت المنازل الساجية الموغلة في سباتها العميق قبالة سور المدرسة الأميرية شاهدة عيان، أوصدت الشماتة والخوف والدهشة آذانها، فبدت غير عابئة بضربات المسبحة المتساقطة على رأس أحمد حسن صديق الذي انتزع نفسه وجذب السروال وأسدل الجلباب في ثانية متقهقراً نحو السور بما قد تبقى له من عقل. لكأن الحمارة التي لا تزال محافظة يا للعجب على هدوئها ذاك، لم تسمع بدورها كل ذلك النداء الخافت المستغيث الحار: "الستر.. الستر الستر.. يا مولانا.. وربَّ الكعبة الشريفة.. لم أفعل هذا الفجور بيدي.. لا لا.. لم أرتكب.. يا مولانا.. هذا المنكر الشنيع بمزاجي.. يشهد الله أنني كنت في عز نومي.. عندما خطفني الشيطان من سريري خطفاً.. ثم.. ثم أحضرني إلى هنا محمولاً على قرنه السابع". حالما أنهى أحمد حسن صديق بشق الأنفس مرافعته الدامعة المنكسرة حدَّ اللوعة والرثاء، زفرتْ الحمارة، وبدا أن الحاج محمود، الذي أنساه هول ما رأى أن يؤذن لصلاة الفجر في ذلك اليوم، قد وجد في داخل كومة الأوساخ متسعاً للحوار، فأخذ يتفكر مليئاً في وجه المراهق الملتصق بظهره إلى سور المدرسة الأميرية الحجري القصير بينما أخذ صوت الديكة ينطلق من أكثر من مكان قائلاً: "لماذا إذن يا ابن الناظر التربوي الرشيد نفسه! لم يكن ذلك القرن من رأس الشيطان قرنه الرابع؟ أو الخامس حتى؟ لماذا قرنه السابع تحديداً؟ وإذا كان للشيطان كما نعلم منذ فجر الخليقة مائة رأس بالتمام والكمال، فإلى أي الرءوس كان ينتمي القرن الذي حملك من سريرك يا فاسق إلى حمارة أمينة الفرَّاشة هذه؟ أيها الفاجر، لماذا تصمت هكذا؟ ها أنت إذن تكذب أيضاً، خذ هذه، وقسما بالله العظيم ثلاثاً، لأنت سيد الفحش كله، لا لا، أنت الشيطان ذاته وقد اتخذ هيئة إنسان داعر، لا، بل ... أنت مُسيلمة الكذّاب شخصيّاً". كان في إمكان هذا الحوار أن يستمر هكذا سجالاً ما بين كر وفر من غير انقطاع إلى ما بعد بزوغ الشمس، وربما حتى "قيام الساعة نفسها"، خاصّة في ظلّ وجود مثل تلك الروايات التي تزعم بوجود نحو المائتي قرن للشيطان، لو لا أن فطن ابن الناظر الذي دأب على ركل عجيزة الحمارة بقدمه خفية من آن لآن إلى مراجعة موقفه الحرج أخيراً، فأطلق العنان لساقيه الخفيفتين كساقي جواد، تاركاً وراءه الحاج محمود وسط نهيق الحمارة الذي علا على حين غرة، ثم.. وبعد أن انغمسن في الصمت لدقائق، مضت "وكالة رويتر المحلية" بالحكاية القديمة نفسها باعثة نسمة أخرى من الضحك في خلايا ذلك النهار الذي بدا لغيظه بلا نهاية قائلة: "يا بنات أمي! سعيدة حقاً.. مَن تتزوج بمُسيلمة الكضّاب. لو طلبني أنا شخصياً للزواج لوضعت ثوبي بين أسناني وركضت نحوه بلا تردد. لا تتضاحكن هكذا... ها ها ها.. لابد أن مَن يفعل ذلك مع حمارة لديه مثل ما لدى الحمار"!

    يتبع:
                  

09-10-2021, 10:13 AM

النذير بيرو

تاريخ التسجيل: 08-08-2004
مجموع المشاركات: 378

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: مثل نجم أسود في رابعة النهار التقدميّ الو� (Re: عبد الحميد البرنس)

    البرنس
    اقرا لك الآن باندياح...ياصديقي
    كل مفردة تطرز فيني خيط الأمكنة
    واصل..
    في انتظار كتابتك الرائعة.
    النذير
                  

09-10-2021, 11:34 AM

ابو جهينة
<aابو جهينة
تاريخ التسجيل: 05-20-2003
مجموع المشاركات: 21794

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: مثل نجم أسود في رابعة النهار التقدميّ الو� (Re: النذير بيرو)

    تحياتي اخي البرنس

    متابعة
    واصل
                  

09-10-2021, 03:08 PM

osama elkhawad
<aosama elkhawad
تاريخ التسجيل: 12-31-2002
مجموع المشاركات: 16583

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: مثل نجم أسود في رابعة النهار التقدميّ الو� (Re: ابو جهينة)

    Quote: "اللهم لا نسألك رد القضاء لكن نسألك اللطف فيه"، تمتم الحاج محمود ملقياً بالأمر كلّه على كاهل الخالق ونهض.

    شكرا برنس على الالق الابداعي.

    العبارة اعلاه رائعة، لكن افسدها "الشرح"..

    اقترح حذف الدعاء نفسه، وان تكون العبارة مثلا:

    تمتم الحاج محمود بكلمات تلقي الامر كله على كاهل الخالق، ونهض.
    أو
    تمتم الحاج محمود بكلمات ليلقي الامر كله على كاهل الخالق ، ونهض.
                  

09-10-2021, 09:44 PM

عبد الحميد البرنس
<aعبد الحميد البرنس
تاريخ التسجيل: 02-14-2005
مجموع المشاركات: 7102

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: مثل نجم أسود في رابعة النهار التقدميّ الو� (Re: النذير بيرو)

    الصديق العزيز النذير: أسعد الله أوقاتك بكل خير كما أسعدتنا مع أمل في مواصلة قراءة هذا النص حتى النهاية.



    كانت ذرات الغبار الدقيقة لا تزال تمرح سابحة بتراخ على امتداد شريط الشمس العريض المتساقط عبر إحدى النافذتين. كن يرقبن ذلك الشريط كما لو أنّه مرآة الآتي المغبرة في وقت واحد هكذا دونما سابق اتفاق راسمات على وجوههن بدرجات متفاوتة ذلك التعبير الأنثوي الحالم بحياة تكاد تخلو من متاعب، وكان ثمة سرب من الذباب يتنقل في كسل بين أكواب الشاي الفارغة أعلى طبلية الخشب وأطرافهن شبه العارية في لهيب ذلك النهار، وبدا بالفعل أن مثل تلك الحكايات القديمة لم يعد يحمل جديداً، حين بدأن في الاستغفار والتثاؤب تباعاً. عندئذ، ألقت "وكالة رويتر المحلية" بصوت ناعس لا يثير ريبة ما حرَّك بِركة الأنس الراكدة منذ فترة قائلة:

    "مَن مطربكن المفضل"؟

    لو علمن لحظتها ما يتبع سؤال وكالة رويتر المحلية هذا، لاعتصمن بحبل الصمت المتين إلى الأبد، بل لما ألقت السائلة أصلاً ما ألقت، لا بل لتبدلت مصائر إلى غير ما قد ذهبت إليه أقدام صويحباتها طواعية من شقاء، أو بؤس. ولست أدري حقاً يا أصدقائي إن كان ذلك ما يدعونه "الفخ"، أم سعي الضحية إلى حتفها راضية؟

    تحولت الأنظار إلى الجارة فاطمة، أو مَن كانت تدعى "الساقية عادت من النهر دون قطرة ماء"، آن استقر شريط الشمس المنسحب عند قاعدة النافذة. وكانت فاطمة لا تزال تقلب صفحات ذلك الكتاب الذي درجت على أن تجلبه معها كلما أقبلت لزيارتنا في تلك الآونة. وقد أخذ يرتسم على طرف فمها الأيمن طيف ابتسامة زاد من ألق عينيها الجميلتين اللتين رفعتهما فجأة نحو السقف، ثم ما لبثت أن عادت ماسحة وجوههن القلقة المترقبة بنفاد صبر بنظرة نصف مروحية بطيئة، قبل أن تنكفيء ثانية على كتاب "ألف طريقة وطريقة لصناعة الحلوى". لقد بدا جليّاً أنّها تعمل على تأجيج نار الانتظار الذي بدا بلا طائل. وكن قد فطن تباعاً إلى صمتها الملغز الممتد فيما بدا بلا نهاية، حين فرغن من إجاباتهن المتدافعة تلك على سؤال الوكالة، وشرعن في التطلع إليها، متوقعات بنفاد الصبر نفسه أن تُلقي إليهن باسم مطرب آخر، ربما كي تكتمل دائرة المقارنة الأنثوية القاتلة، ربما ليأخذ الحديث مجرى مختلفاً، أو لربما ليفتحن باباً آخر قد يُفضي إلى خارج أتون الحرارة الذي لا يُحتمل.

    كانت أمي لا تزال تتفرس في وجه فاطمة محاولة جهدها أن تحذر ما قد يدور "اللحظة" في خلد جارتها وفمها فاغر عن آخره وعيناها مليئتان بالعجز والخوف والفزع من عودة تلك الهواجس المنسيّة في تباعدها ذاك مجدداً، وقد تراقصت في ذاكرتها مرة واحدة عفاريت هالة المجد الكاذبة، التي أحاطت برفيقة طفولتها وصباها فاطمة هذه في زمان ودت أمّي دوماً أن يتلاشى من ذاكرتها بلا رجعة. رغم أن كل ما حدث لم يسفر في النهاية سوى عن اسم لا ترغب أمّي في شرائه "في مقابل حتى لا شيء": "الساقية عادت من النهر دون قطرة ماء"!

