توثيق متواضع لسيره الراحل المقيم د. مهدى اسماعيل مهدى

مليونية 30 يونيو عبقرية الثورة السودانية الضربة المزدوجة للمتربصين داخليا وخارجيا
يا فخرنا د.عبد الله النعيم ضمن 2020 Great Immigrants
مرحبا Guest
اخر زيارك لك: 07-05-2020, 02:14 PM الصفحة الرئيسية

منتديات سودانيزاونلاين    مكتبة الفساد    ابحث    اخبار و بيانات    مواضيع توثيقية    منبر الشعبية    اراء حرة و مقالات    مدخل أرشيف اراء حرة و مقالات   
News and Press Releases    اتصل بنا    Articles and Views    English Forum    ناس الزقازيق   
المنبر العام
نسخة قابلة للطباعة من الموضوع   ارسل الموضوع لصديق   اقرا المشاركات فى شكل سلسلة « | »
اقرا احدث مداخلة فى هذا الموضوع »
06-26-2020, 05:13 PM

طلعت الطيب
<aطلعت الطيب
تاريخ التسجيل: 12-22-2005
مجموع المشاركات: 5534

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
توثيق متواضع لسيره الراحل المقيم د. مهدى اسماعيل مهدى

    05:13 PM June, 26 2020 سودانيز اون لاين
    طلعت الطيب-Guelph, Ontario
    مكتبتى
    رابط مختصر

    (adsbygoogle = window.adsbygoogle || []).push({});

    كان يوم امس يوما حزينا بالنسبه لى وللعديد من الناشطين السودانيين
    داخل السودان وخارجه بعد سماعنا بنبأ رحيل الدكتور مهدى اسماعيل مهدى
    عن دنيانا في منفاه الاختياري بجنوب افريقيا .
    صادق العزاء لاسرته
    وللصديق العزيز للاستاذ صالح مهدى بكندا
    وانا لله وانا اليه راجعون
    كان المرحوم مهدى رجل عصامى بامتياز
    وكان وطنيا غيورا وكاتبا وناشطا لا يشق له غبار
    وقد ظل مهموما بقضايا السودان حتى وفاته
    له الرحمه والمغفره بقدر ما قدم من اراء واستناره
    فى قضايا التنميه والديمقراطيه التى ظلت تشغل جيلنا
    خاصه بعد وصول الاسلام السياسى الى السلطه
    وانفراده بها وتنكيله بالمعارضين السياسيين
    والاستبداد والفساد الذى مارسه
    واضاع بسببه احلام شعبنا
    فى التنميه والاستقرار والسعاده.
    احاول فى هذا البوست ان شاء الله
    حشد بعض مساهمات الراحل المقيم

    (عدل بواسطة طلعت الطيب on 06-26-2020, 05:17 PM)
    (عدل بواسطة طلعت الطيب on 06-26-2020, 05:20 PM)









                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

06-26-2020, 05:49 PM

طلعت الطيب
<aطلعت الطيب
تاريخ التسجيل: 12-22-2005
مجموع المشاركات: 5534

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: توثيق متواضع لسيره الراحل المقيم د. مهدى ا (Re: طلعت الطيب)

    انفرد الراحل المقيم مهدى اسماعيل مهدى عثمان بنشر وثيقه
    الراحل الاستاذ عوض عبد الرازق السكرتير التنظيمي
    السابق للحركة السودانية للتحرر الوطني
    والذى طاردته اللعنات وتهمه (الانتهازيه) بزعم انه كان قد
    طالب بحل الحزب الشيوعي وان ينضم الشيوعيين للاحزاب الاتحادية
    وهى تهم كان قد وثقها المرحوم عبد الخالق محجوب فى
    (لمحات من تالريخ الحزب الشيوعى) وظل يكررها الاستاذ
    السر بابو القيادى بالحزب الشيوعى فى كتاباته.
    مبادره المرحوم مهدى لا تتوقف عند تبرئه ساحه الاستاذ عوض
    عبد الرازق وضروره رد الاعتبار له
    بل تتعدى ذلك رغم اهميته الى ضروره اعاده قراءه الناريخ الحديث
    لتعزيز جهازنا المناعى من فيروسات الشموليه.

    فالى الوثيقه:

    ملحق :تقرير السكرتير التنظيمي للحركة السودانية للتحرر الوطني عن الفترة من يوليو 1947 - أكتوبر 1952
    • التحية لكفاح الشعب السوداني ضد الاستعمار.
    • التحية للجماهير التي أحبطت مؤامرة الجمعية التشريعية.
    • التحية لحركات التحرر الوطني وهي تحقق الانتصار تلو الانتصار.
    • التحية لثورة مصر.
    الرفاق الأعزاء:-
    من الأهمية بمكان الاعتراف بنمو وتطور المقاومة ضد الاستعمار البريطاني الجاثم على صدر شعبنا، ذلك النمو الذي نشهده في اتساع النشاط الشعبي الناجح في تأسيس هيئة شئون العمال والاتحاد النسائي ومؤتمر الشباب واتحاد الكلية الجامعية. تلك الخطوات الأولى لمقاومةٍ شعبية تراكمت حتى تفجرت تظاهرات رافضة للجمعية التشريعية مما أجبر القيادات التقليدية للتصدي للمهام الوطنية والسير قدماً في إفشال المؤامرة الاستعمارية لتدجين الحركة الوطنية واحتوائها.
    معلوم لدينا أن أهداف الأحزاب قد صيغت بإحكام حتى تحدد مستقبل البلاد السياسي – الاستقلال أو الاتحاد، أي أنها اهتمت بقضية التحرير وأغفلت عن عمد قضية البناء والتعمير التي هي جوهر برنامج الحركة السودانية للتحرر الوطني الداعي للتنمية والتغيير الاجتماعي العميق الذي يفضي إلى طريق وطن ديمقراطي يسير بشعبنا نحو الاشتراكية – الطريق الوحيد للتطور والتقدم في هذا العصر، وقد أثبتت الحركة السودانية للتحرر الوطني أنها بؤرة المقاومة التي التف حولها الشعب منذ مولدها. وقد أسهم الرفيق عبدالوهاب زين العابدين في بناء قواعدها رغم الاخفاقات التي تجلت في تبني حق تقرير المصير تحت التاج المصري، وضُرب حولها سوراً من العزلة حتى تاهت في دهاليز السرية بعيداً عن مهامها في نشر الفكر التقدمي العلمي المناهض حقاً للاستعمار البريطاني مما أفقد الحركة فرصاً عزيزة في الانتشار وتوسيع قواعدها.
    وبمجرد تكليفي من اللجنة المركزية بتحمل مهام السكرتير التنظيمي في يوليو 1947 عملت مع المكتب السياسي على انتهاج خط سياسي جديد يتجه نحو الشعب مباشرة فعمدنا إلى نشر الفكر الماركسي بين عضوية الحركة على أسس منظمة مما أتاح للحركة فرص استقطاب أعضاء جدد من الطلاب والخريجين فتأسست المنظمات الجماهييرية التي أعطت حركتنا المقدرة على التصدي لقضية الجمعية التشريعية ودفع الأحزاب الاتحادية دفعاً لمعركة الشارع التي خضناها بجدارة وكانت تمريناً عملياً أكد قدرة وعمق جذور الحركة في تُربة الواقع السوداني. تلك الانتصارات قد ألقت على عاتق الحركة مهام جديدة نوجزها فيما يلي:أولاً، توسيع قاعدة عضوية الحركة كمياً ونوعياَ، وذلك بالغوص في صفوف الشعب على مختلف طبقاته وفئاته مما يجعلنا نطور نهج المواجهة الذي بدأته الحركة في أحداث الجمعية التشريعية إلى تحالف وطني عريض معادٍ للوجود الاستعماري، وعلى هذا الطريق علينا الاهتمام بالقضايا التالية:
    a) إبعاد كل خط سياسي يدعو للانغلاق والعزلة ولا يدعو لإستقلالية منبر الحركة، أو يدعو للذوبان في الأحزاب الأخرى. فالطريق هو تأكيد شخصية الحركة المستقلة من خلال المعارك اليومية التي تستطيع أن تثبت من خلالها طليعيتها وقدرتها القيادية للحركة الوطنية وفي سبيل إجلاء الاستعمار والتحرير. لذلك نؤكد أهمية وجود جبهة شعبية واسعة معادية للاستعمار حتى تؤدي تلك المهمة في طريق الكفاح المشترك بين شعبي وادي النيل ضد الاستعمار
    b) تحجيم الخط اليساري المتعجل الداعي للقفز فوق المراحل بتحويل الحركة السودانية للتحرر الوطني لحزب شيوعي (ماركسي لينيني) مستنداً على العمَّال والمزارعين والمثقفين الثوريين وذلك للأسباب الآتية:
    - طبقة العمَّال في بلادنا مازالت طبقة وليدة تنحصر في عمَّال الخدمات (سكة حديد، البريد، موانئ، نقل نهري) وهؤلاء جميعاً دورهم مساعد وثانوي. فالعمَّال طبقة مازالت في طور التكوين ولم يكتمل تطورها ولن يكتمل إلا في ظل الثورة الوطنية الديمقراطية التي من مسئولياتها الرئيسية تحقيق بناء صناعي واسع يجعل من العمَّال طبقة قائدة وقادرة على بناء حزبها الطليعي القوي الذي يسير بها وبالمجتمع نحو الاشتراكية.
    - أما المزارعون فيطابقون في وعيهم مستوى الانتاج الزراعي، فالزراعة في كل السودان ما زالت زراعة اكتفائية (subsistent agriculture) موسمية وحتى أرقى أشكالها (مشروع الجزيرة ومشاريع الإعاشة) ضعيفة وليست ذات أثر. ولم يشكل المزارعون كطبقة اجتماعية ذات هموم ومطالب ووعي يؤهلها لتحقيق تحالف العمال والمزارعين.
    - الفكر الماركسي اللينيني ما زال فكراً منحصراً في أوساط الأفندية الذين يعانون أبلغ معاناة في فهم فلسفته كفكر بعيداً عن الشعارات. فإنشاء حزب شيوعي على تلك الأسس والمعطيات يعد عمل سطحي يساري طفوليَّ لا سند له سوى الجمل الثورية غير المستوعبة للظروف الوطنية وهذا يؤكد تناقض جوهري ينفي العملية ويبرز ممارسة تقليدية تعتمد على التلقين والإشارة. فنقل تجارب الشعوب والأمم من حولنا دون فهم ظروفنا الخاصة مستلهمين في ذلك التجارب يعد عبثاً خطيراً. فالمتتبع لتجارب التاريخ يعرف أن الثورات العظيمة لا تنبثق إلا من استيعاب الشروط الموضوعية والذاتية وعلى رأسها فهم التاريخ والتراث والتقاليد وإخضاعها للنهج الذي استفاد من كل الثقافة الإنسانية الجديدة والظروف الخاصة لكل قطر من الأقطار.
    - إن طريق التعجل السياسي ينذر بفقدان الحركة السودانية للتحررالوطني مواقعها كطليعة ديمقراطية يلتف حولها أكثر أبناء شعبنا ذكاءاً وإذا تعارضت مع قيم وتراث فإنشاء حزب شيوعي يدعو إلى الاشتراكية لم يحن أوانه بعد وربما يدفع نحو المقامرة التي لا تراعي المراحل، وقد يحدث شرخاً عظيماً في وجدان المجتمع ويهدم كل البناء ولعمري إنه طريق الفشل.ثأنياً، الحركة السودانية للتحرر الوطني غرست أقدامها عميقاً في أوساط الشعب باجتذابها العناصر المستنيرة والفئات الأكثر وعياً أو مصلحة (طلاب، موظفين، عمَّال.. إلخ) مما يرشحها لأن تلعب دوراً هاماً في البناء الوطني الديمقراطي بالرغم من وجود عقبات أساسية نوجزها في:-
    a) نشأة الحركة الوطنية السودانية تحت تأثير الزعماء الدينيين (المهدي والميرغني) وهما يعملان على تأكيد تأثيرهما بشكل طائفي وكلما زاد دورهما ضعف النشاط الديمقراطي. فدورهما علامة ضعف أساسية للديمقراطية. فالحركة السودانية للتحرر الوطني معنية أكثر من غيرها في ترسيخ قيم الديمقراطية بتوجيه نشاط المنابر الديمقراطية بعيداً عن السقوط في أحضان الزعماء الدينيين، فهم دائماً ما يعملون على تغذية البذور الطائفية المهددة للتطور الحُر الديمقراطي
    .b) من المهددات للتطور الديمقراطي اليسارية الطفولية التي تتعجل الانجازات وتتجاوز المراحل في التطور الوطني بغرض فرض خيارات تتناسب مع الظروف الموضوعية على نحو الدعوة لتحويل الحركة السودانية للتحرر الوطني لحزب شيوعي مما يؤسس لعزلة والقطيعة بين الشيوعيين والديمقراطيين وينفرط عقد تحالفاتهم ودورها الرائد كمنبر ديمقراطي تأسس من خلال نضال الديمقراطيين والوطنيين بالدرجة الأولى
    .c) ومن المخاطر المهددة للتطور الوطني الديمقراطي الوجود الاستعماري الذي أسس نظام حكم على النمط الاستبدادي العسكري. فمنذ اليوم الأول للغزو الاستعماري ترسخت أقدام التسلط المعادية للديمقراطية فالحاكم العام وسكرتيريه هم كل المؤسسات (تشريعية – تنفيذية - قضائية) فلا يمكن الحديث عن ديمقراطية في ظل هذا الدمج. فهذه التقاليد التي يجب أن يمحوها نشر الوعي الديمقراطي كي لا تظل نقطة ضعف وطريقاً مفتوحاً نحو سيادة التسلط الاستبدادي وبذرة للديكتاتورية. فمن الضروري أن تعمل الحركة السودانية للتحرر الوطني على نشر الوعي الديمقراطي حصاراً لبذرة الاستبداد التي تشيد لنفسها موقعاً في أرضية البناء القائم الآن.
    ثالثاً، منذ تولي المكتب السياسي مهامي كسكرتير تنظيمي وتكليف سكرتيراً عاماً أخذت الحركة السودانية للتحرر الوطني تسير في علاقاتها الخارجية في طريق الانكفاء على الحزب الشيوعي السوفيتي والبلدان الاشتراكية. ونعتقد أن هذه العلاقة ضرورية وتكتسب أهمية استراتيجية ولكنها لا تتعارض مع العلاقات بحركات التحرر الوطني العربية والأحزاب اليسارية في آسيا وأفريقيا واضعين في الاعتبار أهمية الأحزاب الشيوعية واليسارية والديمقراطية في أوروبا وذلك لكي تكتسب الحركة حلفاء وأصدقاء جدد لقضية الشعب السوداني في طريق الحرية وحق تقرير المصير والاستقلال وتحقيق مهام الثورة الوطنية الديمقراطية التي تحتاج إلى أصدقاء ديمقراطيين عاجلاً أم آجلاً.
    رابعاً، ما زال من واجبات الحركة السودانية للتحرر الوطني المركزية تحقيق تحالف شعبي واسع معاد للاستعمار حتى تتحقق مهمة إجلاء الوجود الأجنبي والسير في طريق الثورة الوطنية الديمقراطية التي من أسسها الضرورية ذاك التحالف الجبهوي العريض. فعلينا منذ الآن تكثيف الجهود من أجل جبهة معادية للاستعمار كمقدمة لجبهة وطنية ديمقراطية تجعل الاستقلال السياسي يتكامل مع الاستقلال الاقتصادي والسير في طريق التطور اللارأسمالي.
    خامساً، بعد انتقالي إلى مدينة بورتسودان في يناير 1949م انتقل تكليفي كسكرتير تنظيمي إلى المكتب السياسي الذي كلف سكرتيراً عاماً. وما زلت لا أرى ضرورة لتوسيع الهياكل التنظيمية للحركة وأن تطور المهام يجب أن يسير تدريجياً مع نمو الحركة وزيادة عضويتها وقدراتها المادية وهذا لحماية الحركة من الاتجاهات اليسارية المتعجلة واليمينية التي ما زالت لم تستوعب العالم الجديد الآخذ في الظهور فاتحاً الباب واسعاً للاشتراكية وانتصار حركات التحرر الوطني وبناء عالم جديد تسود فيه قيم الديمقراطية والعدالة.
    المجد والنصر لكفاح الشعب السوداني
    لمجد والنصر والخلود للحركة السودانية للتحرر الوطني طليعة الديمقراطية
    النصر حليف حركات التحرر الوطني في العالم أجمع

    أكتوبر 1952
    عوض عبد الرازق
    السكرتير التنظيمي للحركة السودانية للتحرر الوطني
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

06-26-2020, 05:49 PM

Omer Abdalla Omer
<aOmer Abdalla Omer
تاريخ التسجيل: 03-02-2004
مجموع المشاركات: 3553

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: توثيق متواضع لسيره الراحل المقيم د. مهدى ا (Re: طلعت الطيب)

    لا حول و لا قوة إلا بالله.
    لا حول لا قوة إلا بالله.
    والله خبر حزين حزين حزين وفاة هذا الرجل الأمين
    تقبله الله قبولا حسنا و أحسن إليه و حار التعازي لأهله و أحبابه داخل و خارج السودان
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

06-26-2020, 11:47 PM

طلعت الطيب
<aطلعت الطيب
تاريخ التسجيل: 12-22-2005
مجموع المشاركات: 5534

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: توثيق متواضع لسيره الراحل المقيم د. مهدى ا (Re: Omer Abdalla Omer)


    مهدي إسماعيل مهدي يكتب عن انفصال الجنوب وضرورة الحزب الجديد


    نشر بوساطة توطئة وتمهيد في حريات يوم 18 - 04 - 2011


    لا شك أن إنفصال جنوب السودان سوف يقود حتماً إلى بروز واقع سياسي جديد في السودان يستدعي إعادة النظر في الرؤى والبرامج السياسية لكافة التنظيمات السياسية بصفة عامة، والحركة الشعبية بقطاعيها الجنوبي والشمالي بصفة خاصة، كما أن هذا الواقع السياسي الجديد يتطلب أيضاً وبالضرورة تعديلاً في ُالأُطُر والهياكل والأوعية التنظيمية (أو ربما إنشاء هياكل وتنظيمات سياسية جديدة تماماً) تكون قادرة على حمل أفكار ورؤى وبرامج قوى السودان الجديد مُستفيدة من تجربة الماضي البعيد والقريب بإيجابياتها العديدة التي لا تخفى على أحد وسلبياتها التي تجسدت في إختيار شعب الجنوب للإنفصال بعد يأسه من إصلاح الحال وفشله في تحقيق الوحدة على أُسس جديدة (الوحدة الجاذبة).