    حين رفعت فاطمة رأسها أخيراً بدا في اللحظة عينها ربما لكثافة صمتها وكأن لا وجود هناك لوكالة رويتر المحلية!

    كانت تلقي وقتها بخطاب "طلائع المدينة الثوريّ في الحضور "المشلّ" للسادة الرئيس الجمهورية الرهيب المهيب كجبل". كانت فاطمة في نحو الثالثة عشرة من عمرها. ما لبث أن مال "السادة الرئيس السابق هذا شخصياً" برأسه أسفل الخيمة المنصوبة خلال زيارته الأولى واليتيمة تلك إلى المدينة نحو وزير "الموارد البشرية" الجالس آنذاك إلى يمينه كمن يتأهب لدخول المرحاض. ما أن همس السادة الرئيس في أذن وزيره، رحلت علامات الملل والشعور المتزايد ذاك بالرغبة في مغادرة المكان عن وجه الأخير، وشرع ينصت كوزير "عزب" لخطاب الحسناء اليافعة، حالماً تارة مُبدياً إعجابه عبر إيماءات تارة أخرى، وإن بدا الوزير في المجمل وهو ينظر إلى الصبية وفق ذلك النحو كمزارع يمعن النظر في أرض بكر إذا ما عُهد بها للرعاية و"السقاية الجيّدة" ستنبت الكثير من الثمار الطيبة. لتنطلق فور انقضاء "مهرجان الخطباء الأحمر" مباشرة إشاعة في المدينة يقال حسب شهود عيان تلك الواقعة إن مصدرها المحافظ الأسبق نفسه تفيد أن الرئيس "قرر في لحظة إلهام رئاسي رصين تزويج فاطمة" بعد "مرور نحو العامين" على "أكثر تقدير" لوزيره "الشاب الأعزب الوسيم". الجميع أخذ يتذكر كيف ازدحم بيت والدي فاطمة على إثر ذلك بأرباب المطالب وأصحاب الالتماسات الخاصة. كان من بينهم حتى مَن تمنَّى مشاركة السادة الرئيس الجمهورية نفسه على "طعامه ذاك الطعام الأكثر ثورية ومجداً في العالم قاطبة".

    كانت الشائعة قد أخذت شكل "التصديق العمليّ بالفعل"، لما بدأ يتقاطر على الصبيّة فاطمة في تلك الأيام من مختلف أصقاع المدينة هدايا مجهولة المصدر الأغلب. قال بعض حاملي تلك الهدايا إنها مجرد تعبير بسيط عن حبّ المدينة وتقديرها الخاصّ لابنتها "الواعدة". كان الأمر من الجدية أن قام المحافظ نفسه بتعيين حراسة خاصة ظلت ترافق "الصبية" أينما حلت. كاد ذلك كله أن يرمي بأتراب الصبية من أمثال أمّي في هوة من ظلام الغيظ أو الغيرة. الأكثر مرارة من رواسب تلك الأيام أن فاطمة قد توقفت "كزوجة مرتقبة في بلاط الوزارة" عن تحية أقرانها "ناهيك عن اللعب معهن كما ظلّ يحدث في الماضي". كانت ترد على مكائدهن "الصغيرة" بكلمات سلبت لبّ الكبار أنفسهم قائلة من داخل تلك الهالة المهيبة للسلطة: "قل لهم إن فاطمة الزوجة المستقبلية لعناية وزير السادة الرئيس مشغولة الآن بمشكلات تخصّ الدولة شخصياً". ذلك ما كان من أمر الأمس. لم يدر في ذهن أكثر الناس مقدرة على التخيل بعد ذلك أن ينتهي بها المطاف كزوجة لصلاح "بتاع الدكان الرجعي". لقد وُئد حلم فاطمة حسب شهود عيان لحظة الانقلاب العسكري الذي أطاح بعالم ذلك الرئيس في ظرف أقلّ من عام من نهاية ذلك المهرجان. وإن لم تغادر الصبيّة فاطمة، حتى الممات، نزعةُ التميز ذاك والشعور بالتفوق على الرغم من ضيق ذات اليد وقصر الوسائل. النتيجة أن فاطمة "الساقية عادت من النهر دون قطرة ماء" غدت متخمة تماماً بتطلعات نساء الطبقة الوسطى تلك الأيام، بدءاً من اقتناء الثلاجة "كولدير"، مروراً بالنظر إلى عامة النّاس من "علوٍّ جدُّ شاهق"، وانتهاء إلى مُناصرة ودعم جمعية "رائدات نهضة المرأة الحديثة".


    يتبع:
                  

09-12-2021, 07:42 AM

عبد الحميد البرنس
<aعبد الحميد البرنس
تاريخ التسجيل: 02-14-2005
مجموع المشاركات: 7102

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: مثل نجم أسود في رابعة النهار التقدميّ الو� (Re: عبد الحميد البرنس)

    نور البوست بحضوركم الكريم عزيزنا أبا جهينة


    قبالة أمي والآنسة "وكالة رويتر المحلية "، عند طرف السرير الموازي للحائط الخالي من النوافذ، وبينما فاطمة التي توسطت مجلسهن توشك أن تتكلم بالعبارة "ذات الدفع الرباعي الماحقة تلك"؛ كانت أختي الأصغر تحولت بالفعل إلى أذن فيل، وهي تعلن بظهرها المشدود وصدرها اليافع المندفع عن حرصها على متابعة أمر لا ترغب أن يفوتها منه شيء. لقد كانت الشقيقة نفسها، التي سأراها بعد مرور نحو الخمسين عاماً، تعظ النساء في أحياء المدينة، قائلة عند ختام كل خطبة وموعظة: "كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فانٍ. وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإكْرَامِ".

    كانت أختي الكبرى القابعة عند الطرف الآخر تجاهد في اللحظة نفسها ما أمكن لطرد ذبابة خضراء لم تنفك طوال تلك الدقائق من الطنين حول رأسها والسير على صفحة وجهها كلما سكنت. "مطربي المفضل هو الموسيقار عثمان حسين"، قالت فاطمة أخيراً أخيراً بفخامة. تهللت إثر ذلك لسبب يعلمنه جيداً أسارير "وكالة رويتر المحلية"، في حين هبط على إناث الأسرة صمت قاتل أمكن خلاله سماع صوت دبيب أقدام نظرات الحسد الخافتة. ما أن عادت أمّي إلى رشدها قليلاً، حتى أخذت تفكر في كلمة "موسيقار"، ككلمة لغرابتها بدت لها للوهلة الأولى عصّية على النطق تماماً، لكنَّ صوت الجارة فاطمة ما لبث أن هوى بغتة من شاهق، مزعزعاً بقسوة هذه المرة يقين الإجابات السابقة، كاشفاً عن سعة إطلاعها "الدقيق" على ما يستجد من أحداث داخل ما كان يحلو لها أن تدعوه في كثير من الأحيان وقليل من الرأفة: "عاصمة دولة جمهورية السودان الديمقراطية"، قائلاً:

    "أحبّه لأنّه مطرب طلاب جامعة الخرطوم المفضّل"!

    كان الناس في تلك المدينة ينظرون إلى هؤلاء بوصفهم "ملائكة علوم الدنيا"، على حد تعبير ناظر المدرسة الأميرية، الذي تغيرت معاملته تجاه أمينة الفرَّاشة بعد أن التحق ابن شقيقتها بكلية التربية من نفس الجامعة، متناسياً بذلك وصمة العار التي أدركت ابنه "بسبب حمارتها هي" على وجه الخصوص، وإن لم يتزحزح الناظر قيد أنملة "نكاية في الحاج محمود" كما يروج البعض عن اعتقاده أن ما حدث "كان حتماً وراءه قرن الشيطان السابع".

    كان لوجود أسماء غريبة، مثل "هارفارد" و "السوربون" و "موسكو" و "أكسفورد"، على "يافطات" معلقة أعلى مداخل عيادات الأطباء الخارجية، سبب كاف لزعزعة ثقة المريض وإثارة مخاوفه الأبدية التي لا تأخذ في الهدوء إلا بعد قراءة اسم "جامعة الخرطوم" على يافطة العيادة. لقدا بدا الأمر في أحيان كثيرة كما لو أن الناس يرون خلف تلك الأسماء الأجنبية "مجهولة الأصل والنسب" حانوتياً لا طبيباً وأنه سيعمل عاجلاً أو آجلاً على توصيلهم إلى دار الفناء عند أقرب لمسة على موضع الداء. كان دخول طالب في تلك الأيام إلى "جامعة الخرطوم" بمثابة "الضمان العقاري" لأن يبدأ أهله في الاستدانة من أقرب بنك طوال سنوات دراسته الجامعية. باختصار، تكهرب الجو في الحجرة. لا نأمة هناك. لقد بدا من العسير تماماً على أمّي أن تمضي حتى نهاية الشوط وهي تخفي استياءها ذاك من اختيار أختيَّ لمطربين شعبيين رغم كونهما في "مقام" ابنة فاطمة الوحيدة: "أمل"!!

    ذلك ما يدعونه بكلمة: الخذلان.

    وتثاءبت "وكالة رويتر المحلية".