    يتطلب الإقرار بهذه الحقائق إعادة النظر في الوعاء التنظيمي الحامل لرؤية السودان الجديد وبالتالي إبتداع إطار تنظيمي أكثر فعالية وواقعية وديمقراطية بحيث يكون قادراً على التبشير بهذه الرؤية الجديدة والترويج لها وصولاً إلى وضعها موضع التطبيق الفعلي عبر إكتساب التفويض الشعبي والإرادة الشعبية التي يتم التعبير عنهما من خلال الإنتخابات الديمقراطية الحُرة النزيهة والشفافة، وهو ما أُصطلح على تسميته بالتحول الديمقراطي في دولة تستند على حُكم القانون والنظام وتتأسس فيها الحقوق والواجبات على المواطنة، دون إمتياز لعرق أو دين أو جهة أو لون.
    لقد ظل السودان منذ ما قبل الإستقلال مُتجاذباً بين رؤية القوى التقليدية (مُمثلة في الأحزاب الطائفية) والتي ترى في السودان دولة عربية/إسلامية خالصة وبالتالي تعتقد بقناعة لا يعوزها الإستعلاءٍ، أن على بقية شعوبه وأعراقه ومكوناته الإجتماعية الإرتقاء للإلتحاق بهذه المجموعة المتقدمة وذلك عبر الأسلمة والعربنة اللتان تجليتا بصورة صارخة في المشروع الحضاري وروافعه من جهاد وتعريب وغيره، ولقد تباينت هذه الرؤية الشوفينية الآحادية الإقصائية مع رؤية القوى الوطنية والديمقراطية التي ترى في السودان أُمة سودانية في طور التشكيل الناتج عن تلاقح عربي/إفريقي وتمازج ديني وعرقي وثقافي شديد الخصوصية، وعادات وتقاليد باذخة الثراء والتنوع.
    ولكن ونتيجة للهيمنة الإقتصادية للقوى العربوإسلامية وما نالته نُخب الوسط النيلي من تعليم مُتقدم نسبياً مُقارنة ببقية الأقاليم الطرفية، وسيطرتها شبه المُطلقة على المؤسسة العسكرية التي حكمت السودان لأكثر من أربعين عاماً بعد الإستقلال عام 1956 (6+16+22= 44÷ 55) أي بنسبة أكثر من 80%، سادت رؤية الجماعة العربية/الإسلامية رغم المقاومة والرفض القوي الذي أبدته المجموعات السودانية الاُخرى، والتي لم تستكن للإسترقاق والتهميش والإلحاق، وتجسد هذا الرفض في تفجر التمرد الجنوبي قُبيل الإستقلال مُباشرة (أحداث توريت، أغسطس 1955)، وتشكلت من بعد ذلك عدة تنظيمات وهيئات شعبية رافضة للتبعية والهيمنة، إبتداءً بجبهة القوى السوداء وحركة نهضة دارفور وحركة سوني ومؤتمر البجة وإتحاد عام جبال النوبة وغيرها من التنظيمات الجهوية التي ربطت بينها مطالب العدالة والمساواة وإحترام حقوق مكونات المجتمع السوداني غير العربية وغير المُسلمة، وإزاء فشل الأحزاب التقليدية والعقائدية في التعبير عن رغبات وأماني هذه القوى المُهمشة إقتصادياً وإجتماعياً وثقافياً، لم تجد هذه الأغلبية المُهمشة بداً من حمل السلاح ونيل الحقوق غلاباً، ونعني بذلك الحركات المُسلحة جنوباً في بادئ الأمر، وشرقاً وغرباً في العقد الأخير، ولا تزال الحركات المُسلحة تتناسل فجر كُل يوم جديد، وسوف يستمر مسلسل التناسل والتنازع طالما ظلت مُسبباته قائمة، ولن يكون إنفصال الجنوب خاتمة الأحزان.
    لقد تمكن المُفكر السوداني الراحل/ د. جون قرنق، (عبر التحليل الإقتصادي والسياسي الثاقب) من معرفة العوامل التي أدت إلى إستمرار وتسارع وتيرة النزاعات السودانية وبناء على ذلك تمكن من طرح رؤية مُتكاملة وحلول شاملة للأزمة الوطنية السودانية في الجنوب والغرب وكافة أقاليم الهامش، وصك مُصطلح السودان الجديد الديمقراطي القائم على الوحدة مع التنوع، والمُشاركة في الثروة والسُلطة وإحترام كافة مكونات المُجتمع السوداني دون إستعلاء أو إقصاء، بإعتبار هذه المبادئ ترياقاً ناجعاً لعلاج الأزمة الوطنية في كافة أقاليم الهامش السوداني، وليس الجنوب وحده.
    إن الغرض من هذه الورقة هو محاولة الإسهام في صياغة برنامج ورؤية للسودان الجديد بعد إنفصال الجنوب، وفي هذا الصدد نرى أنه من الضروري الغوص عميقاً في التاريخ السياسي السوداني وتناوله من منظور إقتصادي (أو ما يمكن أن نُسميه التفسير الإقتصادي للتاريخ) الذي يومئ إلى أن جذور نزاعات السودان تكمُن في الثلاثة عوامل المذكورة تالياً:
    1)- تخلف وسائل الإنتاج في ظل عالم شهد ثورة تقنية وعلمية هائلة ومنافسة شرسة وعولمة إقتصادية وسياسية لا ترحم من يفشل في مواكبة هذه المُتغيرات المُذهلة التي إنتظمت الكون خلال االقرن الأخير، وبما أن الفجوة التقنية بالسودان (خاصةً في مجال الإنتاج الزراعي بشقيه النباتي والحيواني) ظلت تتسع ولا تتجسر، إزدادت حدة الفقر وما يتبعه من نزوح داخلي وهجرة خارجية وآفات وأمراض إجتماعية اُخرى، خاصة في ولايات الجنوب والغرب الأكثر تهميشاً من بقية الولايات الاُخرى والتي تقل فيها المشروعات القومية الكُبرى، مما أدى إلى تدهور الإنتاج (كماً ونوعاً) تدهوراً كبيراً نتيجة لإستخدام الأساليب الزراعية البدائية كالحشاشة، الطورية، الملود، السُلكاب،، ومقاومة الآفات والأمراض الزراعية بطرق مُكافحة عفا الدهر عليها وتجاوزها بقرون.
    إن تغيير هذا الواقع يتطلب ثورة علمية جادة تتمثل في إستخدام نُظُم الري الحديث والبذور المُحسنة والأسمدة العضوية والكيميائية والآليات الزراعية والوقاية من الآفات الزراعية، وتوفير التمويل من خلال بنوك ومؤسسات تعاونية تضع مصلحة المُزارع والراعي (أي المُنتج البسيط) على رأس أولوياتها.
    2)- جمود وعدم تطور علاقات الإنتاج في القطاعين الزراعي التقليدي والحديث على السواء: ونعني بذلك العلاقة بين المُنتج الفعلي على مستوى الحقل، والوسطاء والتجار على مستوى السوق (أسواق المحاصيل والمواشي) والسُلطة الرسمية مُمثلة في مؤسسات الدولة ذات الصلة (وزارات الزراعة، البنوك، إدارات الضرائب،،، إلخ). وللأسف الشديد فقد تحجرت وتجمدت علاقات الإنتاج ولم تستطع مواكبة المُتغيرات المحلية والعالمية في قطاعي الزراعة المطرية (يدوية كانت أو آلية)، والزراعة المروية (مشروع الجزيرة مثالاً). ففي قطاع الزراعة المطرية الإعاشية (Subsistence Agriculture) تدهور الإنتاج كماً ونوعاً ومع ذلك إرتفعت الضرائب والمكوس وتحولت الدولة إلى مؤسسة جباية كُل همها تحصيل الربط المُقدر، وأهملت واجبها الأول المُتمثل في تحسين بيئة الإنتاج وتوفير الحد الأدنى من مُدخلات الإنتاج وتقديم الخدمات اللازمة للحفاظ على دُجاجة الريف التي تبيض ذهباً. أما في القطاع المروي الحديث فقد فشلت الدولة في الوصول إلى توافق ينظم الحقوق والواجبات بين العناصر البشرية للإنتاج، وبعد التخلي عن نظام الحساب المُشترك (الموروث عن الإستعمار) وتجريب عدة أنظمة لتأطير علاقات الإنتاج، لم تفلح إدارة المشاريع المروية في الوصول إلى علاقة متوازنة مع المُنتجين بسبب سيطرة العقلية النهبية والجبائية للقائمين على أمر الإدارة وشئون الحُكم في البلاد.
    وللمفارقة ففي الوقت الذي سادت فيه هذه العلاقة النهبية بين المُنتج والدولة داخلياً في السودان، كان العالم الخارجي يشهد تطوراً إيجابياً مُذهلاً في تطور وسائل الإناج والعلاقة بين المُنتجين وحكوماتهم، تمثل في تقديم الدعم والمعونات الزراعية (العينية والمادية) للمُزارعين والمنتجين في أمريكا وأوروبا وغيرها من دول العالم المتقدم، ولذلك فعندما طالبت الدول النامية نُطرائها في الدول المُتقدمة برفع الدعم عن مُزارعيها، ردت الأخيرة بمنطق شديد الإقناع بأن على الدول النامية والمتخلفة أن تتوقف عن فرض الجبايات والضرائب على منتجيها أولاً، إن لم تكن قادرة على دعمهم (مفاوضات مُنظمة التجارة العالمية- WTO). نتج عن إختلال معادلة علاقات الإنتاج استحالة المُنافسة في الأسواق العالمية، وأصبح من الأجدى إقتصادياً إستيراد الطماطم من إيطاليا بدلاً عن إنتاجها في ودرملي، وإستيراد القمح من أُستراليا (لمطاحن ويتا وسيقا) بدلاً عن زراعته في مشروع الجزيرة. كما أدى هذا الإختلال إلى هجرة ونزوح المُنتجين من الريف وتحولهم إلى مُستهلكين مُهمشين في أطراف المُدن، وإلى مُحاربين في جيوش الحركات الرافضة، وإلى وقود ورصيد جاهز للثورة القادمة لا ريب فيها.
    3)- التدهور البيئي ودوره الكبير في مُفاقمة النزاعات وتدني المستوى المعيشي:
    ترافق تخلف وسائل الإنتاج وعدم عدالة علاقات الإنتاج مع تدهور بيئي تسارعت وتيرته خلال الخمسين عاماً الأخيرة، ولعدم وجود أي جهود جادة لمواجهته والتخفيف من آثاره السالبة، حدثت المجاعات والهجرات الجماعية والإنقلاب الهائل في سُبُل كسب عيش الأغلبية من أبناء الشعب السوداني. وإذا ما وضعنا في الإعتبار أن المدن السودانية ليست بؤر إنتاج فعلي أو مراكز خدمات عالمية أو مزارات سياحية أو أسواق مالية تستقطب الإستثمارات الأجنبية، وإنما هي مُجرد تجمعات طُفيلية (سماسرة وعطالة مُقنعة من الأفندية) تعيش على عرق الكادحين الذين يشدخون أحشاء الأرض بسواعدهم المعروقة العجفاء من آثار الملاريا والبلهارسيا وغيرها من أمراض القرون الوسطى، أدركنا سبب تدهور مستوى المعيشة وتفشي الفقر وتلاشي الطبقة الوسطى وإضمحلال الريادة في مجالات الفنون والآداب والثقافة والرياضة وشتى ضروب التميُز الإبداعي. ولذلك ليس من العسير إثبات أن هُنالك علاقة عكسية بين تدهور الإنتاج والإنتاجية من جانب، وتفاقم النزاعات من جانب آخر (أي كُلما قلت كمية الإنتاج وانخفض مُعدل الإنتاجية كُلما زادت وتفاقمت وارتفعت وتيرة النزاعات)، فبجانب الإحصائيات والبيانات التي يمكن الحصول من إدارة الإحصاء الزراعي لإثبات هذه الفرضية دون كثير عناء أو غموض، فإن التاريخ يؤكد أن دخول العرب إلى السودان وإستيطانهم فيه لم يواجه بمقاومة وتنازع كبير، وذلك بسبب توفر الموارد الطبيعية الفائضة عن الحاجة، ولم يحدث إستثناء في هذه القاعدة إلا عندما حاول الوافدون الجُدد إسترقاق مُضيفيهم.
    يتبين من هذا السرد التحليلي الموجز أن جذور نزاعات السودان تكمن في العوامل الإقتصادية المُترافقة مع التدهور البيئي في ظل فشل الدولة في إدارة النزاعات وشئون الحُكم (لأسباب شتى منها الذاتي والموضوعي) وعموماً فإن النزاعات في الدول النامية (أو بالأحرى والأصح المُتخلفة) ليست نتاج صراع هويات تتصل بالعرق أو الدين أو اللغة، وإنما هذه تباينات يتم الإستعانة بها لاحقاً كملاذ للحماية في حال فشل الدولة في إدارة التحديات الإقتصادية الثلاثة الآنفة الذكر، ومن ثم تحوير الأزمة بإستخدام قضايا الهوية والعرق والدين واللُغة وإقحامها عمداً في الصراع السياسي والنزاع العسكري وإستغلالها كمسوغات لتبرير إستمرار السيطرة والهيمنة الإقتصادية، وفي هذا الصدد يُعد المشروع الحضاري (بما اشتمل عليه من جهاد وهوس وأساطير) مثالاً ساطعاً لتبرير الهيمنة العربوإسلامية، وإلباسها ثوب قداسة دينية لإرهاب وقهر وقمع المُعارضين، وتصوير أمر المُعارضة وكأنها إعتراض على أوامر ونواهي رب العباد وليس خلافاً سياسياً حول قضايا دنيوية بحتة.
    لذا فإن علاج المُشكل الإقتصادي لن يتم إلا عبر تطبيق رؤية السودان الجديد المُتمثلة في المُشاركة في الثروة والسُلطة بمفهومهما العميق، وعدم إقتصار فهمهما على المُحاصصة. وهذا بدوره يقودنا مُباشرة إلى تناول مفهومي المُشاركة في السُلطة وعدالة توزيع الثروة (إن وجدت) ، إذ ينبغي إزالة سوء الفهم الذي شاب هذين المفهومين (عن حُسن نية حيناً وسوئها في الغالب الأعم)، وتأكيد أن المُشاركة في السُلطة وتقاسم الثروة لن تتأتى إلا عبر التحول الديمقراطي الحقيقي (المداميك الثلاثة لإتفاقية السلام الشامل). وبإختصار شديد فقد لحق بمفهوم ومُصطلح المُشاركة في السُلطة خلط وتشويه شديد وتم تصويره وكأن المقصود به تقسيم المناصب الوزارية والدستورية وفق نسب حسابية على أساس الجهة أو العرق أو الدين أو الإنتماء السياسي، وأعتقد أن هذا الفهم المغلوط (والشائع) يُعد تفريغاً كاملاً لهذا المُصطلح من مغزاه العميق وتحويله إلى مُحاصصة تعزز وتُعمق الإنقسام والتشرذم، فجوهر المُشاركة في السُلطة لا يعني أكثر من مُشاركة القواعد الجماهيرية (على مخُتلف مسمياتها وتنوعها) في عملية صُنع القرار، وتعني أيضاً أن تتدرج القرارات من أسفل إلى أعلا (كما ينساب الماء من الجذور إلى الأوراق في النباتات – الخاصية الشعرية في علم الطبيعة). كما نزعم أن المُشاركة في الثروة لا تعني فرز الكيمان وتكبير الأنصبة (إقتسام الإيرادات النفطية، وعائدات الذهب والمشاريع القومية وغيرها)، وإنما تعني إيجاد (أو خلق) هذه الثروة أولاً ثُم إيجاد علاقات إنتاج عادلة تعطي كُل ذي حقٍ حقه (كما أسلفنا)، وأن يتم كُل ذلك في إطار ديمقراطي قائم على المواطنة السودانوية المتساوية في الحق والواجب.
    ولأجل وضع برنامج ورؤية شاملة لقوى السودان الجديد لا بُد من القيام بالآتي:
    أولاً- مُمارسة النقد والنقد الذاتي:
    دراسة وتمحيص (وغربلة) تجرُبة الحركة الشعبية (حاملة لواء السودان الجديد) مُنذ إنشائها عام 1983 وحتى إنفصال الجنوب 2011 (28 عاماً) جرت فيها مياهاً كثيرةً تحت الجسور وخاضت فيها الحركة صراعات وتلقت هزائم وأحرزت إنتصارات عديدة وتقلبت فيها المواقف يُمنة ويسرةً. ولعله من الأوفق أن يقوم من يعنيهم الشأن والذين خاضوا غمار هذه التجربة (من ألفِها إلى يائها) بإجراء نقد ذاتي صريح وشفاف وتقييم موضوعي تُستخلص منه العبر والدروس التي تعين على إقامة تنظيم جماهيري واسع وعريض (كرش فيل)، ويجب أن يتركز التقييم على فترة الستة سنوات التي شاركت خلالها الحركة الشعبية في حُكم السودان وانفردت بحُكم جنوبه (2005-2011). ويجب أن تشتمل المُراجعة والنقد الذاتي على القضايا التالية:
    i. مُهادنة التيار الوحدوي بالحركة الشعبية لدُعاة الإنفصال (القوميين الجنوبيين) وإستسلامهم الكامل لمراوغات وغموض قيادة الحركة الشعبية مُمثلة في رئيسها سلفاكير ونائبه ريك مشار، بل أن قطاع الشمال بدا في بعض الأحيان ملكياً أكثر من الملك ذاته، وكان الأحرى بالوحدويين إتخاذ موقف أكثر صرامةً ومبدأيةً حتى ولو أدى الأمر إلى فرز المواقع، بدلاً عن إيجاد المُبررات والإكتفاء بتحميل الأمر للمؤتمر الوطني، الذي لا يجادل أحد في أنه المسئول الأول والراغب فعلاً في الإنفصال.
    ii. سوء إدارة العملية الإنتخابية التي أعطت إنطباعاً بأن أمر التحول الديمقراطي يأتي في آخر قائمة إهتمامات الحركة الشعبية، ودليلنا على ذلك أنها لم تتعامل بجدية مع مسألة الإستفتاء والإعداد له بطريقة جادة، فقد قررت الحركة بعد صمت طويل تسمية السيد/ ياسر عرمان، مُرشحها لرئاسة الجمهورية، مما أرسل رسالة خاطئة فحواها أن أمر الوحدة ورئاسة الجمهورية شأن شمالي يخُص الشماليين في الحركة (قطاع الشمال) لذا فإن قيادة الحركة لم تود المُغامرة بخوض الإنتخابات، ولئن كان ترشُح ياسر عرمان خطأً جسيماً فإن إنسحابه بتلك الطريقة العجيبة خطيئة أكثر جسامةً، ولذلك فالمطلوب إعداد تقييم صريح وشفاف لهذه التجربة ومكاشفة جماهير الحركة في الشمال (قوى السودان الجديد) بالأسباب والمُبررات والدوافع الحقيقية لذلك الموقف الذي أضر كثيراً بمصداقية الحركة عموماً وقطاع الاشمال خصوصاً والرفيق/ ياسر عرمان على الأخص.
    iii. مُمارسة العمل اليومي بطريقة تقليدية أقرب إلى البيروقراطية والنخبوية والإبتعاد عن العمل الشعبي المُلتحم بالجماهير، ومن ثم تغييب هيئات الحوار والمؤسسية وطُغيان الفردية والشللية في أحسن الأحوال، وبالتالي رسخ في أذهان العامة أن قطاع الشمال يعني ياسر عرمان وعدداً محدوداً من مُشايعيه، مما سهل من مهمة خصومهم في إستهدافهم والنيل منهم بالحق وبالباطل.
    iv. الفشل في المحافظة على الزخم الذي خلفه الحضور المُذهل للراحل/ جون قرنق، للخرطوم (يجب تحليل أسباب الفشل وعدم الإكتفاء بإرجاع الأمر إلى الرحيل الفاجع للزعيم)، وفي تقديرنا أن عدم مصداقية قيادة الحركة وبالتالي تضعضع الثقة في قيادة قطاع الشمال من أهم الأسباب.
    فالجماهير التي هبت لإستقبال قرنق وتدافعت للإنضواء تحت لواء الحركة الشعبية كانت تُدرك بحدسها الفطري “الذي لا يُخيب” أن مسألة الوحدة قضية مبدأية وإستراتيجية في فكر زعيمها قرنق، وأن خلفه يأخذ المسألة من منظور تكتيكي ويتعامل معها إنطلاقاً من خلفيته كضابط إستخبارات وليس كمُفكر إستراتيجي مُقتنع بالوحدة ومُستعد للنضال من أجلها لدرجة مُحاربة الزملاء المؤسسين (كما فعل قرنق عقب إنقلاب الناصر عام 1991).
    v. تقييم تجربة التجمع الوطني الديمقراطي تقييماً صادقاً والرد على الإتهامات الموجهة للحركة الشعبية بأنها باعت التجمع الوطني، ولم تُصر بما فيه الكفاية على إشراكه في المفاوضات التي أفضت إلى إتفاقية السلام الشامل، مما جعل الإتفاقية تبدو وكأنها صفقة ثُنائية وليس شاملة كما يشي إسمها.
    vi. تقييم إدارة العلاقة مع عضوية الحركة المنحدرة من جبال النوبة والنيل الأزرق، وهل تُعتبر المشورة الشعبية حلاً كافياً للنزاع في هذين المنطقتين؟؟!!، وماهي البدائل المُقترحة للخروج من النفق المُظلم الذي تجتازه هاتان المنطقتان حالياً، وتفادي تكرار سيناريو جنوب السودان، وتحول النيل الأزرق وجبال النوبة إلى جنوب جديد (يُرجى الرجوع إلى مقالنا قبل عامين بعنوان: مسرح الحرب القادمة – الجنوب الجديد لسودان حمدي القديم- سودانايل/أجراس الحُرية).
    vii. التأمل في لجوء الحركة الشعبية إلى الإجتماعات المُغلقة بدلاً عن الإنفتاح على الجماهير ومُصارحتها والإستعانة بها إن لزم الأمر، وقد تجلى هذا المسلك الفوقي في موقف الحركة من التعداد السُكاني ومُشكلة أبيي وقوانين التحول الديمقراطي والمشورة الشعبية،،، إلخ، ففي كُل مرة كانت الحركة تُفضل الإستعانة بالقوى الخارجية وإجراء المحُادثات الثُنائية (خارطة الطريق، المصفوفة،،، إلخ) دون أن تدعو جماهيرها إلى الخروج إلى الشارع في مسيرات سلمية، حيث أثبتت تجارب الثورات العربية أن هذا أنجع سبيل لفرض الإرادة الشعبية وإنتزاع الحقوق.
    viii. عدم تدقيق الحركة في تاريخ ونوايا غُثاء السيل الذي اندفع إليها طلباً للمنصب والوظيفة بعد أن أصبحت مراعيها أكثر إخضراراً “أولئك الذين يُسارعون عند الطمع ويتثاقلون عند الفزع”، وعموماً لا يزال في الوقت مُتسع للغربلة وتنظيف جسد قوى السودان الجديد من البراغيث والطفيليين، حتى وإن تشدقوا بالكلمات الثورية.
    النقاط المذكورة أعلاه لا تعني البتة أن قطاع الشمال بالحركة الشعبية لم ينجز أي أعمال إيجابية، ولكننا نرى مُناقشة هذه السلبيات دون أن نغمط المُناضلين أشياءهم، فمن حمل روحه على كفه لربع قرن من الزمان لا يُمكن أن يُجحد فضله، أو يُشكك في مواقفه.
    ثانياً: تعديل أُسس التحالفات السياسية:
    a) لقد أثبتت التجربة خطل التحالف مع القوى السياسية الأُخرى على أساس برامج الحد الأدنى واتضح أنها نظرة ضيقة الأفق وقصيرة النظر إذ أنها تقوم على تقديم التكتيكي على الإستراتيجي، ويغلب عليها النزعة الإنتهازية الآنية، فالأجدى التحالف على أساس الرؤية والأهداف النهائية، ويتجسد هذا المسلك الملتبس عملياً في سهولة وإستمرار التنسيق مع الأحزاب التقليدية وأحزاب الطائفية الدينية ( توقيع مذكرة التفاهم من حزب المؤتمر الشعبي) والتجمع الوطني الديمقراطي ثُم أخيراً تحالف قوى الإجماع الوطني (تحالف أحزاب جوبا)، مع ملاحظة مُفارقة إنعدام الحوار مع الأحزاب التي تحمل رؤية السودان الجديد وعلى رأسها الحزب الشيوعي (رغم أخذنا في الإعتبار ما يمر به الحزب الشيوعي من تحجر ورجعية في الفكر والممارسة). ولذلك تفشل هذه التحالفات حتى في إنجاز برامج الحد الأدنى (إسقاط النظام مثلاً).
    b) التركيز على التحالف مع منظمات المُجتمع المدني، وخاصةً تنظيمات الشباب والمرأة، وقوى الشباب والتغيير في الأحزاب التقليدية (الأُمة، الإتحادي والشيوعي) وذلك عبر الحوار (وليس من خلال التآمر ومحاولات الهيمنة) وتقديم برنامج تفصيلي يتناول ويقترح الحلول العملية دون توهان في المُصطلحات الفلسفية والتعميم الضار.
    ففي حالة التعاطي مع قضايا المرأة ينبغي إعداد وطرح قانون جديد للأحوال الشخصية (بالإستعانة بقوانين الأحوال الشخصية في تونس ومصر وتُركيا) يتضمن؛ مساواة المرأة بالرجل في الميراث، تقييد (إن لم يكن منع) تعدد الزوجات، عدم إجبار المرأة على العيش مع زوج لا ترغب فيه (بيت الطاعة/ حق الخُلع)، تحريم ختان الإناث وتشويه أعضائهن التناسلية،،،، إلخ وغيرها من المسائل الكثيرة التي تهم المرأة، كما ينبغي تحديد حصة (كوتا) للشباب والمرأة في التنظيم الجديد لقوى السودان الجديد، والمطالبة بتحديد ذات النسبة في المؤسسات الرسمية المُناط بها صُنع القرار.
    c) تعزيز العلاقة مع حركات الهامش المُسلحة وغير المُسلحة (الشرق، دارفور، كُردفان،،، إلخ)، ويشمل ذلك بلا شك التنظيمات السياسية الأُخرى في جنوب النيل الأزرق وجنوب كُردفان. وفي هذا الصدد نقترح تكوين لجنة دائمة للحوار والتواصل والتنسيق مع القوى التقدمية على مختلف مسمياتها (بُغية تشكيل جبهة ديمقراطية شعبية)، ولجنة للحوار مع الحزب الشيوعي، ولجنة للحوار مع حركات دارفور، ولجنة للحوار مع تنظيمات كُردفان (شهامة، كاد، جبهة تحرير كُردفان الكُبرى،، إلخ).
    ثالثاً- الإستفادة من تجربة حزب المؤتمر الوطني الإفريقي بجنوب إفريقيا:
    هنالك كثير من القواسم المُشتركة والسمات المُتشابهة بين تجربة نظام التمييز العُنصري في جنوب إفريقيا، والإستعلاء العرقي والديني في السودان، ولعله من المفارقة تزامن الهجرات العربية الإستيطانية المؤثرة للسودان مع الهجرة الأوروبية (الأفريكانز) وإستيطانهم في جنوب إفريقيا ومن ثم فرض لُغتهم وثقافتهم (وديانتهم أيضاً عبر التبشير الكنسي). وكما استغل العرب تقدمهم النسبي في سُلم الحضارة، إستخدم البيض ذات التفوق الثقافي/ التعليمي في إحكام هيمنتهم الإقتصادية على الشعوب السوداء الأصيلة (Indigenous groups).
    لقد ظل حزب المؤتمر الوطني الإفريقي يقود نضالاً جسوراً منذ قرن من الزمان (تأسس عام 1912) من أجل العدالة والمواطنة المتساوية في الحقوق والواجبات (ذات مبادئ ورؤية السودان الجديد)، ولم يتمكن من تحقيق ذلك إلا منذ عام 1990، حيث تم تشكيل أول حكومة أغلبية سوداء عام 1994 بقيادة الزعيم الأسطوري/ نلسون مانديلا، وللأسف المُخزي كانت حكومتنا الوطنية في ذلك العام تحديداً في ذروة حربها الجهادية تحاول فرض رؤيتها التمييزية ضد جزء أصيل من شعبها!!. وعموماً يمكن إستخلاص الدروس والعبر التالية من تجربة نضال شعب جنوب إفريقيا:
    - صاغ حزب المؤتمر الوطني الإفريقي (ANC) ميثاقاً سياسياً جامعاً أسماه “ميثاق الحُرية- Freedom Charter” حدد فيه رؤيته ومنهجه والفلسفة التي يستند عليها في نضاله من أجل الحُرية والعدالة والمساواة، وعززه بوثيقة الحقوق (Bill of rights)، ولم يكتف بذلك حيث يعكف مفكروه على إعداد وثيقة الواجبات (Bill of responsibilities) لإستكمال (وتكريب) الإطار النظري.
    - أقام تحالفاً سياسياً اُطلق عليه التحالف الثُلاثي (Tri-Partite)، مكوناً من الحزب الشيوعي (SACP) وإتحاد نقابات عُمال جنوب إفريقيا (كوساتو- COSATU) وبقية القوى الوطنية والديمقراطية مُمثلةً في حزب المؤتمر الوطني الإفريقي (ANC)، ولا يزال هذا التحالف الرأسي والأُفقي يقود عملية التحول السياسي والإقتصادي والإجتماعي (Transformation) في جنوب إفريقيا.
    - أنشأ لجنة الحقيقة والمُصالحة (TRC) لإبراء الجراح ورتق النسيج الإجتماعي ومعالجة ظلامات الماضي بعد الإقرار بها والتجاوز عنها (العفو عند المقدرة).
    كذلك سنت حكومة الحزب تشريعاً أطلقت عليه إسم قانون التمييز الإيجابي (Affirmative Action- AA) بُغية إعطاء أولوية في التوظيف للفئات الإجتماعية التي تم تهميشها (Disadvantaged) بدرجة أكبر خلال حُكم نظام التمييز العُنصري، وتشمل هذه الفئات؛ الأغلبية السوداء والنساء، وتم دعم هذا التشريع ببرامج للتأهيل المهني والحرفي حتى يكون أفراد هذه الفئات قابلين للتوظيف.
    - أما في مجال تجسير الفجوة الإقتصادية فقد تم إنشاء وتطبيق برنامج للتمكين الإقتصادي للسود (Black Economic Empowerment-BEE) يقضي بمنحهم أفضلية في العطاءات والمناقصات الحكومية والتمويل المصرفي وتشجيع صغار رجال الأعمال والحرفيين والمزارعين على إقامة مشاريعهم، ولعل المرء يُصاب بالحسرة (والغثيان) عندما يُقارن هذه النظرة القومية الإنسانية الرفيعة، بتمكين المُتأسلمين لأقرانهم وذويهم وغيرهم من المحاسيب، في تفسير مُخل لآية التمكين القُرآنية.
    وبصفة عامة هُنالك العديد من البرامج المُنحازة إيجابياً إلى المُهمشين جُغرافياً (الريف) أو إثنياً (السود) أو جندرياً (المرأة) أو إقتصادياً (الفُقراء)، والذين تتشابه أحوالهم مع قُرنائهم في السودان.
    رابعاً:
    لقد تعمد نظام حُكم حزب المؤتمر الوطني تهميش المُغتربين والمُهاجرين (الذين تُقدر أعدادهم بأكثر من خمسة مليون نسمة، وجُلهم من ضحايا النظام والمُعارضين له)، واستطاع حرمانهم من حقوقهم الدستورية في التصويت والترشُح، وذلك بإتباع حيل ومبررات إدارية لا تنطلي إلا على السُذج والبسطاء والذين في قلوبهم غرضُ ومرضُ (جعل تجديد الجواز والإقامة شرطاً للمارسة حق التصويت في إنتخابات رئاسة الجمهورية فقط) ، ومن خلال السيطرة المنهجية للحزب وجهاز أمنه على لجان المُغتربين في كُل الدول تقريباً (وهذه مسألة تستوجب التأمل والتحليل العميق) تمكن من إسكات صوت القوى الديمقراطية فلم تنبس ببنت شفة ولم يرتفع صوتها بالمطالبة بحقوقها الإنسانية الأساسية إذ قد تم إلهائها ببرامج مراسي الشوق وحفلات الفنانين من كوادر جهاز الأمن وغيرها من النشاطات السطحية والإنصرافية التي يقوم بها المبعوثون الأمنيون تحت شتى المُسميات (طُلاب دراسات عُليا، دبلوماسيون وقناصل، موظفون بالمنظمات الدولية والمؤسسات الإقليمية، رجال أعمال ، عاملون بمنظمات الإغاثة ووكالات العون الإنساني المُتدثرة بعباءة الإسلام ،،،، إلخ)، ومن نافلة القول أننا نعني عدداً قليلاً جداً من هذه المجموعات، ولكنه مؤثر بدرجة عالية لما يتوفر له من وقت ومال وإنعدام أخلاق وإستعداد لمُمارسة كُل الألاعيب القذرة.
    خامساً: “أعطني منبراً إعلامياً فعالاً، أعطك حزباً”
    لقد أثبتت تجارب الثورات العربية (السارية في الجسد العربي الشائخ كسريان النار في الهشيم) أن الإعلام يلعب دوراً محورياً في الترويج لأي فكرة سياسية والدعوة لها وإنجاح الإنتفاضات الجماهيرية، ونعني بالمنابر الإعلامية؛ الصُحف الورقية والإلكترونية وصفحات التواصل الإجتماعي (الفيس بوك) ومنتديات النقاش (الشات) والمجموعات الحوارية الجادة (قائمة د. عابدين مثالاً)، والقنوات الفضائية،، إلخ. ولذلك فإنه ينبغي التفكير الجاد في إصدار صحيفة ورقية وإلكترونية لبث فكر ورؤية السودان الجديد والمُنافحة عنه، ولضمان إستمرارية وديمومة مثل هذه الصحيفة (التي سوف تُحارب حتماً من قبل السُلطة الحاكمة بحجب الإعلانات عنها وتكبيدها خسائر مادية عبر المُصادرة والإيقاف والعقوبات المالية)، لا بُد من إشراك جمهورها وقرائها، وقواعد التنظيم السياسية في إصدارها، وذلك عبر إنشاء شركة مُساهمة عامة يُسهم فيها أكبر عدد ممكن من جماهير التنظيم، كما يجب إلزام الكُتاب والأدباء والمُفكرين والإقتصاديين،، إلخ بالكتابة الراتبة في صحيفة التنظيم دون أجر أو بأجر رمزي.
    سادساً:
    بالرغم من أن المرأة تُمثِل 50% من أي مجتمع إنساني، إلا أنها لا تُمثًل في مؤسسات صُنع القرار بذات النسبة، وهي بهذا الفهم تُعتبر من أكثر الفئات تهميشاً وبالتالي فهي رصيد جاهز ومُنتمي بحكم الضرورة إلى التنظيم الذي يسعى إلى تحقيق رؤية السودان الجديد القائمة على إنصاف المُهمشين. وفي السودان تحديداً فإن المرأة كانت سباقة إلى المُطالبة بحقوقها وإنصافها، ولكن حركة إنصاف المرأة في الدول التي تتولى الحُكم فيها جماعة التيار العربوإسلامي شهدت تراجعاً كبيراً خلال العقود الأربعة الماضية، لأسباب عدة من بينها إنتصار الثورة الإيرانية الإسلامية وسقوط الأنظمة الإشتراكية وفشل أنظمة ما بعد الإستقلال السياسي في المحافظة على النفس الثوري التحرري، والعجز عن تحقيق التحول الإجتماعي.
    وبالنظر إلى التدهور المُريع في وضع المرأة بالمجتمع السوداني خلال عهد الإنقاذ الغيهب وما تعرضت له من ظُلم وإجحاف وإذلال (قانون النظام العام) وتشريد إغتصاب (في معسكرات النزوح وأقبية الأمن ومناطق النزاعات المُسلحة) ومالاقته من مُعاناة نتيجة إنتشار الحروب والنزاعات مما أدى إلى تحميلها أعباء رعاية الاُسرة بعد غياب الآباء إما بسبب الموت أو الإلتحاق بالحركات المُسلحة، فهي تُعد أكثر الفئات الإجتماعية تهميشاً، ولهذا ينبغي إيلائها إهتماماً خاصاً والتعامل بجدية وبراغماتية مع مطالبها وإحتياجاتها العادلة وتخصيص برامج خاصة بها لتمكينها إقتصادياً وتعزيز وضعها الإجتماعي والقانوني، على أن تُحمى هذه الحقوق بسياج من التشريعات والقوانين (برامج التمييز الإيجابي، والتمكين الإقتصادي، وتثوير قوانين الأحوال الشخصية والأُسرية وطرح برامج تفصيلية لخدمات رعاية الأمومة والطفولة والصحة الإنجابية).
    سابعاً:
    لقد إستطاعت قوى الإسلام السياسي بمثابرة خبيثة من ربط دعوات الحداثة والديمقراطية وحقوق الإنسان ومساواة المرأة بالرجل في الحقوق والواجبات، بالإلحاد والكُفر مُستغلةً في ذلك تبني قوى اليسار والعلمانية لهذه القيم الإنسانية النبيلة، ومُستفيدة من العاطفة الدينية الدفاقة (والحنبلية الزائدة لدى السودانيين)، مع أن القضية في جوهرها ليست قضية إيمان وكُفر، وإنما مسألة واجبات وحقوق ومطالب إنسانية موضوعية يفرضها تطور المجتمعات وديناميكيتها التي لا يستطيع أي قانون جامد أن يُلبي حاجاتها.
    لذلك ينبغي عدم الإنسياق إلى ساحة الصراع التي يجُرنا إليها المُتأسلمون السلفيون، وإنما حصر النزاع في إطاره الصحيح وهو ضرورة تعديل بعض القوانين البالية (التي لم تعد تواكب تطور المجتمع) وتجديدها، أو سن قوانين جديدة تماماً ترتكز على إحترام الحُرية الشخصية (دون المساس بحريات الآخرين) ومواثيق حقوق الإنسان الدولية التي يأتي إحترام الحقوق الأساسية للأقليات والأفراد للفرد (Fundamental rights)، ولتبسيط المسألة هل تُعارض أي إمرأة في العالم (مُسلمة أم غير مُسلمة) مساواتها بالرجل في الميراث تحت ظل الظروف الإقتصادية الراهنة؟!، وهل تعارض أي زوجة تقييد تعدد الأزواج ؟؟ وهل يُعد إقتراح مثل هذه القوانين خروجاً على الملة والدين؟!.
    بالرغم من أن المُتأسلمين المؤلفة قلوبهم في السودان قد أساءوا إستغلال التدين الفطري (الصوفي) للشعب السوداني، إلا أنهم عجزوا تماماً عن تقديم طرح ديني متكامل يُلبي إحتياجات المُجتمع، واكتفوا بترداد شعارات عامة وإختصار الشريعة الإسلامية في مسألة الحدود فقط، وحتى هذه لم يستطيعوا ولن يستطيعوا تطبيقها. ولذلك لم يتم تطبيق حد الرجم للزانية رغم إكتظاظ دار المايقوما باللُقطاء، وتوقفوا عن تطبيق حد قطع اليد للسارق رغم تفشي السرقة والفساد.
    ولحُسن الحظ فقد تطورت مسألة إحترام حقوق الإنسان خلال الثلاثين عاماً الأخيرة لدرجة تجعلني أزعم مُطمئناً أنه لم يعُد هنالك نظاماً إسلامياً (حتى ولو كان نظام طالبان) قادر على تطبيق أحكام تتعارض مع ميثاق حقوق الإنسان، ولذلك إنصرف الإسلاميون المستنيرون إلى الإجتهاد لمواكبة المتغيرات المجتمعية مع الحفاظ في ذات الوقت على عقيدتهم وتدينهم، وهذا هو جوهر التحدي الذي يواجه الإسلام المُعاصر.
    لُحمة الأمر وسداته، أنه يجب تفادي الإنجرار وراء الصراع الفلسفي حول التدين والإلحاد، إذ أن هذه معركة خاسرة بلا شك لأن مسألة الإعتقاد لا يحكمها المنطق وإنما الضمير والإيمان بالغيب، ولذا ينبغي حصر المسألة في إطار القوانين والدفاع عنها دون المساس بعقائد الآخرين، إذ لا أعتقد أن قوى السودان الجديد دُعاة كُفر وإلحاد، وإنما حملة مشاعل تنوير وعدالة ومساواة.
    خاتمة:
    تأخذ مسألة تسمية أي كيان سياسي جديد سياسي حيزاً كبيراً ويثور حولها جدل كثير، وبكُل صراحة وشفافية يكون الأمر أكثر إلحاحاً في الحالة التي نحن بصددها وذلك لنكوص الحركة الشعبية الحاملة لمشروع السودان الجديد عن قضية الوحدة (رغم تفهمنا التام لمبرراتها)، وعلى كُل حال فأي إسم تنظيم سياسي ينبغي أن يكون دالاً على المُسمى، كما أنه بإجراء دراسة جدوى سريعة يتضح أن الزخم والتأييد الذي لقيته دعوة السودان الجديد (والذي تجسد في الإستقبال الأسطوري لمؤسس وحادي السودان الجديد/ د. جون قرنق دي مالبيور، يوم الثامن من يوليو عام 2005) لم يكن إلا تعبيراً عن قناعة هذه الجماهير برؤية السودان الجديد والمصداقية الوحدوية التي تحلى بها د. قرنق، كما يبدو جلياً أن إنفضاض هذه الجماهير (التي نسعى إلى إستعادتها) لم يكُن إلا نتيجة لإبتعاد الحركة الشعبية عن مبدأ الوحدة الذي تأسست عليه رؤية السودان الجديد، ولعدم ثقة هذه الجماهير في وحدوية الحركة الشعبية، وأنها لم تعُد وعاءً مُلائماً أو أميناً على مبادئ السودان الجديد.
    لذا فإنه من الأصوب والأجدى التخلي عن إسم الحركة الشعبية، والتركيز على السودان الجديد، رغم التقدير الكامل والتفهم التام لمدى الأحاسيس الصعبة والمُمضة التي يحُس بها رواد الحركة الشعبية من أمثال الرفيق/ ياسر عرمان، ود. منصور خالد، ود. الواثق كمير، وود يوسف، وغيرهم من ذوي السبق والريادة في الإلتحاق بالحركة الشعبية (القرنقية)، وعزاؤهم أنهم جادلوا ودافعوا ونافحوا وجادوا بالوقت والأرواح عن قيم السودان الجديد ووحدة مكوناته وعليهم السير حتى النهاية لتحقيق أهدافهم النبيلة. كما أن تسمية السودان الجديد سوف تجتذب عدداً كبيراً من الواقفين على الرصيف تشكُكاً مشروعاً في الحركة الشعبية التي قنعت بالإنفصال، وهذا لا يعني البتة قطع العلاقة مع الحركة الشعبية جنوباً، بل يجب الإحتفاظ بعلاقات متينة معها، أملاً في تحقيق الوحدة ذات يوم ما.
    وشدوا الضُراع من أجل سودان ديمقراطي متحد (سودان جديد وي)