    ما لبثت فاطمة تتابع قراءة شيء ما من كتاب "ألف طريقة وطريقة لصناعة الحلوى". لكأنها لم تدرك قوة الزلزال الذي أحدثته كلماتها في نفوس "إناث الأسرة" اللائى أخذن ينظرن في اتجاهات الصمت المختلفة كما طائر ذبيح ذي ست أعين وثلاث رؤوس وهم واحد. لكل بداية نهاية. وقد تناهى صوتا "وكالة رويتر المحلية" وفاطمة طالبين الإذن بالانصراف في وقت واحد إلى آذان أمّي التي كانت قد وضعت رأسها منذ نحو الدقيقة ما بين كفيها وراحت تنظر في شرود إلى ما فوق طبلية الخشب القصيرة. هنا رمقتْ أمّي أختيَّ بنظرة معاتبة. ثم نهضت بدورها لكن بمثل تلك الابتسامة الشائخة لامرأة في الثلاثين. وشيعتهما وهي تودعهما إلى باب الحوش ومن هناك عادت بخطى أثقلها الصمت و"نذر الكارثة الدانية". لقد بدا ذهنها في تلك اللحظة منصرفاً إلى مكان بعيد لا يعلم إلا الله متى تعود منه؟ ولم تظفر أختاي ولو بكلمة منها طوال اليومين اللذين أعقبا ذلك المجلس.

    لقد بدا الأمر برمته خارج حدود الاحتمال أو التصور. أجل، ثمة شيء حزين أخذ حالاً يلوح في "الأفق القريب". شيء قد يجبر المرء على السير عبر دهليز النيران الذي لا يحتمل. قبل مغادرتها المجلس بوجه طافح فيما بدا لعيني أمّي بالغنائم و"الأسرار والأخبار الطازجة المثيرة"، أثنت "وكالة رويتر المحلية" بدهاءِ "ناقلة أخبار عملاقة تمخر عباب محيط النميمة" على ما أسمته "ذكاء فاطمة جارتكم الرهيب"، مؤكدة "في الحقيقة" أن "مطرب فاطمة المفضل قد خطف حقاً قلوب بنات العاصمة الراقيات"، والجارة فاطمة لم تصدق خبراً. وضعتْ رِجلاً على رِجل، ورويداً رويداً، شرعت في الانتفاخ مثل قاموس خال تماماً من كلمة "تواضع"، زارعة بمثل ذلك السلوك الذي لا يغتفر البذورَ الأولى لما قد سيقلب هدوء المدينة الصغيرة الوادعة رأساً على عقب، ولا رحمة.


    يتبع:
                  

09-12-2021, 09:48 PM

عبد الحميد البرنس
<aعبد الحميد البرنس
تاريخ التسجيل: 02-14-2005
مجموع المشاركات: 7102

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: مثل نجم أسود في رابعة النهار التقدميّ الو� (Re: عبد الحميد البرنس)

    أشكرك كثيراً شاعرنا الكبير المشاء:

    ومع أنني أميل هنا إلى مقترحك الأول ربما مع بعض التعديل الطفيف على مستوى الصياعة، إلا أننا في كثير من الأحيان نبحث عن قصور ما في بنية النص دون التركيز على ما أسميه "الحذف الرحيم". خير الكلام ما قلّ ودلّ!



    كانت الأسرة استقرت في بيت جَدتي لأمّي المغلق منذ وفاتها قبل نحو ثلاث سنوات، والتي كانت تؤجر بعض الغرف المنفصلة داخل الحوش هنا وهناك والمُلحق بها صالات صغيرة لغرباء عن المدينة بعائلات صغيرة، هرباً "رغم ما قد يصدر عنها أحياناً من قسوة" من وحدة سنواتها الأخيرة التي لا تحتمل. كانت جدتي هذه كما تردد أمّي "طيبة إلى درجة أن يسرق أحدهم اللقمة من داخل فمها دون أن تلاحظ ما يحدث". على أن جدتي هذه نفسها كانت على استعداد أن تدفع بأي مستأجر "إلى بطن أمّه" إذا ما قد عجز يوماً واحداً فقط لا أكثر عن دفع الإيجار الشهري. ولم يكن أي مستأجر من بين هؤلاء يرغب على أي حال في سماع عبارتها المزلزلة تلك للمرة الثانية: "تعلمون أن بيتي هذا ليس ملجأ لأيتام بشوارب". آنذاك قرر والداي هذه الخطوة، خطوة الاستقرار في بيت جدتي هذا، من بعد أن تقدمت أختاي في مدارج التعليم قليلاً وصار لزاماً على الوالدين أن يُلحقا شقيقتيَّ هاتين بالمدارس "الثانوية العامة" في المدينة، على أن يبتعث أبي كما ظلّت أمي تردد في بعض الأمسيات أمام عدد من الجارات ضاحكة "حياة عزوبيته" كمفتش زراعي من "الطبقة الثالثة". على أي حال، خلال إجازاته السنوية، وأحياناً عبر زياراته القصيرة المتباعدة، لم يكن أبي يهتم في كثير أو قليل بالمدينة و"مغرياتها تلك"، اللهم إلا اهتمامه ذاك المتزايد بشيء واحد مثير حد الدهشة، أو التأمّل، أو حتى الحيرة: "التلفاز"!

    كان يجلس قبالته منصباً عليه بكلياته، وقد أخذ عليه مجامع نفسه، منذ بدء الإرسال في تمام السادسة مساء، وحتى موعد نهاية "بثه" قبل منتصف الليل بساعة، وإن لم يتوصل أبي إلا بعد مرور وقت طويل وعلى نحو ضبابي إلى وجود ذلك المنطق الذي اتخذ بواسطته التلفاز هيئةَ "الصندوق السحري"، الذي "يبلع العالم كله داخله".

    كان يقول بالحكمة الممنوحة لإنسان الريف الذي أخذت تتبلور لديه معرفة معقولة "للأسف، لا يوجد لدينا في المدينة سوى تلفزيونات بعدد أصابع الإنسان الواحد، ولو علم الناس ما في التلفزيون من متعة، لقاتل بعضهم البعض عليه بالفوءوس، أو الحراب. أما العامة الجهلة فلا متنفس لهم غير أفخاذ النساء. مُتع الحياة كثيرة في هذا العالم وعلى رأسها التلفزيون لو يعلمون". لحظة أن يستبد به الحماس أكثر، كان أبي يلجأ إلى نوع من "الهرطقة الدينية الواضحة"، على حد تعبير الحاج محمود، قائلاً: "لا بدّ أن الله سيُدخل مخترع التلفزيون هذا إلى جنة عرضها السماوات والأرض". ما كان يدهش أبي حقاً، ليس فقط زرع بعض الناس داخل "هذا التلفزيون"، بل "لقد قاموا بحشر مدائن هائلة داخله وكذلك مسيرات مليونية تطالب بأشياء مهمة مثل تخفيض أسعار الخبز والبنزين ومعارك تمت في بلاد ما وراء البحار وكل ذلك في حدود شاشته الفضية الصغيرة. يا للعجب"!

    كان ذلك يثير غيظ أمّي المنفتحة على العالم المحسوس. وكثيرة هي الألقاب والعبارات التي منحتها "وكالة رويتر المحلية" هنا لأبي. منها "مدمن أفيون الشاشة الفضيّة الذي لا يحادث ضيفاً". وهي الألقاب والعبارات التي تمّ محوها لاحقاً بلقب آخر ظلّ ملتصقاً به حتى الممات: "أبو العطور الحضارية الراقية من دون أي شفقة"!



    يتبع:
                  

09-12-2021, 09:53 PM

ابو جهينة
<aابو جهينة
تاريخ التسجيل: 05-20-2003
مجموع المشاركات: 21794

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: مثل نجم أسود في رابعة النهار التقدميّ الو� (Re: عبد الحميد البرنس)

    صديقي البرنس

    متعك الله بالعافية

    القراءة لك متعة
    والسباحة بين طيات الامكنة المذكورة تحملني الى امكنة ترقد في قاع المخيخ

    *

    ما زال هناك في الوقت متسع للتأمّل والتفكّر في خلق الله الواسع العليم والسير بتؤدة، المصابيح مطفأة داخل المنازل، أعمدة الكهرباء الأسمنتية المتعاقبة أعماها عبث الصبية النهاري، أما القمر في تمامه فيطل خلل السحب السوداء السارية ببطء صوب الشمال، يختفي فتعتم الأشياء آخذة من جديد أشكالها المخيفة الغامضة، "الناس غافلون، الآيات بيِّنات، الحكمة لا يبصرها المبصرون، وهذه ساعة يذكر فيها كثيراً اسم الله الواحد الأحد".

    *
    بورتريه منقوش في قاع الذاكرة

    دمتم
    واصل
                  

09-14-2021, 09:56 PM

عبد الحميد البرنس
<aعبد الحميد البرنس
تاريخ التسجيل: 02-14-2005
مجموع المشاركات: 7102

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: مثل نجم أسود في رابعة النهار التقدميّ الو� (Re: ابو جهينة)

    حياكم الله صديقنا المبدع القدير أبا جهينة. أرجو أن ترى تلك الأمكنة طريقها من قاع المخيخ إلى فضاء النشر والمشاركة. أشكرك كثيراً على الدعم والمساندة لهذا النص، وهو نص أخذت أكتبه على مدار عشرين عاماً أو يزيد. وقد نشر عند مطلع الألفية هذه لأول مرة ضمن مجموعتي الأولى "تداعيات في بلاد بعيدة". لا أكتمك أنني كنت أبحث وقتها عن مشروعية الاعتراف كسارد أو قاص من خلال النصوص القصصية بالغة التكثيف. وكان عليَّ أن أكتب نصاً مطوّلاً كهذا ربما حتى أعكس عمليّاً موقفي أن العزوف عن كتابة النصوص المطوّلة ليس عجزاً بل رؤية مختلفة وغير مجانية.