                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

06-27-2020, 00:20 AM

طلعت الطيب
<aطلعت الطيب
تاريخ التسجيل: 12-22-2005
مجموع المشاركات: 5534

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: توثيق متواضع لسيره الراحل المقيم د. مهدى ا (Re: Omer Abdalla Omer)

    الاخ عمر عبد الله
    اشكر لك مرورك الكريم
    تكاد شهادة المرحوم مهدي، وهو الذي نشر وثيقة عوض عبد الرازق عام ٢٠١٢م بعد ان اعاد طباعتها من نسخة مكتوبة بخط اليد ، أن تكون صرخة في رد الاعتبار للرجل، فقد كتب في تقديمه لتلك الوثيقة التاريخية ((أصبحت هذه الوثيقة الصادرة قبل ستة عقود منذ كتوبر 1952 جزءاً من التاريخ السياسي للسودان، ولذا فمن حق كُل الأجيال الإطلاع عليها. اعتقد أن في نشرها والتأمل في ما إحتوته من أفكار ثاقبة رداً لإعتبار المرحوم/ عوض عبدالرازق، ومجموعته النيرة بقيادة، المرحوم/ عبده دهب حسنين، والتي ضمت عبد الوهاب زين العابدين، ود. حسين وني، وتيدي لاركن جيمس، إلخ. لقد أثبتت الأحداث مدى بُعد نظر عوض عبدالرازق ورفاقه، وقد صدع بذات الرؤى والأفكار الأستاذ المرحوم/ الخاتم عدلان في ورقته الموسومة \"آن أوان التغيير\" – وسوف ننشرها عليكم لاحقاً، إثراءاً للنقاش، (نرمي بحجر غيرنا في البركة الساكنة، عسى ولعل!!!). لا تزال حملات التشويه تترى على عوض عبدالرازق ورفاقه، وآخر دليل على ذلك مقال الزميل/ تاج السر عثمان (السر بابو) بتاريخ 06 يناير 2012، والمنشور في صحيفة سودانايل بعنوان \"كيف ارتبطت الماركسية بالواقع السوداني\". ولعل في نشر هذا التقرير تصحيح وتفنيد للمُغالطات الواردة في مقال تاج السر (وأرجو منه أن يتحرى الصدق والدقة). يؤكد الواقع الراهن وغياب أي مُبادرات فكرية وحالة الجمود التي تعتري الحزب الشيوعي السوداني منذ غياب الشهيد/ عبد الخالق محجوب قبل أربعين عاماً (26/07/1971)، الحاجة إلى إثارة الحوار من جديد حول كثير من المُسلمات الصمدية. لقد تعرضت الحركة الشيوعية العالمية إلى زلزال البريسترويكا قبل ربع قرن (وقد ذهب البعض إلى إعتباره نهاية التاريخ-فوكاياما) ، كما قامت قيامة الحزب الشيوعي السوداني قبل أربعين عاماً (يوليو 1971)، ولا بُد أن يكون لهذه الأحداث آثار عميقة على مسيرة اليسار السوداني. - أتمنى منكم جميعاً الإدلاء بدلوكم بكُل موضوعية وتقدير للرأي الآخر. - ختاماً، حصلت على صورة من هذه الوثيقة المكتوبة بخط اليد من الصديق/ خالد عبده دهب، ولأن عامل الزمن جعلها باهتة فقد رأيت ضروره طباعتها ونشرها.

    (عدل بواسطة طلعت الطيب on 06-27-2020, 00:24 AM)

                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

06-27-2020, 08:00 PM

احمد يوسف (خور جهنم)
<aاحمد يوسف (خور جهنم)
تاريخ التسجيل: 02-21-2020
مجموع المشاركات: 23

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: توثيق متواضع لسيره الراحل المقيم د. مهدى ا (Re: طلعت الطيب)

    (إنا لله و إنا اليه راجعون) ..
    اللهم ارحمه و اغفر له و اجعل الجنة مثواه ..
    البركة فيكم و فينا يا دكتور طلعت ..
    فقد كبير ولا نقول الا ما يرضي الله .. رحم الله الاخ مهدي
    والتعازي لكل من عرفه عن قرب .. و لمدينته النهود و جالية
    السودانيين في دولة جنوب افريقيا..
    .......
    طلعت .. لو سمحت تلفون الاخ صالح في الخاص .. لم اكن اعلم
    انه في كندا ..
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

06-27-2020, 09:43 PM

طلعت الطيب
<aطلعت الطيب
تاريخ التسجيل: 12-22-2005
مجموع المشاركات: 5534

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: توثيق متواضع لسيره الراحل المقيم د. مهدى ا (Re: احمد يوسف (خور جهنم))

    سلام اخ احمد
    شكرا علي المرور والتعزيه
    حاولت استخدام المسنجر لإرسال رقم تلفون
    الاخ صالح ولم اوفق
    تجد التلفون أدناه:
    17806047236
    بمواقفه من الاخ صالح

    (عدل بواسطة طلعت الطيب on 06-27-2020, 09:45 PM)

                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

06-28-2020, 01:53 AM

tasneem

تاريخ التسجيل: 02-05-2002
مجموع المشاركات: 1201

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: توثيق متواضع لسيره الراحل المقيم د. مهدى ا (Re: طلعت الطيب)

    ربنا يرحم الاخ مهدي
    والعزاء موصول الي اهله
    في الغبشة والابيض وامروابة
    وزوجته سناء الماحي
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

06-29-2020, 00:14 AM

طلعت الطيب
<aطلعت الطيب
تاريخ التسجيل: 12-22-2005
مجموع المشاركات: 5534

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: توثيق متواضع لسيره الراحل المقيم د. مهدى ا (Re: tasneem)

    شكرا يا أخت تسنيم
    وانا لله وانا اليه راجعون
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

06-29-2020, 06:26 PM

طلعت الطيب
<aطلعت الطيب
تاريخ التسجيل: 12-22-2005
مجموع المشاركات: 5534

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: توثيق متواضع لسيره الراحل المقيم د. مهدى ا (Re: طلعت الطيب)


    تحويل الدعم ليصل إلى مُستحقيه حصرياً .. بقلم: د. مهدي إسماعيل مهدي – بريتوريا/جنوب إفريقيا
    التفاصيل
    نشر بتاريخ: 20 آذار/مارس 2020


    (أي منطق إقتصادي يُبرر تبديد ثلاثمائة مليون دولار شهرياً لدعم إستهلاك أثرياء المُدن من البنزين والخُبز، خصماً على دعم خدمات التعليم و الصحة والتعليم والإنتاج بالريف؟!)
    1. تعريف الدعم : إعانة مالية أو سلعية أو خدمية تقدمها الدولة للفئات الضعيفة في المُجتمع بهدف تخفيف حدة الفقر وتجسير الفجوة بين الأثرياء والفُقراء (ضمن أهداف أخرى كتقوية النسيج الإجتماعي والتعايش السلمي وتحقيق المساواة وتعزيز التكافل،، إلخ).
    2. أنواع الدعم :
    أ‌. الزكاة (والتي تمنح لمستحقيها فقط- الفقراء واليتامى والمساكين وأبناء السبيل والعاملين عليها) أي لا تُمنح عشوائياً بدون تمييز بين يستحق ومن لا يستحق، كما يحدث حالياً في ما يُسمى بالدعم السلعي.
    ب‌. دعم عيني، أي توزيع بعض السلع مجاناً (منظمات الإغاثة).
    ت‌. بيع السلعة بأقل من تكلفتها (النظام المُطبق حالياً حيث يُباع لتر البنزين بحوالي 5% من سعره الحقيقي_ أي يوزع شبه مجاناً- في دولة تُعاني من نُدرة خانقة في النقد الأجنبي.
    ث‌. الدعم النقدي؛ للفئات الأكثر ضعفاً/تهميشاً (المُعاقين، الأرامل، اليتامى، العاطلين عن العمل؛،، إلخ)
    ج‌. الدعم عن طريق توفير الخدمات العامة كخدمات الصحة والتعليم، وهي أفضل أنواع الدعم لأنها تجمع بين دعم الخدمات والإستثمار طويل المدى في القوى البشرية (مجانية التعليم والرعاية الصحية الأولية).
    ح‌. دعم وسائل الإنتاج (عدم فرض رسوم أو ضرائب على وسائل ومدخلات الإنتاج، وشراء المسلعة بسعر أعلى من سعرها وبيعها للجمهور بسعر أقل- كما يفعل البنك الزراعي/المخزون الإستراتيجي).
    3. الأهداف المرجوة من الدعم:
    a) تجسير الفجوة بين الأغنياء والفقراء؛ أي بين الفئات الإجتماعية المُستضعفة ، كما أشرنا إليهم أعلاه، سعياً وراء تحقيق العدالة الإجتماعية والمساواة والسُلم المُجتمعي، وهو ما يطلق عليه التمييز الإيجابي (Affirmative Action).
    b) الإسهام في علاج التحديات الأساسية التي تواجه الدول النامية (الفقر والمرض والبطالة والجهل).
    c) تخفيف أعباء المعيشة على الفئات الأكثر فقراً في المُجتمع (دعم الوقود لتخفيف عبء المواصلات، ودعم الخبز لتخفيف غلاء الأسعار،، على سبيل المثال).
    4. حقائق أساسية:
     يُشكل نظام الدعم السلعي الأعمى المُطبق حالياً في السودان (بدون تمييز بين من يستحقه ومن لا يستحقه) عبئاً مالياً باهظاً على الميزانية العامة للدولة، ولغياب البيانات الإحصائية الموثوق بها تتضارب الأرقام تضارباً كبيراً. ويبدو أن الجهاز المركزي للإحصاء ووحدات الإحصاء بالوزارات والإدارات الحكومية المُختلفة لا تملك قاعدة بيانات كافية تُعين على إعداد خُطط سليمة للتنمية والتخطيط (لا تخطيط بدون بيانات صحيحة).
     يُشكل دعم الوقود بأنواعه المُختلفة ( بنزين، جازولين، كيروسين، وغاز الطبخ) 80% من إجمالي الدعم، و20% لدعم رغيف الخُبز المُنتج من دقيق القمح المستورد بالدولار.
     تُنفق الأسرة الريفية 1.60 من دخلها على الوقود، بينما تُنفق الأُسرة الحضرية 1.35 من دخلها على الوقود بكافة أنواعه، وهذا يعني أنه لو تم توزيع الوقود مجاناً فسوف لن يكون له أي تأثير على خفض إنفاق /مصروفات الأُسرة، مُقارنة بمصروفات الأسرة (House-hold expenditure)، مُقارنة بصرف الأسرة على التعليم والعلاج والسكن.
     الطبقات الأعلى دخلاً هي الأكثر إستهلاكاً للوقود (خاصةً البنزين) وبالتالي فهي الأكثر إستفادةً من الدعم الأعمى، وللمفارقة فإن هذا الدعم يمتد ليشمل الأجانب والبعثات الدبلوماسية، بل وشركات القطاع الخاص العاملة في مجال النقل والترحيل. وقد أثبتت الإحصائيات أن الطبقة الأعلى دخلاً التي تُشكل 20% من السُكان تستفيد من الدعم ثلاثة أضعاف الدعم مُقارنة بالطبقة الوسطى التي تُشكل 40% من السُكان، وتستفيد هذه الطبقة الأعلى ثراءً من الدعم ثمانية أضعاف إستفادة ما تستفيده الطبقة الأكثر فقراً التي تُشكل 40% من السُكان، وهذا يطرح سؤالاً جوهرياً (من المُستفيد فعلياً من دعم الوقود، وخاصةً البنزين؟).
     يبلغ متوسط سعر لتر البنزين في السوق العالمي حوالي 1.11 دولار (أي ما يعادل 111 جنيه سوداني وفقاً لسعر صرف الجنيه السوداني بالسوق الموازي)، ويُباع للمُستهلك بسعر 6,17 جنيه، أي ما يعادل 5% فقط من سعره!!؛ أي أنه يوزع شبه مجاناً لأن هذا السعر لا يُغطي حتى تكلفة تشغيل محطات توزيع الوقود (تخرين، أرباح، أجور عُمال،، إلخ).
    5. أضرار الدعم السلعي المُطبق حالياً في السودان:
    هذا الدعم السخي للوقود الذي يرقى إلى درجة تبديد الموارد الشحيحة أصلاً (تتحمل الدولة 95% من تكلفته) يقود إلى سؤال جوهري، من أين تحصل الدولة على المبلغ الذي تنفقه لدعم هذه السلعة الاستهلاكية المستورد؟، ففي تقديرنا أنها تحصل عليه من ثلاثة مصادر هي:
     القروض والمنح والهبات الأجنية (السعودية والإمارات)؛ مما يرهن القرار السيادي لهذه الدول المانحة (إذ لا يوجد في العلاقات الدولية ما يُسمى دعم بدون مُقابل).
     الإستدانة من النظام المصرفي (التمويل بالعجز) وهذا يعني ببساطة طبع مزيد من النقود بدون تغطية وبالتالي تدهور سعر صرف العُملة الوطنية وأرتفاع التضخم وارتفاع الأسعار، واستمرار الدوران في الحلقة المُفرغة، وهذا ما يحدث حالياً بحذفاره.
     تشجيع التهريب نسبةً للفارق الكبير جداً بين أسعار السلع المدعومة في السودان، وأسعارها في دول الجوار (إريتريا، مصر، تشاد، إفريقيا الوسطى، وجنوب السودان) وتُشير بعض التقديرات أن نسبة السلع المدعومة التي يتم تهريبها إلى هذه الدول تبلغ 30% !!!!.
     يتم هذا الدعم يتم على حساب الخدمات الأساسية؛ بالتخلي من مسؤولية دعم التعليم والصحة والإنتاج، علماً بأن هذه الخدمات تُعتبر من أفضل آليات دعم الطبقات الفقيرة، بالإضافة إلى أنها لا تعتبر خدمات إستهلاكية فقط وإنما إستثمار طويل المدى ومضمون العائد والنتائج ويستمر مفعولها طيلة سنى العًمر "العقل السليم في الجسم السليم، ويعتبر هذا النوع من الدجعم أفضل آليات تحقيق التنمية البشرية المُستدامة؛ علماً بأن مفعول دعم الخُبز مثلاً ينتهي بإنتهاء تناول الخبز وتفريغه في المرحاض، بينما ينتهي مفعول دعم البنزين بركوب السيارة أو الحافلة والوصول إلى الوجهة المقصودة، والتي غالباً ما تكون للقيام بمُجاملة إجتماعية، إذ يلاحظ أن الحركة المرورية العالية لا تتناسب مع المُساهمة الضعيفة لولاية الخرطوم في إجمالي الناتج المحلي (GDP).
     أدى رُخص سعر البنزين وتوزيعه شبه مجاناً للسيارات الملاكي، أدى إلى الإسراف في إستخدامه إلى مُفاقمة أزمة المواصلات، وذلك بتواجد سيارات صغيرة بأعداد كبيرة في الطُرقات العامة وبما يفوق السعة الإستيعابية لهذه الطرق، مما أدى بدوره إلى حدوث زحمة مرورية وتعطيل الإنتاج نتيجة للوقت المُهدر في الوصول إلى أماكن العمل.
     تغيير العادات الغذائية لعموم الشعب السوداني وهجرانه لغذائه الأساسي المُنتج محلياً (الذُرة) وإستبداله برغيف القمح المستورد، لا لشئء إلا بسبب رُخص سعره، علماً بأن كُل دول العالم تدعم منتجاتها المحلية، وخاصةً الغذاء الأساسي (برامج الأمن الغذائي، ونأكل مما نزرع).
     تشويه هيكل الأسعار وإحداث فوضى عارمة في السوق، نتيجة لتدخل الدولة في آليات السوق الحُر التي تُحدد الأسعار حسب العرض والطلب والقُدرة الشرائية للمُستهلك – Affordability and Effective demand). علماً بأن الإقتصاد السوداني يتبنى حالياً نظام الإقتصاد الحُر أو المُختلط؛ الذي يعني تقليل تدخل الدولة في عملية الأسعار وإقتصار دورها على سن التشريعات والقوانين التي تُنظيم وضبط العلاقة بين القطاعين العام والخاص وتقنين وتعزيز الشراكة بينهما، بالإضافة إلى حماية المُستهلك.
    الخُلاصة:
    "بما أن الإقتصاد هو علم البدائل لمُعالجة مسألة النُدرة (Scarcity) من خلال "الإستخدام الأمثل للموارد المحدودة، للحصول على أفضل مردود إقتصادي- Optimum Allocation of Scarce Resources".
    بالنظر إلى برنامج الدعم السلعي المُطبق حالياً، يتضح إنه في جوهره ليس دعماً للفُقراء، وإنما رشوة سياسية يتحمل دفع فاتورتها فُقراء الريف المُنتجين لأثرياء المُدن المُستهلكين، ويؤكد ذلك تبرير النخب السياسية الحاكمة وسعيها إلى إستدامة هذا النزيف (غير القابل للإستدامة والإستمرارية- لحُسن الحظ) وزعمهم بأن "التكلفة السياسية" عالية جداً لرفع الدعم، ولا يفوت على فطنة القارئ؛ أن المقصود بـالتكلفة السياسية العالية هو "الخوف من ثورة الجماهير وإسقاط الحكومة" أي بصريح العبارة الخوف من فقدان المناصب الوزارية، والتمسك بالمنصب حتى ولو تم على حساب المصلحة العامة والعُليا للدولة !!!. وهي ذات السياسة التي ظل ينتهجها النظام البائد ضارباً عرض الحائط بالمصالح العُليا للدولة في سبيل الإحتفاظ بالسُلطة-الكنكشة (التمكين، فصل جنوب السودان، تأجيج حرب دارفور والمنطقتين، تدمير المؤسسة العسكرية وإنشاء قوات موازية لحماية النظام إالخ)، ولكن ومع ذلك سقط النظام بسبب عجزه عن الإستمرار في هذا الدعم الغبي وفشله في تقديم الخدمات الأساسية الاُخرى، وإذا ما استمرت حكومة الفترة الإنتقالية في التمسك بنهج النظام البائد فسوف يكون مصيرها ذات المصير.
    6. المُعالجات والبدائل المُثلى:
    حلول إسعافية فورية:
    - رفع كافة الرسوم والضرائب عن كافة أنواع الذُرة والمحاصيل الغذائية المُنتجة محلياً وخاصةً الّذُرة بكافة أنواعها، بل وشرائها من المُنتجين بسعرٍ مدعوم- أسوة بمحصول القمح- وذلك بشراء البنك الزراعي/المخزون الإستراتيجي، لكميات كبيرة من (100,00 جوال على سبيل المثال) وبيعها بسعر مدعوم لبائعات الكسرة، والأسر الفقيرة -مع التركيز على تجمعات السكن العشوائي- في العاصمة وعواصم الولايات، مع إلزام بائعات الكسرة بالتقيد بالتسعيرة التي يُتفق عليها بينهن ووزارة التجارة، بحيث تكون الكسرة أرخص من رغيف الخُبز (أو مساويةً له على أقل تقدير)، وأن يتم البيع للمُستهلكين بالكيلو لتيسير المُقارنة مع رغيف الخبز (وليس بالطرقة التي تختلف حجماً من بائعةٍ لأُخرى).
    - إلزام المخابز بوزن موحد لقطعة رغيف الخُبز الواحدة (70 جرام مثلاً) والبيع بالكيلو (كُل 14 قطعة خُبز تساوي كيلوجرام، تقريباً)، والهدف من ذلك تسعير وبيع كسرة الذرة الرفيعة بالكيلو أيضاً، لتسهيل المُقارنة للمستهلك بين سعر السلعتين، كما أسلفنا.
    - إلغاء نظام وكلاء التوزيع بحيث تكون العلاقة مُباشرة بين المطاحن وأصحاب المخابز مُباشرة، وذلك بإلزام المطاحن بإنشاء منافذ توزيع أسوة بكافة المصانع والشركات الكبرى.
    - تسليم المطاحن دقيق القمح للمخابز بالسعر الجاري (بدون دعم)، لكي يكون الدعم لأصحاب المخابز مباشرة وليس لأصحاب المطاحن (في حال أثبتت الدراسة التحليلية ضرورة الدعم)، والجلوس مع أصحاب المخابز وحساب التكلفة بكُل شفافية وأمانة ومن ثم تحديد سعر البيع للمُستهلك مُباشرة. وقد أثبتت تجربة الخُبز التجاري إستعداد المُستهلك لتقبل رفع سعر الخبز توفيراً للوقت والجهد، إذ لا يعقل أن يُباع كيس التمباك الصغير أو الليمونة الواحدة أو كوز الموية "وكلها منتجات محلية" بخمسة جنيهات بنما تُبع رغيفة الخبز بجنيه واحد فقط (هل يوجد في السودان حالياً سلعة تُباع بجنيه واحد فقط) وهل من المنطق شراء مائة قطعة خبز بما يُعادل أقل من دولار واحد فقط؟؟؟.
    - استلام دقيق القمح وتوزيعه للمخابز بعد خلطه بالذُرة الرفيعة بالنسبة التي توصي مراكز بحوث الأغذية، وبالتالي مُعالجة مُشكلة التهريب خارجياً والتسريب بدون الحاجة إلى رقابة من قوات مُكافحة التهريب (وطالما يوجد فارق كبير جداً بين سعر السلعة محلياً وسعرها بالدول الخارجية فسوف يستمر التهريب ولو تم بناء جدار عازل بين السودان وبين هذه الدول المجاورة.
    - حظر إستيراد العربات الملاكي خلال الفترة الانتقالية (فقد دخلت أعداد هائلة من العربات المُهربة من ليبيا وغيرها "بوكو حرام") وعموماً فإن استيراد مزيد من السيارات الملاكي لا يعني سوى زيادة استخدام الوقود الرخيص ومفاقمة ازمة المواصلات.
    - حظر إستيراد العربات الحكومية خلال الفترة الإنتقالية (والاستفادة من العربات المُصادرة من حزب المؤتمر الوطني، وغيره من مُنظمات ومؤسسات النظام السابق).
    - ربط عملية تحويل الدعم التدريجي بزيادة الأجور.
    خُطة طويلة المدى:
     العمل على تغيير العادات الغذائية لعامة الشعب بالعودة إلى إستخدام المحاصيل الغذائية المحلية في الغذاء اليومي، أي إعادة الوضع إلى ما كان عليه قبل عدة عقود.
     توجيه وزارة الزراعة بتحقيق الإكتفاء الذاتي من القمح المُنتج محلياً والتوسع في القمح بالقطاع المطري فيها (إذ أفاد المنسق القومي للقمح، وأكد على وجود أصناف ذات إنتاجية عالية ومتكيفة مع المناخ المداري)، وذلك خلافاً للإنطباع السائد بأن زراعة القمح لا تنجح إلا في المناطق الباردة والمروية.
     التوسع في زراعة الذرة الشامية التي يُمكن إستخدامها في إنتاج زيت الطعام والغذاء، إذ أثبتت الدراسات أن إنتاج الذرة الشامية أقل تكلفةً وأعلى سعراً في السوق العالمي، خاصةً في محيطنا الإفريقي (إحيث تعتبر الغذاء الأساسي لكثير من الشعوب الإفريقية).
     دراسة مدى إمكانية إنتاج رغيف الخبز من الذرة الشامية (بالإضافة إلى الذرة)، أو مدى إمكانية خلطها بدقيق القمح، وفي ذلك يُمكن الإستعانة بخبرات وتجارب مراكز البحوث الغذائية الإقليمية، التي تقوم بدراسات علمية في هذا المجال وأحرزت تقدماً كبيراً في هذا المجال.
     وضع خُطة إستراتيجية يكون محورها إنسان الريف (خُطة إستراتيجية للتنمية الريفية المُتكاملة، الشاملة المُستدامة)، وأن تكون هذه الخُطة مرجعاً في قياس مدى فائدة أو ضرر أي تدخل حكومي أو قرارات أو برامج إقتصادية، وبالتالي معرفة مدى تأثيرها على إنسان الريف (المُنتج الصغير).
     إدراج البُعد التنموي في جهود إحلال السلام، فقد أثبتت الدراسات أن غياب التنمية الريفية ونهب الموارد (ضمن عوامل أُخرى أقل أهمية) من الأسباب الجذرية للنزاعات والحروب الأهلية. وفي ذلك، وعلى سبيل المثال، يُمكن الإستفادة من من الأرضي الزراعية الشاسعة بولاية النيل الأزرق؛ أراضي شركة التكامل السوداني/المصري بالروصيرص/شنفور، وأراضي مزرعة أقدي-الدمازين، وتقسيمها إلى حواشات وتوزيعها للمُسرحين من قوات الحركة الشعبية-عقار، وبالتالي تحويل هذه القوات من فئة مُستهلكة إلى فئة منتجة. وذات الأمر ينطبق على منطقة جبال النوبة/جنوب كردفان، بالإستفادة من مؤسسة جبال النوبة الزراعية ومشاريع هبيلة للزراعة الآلية المطرية في تحويل المُحاربين "المُستهلكين" إلى مُنتجين، وحصولهم على مكسب "جُعل/حصة-Dividend"، وينطبق ذات الشئ على ولايات دارفور.
    حُجج المُعارضين لترشيد/تحويل الدعم ليصل إلى مُستحقيه فقط:
     تُعارض اللجنة الإقتصادية لقوى إعلان الحُرية والتغيير برنامج الحكومة لترشيد الدعم تدريجياً وتحويله ليصل إلى مُستحقيه حصرياً (وفقاً لمشروع ميزانية 2020)، بحُجة أن ترشيد/تحويل الدعم سوف يؤثر سلباً على الفئات الضعيفة، علماً بأن الدراسات المُحكمة أثبتت أن الفئات المُقتدرة هي الأكثر إستفادةً من دعم المحروقات (وخاصةً البنزين).
     صرحت اللجنة على لسان العديد من قادتها بأن "القضية ليست قضية موازنة أو رفع أو عدم رفع، وإنما القضية في جوهرها بالنسبة للجنة؛ مسألة صراع ومُفاضلة واختيار بين طريق التطور الرأسمالي وطريق التطور الإشتراكي، وهذا يعني تحويل المسألة من أزمة ومشكلة اقتصادية داخلية "نزيف ما يُسمى بالدعم"، إلى صراع آيديولوجي لا يُهم المواطن المغلوب على أمره؛ علماً بأن إختيار الآيديولجية الإقتصادية التي ينتهجها السودان ليس من إختصاص هذه الحكومة الإنتقالية (ذات التكليف المحدد بإنجاز الإنتقال من نظام حُكم عسكري إلى الحُكم المدني، وبناء مؤسسات التحول الديمقراطي، وبالتالي يُقاس مدى نجاجها أو فشلها في أداء تكليفها، بمدى نجاحها في إجراء إنتخابات على نظام الديمقراطية البرلمانية (Parliamentary Democracy ) حُرة ونزيهة تُمثل رأي الشعب تمثيلاً صادقاً، وذلك خلال فترة زمنية مُحددة)، كما أن هُنالك سؤال جوهري يتبادر إلى الذهن، هل تُمثل رؤية المجلس المركزي واللجنة الإقتصادية لقحت، وجهة نظر كافة مكونات قوى إعلان الحرية والتغيير، أم أنها موقف آديولوجي لتيار سياسي واحد ضمن القوى المتعددة والمتباينة التي تُشكل هذا التحالف العريض، المبني على أساس الحد الأدنى- تسقط بس؟!..
    أعتقد ان السودان لا يملك في ظل أزمته السياسية والإقتصادية الخانقة الراهنة، ترف الجدال واللجاج الآيديولجي، إذ أن الواجب المُلح الآن إيقاف نزيف الدعم وتحقيق متطلبات الحد الأدنى من العيش الكريم وكفالة حقوق الإنسان الأساسية (الغذاء والكساء والمأوى والصحة والتعليم ومياه الشرب النقية وتوفير فُرص العمل اللائق).
    تتهم اللجنة الإقتصادية لقحت، وزير المالية بتطبيق روشتة البنك الدولي المعروفة بــ "برامج التكيف الهيكلي- Structural Reform) الذي تتبناه مجموعة الليبراليين الجُدد، والقائم على رفع الدعم عن السلع، وكف يد الدولة عن التدخل المباشر في آلية العرض والطلب التي تقود تلقائياً إلى ضبط وتناسق الأسعار، وأن يقتصر دور الدولة في الرقابة والإشراف وسن التشريعات المُنظمة للعمل التجاري والإستثماري ومحاربة الفساد وغسيل الأموال والتحويلات النقدية السرية غير المشروعة، وعدم التدخل في آلية العرض والطلب والأسعار، والشفاية إلا في حالات الضرورة القصوى. وعلى الرُغم من غلظة هذا الإتهام وعدم وجود أدلة تسنده إلا أننا نتغاضى عن ذلك (فالوزير الذي ضحى بوظيفة مرموقة يسيل لها لعاب الكثيرين، لا يحتاج إلى من يدافع عنه)، ولكن دعونا نتساءل؛ هل إذا توافقت توصيات مؤسسات التمويل الدولية مع رؤية خبرائنا الإقتصاديين يُعد ذلك خنوعاً وإذعاناً لشروط هذه المؤسسات الدولية؟ وهل هذه المؤسسات تمنح أموال دافعي الضرائب بالدول الأطراف المُنتمية إليها، وتشطب ديونها أو تقدم أموالها لدولة تهدر لا تستوفي هذه المعايير (ليست شروط إذعان كما يحاول البعض تصويرها) وتبدد أموال دافعي الضرائب وتمنحها لدولة تُسيء إدارة شأنها العام (Bad Governance)، إذ أن مؤسسات التمويل الدولية موْتمنة على حُسن إدارة أموال أعضائها، ويخضع وزراء المالية ومجالس إدارات مؤسسات التمويل الدولية للرقابة الصارمة والخضوع للمُساءلة والمُحاسبة.
    واهم من يظن أن هنالك منح وهبات بدون مقابل في المؤسسات الدولية والعلاقات الثنائية والمتعددة، كما أن علينا الانفكاك من أسر شعارات حقبة الحرب الباردة، وترك خيار المذهب أو المدرسة الإقتصادية لكلمة الشعب عبر التصويت في الإنتخابات القادمة على البرنامج السياسي والاقتصادي الذي تطرحه الأحزاب على الناخبين، وعندها "الحشاش يملأ شبكته".
     إن الزعم بأن رفع الدعم (وهو في الحقيقة ليس رفعاً للدعم بل ترشيده وتحويله لمن يستحقه) فالحكومة لا تزال تدعم البنزين التجاري بحوالي خمسين في المئة (50%)، حتى بعد رفع سعر لتر البنزين التجاري من ستة جنيه تقريباً إلى ثمانية وعشرين جنيهاً، لذا ينبغي الإلتزام بالحقائق وعدم تغبيش وعي الجماهير بدلاً عن توعيتها بمصالحها- التي لا تتحق بدعم البنزين.
     هل يؤدي دعم البنزين بهذه التكلفة الخُرافية إلى تخفيف حدة الفقر الذي يرزح تحته 60% من السُكان، وهل يملك الشخص الذي يبلغ دخله الشخصي اليومي واحد دولار فقط سيارة خاصة؟! ليستفيد من دعم البنزين، أن هذا الدعم يذهب إلى المُترفين اكتنزوا الأموال وامتلكوا العقارات وامتطوا السيارات الفارهة من عضوية المؤتمر الوطني الفاسدة المُفسدة؟!.
     هل وصل وصل صُناع القرار والخُبراء الحاكمين حالياً من أبناء وبنات الفُقراء والطبقات الكادحة إلى ما هُم/هُن فيه من إنتقال طبقي نتيجة لدعم حكومة الاستعمار والحكومات التي تلتها للبنزين والرغيف، أم نتيجة لدعم التعليم (بل مجانيته) في كُل المراحل الدراسية بما في ذلك التعليم الجامعي والدراسات العُليا؟!، وهل تم إنتشالهم/انتشالهم من حُفرة الفقر بسبب دعم الرغيف أم بسبب توفير الرعاية الصحية المجانية "اتقوا الله في أهليكم ولا تغبشوا رؤيتهم وتقودوهم إلى ما هو ضد مصلحتهم".
     في الختام يقول المثل السوداني "كُل شوكة بيسلوها بمنقاشه" فدعونا نُعالج مشاكلنا بموضوعية وبدون تطرف والتمسك بمواقف صمدية لا تلائم مقدرات الدولة الإقتصادية والمالية، كما على الحاضنة السياسية لهذه الحكومة "عدم إغتصاب الدور التشريعي، وممارسة حق النقض-الفيتو" والكف عن التدخل المُفرط في أداء الحكومة الإنتقالية.
    وعموماً ورغم كُل ما قيل فلن تُـجدي هذه الحلول وتؤتي اُكلها إلا إذا تمت في إطار برنامج إقتصادي إستناداً على: حُطة إستراتيجية للتنمية الريفية المُستدامة المُتكاملة الشاملة في السودان، يكون محور عملها هو المواطن البسيط بالريف والهامش. "هذا موضوع سوف نتناوله بمُساهمة أكثر تفصيلاً وعُمقاً، قريباً إن شاء الله".
    والسلام عليكم ووفقنا الله لخدمة وطنا الحبيب وشعبنا الذي أنفق على تعليمنا وتأهيلنا،
    وعلينا رد الدين بما يستحقه هذا الشعب العظيم وثورته الفريدة، ووفاءً لتضحيات شُهداء الثورة الأبرار.
    *********************
    د. مهدي إسماعيل مهدي – بريتوريا/جنوب إفريقيا- (20/مارس/2020)
    - بكالريوس إقتصاد زراعي- كلية الزراعة/قسم الإقتصاد الريفي – جامعة الخرطوم
    - ماجستير تخطيط التنمية – جامعة لندن
    - دكتوراه "إدارة الموارد الطبيعية وتحدي التنمية الريفية في السودان" - جامعة جنوب إفريقيا
    [email protected]
    الرجوع إلى أعلى الصفحة
    © 2020 sudanile.com
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

06-30-2020, 03:10 AM

طلعت الطيب
<aطلعت الطيب
تاريخ التسجيل: 12-22-2005
مجموع المشاركات: 5534

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: توثيق متواضع لسيره الراحل المقيم د. مهدى ا (Re: طلعت الطيب)


    هوامش على تقرير الأستاذ/ عوض عبدالرازق-1952
    9 يناير، 20120


    هوامش على تقرير الأستاذ/ عوض عبدالرازق-1952

    مهدي اسماعيل مهدي عثمان
    [email protected]

    – أصبحت هذه الوثيقة الصادرة قبل ستة عقود (أكتوبر 1952) جزءاً من التاريخ السياسي للسودان، ولذا فم من حق كُل الأجيال الإطلاع عليها.
    – اعتقد أن في نشرها والتأمل في ما إحتوته من أفكار ثاقبة رداً لإعتبار المرحوم/ عوض عبدالرازق، ومجموعته النيرة بقيادة، المرحوم/ عبده دهب حسنين، والتي ضمت عبد الوهاب زين العابدين، ود. حسين وني، وتيدي لاركن جيمس، إلخ.
    – لقد أثبتت الأحداث مدى بُعد نظر عوض عبدالرازق ورفاقه، وقد صدع بذات الرؤى والأفكار الأستاذ المرحوم/ الخاتم عدلان في ورقته الموسومة “آن أوان التغيير” ؟ وسوف ننشرها عليكم لاحقاً، إثراءاً للنقاش، (نرمي بحجر غيرنا في البركة الساكنة، عسى ولعل!!!).
    – لا تزال حملات التشويه تترى على عوض عبدالرازق ورفاقه، وآخر دليل على ذلك مقال الزميل/ تاج السر عثمان (السر بابو) بتاريخ 06 يناير 2012، والمنشور في صحيفة سودانايل بعنوان “كيف ارتبطت الماركسية بالواقع السوداني”. ولعل في نشر هذا التقرير تصحيح وتفنيد للمُغالطات الواردة في مقال تاج السر (وأرجو منه أن يتحرى الصدق والدقة).
    – يؤكد الواقع الراهن وغياب أي مُبادرات فكرية وحالة الجمود التي تعتري الحزب الشيوعي السوداني منذ غياب الشهيد/ عبد الخالق محجوب قبل أربعين عاماً (26/07/1971)، الحاجة إلى إثارة الحوار من جديد حول كثير من المُسلمات الصمدية.
    – لقد تعرضت الحركة الشيوعية العالمية إلى زلزال البريسترويكا قبل ربع قرن (وقد ذهب البعض إلى إعتباره نهاية التاريخ-فوكاياما)، كما قامت قيامة الحزب الشيوعي السوداني قبل أربعين عاماً (يوليو 1971)، ولا بُد أن يكون لهذه الأحداث آثار عميقة على مسيرة اليسار السوداني.
    – أتمنى منكم جميعاً الإدلاء بدلوكم بكُل موضوعية وتقدير للرأي الآخر.
    – ختاماً؛ حصلت على صورة من هذه الوثيقة المكتوبة بخط اليد من الصديق/ خالد عبده دهب، ولأن عامل الزمن جعلها باهتة فقد رأيت أنه من الافضل طباعتها حتى تسهل قراءتها.