    ما أحزن أمّي، ما أقضَّ مضجعها، ما جعلها تتأمّل طويلاً في جملة أشياء غير متوقعة مثل "خذلان أقرب الأقربين الذي لا يحتمل"، بل دفعها إلى التفكير عميقاً طوال الأيام الثلاثة التي أعقبت ذلك المجلس في وسيلة مثلى للانتقام من جارتها "المُدعية.. فاطمة.. زوجة صلاح بتاع الدكان الرجعي.. صاحب العينين الضيقتين اللتين تشبهان فرج السحلية"، وفي السمو في الوقت نفسه "بوعي هاتين البنتين المنحط كما عتبة عند مدخل سوق للماشيّة مهيأة هكذا للوطء والبصق"؛ أن ما اعتبرته "فضيحة حضارية كبرى" لا تليق أبداً بسمعة "عائلة كريمة" يُعتبر أحد مؤسسيها أول من بنى بيتاً من "الطوب الأحمر" في المدينة وأول من حلف بالطلاق على ركّاب قطار الرابعة صباحاً لتناول وجبة الفطور في مطاعم المحطة الثلاثة على حسابه قبل أن يستأنفوا رحلتهم و"أول من ركب عربة بعد الحاكم العام البريطاني" وأول "مواطن ثري اعتبر أن حمل النقود داخل الجيوب نقيصة لا تليق سوى بالرجرجة والدهماء".. أن ما اعتبرته "فضيحة حضارية كبرى"، ما اعتبرته كذلك إلا لأنّه قد وقع "باختصار شديد" تحت سمع وبصر "هذه الوليّة الداهية كما ثعلب قنّ الدجاج المسماة وكالة رويتر المحلية. أنت تعلم (أيها الزوج) ما يمكن أن يقوم به هذا الراديو الذي يأكل ويشرب ويتنفس بيننا". وهذا أمر، "أمر هذه الفضيحة الحضارية"، قد "لا يُبشّر بالخير بالنسبة لمستقبل زواج البنتين في مدينة بها عدد لا يستهان به "أبداً" من طلاب جامعة الخرطوم الأذكياء، الأذكياء كما لو أنّهم السحرة ذات أنفسهم أيام سيدنا موسى عليه السلام".

    أملَتْ أمّي مخاوفها تلك إلى أبي في رسالة بعثت بها عاجلاً، معربة خلالها إلى جانب ذلك عن "عميق أسفي الشديد جداً ثم جداً فجداً لهبوط الذوق الحضاري لأفراد أسرتنا هذه نتيجة النزوح معك يا سيادة المفتش الزراعي الثالث ما بين النجوع والكفور والقرى النائية طبعاً، أو يقيناً الأرياف"، كاشفة بعبارات غامضة كأنها تخشى من وقوع الرسالة في يد "عدو لدود كما جارتنا إيّاها" عن "خططي السرية الدائمة تلك لتدارك ما قد يمكن تداركه في أسرع وقت ممكن وغير ممكن على حد سواء. أنت تعلم ماذا يحدث إذا تعلّق قلب المؤمن بالثُرَيَّا، أيها الزوج".

    لا بدّ أن في أعماقها نزعة شكسبيرية ظلت حبيسة لعقود فأفرج عنها مسار "تلك الفضيحة الحضارية"، حين ختمت رسالتها تلك إلى أبي بكلمات جدُّ قاطعة مازالت أحرفها المضغوطة على الورق تتراقص أمام عينيّ حتى هذه اللحظة: "لقد أصبحت الحكاية بالنسبة لوجودنا في المدينة هذه مسألة حياة، أو موت. نكون، أو لا نكون"!!

    في سعيها المحموم ذاك لتغيير ملامح الصورة العائلية مرة وإلى الأبد، لم تكتفِ أمّي قطُّ بتقريع وتوبيخ وتأنيب أختيَّ الكبريين على سوء اختيارهن "بفصاحةِ جاهلٍ "لمطربين "شعبيين"، تماماً كما لو أنّ لهما عقل "هاته المرأة التي قدمت لأول مرة من الريف إلى المدينة لمقايضة حفنة من الثلج في مقابل ثلاث زجاجات من السمن والعودة إلى قريتها بالدواب مسيرة ما تبقى من نهار ذلك الصيف من دون أن تضع في الاعتبار ولو للحظة واحدة قابلية الثلج المختزن أسفل متاعها على الذوبان".. لا لم تقنع بكل ذلك وغيره، وقد شرعت هي نفسها في إعلان رأيها ذاك "الشخصي الخاصّ جداً ثم جداً فجداً"، زاعمة بقوة الكذب الممنوحة فقط لسياسي لا ينفك يؤكد أنّه يصلي في المسجد الأقصى كل ليلة وقد كان عليه أن يستميل دائرة واسعة من المتدينيين أن مطربها المفضل لم يكن "في يوم من أيام الله السبعةِ بالتمام والكمال" سوى "مغني الروك إن رول" ذلك "المدعو بين وجهاء القوم في أوربا وأميركا وكندا وحتى سادة اليابان في المشرق الأقصى" باسم الفيس بريسلي. لقد مَثَّلَ هذا الادعاء وحده سبباً كافياً تماماً لتدمير سمعة جارتنا فاطمة كمثقفة "إقليمية"، بالضربة "القاضية"، حتى أخذت تتكوّن لها في الذاكرة الجماعيّة للمدينة صورة أخرى أكثر ما تكون شبهاً بقطعة منسيّة أسفل تراكم طبقات الزمن من حضارة بادت منذ ألف عام. وقد لاحظ البعض تلك الأيام أن التلاعب باللغة غدا الملجأ الأخير لقارئة كتاب "ألف طريقة وطريقة لصناعة الحلوى"، أمام عجزها المتزايد ذاك عن "مواكبة التطورات". من ذلك، ظلّت فاطمة تؤكد في دعاية مضادة، وهي تقلل من شأن المعارف الجديدة لغريمتها، أن أمّي "محدثة النعمة الحضارية" التي هبطت عليها "بين يوم وليلة" لا تستطيع التحدث بطلاقة، إلا في أوساط جمهور "أغلبه من الأميّات، اللائى، وا... أسفاه، لا يعرفن حتى ذلك الفرق الواضح... ما بين البوظة التركية والآيس كريم الألماني".


    يتبع:
                  

09-15-2021, 09:54 PM

عبد الحميد البرنس
<aعبد الحميد البرنس
تاريخ التسجيل: 02-14-2005
مجموع المشاركات: 7102

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: مثل نجم أسود في رابعة النهار التقدميّ الو� (Re: عبد الحميد البرنس)

    بعد طول قطيعة، وصلت خلالها العلاقة بين الجارتين إلى طريق اللاعودة، استجابت فاطمة ضحى ذلك اليوم لدعوة أمي لحضور حفل عيد ميلاد أختي الكبرى التاسع عشر، حيث كان في انتظار فاطمة وهي تفتح باب الحوش الخارجي لبيتها "في شرود تلك الأيام" مفاجأة أن تمحو غريمتها "التاريخية" ما قد جرى "هكذا"، بكل بساطة. ما يؤلم أكثر لا المحو في حد ذاته. بل فقدان فاطمة منذ بعض الوقت لزمام المبادرة. فقدانها للزمام هي نفسها صاحبة ذكريات الصبا "الواعد". أجل، "قل لهم إنّ فاطمة مشغولة بحلّ مشكلات تخصّ الدولة "شخصيّاً".

    "يا للجرأة إذن والصفاقة وقوة عين هذه الزائرة"!

    كذلك، مكرهة، سمحتْ فاطمة لأمّي بالقعود داخل الفرندة إلى يسار الثلاجة كولدير، على المقعد نفسه الذي سيشهد مأساة فاطمة مع زوجها صلاح. "تفضلي هنا يا جارة". ولبثت فاطمة ساكنة، في وقفتها تلك قبالة أمّي إلى اليسار قليلاً، تماماً مثلما قد ستقف عند بداية تلك الماسأة قبالة زوجها صلاح "بتاع الدكان الرجعي المثقل منذ مدة برهق "السباق الحضاري"، من قبل أن تعود لنفسها وتحضر مقعداً آخر، وتجلس أخيراً هكذا غير بعيد مترقبة وناظرة إلى أمّي في برود قاتل. تماماً كما لو أنّ فاطمة تتساءل عهدها القديم ذاك في قرارة نفسها، قائلة:

    "ما الذي ألقى إذن بالأفعى السّامّة إلى بيتي"؟

    امتصّت أمّي كل ذلك، وهي تستعيد من ذهنها مقاطع كاملة من كتاب: " فنون حرب المجتمع بمدافعها المعنويّة القاتلة".

    حين لم تحرّك فاطمة ساكناً من آداب الضيافة بعد، بل ذهبت إلى أبعد معاودة النظر إلى أمّي من أعلى إلى أسفل، تيقنت أمّي أن "العدو" وفق تعاليم الكتاب ما ينبغي له أن يفرض على المرء "مكان وزمان المعركة ونوعية السلاح". فابتسمت وهي تكسر حدة الصمت المميت، قائلة: "البنت قطعت دراستها في جامعة الخرطوم طبعاً، لتحتفل بيننا. من العيب أن ترانا نحن الكبار في خصومة. الله يعلم كم تدين لكِ يا فاطمة بالمحبة في قلبها".

    أَلانَ صوت أمّي الذي بدا لحظتها نابعاً من الأعماق وجه الجارة فاطمة الذي أعمى بصيرته فيما يبدو وقع الزيارة المباغت الذي حال دونه وفهم لهجة أمّي التي انطوت وراء ظاهرها المتسامح ذاك على ما هو أسوأ. للدقة، بدأ وجه الجارة فاطمة الذي ظل محافظاً على قسوته لفترة، يلين أكثر فأكثر، حيث لاح طيف الابتسامة الساخرة التي يبدو أنها وُلِدَت معها على طرف فمها الأيمن أولاً، ثم وفي لحظة واحدة نهضتا وتعانقتا وذابتا معاً داخل الفرندة كجارتين جمعت بينهما على الرغم من رواسب الماضي القريب التي لا تنسى ذكريات طفولة بعيدة، وقد ألقتا عبء ما حدث بأجمعه على كاهل "الشيطان الذي يفرّق يا أختي الحبيبة فاطمة ما بين المرء وزوجه". لكأن العداء لا وجود له. عيناي تدمعان الآن. كان ذلك العناق الأخير لهما كجارتين قديمتين في هذه الحياة.