    مهدي إسماعيل
    بريتوريا/ 08/01/2012
    تقرير الأستاذ عوض عبد الرازق
    المُقدم إلى:
    مؤتمر الحركة السودانية للتحرر الوطني
    في أكتوبر 1952and#8195;

    تقرير السكرتير التنظيمي للحركة السودانية للتحرر الوطني عن الفترة من يوليو 1947 – أكتوبر 1952



    ؟ التحية لكفاح الشعب السوداني ضد الاستعمار.
    ؟ التحية للجماهير التي أحبطت مؤامرة الجمعية التشريعية.
    ؟ التحية لحركات التحرر الوطني وهي تحقق الانتصار تلو الانتصار.
    ؟ التحية لثورة مصر.
    الرفاق الأعزاء:-
    من الأهمية بمكان الاعتراف بنمو وتطور المقاومة ضد الاستعمار البريطاني الجاثم على صدر شعبنا، ذلك النمو الذي نشهده في اتساع النشاط الشعبي الناجح في تأسيس هيئة شئون العمال والاتحاد النسائي ومؤتمر الشباب واتحاد الكلية الجامعية. تلك الخطوات الأولى لمقاومةٍ شعبية تراكمت حتى تفجرت تظاهرات رافضة للجمعية التشريعية مما أجبر القيادات التقليدية للتصدي للمهام الوطنية والسير قدماً في إفشال المؤامرة الاستعمارية لتدجين الحركة الوطنية واحتوائها. معلوم لدينا أن أهداف الأحزاب قد صيغت بإحكام حتى تحدد مستقبل البلاد السياسي ؟ الاستقلال أو الاتحاد، أي أنها اهتمت بقضية التحرير وأغفلت عن عمد قضية البناء والتعمير التي هي جوهر برنامج الحركة السودانية للتحرر الوطني الداعي للتنمية والتغيير الاجتماعي العميق الذي يفضي إلى طريق وطن ديمقراطي يسير بشعبنا نحو الاشتراكية ؟ الطريق الوحيد للتطور والتقدم في هذا العصر، وقد أثبتت الحركة السودانية للتحرر الوطني أنها بؤرة المقاومة التي التف حولها الشعب منذ مولدها. وقد أسهم الرفيق عبدالوهاب زين العابدين في بناء قواعدها رغم الاخفاقات التي تجلت في تبني حق تقرير المصير تحت التاج المصري، وضُرب حولها سوراً من العزلة حتى تاهت في دهاليز السرية بعيداً عن مهامها في نشر الفكر التقدمي العلمي المناهض حقاً للاستعمار البريطاني مما أفقد الحركة فرصاً عزيزة في الانتشار وتوسيع قواعدها. وبمجرد تكليفي من اللجنة المركزية بتحمل مهام السكرتير التنظيمي في يوليو 1947 عملت مع المكتب السياسي على انتهاج خط سياسي جديد يتجه نحو الشعب مباشرة فعمدنا إلى نشر الفكر الماركسي بين عضوية الحركة على أسس منظمة مما أتاح للحركة فرص استقطاب أعضاء جدد من الطلاب والخريجين فتأسست المنظمات الجماهييرية التي أعطت حركتنا المقدرة على التصدي لقضية الجمعية التشريعية ودفع الأحزاب الاتحادية دفعاً لمعركة الشارع التي خضناها بجدارة وكانت تمريناً عملياً أكد قدرة وعمق جذور الحركة في تُربة الواقع السوداني. تلك الانتصارات قد ألقت على عاتق الحركة مهام جديدة نوجزها فيما يلي:
    أولاً؛ توسيع قاعدة عضوية الحركة كمياً ونوعياَ، وذلك بالغوص في صفوف الشعب على مختلف طبقاته وفئاته مما يجعلنا نطور نهج المواجهة الذي بدأته الحركة في أحداث الجمعية التشريعية إلى تحالف وطني عريض معادٍ للوجود الاستعماري، وعلى هذا الطريق علينا الاهتمام بالقضايا التالية:



    a) إبعاد كل خط سياسي يدعو للانغلاق والعزلة ولا يدعو لإستقلالية منبر الحركة، أو يدعو للذوبان في الأحزاب الأخرى. فالطريق هو تأكيد شخصية الحركة المستقلة من خلال المعارك اليومية التي تستطيع أن تثبت من خلالها طليعيتها وقدرتها القيادية للحركة الوطنية وفي سبيل إجلاء الاستعمار والتحرير. لذلك نؤكد أهمية وجود جبهة شعبية واسعة معادية للاستعمار حتى تؤدي تلك المهمة في طريق الكفاح المشترك بين شعبي وادي النيل ضد الاستعمار.
    b) تحجيم الخط اليساري المتعجل الداعي للقفز فوق المراحل بتحويل الحركة السودانية للتحرر الوطني لحزب شيوعي (ماركسي لينيني) مستنداً على العمَّال والمزارعين والمثقفين الثوريين وذلك للأسباب الآتية:
    – طبقة العمَّال في بلادنا مازالت طبقة وليدة تنحصر في عمَّال الخدمات (سكة حديد، البريد، موانئ، نقل نهري) وهؤلاء جميعاً دورهم مساعد وثانوي. فالعمَّال طبقة مازالت في طور التكوين ولم يكتمل تطورها ولن يكتمل إلا في ظل الثورة الوطنية الديمقراطية التي من مسئولياتها الرئيسية تحقيق بناء صناعي واسع يجعل من العمَّال طبقة قائدة وقادرة على بناء حزبها الطليعي القوي الذي يسير بها وبالمجتمع نحو الاشتراكية.
    – أما المزارعون فيطابقون في وعيهم مستوى الانتاج الزراعي، فالزراعة في كل السودان ما زالت زراعة اكتفائية (subsistent agriculture) موسمية وحتى أرقى أشكالها (مشروع الجزيرة ومشاريع الإعاشة) ضعيفة وليست ذات أثر. ولم يشكل المزارعون كطبقة اجتماعية ذات هموم ومطالب ووعي يؤهلها لتحقيق تحالف العمال والمزارعين.
    – الفكر الماركسي اللينيني ما زال فكراً منحصراً في أوساط الأفندية الذين يعانون أبلغ معاناة في فهم فلسفته كفكر بعيداً عن الشعارات. فإنشاء حزب شيوعي على تلك الأسس والمعطيات يعد عمل سطحي يساري طفوليَّ لا سند له سوى الجمل الثورية غير المستوعبة للظروف الوطنية وهذا يؤكد تناقض جوهري ينفي العملية ويبرز ممارسة تقليدية تعتمد على التلقين والإشارة. فنقل تجارب الشعوب والأمم من حولنا دون فهم ظروفنا الخاصة مستلهمين في ذلك التجارب يعد عبثاً خطيراً. فالمتتبع لتجارب التاريخ يعرف أن الثورات العظيمة لا تنبثق إلا من استيعاب الشروط الموضوعية والذاتية وعلى رأسها فهم التاريخ والتراث والتقاليد وإخضاعها للنهج الذي استفاد من كل الثقافة الإنسانية الجديدة والظروف الخاصة لكل قطر من الأقطار.



    – إن طريق التعجل السياسي ينذر بفقدان الحركة السودانية للتحررالوطني مواقعها كطليعة ديمقراطية يلتف حولها أكثر أبناء شعبنا ذكاءاً وإذا تعارضت مع قيم وتراث فإنشاء حزب شيوعي يدعو إلى الاشتراكية لم يحن أوانه بعد وربما يدفع نحو المقامرة التي لا تراعي المراحل، وقد يحدث شرخاً عظيماً في وجدان المجتمع ويهدم كل البناء ولعمري إنه طريق الفشل.
    ثأنياً؛ الحركة السودانية للتحرر الوطني غرست أقدامها عميقاً في أوساط الشعب باجتذابها العناصر المستنيرة والفئات الأكثر وعياً أو مصلحة (طلاب، موظفين، عمَّال.. إلخ) مما يرشحها لأن تلعب دوراً هاماً في البناء الوطني الديمقراطي بالرغم من وجود عقبات أساسية نوجزها في:-
    a) نشأة الحركة الوطنية السودانية تحت تأثير الزعماء الدينيين (المهدي والميرغني) وهما يعملان على تأكيد تأثيرهما بشكل طائفي وكلما زاد دورهما ضعف النشاط الديمقراطي. فدورهما علامة ضعف أساسية للديمقراطية. فالحركة السودانية للتحرر الوطني معنية أكثر من غيرها في ترسيخ قيم الديمقراطية بتوجيه نشاط المنابر الديمقراطية بعيداً عن السقوط في أحضان الزعماء الدينيين، فهم دائماً ما يعملون على تغذية البذور الطائفية المهددة للتطور الحُر الديمقراطي.
    b) من المهددات للتطور الديمقراطي اليسارية الطفولية التي تتعجل الانجازات وتتجاوز المراحل في التطور الوطني بغرض فرض خيارات تتناسب مع الظروف الموضوعية على نحو الدعوة لتحويل الحركة السودانية للتحرر الوطني لحزب شيوعي مما يؤسس للعزلة والقطيعة بين الشيوعيين والديمقراطيين وينفرط عقد تحالفاتهم ودورها الرائد كمنبر ديمقراطي تأسس من خلال نضال الديمقراطيين والوطنيين بالدرجة الأولى.



    c) ومن المخاطر المهددة للتطور الوطني الديمقراطي الوجود الاستعماري الذي أسس نظام حكم على النمط الاستبدادي العسكري. فمنذ اليوم الأول للغزو الاستعماري ترسخت أقدام التسلط المعادية للديمقراطية فالحاكم العام وسكرتيريه هم كل المؤسسات (تشريعية ؟ تنفيذية – قضائية) فلا يمكن الحديث عن ديمقراطية في ظل هذا الدمج. فهذه التقاليد التي يجب أن يمحوها نشر الوعي الديمقراطي كي لا تظل نقطة ضعف وطريقاً مفتوحاً نحو سيادة التسلط الاستبدادي وبذرة للديكتاتورية. فمن الضروري أن تعمل الحركة السودانية للتحرر الوطني على نشر الوعي الديمقراطي حصاراً لبذرة الاستبداد التي تشيد لنفسها موقعاً في أرضية البناء القائم الآن.
    ثالثاً؛ منذ تولي المكتب السياسي مهامي كسكرتير تنظيمي وتكليفي سكرتيراً عاماً أخذت الحركة السودانية للتحرر الوطني تسير في علاقاتها الخارجية في طريق الانكفاء على الحزب الشيوعي السوفيتي والبلدان الاشتراكية. ونعتقد أن هذه العلاقة ضرورية وتكتسب أهمية استراتيجية ولكنها لا تتعارض مع العلاقات بحركات التحرر الوطني العربية والأحزاب اليسارية في آسيا وأفريقيا واضعين في الاعتبار أهمية الأحزاب الشيوعية واليسارية والديمقراطية في أوروبا وذلك لكي تكتسب الحركة حلفاء وأصدقاء جدد لقضية الشعب السوداني في طريق الحرية وحق تقرير المصير والاستقلال وتحقيق مهام الثورة الوطنية الديمقراطية التي تحتاج إلى أصدقاء ديمقراطيين عاجلاً أم آجلاً.
    رابعاً؛ ما زال من واجبات الحركة السودانية للتحرر الوطني المركزية تحقيق تحالف شعبي واسع معاد للاستعمار حتى تتحقق مهمة إجلاء الوجود الأجنبي والسير في طريق الثورة الوطنية الديمقراطية التي من أسسها الضرورية ذاك التحالف الجبهوي العريض. فعلينا منذ الآن تكثيف الجهود من أجل جبهة معادية للاستعمار كمقدمة لجبهة وطنية ديمقراطية تجعل الاستقلال السياسي يتكامل مع الاستقلال الاقتصادي والسير في طريق التطور اللارأسمالي.
    خامساً؛ بعد انتقالي إلى مدينة بورتسودان في يناير 1949م انتقل تكليفي كسكرتير تنظيمي إلى المكتب السياسي الذي كلف سكرتيراً عاماً. وما زلت لا أرى ضرورة لتوسيع الهياكل التنظيمية للحركة وأن تطور المهام يجب أن يسير تدريجياً مع نمو الحركة وزيادة عضويتها وقدراتها المادية وهذا لحماية الحركة من الاتجاهات اليسارية المتعجلة واليمينية التي ما زالت لم تستوعب العالم الجديد الآخذ في الظهور فاتحاً الباب واسعاً للاشتراكية وانتصار حركات التحرر الوطني وبناء عالم جديد تسود فيه قيم الديمقراطية والعدالة.
    المجد والنصر لكفاح الشعب السوداني
    المجد والنصر والخلود للحركة السودانية للتحرر الوطني طليعة الديمقراطية
    النصر حليف حركات التحرر الوطني في العالم أجمع

    أكتوبر 1952
    عوض عبد الرازق
    السكرتير التنظيمي للحركة السودانية للتحرر الوطني

    تعليق:-
    عليه انقسمت الحركة إلى تيارين الأول بقيادة عبد الخالق محجوب عثمان والذي سمى نفسه بالحزب الشيوعي السوداني، والثاني بقيادة عوض محمد عبد الرازق والذي سمي بالحركة الديمقراطية السودانية، والتي انقسمت هي الأخرى لتبقى هذه الوثيقة مؤكدة العمق الفكري لتيار عوض عبد الرازق الذي تبعثر بفعل الشروط الدولية والإقليمية والمحلية ولم يبق منه غير مجلس عبده دهب.

                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

06-30-2020, 03:22 AM

طلعت الطيب
<aطلعت الطيب
تاريخ التسجيل: 12-22-2005
مجموع المشاركات: 5534

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: توثيق متواضع لسيره الراحل المقيم د. مهدى ا (Re: طلعت الطيب)