    أشاعت "وكالة رويتر المحلية" أن فاطمة أعلنت في نفسها حينذاك، أي أثناء زيارة أمّي حاملة الدعوة لحضور عيد ميلاد شقيقتي المتقدم، عن "قبولي لهذا التحدي البسيط كما لو أنّه من صنع عقل الأطفال"، وأنها بوصفها "فاطمة العريقة صاحبة أول احتفال بعيد الميلاد على الطريقة النمساويّة في المدينة" لا تخشى على الإطلاق من الدخول فيما أسمته "مواجهة حضارية فاصلة"، مؤكدة أن جارتها "محدثة النعمة الحضارية" بهذه الدعوة "وا أسفاه تحفر قبرها بيديها". أمّي التي سبق لها أن حضرت وقائع دورة تدريبية "سرية" عقدها حزب التقدم في دار تقع إلى الجوار من بيت المحافظ تمشياً مع حكمة أن "القرب الشديد يحجب" لم تعلق بأي شيء أمام "وكالة رويتر المحلية"، حتى "تحتفظ بميزة الغموض ووقع المباغتة". فقط، ابتسمت أمّي عندها بلطفِ من يعلم جيداً أن "النصر الحضاري" على "قيد حفل عيد الميلاد المعد بدقةِ فخ يليق حصراً بتلك الكائنات اللزجة المراوغة". كان لأمّي فوق ما أردت، حتى أنّها أخذت تفكر أن القلاع ليست بمثل تلك الصلابة التي قد تبدو عليها.

    على أعتاب عيد الميلاد، رأى الحاج محمود أن أمّي تعاملت أثناء الزيارة مع "تحديات جارتها من باب "فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ". أضاف: "هذا الكتاب لا يغادر كبيرة، أو صغيرة". كانت الأقاويل تترى على أي حال من كل حدب وصوب إلى آذان الحاج محمود، الذي أخذت تغزو ذهنه في وقت وجيز "أشياء ما أنزل الله بها من سلطان"، والذي حسب بعض المقربين منه لم يعد يدهشه شيء "في دار الغرور والزوال هذه من بعد كبيرة ابن الناظر المدعو مُسيلمة الكذّاب"، التي اعتبرها الحاج بمثابة "النذير المبكر" لما يحدث "هذه الأيام".

    على الرغم من أن "مصادر خاصة" قد رفض تسميتها "من باب تجنب الوقيعة بين النّاس"، قد أكدت للحاج محمود "في لحظة بوح نادرة أخرى" أن فاطمة قد عانقت جارتها في بيتها فقط من باب "لا ينبح في فراشه إلا كلب"، بل أضافت (المصادر نفسها) لاحقاً أن فاطمة قد أقبلت إلى حفل عيد ميلاد شقيقتي ذاك من دون رفقة زوجها صلاح "بتاع دكان التخلف الرجعي" مرتدية فستاناً ضيقاً من المخمل "الأخضر اللامع" وافق اسم الموضة السائدة آنذاك باسم "دموع أم كلثوم"، إلا أن الخبر الذي اتسم حقّاً بشيء من الطرافة كان حصراً من نصيب "وكالة رويتر المحلية"، التي أشارت في حديثها مع أحد المسؤولين الكبار إلى أن فاطمة أقبلت خلال ذلك المساء الحار بروح معنويّة "كانت تصطدم في بعض الأوقات بخفّة سحب الأحلام البيضاء" وعينين متّقدتين واثقتين لم تنفكا من قبل بدء فواصل الرقص من القول على الملأ يمنة ويسرة: "يا أهل هذه المدينة، انظروا، ها هي، فاطمة نفسها، انظروا إليها، ما أحلاها، حضارية جداً، تخطر في بيت غريمتها هكذا، هكذا هكذا".

    ما عادت "وكالة رويتر المحلية"، تستقر طويلاً في مكان واحد خلال تلك الأيام، التي سبقت وأعقبت في آن تفاصيل عيد ميلاد شقيقتي الجامعيّة غير المسبوق، وقد أكدت "لعناية السيد المحافظ" الذي جاء إلى الحفل متأخراً نوعاً ما، والذي بدا لسبب ما حريصاً على دقة متابعة تطورات العلاقة ما بين الجارتين منذ أحداث ذلك المجلس الذي شهد وقائع "هزيمة الأسرة الحضارية" أن أمّي همست في أذن رئيسة تحرير مجلة "نهضة المرأة" المحلية الجالسة إلى جوارها قائلة بصوت قد تردد صداه ما بين جنبات السكون الشامل الذي ران لحظة دخول فاطمة:

    "هذا الفستان لا يصلح لرقصة السامبا".

    الحقّ، "الحق أقول لكم" يا أصدقائي إن الجارة فاطمة أقبلت في ذلك المساء مرتدية "رموش شادية"، لا "دموع أم كلثوم". فستان من الساتان الأسود اللامع أبان أدق تفاصيل جسدها اللدن المشدود حتى وهي تعبر عقدها الرابع بنحو العام، كان بلا أكمام، تلتف حوله خطوط فضية متباعدة ذات حواف مشرشرة. وبينما تراءى على كتفيها فرو ثعالب أصفر باهت تفوح منه رائحة النفتالين، بدت في ذهن الحاج محمود الغائب كما قد تخيل عدد من الخبثاء بالنيابة عنه كما حورية خارجة للتو من كتاب "فضائل الجنة". كانت تخطر بخيلاء على أرض الفناء المرصوفة حديثاً بالأسمنت وكسار الآجر بحذاء أصفر ذي كعب عال أطلق عليه الحمّالون في الميناء النهري اسم "سفينة الشيطان"، برغم من أنّه قد اتخذ في مجالس الصفوة اسماً آخر أكثر شاعرية ودلالاً:

    "أتهادى نحو أحلام قلبك الوردية حبيبي".

    ثمة أضواء قوية أخذت تتلألأ على هامة الفناء كتاج أميرة، تومض جواهره بنور ذاتها، نسائم واهنة منعشة لها رائحة التربة تراقص فروع شجرتي النيم في الخارج بنزق لا تعوزه البراعة، السماء خالية وراء الهالة الفضية أو تكاد، لابد أنها أمطرت خلف تخوم النهر حيث الأجمة المتناثرة من أشجار السنط، وهي تنحدر من قمة ذلك الجزء من جبال العاديات، قبل أن يبدأ من تحت قدميها، عشبُ السهل الأخضر الكثيف ذو الفجوات الحجرية الواسعة.

    ثمة موسيقى صاخبة تخللها آذان العشاء بصوت الحاج محمود الذي وهن وضعف، قد أخذت تطغى على لغط المدعوين الملتفين حول الموائد الصغيرة المتقاربة التي جُلبت نهاراً من محلات كزام للأفراح والتي تراءت على مفارشها الزرقاء زجاجات المياه والكولا وأطباق الحلوى وسلال الفاكهة. موسيقى بدا أنّها تتخذ طريقها إلى وجدان الحضور اعتماداً على إيقاعها الغريب وعدم فهم أصولها التي لا بد تعود إلى بلد غربي ما بالذات، وكانت قد أخذت تنبعث من مكبرات صوت وُضِعَت على جانبي منصة خشبية قصيرة أخفتها سجادتان كبيرتان من الصوف الفارسي ذي التشكيلات الوردية الملونة منصوبة غير بعيد من منضدة طولية لاحت أعلى مفرشها الأبيض النظيف تلال من الأواني الصينية اللامعة، فضلاً عن تورتة المحتفى بها بطوابقها الخمسة المتصاعدة في شكل هرمي علت قمته المزدانة بكريمة الشوكولاته السمراء شمعة منتصبة وحيدة بجناحي ملاك على وشك التحليق.

    حالما أُشعلت الشمعة توقفت الموسيقى وعم الظلام وراحت تتشكل هناك على مرأى من عيون السماء النجمية البعيدة النائية الحلقة باعثة الأمنيات القلبية والهدايا، من قبل أن تُنهي الحناجر أغنية عيد الميلاد في تزامن عكس مدى الألفة الذي عمّ المكان لحظتها. "لماذا شمعة واحدة وحيدة منفردة"؟ تساءل المحافظ بقامته البارزة وسط الحلقة لحظة أن عاد النور، بينما تغضن وجه رئيسة التحرير الجاد في نشاز كاد أن يفسد الطابع المرح لسؤال المحافظ ويحوِّل الحفل بأكمله إلى حلقة نقاش ساخن حول "الطابع الذكوري لما يدعى السلطة"، حسبما ظل يتردد في سياق إحدى الندوات التي ظلت تقيمها في دارها بصورة شهرية مجلة "نهضة المرأة"، لو لا أن اندفع في خضم الهمهمة المتصاعدة التي أثارها سؤال المحافظ وزاد من لغطها الوجه الصارم الجاد لرئيسة التحرير ذاك صوتُ أمين حزب التقدم معيداً الأمور في لمح البصر بحركة مسرحية متقنة إلى مجراها القديم: "أتقول لماذا؟ ها ها ها. ههههه. وسرعان ما أجاب على تساؤله المتقدم بنفسه "تلك تكتيكات الآنسة الأزلية يا رفيق"!