    كيف ارتبطت الماركسية بالواقع السوداني؟ا


    نشر بوساطة تاج السر عثمان في الراكوبة يوم 06 - 01 - 2012



    كيف ارتبطت الماركسية بالواقع السوداني؟
    تاج السر عثمان
    [email protected]
    * معروف أنه عندما تأسست الحركة الوطنية للتحرر الوطني ( الحزب الشيوعي فيما بعد) في اغسطس 1946م، كان الشعاران المطروحين: \"وحدة وادي النيل تحت التاج المصري\" ، و\"السودان للسودانيين تحت التاج البريطاني\" . باستخدام المنهج الماركسي تمت دراسة الواقع ، وتوصلت الحركة السودانية الي الشعار البديل المناسب وهو: الجلاء وحق تقرير المصير ، والكفاح المشترك بين الشعبين المصري والسوداني ضد الاستعمار. وكان هذا هو الشعار الذي التفت حوله الحركة الوطنية فيما بعد وكان استقلال السودان عام 1956م بعيدا عن الاحلاف العسكرية.
    ونتيجة لدراسة واقع السودان وخصائصه وقتها رفض الحزب الشيوعي صيغة النقل الاعمي لتجربة الكفاح المسلح علي نمط التجربة الصينية ، والتي طرحت عام 1952م، وقدر ايجابيا خصوصية نضال شعب السودان الديمقراطي الجماهيري الذي افضي الي الاستقلال، وتم تطوير تكتيك النضال السياسي الجماهيري والتحالفات الواسعة في مقاومة ديكتاتوريتي نظام عبود والنميري ، حتي تمت الاطاحة بهما عن طريق الاضراب السياسي العام والعصيان المدني، واصبح ذلك من التجارب المستقرة والتي نستلهمها في سبيل تكوين اوسع جبهة لاسقاط نظام الانقاذ الراهن.
    *وبعد الاستقلال رفض الحزب الشيوعي شعار الاتحاديين \" تحرير لاتعمير\"، وطرح شعار \" لاتحرير بلا تعمير\"، وأن الاستقلال السياسي وحده لايكفي، بل يجب استكماله بالاستقلال الاقتصادي والثقافي، بانجاز مهام الثورة الوطنية الديمقراطية، وطور الحزب هذا الخط في برامجه المجازة في المؤتمرات الثالث والرابع والخامس.
    كما انتقد الحزب الشيوعي موقفه الخاطئ من اتفاقية 1953م، وقدر دورها الايجابي من زاوية أنها كانت نتاج لنضال الشعب السوداني .
    وفي تلك السنوات الباكرة من تأسيس الحركة السودانية للتحرر الوطني(حستو)، كان حسن الطاهر زروق \"النائب الشيوعي\" في أول برلمان سوداني يقول: ان شعب السودان سوف يشق طريقه الخاص باستقلال للاشتراكية وان التجربة السوفيتية ليست ملزمة له، وأن نظام الحزب الواحد ليس هو الطريق الامثل، اضافة الي ضرورة ارتباط الاشتراكية بحرية الضمير والمعتقد..
    *ومن مدخل الاهتمام بالمسألة الوطنية والتنوع اللغوي في السودان نلاحظ ترجمة الاستاذ عبد الخالق محجوب لمقالة ستالين : \"الماركسية وعلم اللغات\"(1954)، وواصل الشهيد عبد الخالق محجوب اهتمامه بهذا الموضوع حيث ورد في وثيقة (حول البرنامج) اخر كتابات عبد الخالق (1971) ما يلي بشأن المسألة القومية/ القبلية واللغات :( بالنسبة للتجمعات القومية والقبلية الاكثر تخلفا وفيما يختص بالثورة الثقافية الديمقراطية . لابد من التشجيع الفعلي للنمو الحر لثقافات هذه المجموعات. أ- بعث لغات ولهجات هذه المجموعات، وأن تعمد الدولة الوطنية الديمقراطية بجدية الي تشذيب تلك الأدوات، والتوسل بها في التعليم ( ووفقا للتجارب التربوية في هذا المضمار) وفي النهضة الثقافية الشاملة.ب - ان تصبح هذه الثقافات جزءا من المكونات العضوية للثقافة السودانية).
    وواصل الحزب اهتمامه بمشاكل القوميات الأقل تخلفا أو القطاع التقليدي، في وثائقه مثل: \"الماركسية وقضايا الثورة السودانية\" 1967م، و\"القطاع التقليدي والثورة الوطنية الديمقراطية\" 1976، ووثيقة \"المؤتمر الدستوري\" 1988م. وفي اوائل الخمسينيات ، كون الحزب الشيوعي لجنة لدراسة مشكلة الجنوب ، ونتيجة لدراسة واقع المشكلة ، وبعيدا عن المنقول من الكتب الماركسية، توصل الحزب الي شعار الحكم الذاتي الاقليمي ، والاعتراف بالفوارق الثقافية بين الشمال والجنوب ، وحق الجنوبيين في استخدام لغاتهم المحلية في التعليم ، وقد طور الحزب ذلك لاحقا في عام 1994م، بطرح حق تقرير المصير كحق ديمقراطي انساني ، مع بذل اقصى الجهد في الدفاع عن وحدة الوطن وقيام دولة المواطنة التي تسع الجميع غض النظر عن الدين أو اللغة أو العرق أو الثقافة، كما دافع الحزب بثبات عن المساواة الفعلية بين المرأة والرجل.
    كما نلاحظ ترجمة عبد الخالق لمؤلف الماركسي الممتاز بليخانوف ( تطور النظرة الواحدية للتاريخ)، من مدخل الدراسة العميقة لتطور المجتمع في المفهوم المادي للتاريخ وربطه بالواقع السوداني، بعيدا عن الفهم الجامد للماركسية، مما يشير الي اتساع الافق لدراسة الواقع بذهن مفتوح.
    *كما دافع الحزب عن الحقوق والحربات الديمقراطية والسياسية والنقابية ، وطور موقفه من الديمقراطية في وثيقة ل.م \" جبهة للديمقراطية وانقاذ الوطن 1977م\"، ووثائق المؤتمر الخامس( التقرير السيياسي والبرنامج والدستور)، ورفض نظام الحزب الواحد والشمولية والتاكتيك الانقلابي للوصول للسلطة، ورفض استغلال الدين في السياسية لخدمة مصالح طبقية دنيوية ضيّقة، وطرح \"الدولة المدنية الديمقراطية\" في وجه دعاوي \"الدولة الدينية\" التي تصادر الحقوق والحريات الديمقراطية باسم الدين والدستور الاسلامي. كما صمد الحزب أمام الحملات الفاشية الشرسة بهدف اقتلاعه من الحياة السياسية عن طريق الاعتقالات والتعذيب والاعدامات والنفي والتشريد، كما حدث بعد انقلابات: نوفمبر 1958، ويوليو 1971م، ويونيو 1989م.
    كما طور الحزب منهجه الماركسي لدراسة الواقع في المؤتمر الرابع 1967م، كما جاء في التقرير السياسي الذي اجازه المؤتمر وصدر بعنوان\" الماركسية وقضايا الثورة السودانية\"، وباعتبار أن دراسة الواقع بهدف معرفة تركيبة البلاد الاقتصادية والاجتماعية والطبقية والثقافية وتجديد هذه الدراسة باستمرار مع المتغيرات المحلية والعالمية، يساعد في فهم الواقع بهدف تغييره، ويربط الحزب اكثر بواقع وخصائص السودان ويحصنه من أمراض الجمود.
    * أما علي مستوي تنظيم الحزب فقد بدأ الصراع ضد اسلوب عمل أول لجنة مركزية للحركة السودانية للتحرر الوطني كما جاء في كتاب عبد الخالق محجوب (لمحات من تاريخ الحزب الشيوعي السوداني)، تلك القيادة التي لم تبرز وجه الحزب المستقل ، واختزلت التعليم الماركسي في بعض النصوص الجامدة – ولم تدرس أوضاع البلاد أو تحاول دراسة واقع البلاد من زاوية الماركسية ، ولم تتجه لبناء الحزب وسط الطبقة العاملة ، بل الأخطر من ذلك كله أن الحزب لم يتوطد فيه دستور ، بل ظلت العلاقات بين أعضائه وهيئاته تسودها الاتجاهات الشخصية اكثر من الروابط التنظيمية، وهذا الصراع كان خطوة هامة في مواجهة الجمود . أشار عبد الخالق الي أن الصراع والنقد بدأ يبرز ضد هذا الاتجاه، وتوصل الصراع والنقد عام 1947م الي حل المسائل التالية: بناء فروع وسط الطبقة العاملة وترقية كادر عمالي وسط القيادة، وضع دستور للحزب، اصدار مجلة الكادر الداخلية(الشيوعي فيما بعد)،وصحفه السياسية الجماهيرية مثل: اللواء الأحمر والتي تغيرت الي \" الميدان\" عام 1954م، وصحفه الثقافية مثل: مجلتي \"الوعي\" و\"الفجر الجديد\"، واصدار منشورات مستقلة باسم الحزب، تصعيد النشاط السياسي الجماهيري المستقل ضد الاستعمار عام 1948م، حل مشكلة التحالف مع الرأسمالية الوطنية علي أساس التحالف والصراع، الدخول في جبهة الكفاح ضد الجمعية التشريعية وتصعيد النضال ضدها.
    وبعد معارك الجمعية التشريعية (1948) ، تواصل الصراع من أجل ترسيخ الديمقراطية في الحزب، وضد اسلوب ومنهج عمل اللجنة المركزية بقيادة عوض عبد الرازق (سكرتير الحزب) ، واستمر الصراع ضد هذه القيادة والتي قيدت نشاط الحزب المستقل ، هذا اضافة لضيق العمل القيادي وغياب الديمقراطية في الحزب ككل، وكانت العلاقات بين اللجنة المركزية والمستويات التنظيمية الأولي تنحصر في اصدار القرارات وتنفيذها ، ولم يكن في الحسبان مناقشة قرارات ل.م ناهيك عن انتقادها( التجاني الطيب، مجلة الشيوعي، العدد 150). وكان من نتائج هذا الصراع أن انبثقت فكرة المؤتمر التداولي الذي انعقد عام 1949م، وجاء كشكل أرقي لتوسيع الديمقراطية ومشاركة الحزب ومحاسبة اللجنة المركزية عن أدائها. انجز المؤتمر التداولي تعديلات في لائحة الحزب لتتلائم مع تطور الحزب وجرى كفاح ضد الانحلال التنظيمي والعلاقات الفردية ليحل محلها الضبط التنظيمي والعلاقات المبدئية. كما عملت اللجنة المركزية لدعم الديمقراطية في الحزب فاجرت انتخابات القادة (بعد المؤتمر التداولي)، وعقد أول مؤتمر للحزب عام 1950م، كما تم نشر قرارات المؤتمر التداولي لأعضاء الحزب في مجلة \"الكادر\"لابداء الرأى حولها.
    المؤتمر الأول اكتوبر 1950: طرحت اللجنة المركزية في ذلك المؤتمر قضايا سياسية وفكرية وتنظيمية أمام المؤتمر لاتخاذ قرارات بشأنها ، كانت تلك أول مرة يحدث فيها ذلك في تاريخ الحزب ، كما أجاز المؤتمر الدستور الذي ساهم في الاستقرار التنظيمي، والذي تطور في مؤتمرات الحزب اللاحقة: الثاني 1951م والثالث 1956 والرابع 1967، والخامس 2009 م ، وكان من نتائج المؤتمر ايضا انتخاب اللجنة المركزية والتي قبل ذلك كانت عضويتها تكتسب بالتصعيد ( أى بقرار منها بضم اعضاء لها)، وتلك كانت ايضا خطوة حاسمة في الصراع ضد الجمود ومصادرة الديمقراطية في الحزب. كما أشار المؤتمر الي ضرورة ربط العمل الفكري بالعمل الجماهيري واستقلال الحزب في نشاطه بين الجماهير واعلان موقفه المستقل في كل المسائل من منابره المختلفة، أى رفض المؤتمر اتجاه عوض عبد الرازق الذي كان يقول بدراسة النظرية أولا ، ثم العمل الجماهيري ، علي أن يتواصل نشاط الحزب الشيوعي من داخل الأحزاب الاتحادية.
    بعد المؤتمر الأول وقع الصراع الداخلي ، وكان الرد بفتح المناقشة العامة علي صفحات مجلة الكادر(الشيوعي فيما بعد).طارحا على الأعضاء القضايا مدار الصراع. وكان اتجاه عوض عبد الرازق يرى أن وجود الطبقة العاملة الصناعية ضعيف في السودان ، وبالتالي لاداعي للتسرع بتكوين حزب شيوعي مستقل، وأن يتواصل نشاط الحزب من داخل الاحزاب الاتحادية، كما كان يرى ضرورة دراسة النظرية أولا قبل التوجه لبناء الحزب وسط العمال والمزارعين، ولاداعي لاغراق قيادة الحزب بكوادر عمالية مستواها النظري ضعيف.
    وانعقد المؤتمر الثاني في اكتوبر 1951م، وحسم المؤتمر الصراع الداخلي لمصلحة وجود الحزب المستقل ، وان النظرية ترشد الممارسة والممارسة تغني وتطور النظرية، واقر المؤتمر دستور الحزب الذي نظم حياة الحزب الداخلية وحدد هويته كحزب ماركسي . وبعد المؤتمر وقع انقسام مجموعة عوض عبد الرازق ، وقررت اللجنة المركزية طرد المنشقين.
    واضح أن اتجاه مجموعة عوض عبد الرازق كان اتجاه عزلة وجمود( دراسة النظرية بمعزل عن الواقع ، اخفاء هوية الحزب ، العمل فقط من داخل الأحزاب الاتحادية..).
    هكذا من خلال صراع الأفكار، بدأت تكون هناك حيوية داخل الحزب ، ومن خلال الصراع ضد الجمود بدأت تتسع الديمقراطية داخل الحزب ( المجلة الداخلية، المؤتمرات ، الاجتماعات الموسعة، انتخاب اللجنة المركزية، فتح المناقشة العامة..حسم الصراع ديمقراطيا بالتصويت ،..الخ)، ولكن مجموعة عوض عبد الرازق لم تقبل رأى الأغلبية بروح ديمقراطية، ومواصلة ابداء وجهة نظرها من داخل الحزب ، ولجأت الي التآمر والانقسام، وفشلت في تكوين تنظيم جديد.وكانت تلك تجربة مفيدة للحزب حصنته ضد الانقسامات التي هدفت لتصفية الحزب والتخلي عن طبيعته الطبقية ونظريته الماركسية مثل: انقسام 1970،وانقسام 1994م.
    وفي دورة اللجنة المركزية مارس 1953م، اشارة الي ضرورة بناء الحزب كعملية ثابتة وفي كل الظروف مدها وجزرها ، كما طرحت ضرورة بناء الحزب علي النطاق الوطني ليصبح حزبا شعبيا وتحويل الحزب الي قوى اجتماعية كبري . وكذلك طرحت وثيقة \"خطتنا في الظروف الجديدة\"، الصادرة في يناير 1954م، السؤال: كيف يتم تحويل الحزب الي قوة اجتماعية كبري؟.كما أشارت الي ضرورة تقوية الحزب سياسيا وفكريا وتنظيميا، كما أشارت الي أن عملية بناء الحزب تتم في كل الظروف جزرها ومدها.وتعميق جذور الحزب وسط الطبقة العاملة.
    كما أشارت وثائق تلك الفترة الي الاهتمام بالمرشحين وفترة الترشيح، والارتباط بالجماهير كما جاء في وثيقة \"اصلاح الخطأ في العمل بين الجماهير 1963م\" وفهم مشاكلها وقيادتها قيادة يومية، اضافة الي تأمين الحزب ومحاربة روح الغفلة ، وضرورة الاهتمام بالعمل الاصلاحي: الجمعيات التعاونية، محو الأمية، الأندية الرياضية والثقافية .. الخ. ونجح الحزب في استنهاض حركة جماهيرية واسعة ( بناء الحركة النقابية وحركة المزارعين، والحركة الطلابية، حركة الشباب والنساء،..الخ)، وقيام الجبهة المعادية للاستعمار ، التي لخص عبد الخالق تجربتها في كتاب \"لمحات من تاريخ الحزب الشيوعي السوداني\".
    ومن خلال مواصلة فهم ظروف وخصائص السودان وربط الماركسية بالواقع، يغرس الحزب الشيوعي جذوره اعمق في تربة البلاد، ويشق طريقه المستقل الي الاشتراكية عبر الديمقراطية.




                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

06-30-2020, 03:34 AM

طلعت الطيب
<aطلعت الطيب
تاريخ التسجيل: 12-22-2005
مجموع المشاركات: 5534

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: توثيق متواضع لسيره الراحل المقيم د. مهدى ا (Re: طلعت الطيب)


    Adil Abdel Aati
    الاستاذ عوض عبد الرازق وضرورة رد الإعتبار
    NOVEMBER 23, 2016 · PUBLIC

    مقدمة :
    درجت دعاية الحزب الشيوعي السوداني على وصف الاستاذ عوض عبد الرازق، ثاني سكرتير لذلك الحزب بالانتهازية ، والزعم أنه طالب بحل الحزب الشيوعي وان ينضم الشيوعيين للاحزاب الاتحادية. نجد هذا الهجوم موثقا في كتيب " لمحات من تاريخ الحزب الشيوعي السوداني" لعبد الخالق محجوب عثمان. ثم نجده متكررا في مقالات المسؤول الثقافي للحزب الشيوعي حاليا وعضو اللجنة المركزية لذلك الحزب تاج السر عثمان المشهور بالسر بابو وفي العديد من كتابات وأقوال الشيوعيين. يقول السر بابو ((أى رفض اتجاه عوض عبد الرازق الذي كان يقول بدرسة النظرية اولا، ثم العمل الجماهيري ، علي ان يتواصل نشاط الحزب الشيوعي من داخل الأحزاب الاتحادية. )) ليس هناك كذب أكبر من هذا.
    لقد تعرض الاستاذ عوض عبد الرازق الى حيف تاريخي كبير. ولا ريب ان تخرصات الحزب الشيوعي ضده ووصفه بالانتهازي امر ليس له سند في التاريخ والوثائق. واذا كان البعض قد طالب بالا نحاسب قيادة الحزب الشيوعي في نهاية الاربعينات وبداية الخمسينات لوصف الرجل بالانتهازي بسبب مواقف فكرية متقدمة اعلنها، بإعتبار انهم كانوا شبابا متحمسا وقتها، فما بالك برجال هم فوق الستين ولا يزالون يواصلون هذا التحريض والبهتان على رجل كان من خيرة مثقفي ومناضلي عصره ، لم ينحاز لنظام ولم يخن شعب السودان.الاتهامات الكاذبة :لقد كان عوض عبد الرازق من مؤسسي الحركة اليسارية في السودان. وعمليا قاد الحركة السودانية للتحرر الوطني ( الاسم الاول للشيوعيين) منذ عام 1947 وحتى عام 1949 حين تم ابعاده من منصبه كسكرتير تنظيمي وابتداع منصب السكرتير العام. رغم ذلك لم يتراجع الرجل عن انتماءه وواصل عضويته في ذلك التنظيم حتى تم ابعاده في 1952 بشكل فظ.
    ولقد قام الاستاذ مهدي اسماعيل مهدي عثمان عام 2012م بنشر تقرير الاستاذ عوض عبد الرازق المقدم لمؤتمر الحركة السودانية للتحرر الوطني ( الاسم الأول للحزب الشيوعي السوداني ) في اكتوبر 1952 ، وذلك لاول مرة تقريبا في تاريخ السودان، وهي وثيقة تفضح كذب الاتهامات ضده (ننشرها بذيل هذا المقال). فقد كان الشيوعيون يتهجمون على عوض عبد الرازق ويزورون اقواله دون ان ينشروا كلامه هو شخصيا ، فكانوا في ذلك الخصم والحكم. واستغل الشيوعيون واقعة انهم حزب منظم وهو رجل فرد فنشروا تخرصاتهم عنه جيلا بعد جيل ومقالا بعد مقال، فكان سلوكهم في مثال ساطع لاغتيال الشخصية التاريخي والمرضي والمهووس.
    فالشاهد ان الرجل لم يدع قط لحل الحركة السودانية للتحرر الوطني وتذويبها في الاحزاب الاتحادية ، بل دعا الى العكس حين طرح ((إبعاد كل خط سياسي يدعو للانغلاق والعزلة ولا يدعو لإستقلالية منبر الحركة، أو يدعو للذوبان في الأحزاب الأخرى. فالطريق هو تأكيد شخصية الحركة المستقلة من خلال المعارك اليومية التي تستطيع أن تثبت من خلالها طليعيتها وقدرتها القيادية للحركة الوطنية وفي سبيل إجلاء الاستعمار والتحرير.))
    والشاهد ان الرجل فعلا كان ضد تحويل الحركة السودانية للتحرر الوطني في تلك الفترة (1952) الى حزب شيوعي، والبلاد تواجه مهام مواجهة المستعمر ، والطبقة العاملة ضعيفة او منعدمة . فقد طرح : ((تحجيم الخط اليساري المتعجل الداعي للقفز فوق المراحل بتحويل الحركة السودانية للتحرر الوطني لحزب شيوعي (ماركسي لينيني) مستنداً على العمَّال والمزارعين والمثقفين الثوريين)) . وبعد ان يعدد عددا من الاسباب الوجيهة يقول : ((إن طريق التعجل السياسي ينذر بفقدان الحركة السودانية للتحررالوطني مواقعها كطليعة ديمقراطية يلتف حولها أكثر أبناء شعبنا ذكاءاً، إذا تعارضت مع قيم وتراث شعبنا. فإنشاء حزب شيوعي يدعو إلى الاشتراكية لم يحن أوانه بعد، وربما يدفع نحو المغامرة التي لا تراعي المراحل، وقد يحدث شرخاً عظيماً في وجدان المجتمع ويهدم كل البناء، ولعمري إنه طريق الفشل.)) وبالفعل فقد تحقق ما قاله بالضبط.
    والشاهد ايضا انه بعد رفض افكار الرجل فأنه لم ينقسم كما يشيع الشيوعيون، بل تم طرده ورفاقه من الحركة السودانية للتحرر الوطني التي بناها بالعرق والجهد. يقول عبد الخالق محجوب : ((أنتهي المؤتمر الثاني بانتصار ساحق للأتجاه الثوري داخل الحزب وأنتخبت لجنة مركزية الغلبة فيها للتيار الثوري وللأتجاه القائل بتصعيد حركة الجماهير والأستقلالية ونبذ الجمود وطرد من الحزب كافة العناصر الخائرة والمترددة ودعاة الأنقسامات والنظرات الليبرالية البعيدة عن روح الماركسية وتوجهاتها))
    فهل انقسم الرجل فعلا ام تم طرده عن قصد وبسوء نية وترصد ؟كما يثمن الكثيرون ان عوض عبد الرازق لم يجابد الشيوعيين ويشتمهم كما شتموه بل اسس جمعية هي اقرب للندوة الفكرية الاسبوعية اسمها "الجمعية الوطنية" كانت تتداول في القضايا العامة بفكر ثاقب. يؤرخ الاستاذ محمد عبد الرحمن شمس الدين لذلك فيقول : ((رحم الله عمنا عوض عبدالرازق و قد كان كثير التردد علي دارنا. إذ أن والدي (عليهم الرحمه) كان من ضمن مجموعه عوض عبدالرازق التي إنشقت عن الحزب الشيوعي بدايه الخمسينات.. و كنت بعد أن أن اخدم ضيافه كل المذكورين أجلس معهم رغم صغر سني حينها. كنت أناديه بعم عوض بمبار لمحبته لتلك الاكلة ، و يناديني بماركوني. كان له تاثير قوي علي مستميعه و اذكر أن مشاركيه في المجلس كانو ينصتون له بكل أدب و كان رايه دائما أقوي و تحس فيه عمق التفكير)) ويذكر استاذ محمد عبد الرحمن شمس الدين أن المجموعة كانت تلتقي في افكارها وانهم كانوا يلتقون في محل عبده دهب حسنين بشارع الحرية . أما الأستاذ محجوب علي فإنه يقول: (( فهنا يحمد للمرحوم عوض عبدالرازق انه لم يجير جهد الجميع لقناعته الفردية ولم يقل انا الوطنية والتقدمية لكنه توقع ان لا تؤول جهود دعاة الحرية الي استعمار بلبوس جديد ، يا اخي هذ سبق غرباتشوف وعيا .))
    والشاهد على كذب وتخرص الدعاية الشيوعية ان عوض عبد الرازق بعد خروجه او اخراجه من الحزب الشيوعي لم ينضم لاي من تلك الاحزاب الاتحادية التي يزعمون انه طالب بالاندماج فيها او الانضمام لها، بل لم ينضم اي من اعضاء مجموعته واصدقائه لتلك الاحزاب على كثرتها وقوتها وكونها وصلت السلطة في فترة قريبة بل بقى الرجل ماركسيا مستقلا ووطنيا ومعارضا طوال فترة عبود وما بعد اكتوبر والنميري حتى وفاته فتأمل. كما ان دعوة الرجل لانشاء الجبهة المعادية للاستعمار قد نفذها الشيوعيين من بعد دون ان ينسبوا الفضل في الفكرة للرجل، فتأمل مرة أخرى.
    ومما يشهد على كذب الوصف بالانتهازية ان الرجل لم يملك بيتا حتى مات ، بينما بنى بعض الشيوعيين " غير الانتهازيين" عمارات وبيوتا ذات طوابق ، بعضها من قروض ميسرة من بنوك الاسلامويين. وقد توفي عوض عبد الرازق في قراش ((جراج)) وليس في بيت ، وكان هذا القراش موهوبا له من احد أقاربه. وكانت ورثته وحيلته من الدنيا شنطة كتب، فيا له من انتهازي كبير!. يؤرخ الاستاذ محمد عبد الرحمن شمس الدين الأمر فيقول : ((عندما مات عوض ذهب والدي لاحضار إغراضه (من قراش أحد المنازل الحكومية بالخرطوم شرق، كان قد أعطاه له وكيل الاشغال الباشمهندس المرحوم إبراهيم محمد إبراهيم الذي تربطه به قرابة). الاغراض كانت عباره عن شنطه حديد بها كتب و أعتقد أنه تم إعطائها لاخيه الدكتور جعفر عبدالرازق.))