    عاد المحتفلون تالياً إلى موائدهم، وبدا في ذلك المساء كأن الكون برمته ضحكة مغناة يعزف لحنها المتناغم رنين التعليقات المرح السعيد، إلا أن نمل الغيرة سرعان ما أخذ يأكل في قلب فاطمة ببطء وتلذذ متزايد سعيداً بذلك الخفاء الذي ضربه الضجيج من حولها. لقد أخذت فاطمة بحسرة ترقب الأنظار تنصرف عنها تباعاً غير عابئة بالمرة بزينتها الفريدة المكتملة أمام بهجة حفل لم تشهد المدينة مثله قطُّ، ناظرة بين الحين والحين من مقعدها الغارق في النسيان أو يكاد إلى "وكالة رويتر المحلية" التي ظلت تتنقل ما بين الموائد تحت أنظار عيني أمّي الفخورتين مثل فراشة قمحية في الربيع، إلى أن تناهى إلى مسامعها مثل طلقة الرحمة، صوتُ أختي ذات السبعة عشر عاماً، وهو يعلن من فوق المنصة عن بدء الحفل الراقص، وقد نشبت في أعقابه موجة من الصفير والتصفيق الحاد المتصل فيما بدا بلا حدود لانتهائه. مدت ذراعاً من داخل بلوزة بيضاء بأكمام قصيرة واسعة تدعى "مستقبل النساء الجميلات في عالم واعد". كانت البلوزة محشورة داخل بنطال جينز أزرق ذي مقدمة مثلثة منتفخة قليلاً من أعلى مسحوبة بشدة إلى أسفل. أزاحت الهواء الذي حبس أنفاسه على حين غرة بحركة نصف دائرية بطيئة متكسرة لامست صدرها خطفاً، قبل أن تأخذ رأس البنصر وضعاً مستقيماً شق طريقه بين الموائد متخطياً بلا هوادة المحافظ ومدير بنك الوحدة ورئيسة التحرير مشيراً بلطف ومحبة يعلم الجميع مقدار ما فيهما من زيف إلى عيني فاطمة الشاخصتين كعيني غريق بلا أمل هناك في النجاة.

    في ها اللحظة، يمكن للمرء وفق رواية "الوكالة" أن يسمع "رنين إبرة الخياطة" إذا ما أُلقيت في "مكان داخل الحفلة"، حتى أن المحافظ نظر إلى عطسة مدير البنك المباغتة نظرته إلى رجل طرق باب بيته "أثناء الجماع". أخيراً سرى صوتها الحاد الرفيع ذو المنحنيات المبحوحة عبر مكبرات الصوت، قائلاً بما بدا نبرة الحرب الحاسمة: "سيداتي آنساتي سادتي.. مشاعل حضارة هذه المدينة.. مساء الخير المعبأ بالعطر وفرح الأمسيات الأغاني السندسيّة. إنه ليسُر الأسرة تشريفكم لها بالحضور. بمناسبة حفل عيد ميلاد أختي الكبرى، وبسبب صداقة الأسرة لطيار ماهر وسيم الطلعة يعمل في خطوطنا الجويّة الحبيبة.. أزفُّ لكم هذا الخبر الجميل الفاخر جداً، خبر وصول آخر أغنيات فتى أسبانيا الذهبي "خوليو" وأنشودة الحبّ الفرنسي الساخن "جيلبير". أعتقد أن أمام هذين المطربين العالميين الرائعين ألا مجال آخر قد تبقى هناك لمطرب متواضع مثل عثمان حسين.

    "برافو... برافو برافو".

    هكذا في الوقت الذي اتجهت فيه أنظار الجميع إلى الجارة فاطمة التي لم تحتمل أكثر وحمل وجهها من علامات الغيرة ما قد يكفي لإشعال غابة من أشجار السنط الغضة، اقتحمت المشهد على حين غرة صيحة مدير البنك الذي نال درجة الماجستير في "اقتصاد الدجاج" من جامعة "السوربون"، والذي لم يستطع أن يتمالك نفسه فيما بدا أكثر من ذلك فأجهش. ربت المحافظ الجالس إلى جواره على كتفه كمن أراد أن يعتذر بعد أن تسبب في أذى روح طيبة كان ذنبها الوحيد أنها عطست في موقف لا يحتمل سوى الصمت التام، بينما أمكن للمقربين سماع صوت رئيسة التحرير وهي تهز رأسها تماماً كمن يتفهم بأسى وتعاطف عميقين عذابات الروح الخفية للإنسان، أي إنسان، وهو يقول "البكاء ليس عاطفة نسائية فحسب أيها السادة"! مثل تحية صادرة بنعومة عن قلب ملء نبضه الحبّ والمسرة، مثل نسمة أوروبية تلثم مدارات خطّ الاستواء بعذوبةِ طفلة ورقةِ وردة، انساب حالماً مترعاً شفيفاً مطهماً بالمرح، كما يد المطر الخفيف الحانية، لحنُ رائعة جيلبير: "إيه مينتونان"؟

    "وكالة رويتر المحلية"، التي سبق لها أن ذهبت بنفسها "أي شخصياً" إلى البنك خلال نهار قائظ بعيد من شهر يونيو بعد أن تزايد الجدل في المدينة واحتدم حاملة في يدها مجموعة من الطيور المريضة قبل أن تدرك "الفرق" أو "الاختلاف القاطع" ما بين "اقتصاد الدجاج" وذلك المدعو "طبّ الدجاج"، سألته باسمة عن سر كل "تلك الدموع الغزيرة وهي تفيض "يا عزيزنا" من عينيك أثناء الحفلة "، قال إنه تذكر وقتها " ليلة باريسية بعيدة"، ولم يُزد.

    يتبع:
                  

09-21-2021, 09:27 PM

عبد الحميد البرنس
<aعبد الحميد البرنس
تاريخ التسجيل: 02-14-2005
مجموع المشاركات: 7102

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: مثل نجم أسود في رابعة النهار التقدميّ الو� (Re: عبد الحميد البرنس)

    لم يكن وليدَ يومٍ وليلة، أو محضَ ضربٍ من الصدفة، أو قسمةً من هدايا الحظّ. هذا التحول "الذي يبدو عميقاً وجذريّاً" في "ثقافة إناث الأسرة". وقد أزعج عند بداياته وكالة رويتر المحليّة إلى أن جعلها لتسارعه وربما كذلك لكلماته "العصّية على النطق" تشرع في النظر إلى نفسها في كثير من الأحيان نظرتها تلك إلى "هاتف بلا حرارة".

    كان الحماس لهذا "السباق الحضاري" يتصاعد داخلها يوماً بعد يوم وفي المقابل تقل القدرة لديها باطراد على التعبير بدقة عن ذلك الحماس. مرة، عبّرت عن هذا المأزق، قائلة: "أنا سعيدة وغير سعيدة". فهم أغلب النّاس ذلك كإشارة أكثر من عاديّة إلى تحولات المزاج التي قد تنشأ طوال الوقت "داخل النفس البشريّة". لقد كان عليها في وقت وجيز جداً أن تعطي أذنها لكلمات من أصول فرنسية وأسبانية وانجليزية ويابانية. حتى بدا لها في لحظة عجزت فيها عن نطق كلمة "سمفونيّة" أن ما يقود عميان "هذه المدينة" نحو "مصاف الحضارة" ليس سوى أعمى آخر يتحدث بدوره عن النور دون أن يكون قد سبق له أن أبصره للحظة طوال حياته الغارقة في الظلمة.

    ولم تكن وكالة رويتر المحليّة مهيأة أبداً هنا لقبول ملاحظة ناظر المدرسة الأميرية القائلة إن ما قد يتشكل بين يدينا ويصنع بأعيننا "من الألف إلى الياء" قد يخرج نهائياً عن نطاق سيطرتنا عليه مرة وإلى الأبد. على أنّ الأمر كان مسليّاً بالنسبة لها على الرغم من كل مظاهر القلق ومخاوفها تلك من القول إنّها "لم تعد مواكبة لتطورات الحضارة". لكن، أو "خلف قناع هذا الظاهر المرح السعيد"، أخذت وكالة رويتر المحليّة تضعف وتذبل "ذهنياً وجسديّاً"، بالتزامن مع "تصاعد وتيرة السباق الحضاري المحتدم"، ما بين الجارتين أمّي وفاطمة اللتين لم تنظر كل منهما طوال الوقت إلى أي خطوة لها إلى الأمام سوى كتأكيد آخر لتراجع حتمي لخطى الأخرى. كلاهما أمّي وفاطمة لم تؤمنا حتى النهاية أن مركب التقدم قد تتسع في الآن نفسه لأكثر من "فرد وذات".

    كذلك، بقدر ما قد سعدت وكالة رويتر المحلية بما قد تضفيه حمّى المنافسة على السباق من حيويّة، وجدت نفسها إزاء ضغط تسارع استخدام المطلحات والمفاهيم والأساليب "الغربية" في مجرى الحياة اليومية تنحو أكثر فأكثر إلى نقل جرعات الحزن والفرح لا وصف تفاصيل تلك المواقف التي صنعت مثل هذا الحزن، أو ذاك الفرح. حتى بدا على مستوى التعبير كما لو أن وكالة رويتر المحليّة قد عادت القهقري إلى مثل ذلك النوع من التفاعل البدائي الذي سبق ظهور اللغة في حياة الإنسان. كأن تقول: "لا أدري كيف أصف لكم تفصيل أو قصّة ذلك الفستان. لكنّه عجيب كما لو أنّه مصنوع من بول الشيطان"، أو "هو طعام للذاذته تلك قد هبط مباشرة من الجنّة"، أو "قالت كلاماً عن عيد مبتكر لم أفهم بالتحديد ما هو لكنّه كمبادرة أثار مخاوف فاطمة". باختصار، بدا مع تقدم "السباق" أن من العسير مواصلة الحياة نفسها من غير الالمام بما طرأ على خطاب الناس العام من تطور بالنسبة لناقلة أخبار عملاقة لها شغف وكالة رويتر المحليّة وهيامها ذاك بالسعي بالأنباء!

    ما أن حلّت إجازة ذلك العام الدراسي، حتى أرسلت أمي أختيَّ إلى العاصمة، حيث يعيش ويعمل منذ نحو العامين خالي الفنان التشكيلي وبناته المتحدرات من أمّ فرنسية، وحيث كانت عمليات "إزالة ما علق من كآبة الريف ورواسب التربية البدويّة العصيّة على الإزالة والذوبان كما لو أنّها البقع نفسها على قميص الميكانيكي" تجري على قدم وساق تحت شعار ورد أيضاً في رسالة أخرى رافقتهما إلى شقيقها الوحيد هذا: "إنقاذ شرف العائلة".

    بعد مرور سنوات قليلة، حدثت لخالي هذا نكبة لم تقم له قيامة بعدها. عاد من العمل مرة. وجد بيته وهو خالً من زوجته وبناته الصغيرات. وقد عثر المسكين على هذه الرسالة: "نحن عائدات إلى بيتنا في ليون حيث لا مكان لك بيننا هناك". كي ينسى ما حدث هجر الرسم وأدمن الخمر". لقد كان على أي حال في حاجة إلى هجرانٍ ما قد يقوم به ضد أحبّ الأشياء لديه. مع ذلك، كان يسمعه أولئك الجيران في بعض الليالي، وهو يتحدث بحنوّ لا يخلو من نهنهات خافتة إلى صغيراته، كما لو أنهنّ لا زلن هناك. لقد بدا ذلك إجمالاً أكثر من سبب كاف كي يغيّر الخال عنوانه ويقيم على نحو دائم في "مستشفى التجاني الماحي للأمراض العقليّة". لا يُزار من قبل أمّي المستغرقة بكلياتها "في إعادة بناء حضارة هذه المدينة". أحياناً، كان يمسك بقطعة فحم، ويرسم على أحد جدران المستشفى خازوقاً عليه سليمان الحلبي الذي اغتال كليبر قائد الحملة الفرنسية على مصر عام 1800. في كل مرة يعيد فيها رسم المشهد نفسه، يبدو سليمان الحلبي لسبب ما سعيداً على رأس الخازوق!

    في أثناء تواجد أختيّ ذاك في ضيافة خالي وزوجته، أي من قبل أن يعصف الحنين بالفرنسية إلى ليون ملتقى نهري الرون والسون، كاد مؤشر الراديو طوال فترة غيابهما أن ينسى داخل البيت كما أي جحود آخر في العالم ملامح "هنا أم درمان إذاعة جمهورية السودان الديمقراطية"، وقد أدمن التجوال حتى خلال الإجازات الدراسية اللاحقة ما بين الأقسام العربية لإذاعات مونتي كارلو وصوت أميركا، ولم يكن ميّالاً للوقوف طويلا ًعند الطابع الإخباري المتكرر لهيئة الإذاعة البريطانية. كانت أمّي تقول في تلك الأيام: "ما فائدة الأنباء إذا لم تكن حضارية"؟

    وكالة رويتر المحليّة ذكرت في أثناء حديث لها مع "السيد المحافظ" أن تساؤل أمّي ذاك بشأن "طبيعة الأنباء" "قد لا يعادله" على مستوى قوّته وتأثيره في عقول "العامة من أهل هذه المدينة" المنشغلين عادة بأنباء "أخرى"، إلا قول جارتها في أزمنة مجد صباها الحضاري الآفل "قل لهنّ فاطمة مشغولة الآن بمشكلات تخصّ الدولة شخصيّاً".

    الحقّ، كانت أختاي من الذكاء والحصافة بمكان أن أجادتا آداب المائدة الحديثة، كما الأكل بالشوكة والسكين، في وقت وجيز. فضلاً عن ارتداء آخر موضات البناطيل الضيقة، كما ذلك البنطال المدعو "لم يأخذ قلبي من قبل هيئة تفاحة". إنه النوع نفسه من الملابس الذي أدخل أمّي لبعض الوقت في دوامة من الحيرة المطبقة.

    "ما الفرق إذن ما بين العهر والحضارة"؟

    كذلك، تساءلت أمّي في أصيل يومٍ أعقب عودة شقيقتي الأولى تلك من بيت خالي وزوجته الفرنسية في "العاصمة الخرطوم"، وهي تراقب بقلقٍ متزايد ما قد بدا من ظهريهما بينما تبتعدان عبر أرض الفناء مغادرات إلى زيارة بنت "السيد المحافظ". تماماً كما عارضتي أزياء هبطتا للتو من سياق أحد أخبار الموضة الأوروبية المتلفزة.

    الرغبة في الانتقام من جارتها فاطمة ما كانت لتطغى وحدها على كل احتمال آخر قد ينشأ هناك داخل مركز تفكيرها المستثار منذ أن نطقتا باسم ذينيك المطربين الشعبيين تحت سمع وبصر "وكالة رويتر المحلية". بل كذلك نصيحة مدير بنك الوحدة الذي نصح أمّي بالصبر في مواجهة تحديات "القبول بالتغيير الحضاري". وأعطى أمّي روشتة للتدرب على الصبر: التعود على امتصاص حلوى السكر حتى ذوبان آخر ذرة منها لا طحنها منذ الثانية الأولى بالأسنان كما قد درجت العادة منذ ظهور أول تاجر حلويات قدم من الشام في أعقاب سقوط الدولة المهدية أواخر القرن التاسع عشر، وقد قايَضَ حفنة السكاكر في مقابل متر الأرض من بعد أن أسماها "ثمار الجنّة"، وكان النّاس وقتها في حاجة ماسّة إلى شكل آخر من اليقين بعد أن تمّ منذ نحو العام دحر وسحق آخر جندي للمهدي وخليفته الذين لم يكفّا لحظة عن القول إن الملائكة تقاتل مع مَن هم في صفّهما. على أن هذا التاجر رضخ لسلطة علماء الدين، الذين أبصروا في التسمية تلك نوعاً من "التجديف"، فقام بتغيير الاسم من "ثمار الجنّة" إلى "درب الفردوس"، من قبل أن يختصر أحفاد هذا التاجر الاسم في كلمة "دربسي".


    يتبع:
                  

09-24-2021, 05:36 AM

عبد الحميد البرنس
<aعبد الحميد البرنس
تاريخ التسجيل: 02-14-2005
مجموع المشاركات: 7102

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: مثل نجم أسود في رابعة النهار التقدميّ الو� (Re: عبد الحميد البرنس)

    ما بدا أول الأمر شاذاً غريباً مستهجناً وعلى وجه الخصوص من قبل ما قد أطلق عليهم "المحافظ" في إحدى خطب عيد الاستقلال اسم "بُقع الرجعية في ثوب المدينة الحضاري الناصع البياض"، سرعان ما قد أخذ يتحول إلى حمَّى اجتاحت على فترات متقاربة "شبيبة المستقبل المشرق على مدارج العالِم وتقدم الحضاري، والعبارة الأخيرة هذه بالذات قد ذكرت "وكالة رويتر المحلية" أن أمّي قد تقالتها لأول مرة عند بدء سلسلة حفلات "الديسكو"، التي ظلّت تقيمها عادة في نهايات الأسبوع، على إيقاع أغنيات مثل "القدوم الصعب" و"الجلوس في عالم النسيان" و"يمكنك الحصول عليه إذا كنت تريده حقاً" للمغني جيمي كليف، فضلاً عن "دادي كول" و"ريفرس أوف بابيلون" لفرقة بوني إم وروائع الإخوان مايلز تلك المنحدرة من الثلاثينيات وغيرها من "أغاني زمان".

    كانت أمي ماضية قدماً في تنفيذ خططها، غير عابئة بتحذيرات أولئك "البُقع" المتكررة من عواقب الاستمرار في "أعمال الفجور جالبة البلايا والأهوال". باختصار، بدت أمّي منصرفة عن مكائد أعداء النجاح هؤلاء إلى جهود الصفوة لإشاعة أشياء "هامة" كما لُعبتي "الكريكت" و"الغولف" في مدينة لا تعرف "للأسف" على حد قولها سوى مباريات "كرة القدم وسباق الحمير". على أي حال، "يا ولدي"، هكذا وجهت لي مرة الحديث، مناصحة: "ستدرك حين تكبر قليلاً أن النّاس صنفان: مَن قد يصنع فعلاً للتعليق، ومَن يقوم بالتعليق على ذلك الفعل".

    كان العالم يقوم في وعي أمّي دائماً على ركيزتين!

    حين بدأ، جمع التبرعات لبناء "مسرح يليق بسمعة المدينة الحضارية الواعدة على سلّم هذا المجد الخرافيّ" على حد تعبير أمين حزب التقدم النشط، قالت أمّي وهي ترجع بظهرها إلى مسند الكرسي وقد ظهرت عليها إمارات التعب جلياً إنها بدأت تشعر "في صميم روحها وقرارة عقلها وركيزة جسمها" كمن يحلق في الفضاء بجناح قوي وحيد.

    ما لبثت أمّب أن أوضحت مدى صعوبة المهمة الملقاة على عاتقها من قبل "السادة المستنيرين أصحاب التقدميّة تاج المدنيّة"، قائلة: "نهر التخلّف بدأ من قطرة. ما صيّره بحراً عباباً هو التراكم وتقادم العهد وما تركه المترددون كي يصلحه الزمن وما أدركوا في إيثارهم الأغلب للسلامة أن ما قد ينقص الأجيال المتلاحقة ليس سوى فداحة عبء ما تركه الأوائل دون حلّ فتعقّدت عقدةُ عقدةِ عقدةِ العقدة واختلط الأمر وصار أكثر شبهاً بالمتاهة". وما قالته أمّي هنا، ليس سوى ما قد حفظت عن ظهر قلب من "منفستو حزب التقدّم" مع تعديل طفيف حتى يبدو الكلام كما لو أنّه قد صدر عنها بالفعل. مع أن الحمّالين في الميناء كانوا يرددون جوهر تلك الفقرة من المنفستو نفسها لكن بكلماتهم الخاصّة: "إذا تركتَ التمساح يسبح في الجوار فسيلتهمك". ولم يكن اأّاً من ذلك مما شغل أبي الذي أدرك مغزى رسالة أمّي بشأن ذلك التحليق في سماء شديدة العلو بجناح قوي وحيد. فتقمَّصت روحه رغبة صادقة في تقوية الجناح الآخر ذاك طواعية تماماً مثلما قد يفعل في الموقف نفسه "أي رجل حضاري آخر متفهم إلى درجة الإعجاب تفانياً في النصف الآخر الحلو من هذا الكائن المدعو الإنسان".

    هكذا، كمن يهب للقيام بإحدى تلك المهام التي قد تتطلب استعداداً خاصّاً، قال أبي: "لا بدّ أن تحتفظ أسرتنا (التي وضع القدر في يدها شعلة الضوء الخالد في ليل التخلف الحالك البهيم) بموقع الصدارة الحضاري بأي وسيلة. علينا بذل الطاقات لتحسين وجه العالم ما ظللنا أحياء. أما الراحة والكسل فأمران مكانهما هناك، في القبر". ثم اندفع أبي هذا بحماس "منقطع النظير" مشاركاً في "الأعمال المنزلية"، كأن يقوم بتنظيف الحمامات والمراحيض ليلاً. كان يفعل ذلك "إسهاماً شخصياً" كما كان يحلو له أن يقول لحظة الانتهاء من تقطيع حزم البصل إلى حلقات صغيرة في "دعم مجهود مامتكم". "وكالة رويتر المحلية" التي تكاد تشرف حتى على "تلاقح الضفادع في الخريف" وفق ما جاء في أكثر من مناسبة على لسان ناظر المدرسة الأميرية "الذي غدا عصبياً على نحو واضح بعد كبيرة مُسيلمة ابنه" أشاعت أن أبي كان يفعل ذلك "مخافة" أن يُدرج اسمه في "القائمة السوداء"، التي ظلّت تنشرها من وقت لآخر مجلة "نهضة المرأة" بدعم شخصيّ من المحافظ نفسه كما يُردد في الخفاء، وهي قائمة تضم "أسماء الأزواج الذين ظلوا يمارسون التمييز ضد المرأة داخل المنازل سراً"، على الرغم من مظهرهم "الحضاري المُخادع"، حسبما ورد في إحدى افتتاحيات رئيسة التحرير، فيما هي تقدم لأولئك "السيدات القارئات/السادة القراء" باباً جديداً حمل عنوان: "نحو تعليم الرجال فنون المطبخ العصري"، وترد في الوقت نفسه على رسالة موقّعة بالأحرف الأولى فقط"، كانت قد بعثت بها "إحدى الثائرات"، معربة عن أملها في أن تتحرر المرأة وأن تشهد هي بنفسها اليوم الذي تُفرغ فيه المرأة مثانتها على قارعة الطريق "مثل محضِ رجل".

    على خلاف صلاح "زوج فاطمة بتاع الدكان الرجعي" الذي ظلّ يتأرجح طويلاً ما بين المواقف، أدرك أبي أن المسئولين "أصحاب الحلّ والعقد" في المدينة هم "بمباركة الله العليم" وراء "نماء شجرة المحصول الحضاري الوفير". فشرع أبي أي ربما لذلك في إخماد نار "تلك التقاليد البالية" التي بدأت تشتعل في الحال وعلى فترات متقاربة تحت مظهره ذاك كمفتش زراعي من الدرجة الثالثة، متغاضياً حتى عن انتهاك أشياء كان يراها من "الثوابت"، كأن يبارك رغبة أختي الكبرى أن تعمل "موديلاً" لطالب "موهوب إلى درجة قف" كان يدرس في "كلية الفنون الجميلة" أثناء دراستها الجامعية، "إسهاماً مني" كما ظلّت تردد متأثرة هنا بآراء خالي الفنان التشكيلي "غريب الأطوار ذاك" في "استكشاف جوهر جماليات الجسد الأنثوي الذي أخفاه ثوب التخلف لقرون خلت ".

    أختي هذه، تعيش الآن في منفاها الأوروبي بلا أسرة على أعتاب شيخوختها، وحيدة مع أحداثها الماضية، وبالكاد ترسم على وجهها ابتسامة لذكرى الأيام الآفلة، بينما تتمعن لما يهمد الحديث وينهض الصمت في أشياء لا وجود لها، ظلّت بدورها تهمي لكن بتثاقل وتناغم مع خيوط الجليد المتتابعة بخفّة وراء تلك النافذة الزجاجية.

    بدا أن وجودي جانبها ذلك المساء على هامش مؤتمر كنت أحد المشاركين فيه كوجود شيء لا تريد هي أن تراه. الذي حدث أن جملة الأنشطة المحمومة لأحزابنا خلال السبعين عاماً الماضية قادت أخيراً إلى حروب قضت ليس فقط على جهود أمّي الحضارية وما أسماه المحافظ يومها "بقع الرجعيّة" بل تقريباً على الوطن ككل. فتفرّق مَن له القدرة على الزحف خارج الحدود في أنحاء الأرض كما هدف سهل للأسى والضياع والحنين.

    ودعتُ أخيراً أختي هذه عند الباب. فأشارت إلى الدرجات المنحدرة نحو الطريق الغارق في بياض جليد بروكسل الطازج قائلة: "كن حذراً. فهناك قطع ثلجية ملتصقة على جانبي الدرجات منذ بداية الشتاء". لم يتبقَ من أسرتنا هناك سوانا أنا وهي. هي لم تتزوج قطّ. أنا لم أرزق أبداً بذرية على الرغم من مرور أكثر من العقدين على زواجي!

    ربما، أو لهذا "الوفاء الحضاري تحديداً"، حسبما أوضحت "وكالة رويتر المحلية" مخففة من شواظ ظهيرة ألمت بمدير البنك في إحدى لحظات انقطاع التيار الكهربائي المتكرر، مُنح أبي ترقية استثنائية "داخل الهرم الوظيفي" مهدت له الطريق مباشرة إلى العمل في المقر الإداري للمؤسسة الزراعية بعيداً عن الريف بمياه شربه "الراكدة" وهيئة سكانه التي كانت تذكره دائماً بحظه "العاثر" في "هذه" الحياة. "أيها السادة زارعو بذرة الحضارة والتقدم مَن قال من قبل وجودي أنا شخصياً إن حقول السعادة اللطيفة من المستحيل أن توجد من غير وجود أعشاب ضارة"؟

    كذلك شرع أبي يتفلسف في عمله الجديد، مستشعراً وطأة الفراغ بين جدران مكتب فخم به ثلاجة صغيرة "فاضت قنواتها عن آخرها بعُلب المياه الغازية" تدخله على فترات متباعدة وجوه حليقة "معنوياتها لا تشبه "بأي حال" نضرة الأزهار الطبيعية الساحرة على حافة جدول صغير". وعلى ذلك المنوال، أخذ أبي يبحث عن حياته الضائعة على ما بدا في فردوس المدينة، حتى أن أفكاراً غامضة حول الحياة والموت بدأت كما الجراد "تُداهم تلك الحديقة المُبهجة في الربيع"، الأمر الذي لم ينقذه منه شيء سوى زيارة الأسرة إلى بيت مدير عام المؤسسة الزراعية في "عيد الحبّ". كانت سانحة طيبة أهداه خلالها المدير مجموعة أعداد "نادرة" من مجلة "مودة" اللبنانية، حيث بدأت تتكشف لديه تدريجياً تلك "الموهبة"، التي ظلت مطمورة مثل كنز "تحت تربة بستاني" لسنوات قضاها "يا لضياع حصاد شبابي... بين ضراط بهائم أولئك الفلاحين الهزيلة". لقد بدأت بالفعل تتكون لدى أبي كما قالت أختي الأصغر التي كانت بدورها تستعد لدخول الجامعة "ثقافة حضارية رهيبة" انصبت بدرجة أساسية على معرفة مختلف "أنواع وخصائص وأسماء عطور العالم المتقدّم". كان ينتهز في مجالسه أدنى بادرة، أدنى أدنى بادرة، كأن تقول أنت لا قدر الله "إن الهواء منعش ولطيف هذا المساء"، حتى يمطر آذانك بأسماء عطور وروائح زكيّة لا يعلم إلاّ الله ما هي؟ ثم لا يهم بعد ذلك وهو يشرع أمامك في بيان مميزات عطره هو المفضل نظرياً إن كانت لديك وقتها الرغبة الأكيدة الملحة تلك، في الدخول إلى المرحاض بأسرع قدم.


    يتبع:
                  


[رد على الموضوع] صفحة 1 „‰ 1:   <<  1  >>




احدث عناوين سودانيز اون لاين الان
اراء حرة و مقالات
Latest Posts in English Forum
Articles and Views
اخر المواضيع فى المنبر العام
News and Press Releases
اخبار و بيانات



فيس بوك تويتر انستقرام يوتيوب بنتيريست
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة
About Us
Contact Us
About Sudanese Online
اخبار و بيانات
اراء حرة و مقالات
صور سودانيزاونلاين
فيديوهات سودانيزاونلاين
ويكيبيديا سودانيز اون لاين
منتديات سودانيزاونلاين
News and Press Releases
Articles and Views
SudaneseOnline Images
Sudanese Online Videos
Sudanese Online Wikipedia
Sudanese Online Forums
If you're looking to submit News,Video,a Press Release or or Article please feel free to send it to [email protected]

© 2014 SudaneseOnline.com

Software Version 1.3.0 © 2N-com.de