    من هو عوض عبد الرازق وأي رجل كان ؟
    لقد رصد البعض تاريخ الرجل الذي كان مناضلا ومفكرا كبيرا. فقد كان من اهم القيادات الجماهيرية للحركة الشيوعية في النصف الثاني من الاربعينات. وكان الرجل خطيبا مفوها ومفكرا وذو كاريزما، ولم يكن غريبا ان خرج معه اغلب الكادر المثقف من عضوية الحزب في ذلك الوقت، ومنهم الاستاذة حاجة كاشف بدري من مؤسسات الحركة النسوية في السودان، والاساتذة سيد احمد نقد الله، علي التوم، بدرالدين سليمان، حسن أبوجبل، التيجاني الطيب ( ليس التجاني الطيب بابكر وانما مدير سابق لسونا)، محي الدين عووضه المحامي ، أبوبكر عثمان ، عبده دهب حسنين ( واحد من اقدم الشيوعيين السودانيين)، عبدالرحمن شمس الدين .
    كما يذكر الاستاذ مهدي اسماعيل مهدي عثمان ان من بين من خرجوا معه كان اللدكتور عبد الوهاب زين العابدين عبد التام ( أول سكرتير عام للحزب) ، ود. حسين وني، وتيدي لاركن جيمس الخ . كما تبقى بعض من انصاره في الحزب الشيوعي الا انه تم تصفيتهم من بعد واتهامهم ايضا بالانتهازية لمجر انهم دعوا لتحول الحزب الشيوعي الى حزب يساري ديمقراطي عريض (الأستاذ حسن سلامة). وكان ممن طردوا او خرجوا معه عثمان محجوب عثمان ( الاخ الأكبر لعبد الخالق محجوب) .
    وتحكي الاستاذة الجليلة خالدة زاهر في ذكرياتها التي نشرتها مجلة "الشيوعي" في الثمانينات كيف انها اُبعدت من الحزب الشيوعي في 1952 لمجرد أنها كانت زوجة لعثمان محجوب عثمان ، ورغم انها لم تكن من مجموعة عوض عبد الرازق، فتأمل. ولقد كان الكثير من الشيوعيين يعرفون فضل الرجل ويعلمون ان تخرصات الحزب العجوز عنه كاذبة ، وفي هذا يؤرخ الاستاذ ناظم ابراهيم فيقول : ((سمعت حديثا لعمى يونس الدسوقى وهو من قدامى الشيوعيين وكان لمن يعرفه موسوعة فكرية ولا يتكلم الابالحق. تحدث عن عوض عبد الرازق بكل ود واحترام وقال ان الرجل حتى رحيله ورغم ما تعرض له لم ينطق بكلمه سوء فى حق الحزب الشيوعى.))
    وقد اورد الاستاذ شوقي بدري نفس المعلومة نقلا عن العم الدسوقي. ويقول الاستاذ محمد عبد الرحمن شمس الدين إن (( أحسن من يكتب أو يسأل عن عوض عبدالرازق و فكره من الاحياء هو العم الاستاذ محي الدين عووضة و هو محامي و من أوائل الشيوعيين و مفكر نابه و لا أعرف شخص قرأ و فهم الماركسية مثله، و أختير للتدرٌيس سابقا بجامعه باتريس لومببا و ذهب للتدريس بالبانيا الشيوعيه أيضا. ))
    كما يقول الاستاذ شوقي بدري : ((الاحزاب والتنطيمات ليست دائمة . وهي تتغير وتتحلل وقد تختفي . لكن يبقي الحق والوطن . والحزب الشيوعي ليس بالعجل المقدس . والحزب قد اغتال اعظم الشخصيات لانهم انقسموا او تركوا الحزب . ولقد قال نقد رحمة الله عليه ان من ينصرف بدون ان ينتقد الحزب فسيترك في سلام . ولكن الآخرون سيحرقون. ما كان يذكر اسم الاستاذ عوض محمد عبد الرازق الا ويقول الشيوعيون ، انه انتهازي . وعوض هو اول سكرتير للحزب الشيوعي . ولكنه طرد من الحزب في المؤتمر الثاني في 1951 . لانه كان يقول ان الامر يحتاج لجبهة واسعة معادية للاستعمار . وانه لا وجود للطبقة العاملة في السودان وان المزارعين ينقصهم الوعي السياسي في تلك المرحلة . وكلمة شيوعية بملحقاتها ستنفر الكثيرين . . وكنا نسمع في شرق اوربا ان عوض ومجموعته يريدون ان يذوبوا الحركة في الحزب الاتحادي . والحقيقة ان الحزب الاتحادي تكون في منزل الرئيس المصري محمد نجيب في القاهرة ، اكتوبر 1952 . وهذا بعد طرد عوض ومجموعته . وعوض سجن وحورب في رزقة وانصرف اصدقائه عنه . وعومل كمريض الجذام . وعوض ولد في رفاعة وكان والده مامورا . وهذا كان يجعله من ابناء المصارين البيض . يمكن ان يستمتع بحياة رغدة .عوض عبد الرازق كان يريد ان يكون الحزب يسار الحركة الوطنية . وان يكون حركة تقدمية مفتوحة . ولكن الآ خرون سكروا بالدعاية الشيوعية التي سيطرت علي العالم بعد الحرب العالمية . ولقد كان العقلاء من الحزب يرددون ان عوض كان رجلا شريفا لم يتعرض ابدا للحزب بكلمة واحدة . ولكن وصمة الانتهازية جعلت حياته جحيما ولم يكن يشتكي ابدا .)) – أخطا الاستاذ شوقي بدري فعوض طُرد في عام 1952 والوطني الاتحادي في 1953 ولكن باقي شهادته سليمة تماما، وأنصح بقراءة عموم المقال ففيه معلومات كثيرة عن الاستاذ عوض عبد الرازق.
    حرق عوض عبد الرازق عبر التاريخ:
    ما ذكرناه اعلاه كله يناقض تخرصات الحزب الشيوعي عن الرجل، وهي التخرصات التي شارك فيها ايضا محمد ابراهيم نقد ؛ ونقد مشهور بالاساءة للموتى. فحين سأله الصحفي ضياء الدين بلال عن أنّ الحزب الشيوعي شرس تجاه مخالفيه من المنشقين أو المعتزلين ويميل لأغتيال شخصياتهم وحرقهم معنويا- اجاب قائلا: ((في مجموعات وأفراد خرجوا من الحزب وصمتوا وديل ما عندنا معاهم مشكلة لكن في ناس حاولوا يقسموا ويشقوا الحزب وديل ما عندنا أي رحمة ليهم, ديل ما بنتعامل معاهم بتهاون)) وحينها سأل ضياء الدين الدين بلال: (( وهذه هي الطريقة التي تعاملتم بها مع عوض عبد الرازق ومجموعته؟ )) أجاب نقد ((نعم)).
    يقول أحد الكتاب عن هذا التهجم على الاستاذ عوض عبد الرازق من طرف محمد ابراهيم نقد: (( قد يستغرب البعض لهذه الجرأة في الحديث عن القتل المعنوي خصوصا عندما تصدر من الأستاذ نقد. ولكن واقع الامر أنّ سكرتير الحزب الشيوعي أنما يقرّ واقعا معروفا وممارسة مشاهدة أساءت للكثيرين وعلي رأسهم الأستاذ عوض عبد الرازق. وبعيدا عن الحرق والقتل وقريبا من الموضوعية أحاول في هذا المقال ألقاء بعض الضوء علي رؤي الأستاذ عوض عبد الرازق التي كانت وراء خلافه مع الحزب الشيوعي وقيادته التي أطلقت عليه صفة الأنتهازي التي لازمته حتي القبر وكادت أن تصير له أسما أو هكذا أراد مخالفوه.))
    يقول الاستاذ شوقي بدري في مقال آخر : ((في العاشر من ابريل 1978 قابلت الباقر احمد عبد الله في لندن وكان قد حضر لزيارتي في السويد في يوم 28 ديسمبر 1974 وهو يوم عيد ميلاد عبد الرحمن . واخذني الباقر الي شقة الشريف الهندي . وكان الباقر متمددا في شقة الشريف . ولم يكن الشريف موجودا . واستغربت لوجود المناضل عوض عبد الرازق في تلك الشقة . وعوض عبد الرازق هو السكرتير الاول للحزب الشيوعي السوداني . والمؤلم ان الاستاذ كان ينام علي اريكة غير مريحة في المطبخ . وكان حاله رقيقا ولا يخرج ابدا من الشقة . وكان يقول ضاحكا عن تلك الاريكة ,, الدقداق ,, ولم يكن هنالك من يأتي لزيارته . ورحلته كانت بسبب العلاج الذي لم يتوفر له في السودان . وكنت اتساءل اين كل الشيوعيين الذين كان عوض طيب الله ثراه رئيسهم وحادي القافلة . كان للبعض من الشيوعيين عيادات حتي في شارع هارلي الشهير في لندن . وسكن البعض منهم في منازل او شقق مريحة . لماذا ينسي الشيوعيون من اختلف مع خط الحزب ولماذا القطيعة واغتيال الشخصية . اين العشائرية والقيم السودانية التي يدعو لها الحزب في ادبياته . فعوض لم يتنكر للاشتراكية وحاول ان يبعد عن الخط الاستاليني . وحاول ان يؤسس ما عرف بالجبهة الوطنية كوعاء كبير يضم كل اهل اليسار والديمقراطيين . وتعرض عوض الرجل المهذب والجنتلمان لعملية شواء كبيرة . والآن قد تأكد ان ما كان يدعو له عوض هو الخط الصحيح لماذا لا ينتقد الحزب الشيوعي نفسه ويرد لعوض احترامه .)) لقد كان عوض عبد الرازق من الرافضين لاطلاق الاوصاف التشنيعية على الرفاق، وفي اللائحة التي وضعها كان هناك بند يرفض وصف الاخر بالانتهازي او البرجوازي. ومن سخرية الزمن ان اطلق عليه الشيوعيون هذا التشنيع بالانتهازية حتى كاد يطابق اسمه.

    الدعوة لرد الإعتبار :
    وتكاد شهادة الاستاذ مهدي وهو الذي نشر وثيقة عوض عبد الرازق واعاد طباعتها من نسخة مكتوبة بخط اليد أن تكون صرخة في رد الاعتبار للرجل، فقد كتب في تقديمه لتلك الوثيقة التاريخية ((أصبحت هذه الوثيقة الصادرة قبل ستة عقود (أكتوبر 1952) جزءاً من التاريخ السياسي للسودان، ولذا فمن حق كُل الأجيال الإطلاع عليها. اعتقد أن في نشرها والتأمل في ما إحتوته من أفكار ثاقبة رداً لإعتبار المرحوم/ عوض عبدالرازق، ومجموعته النيرة بقيادة، المرحوم/ عبده دهب حسنين، والتي ضمت عبد الوهاب زين العابدين، ود. حسين وني، وتيدي لاركن جيمس، إلخ. لقد أثبتت الأحداث مدى بُعد نظر عوض عبدالرازق ورفاقه، وقد صدع بذات الرؤى والأفكار الأستاذ المرحوم/ الخاتم عدلان في ورقته الموسومة \"آن أوان التغيير\" – وسوف ننشرها عليكم لاحقاً، إثراءاً للنقاش، (نرمي بحجر غيرنا في البركة الساكنة، عسى ولعل!!!). لا تزال حملات التشويه تترى على عوض عبدالرازق ورفاقه، وآخر دليل على ذلك مقال الزميل/ تاج السر عثمان (السر بابو) بتاريخ 06 يناير 2012، والمنشور في صحيفة سودانايل بعنوان \"كيف ارتبطت الماركسية بالواقع السوداني\". ولعل في نشر هذا التقرير تصحيح وتفنيد للمُغالطات الواردة في مقال تاج السر (وأرجو منه أن يتحرى الصدق والدقة). يؤكد الواقع الراهن وغياب أي مُبادرات فكرية وحالة الجمود التي تعتري الحزب الشيوعي السوداني منذ غياب الشهيد/ عبد الخالق محجوب قبل أربعين عاماً (26/07/1971)، الحاجة إلى إثارة الحوار من جديد حول كثير من المُسلمات الصمدية. لقد تعرضت الحركة الشيوعية العالمية إلى زلزال البريسترويكا قبل ربع قرن (وقد ذهب البعض إلى إعتباره نهاية التاريخ-فوكاياما)، كما قامت قيامة الحزب الشيوعي السوداني قبل أربعين عاماً (يوليو 1971)، ولا بُد أن يكون لهذه الأحداث آثار عميقة على مسيرة اليسار السوداني. - أتمنى منكم جميعاً الإدلاء بدلوكم بكُل موضوعية وتقدير للرأي الآخر. - ختاماً، حصلت على صورة من هذه الوثيقة المكتوبة بخط اليد من الصديق/ خالد عبده دهب، ولأن عامل الزمن جعلها باهتة فقد رأيت أنه من الافضل طباعتها حتى تسهل قراءتها.))
    وقد دافع الكثيرون عن عوض عبد الرازق ومن ضمنهم شخصي الضعيف في مخطوطتي المطولة عن الحزب الشيوعي وفي مقالي عن عبد الخالق محجوب وفي مواقع أخرى. كما كان منهم الاستاذ طلعت الطيب الذي كتب: ((فيما يخص الاستاذ عوض عبد الرازق فاتفق مع الرأى القائل بان الحزب الشيوعى لم ينصف تاريخه على الاطلاق ومارس معه كل الموبقات المتعلقة باغتيال الشخصية وتشويه سمعته. ومن الواضح ان الرجل لم يكن يستحق كل ذلك فقد قدم ما استطاع اصاب واخطأ، لكن تظل للرجل رؤية مهمة جدا اثبتت الايام ان وجود تيارات مثله كان شيئاَ فى غاية الاهمية . لكن طبعا هذه اضغاث احلام ففى الاحزاب العقائدية - حيث الايمان ب (الوحدة الفكرية) مقابل الكفر بالتعددية وفى ظل حياة داخلية تحكمها المركزية الديمقراطية حيث تخضع الهيئات الدنيا للهيئات العليا وليس العكس لانعدام التمثيل الديمقراطى الرأسى وانسداد القنوات الافقية -، تصبح مسألة وجود تيارات مسالة مستحيلة او كما قال المرحوم الخاتم ما معناه : ان وجود اقلية فى حزب تحكم حياته الداخلية المركزية الديمقراطية امر مستحيل ، بل ان مجرد التشدق بحفظ رأى الاقلية يعد من اكبر استهبالات الفكر السياسى المعاصر على الاطلاق!)
    ووصف الاستاذ طلعت الطيب التقرير الذي صاغه عوض عبد الرازق بأنه " مكتوب بماء الذهب" وذهب الى التساؤل : ((الان وبعد كل هذه السنوات هل تستطيع قيادة الحزب ان تقول ان المرحوم عوض عبد الرازق كان محقا؟ هل تستطيع الاعتراف بفشل الاستثمار فى مشروعها الماركسى اللينينى الذى بدأه المرحوم عبد الخالق؟ هل لهم القدرة على احداث انقطاع ثانى مع تاريخهم؟ اسئلة فى غاية الصعوبة ! . الصعوبة تكمن فى أن المرحوم عوض كان نافذ البصيرة حين حاول ان يخلق التوازن بين البرنامج القادر على الاقناع من جهة ، والحفاظ على مشروعية الحركة اى قدرتها على استقطاب القبول والتعاطف من جهة ثانية ، وهى معادلة لم يراها المرحوم عبد الخالق الا بعد ان وقعت الواقعة فى حادثة معهد المعلمين الشهيرة فى منتصف الستينات ))>
    ويتعرض الاستاذ محجوب علي لتقرير عوض عبد الرازق المشار اليه والموصوف بالانتهازية ويحلله جيدا ويقول ان فيه ((استقراء لمعطيات اجتماعية ، ومعطيات المجتمع ليست كمعطيات المختبرات التي تتحكم في عناصرها ، بل كلها عناصر متغيرة نتيجة للجهد البشري الذي لايمكن ضبط اتجاهاته في واقع صراع تتباين مقاصد ومصالح قواه السياسية مضاف اليه عامل المؤثر الخارجي ( قوي استعمارية ومصالح قوي تقليدية ) . فقوي الثورة الوطنية الديمقراطية ليس فصيل عسكري او اتجاه واحد متناغم الخطي بل تيار عريض من يسار اليمين الي اقصي اليسار المحتشد حول هدف محدد ( محاربة الاستعمار ) ، لذلك تنتفي حالة اليقين المطلق والتقرير الجازم بالمالآت. فالجامع هنا ليس الايدلوجيا وشعارها بل الهدف وعزيمة الجمع وتنوعها))
    لقد كتب حتى البعض من الشيوعيين مطالبون برد الاعتبار للرجل . فقد كتب الاستاذ علي عوض علي : ((وفي درب المراجعة والتنقية والتصحيح تبرز قضية الزميل المرحوم عوض عبد الرازق السكرتير الأسبق والذي تم وصفه في أدب الحزب بالانتهازي. وبالبحث عن مساهماته النظرية والفكرية في أرشيف الحزب وإصداراته الداخلية لا نجد أي وثيقة تدون مساهمة له مما يعني احد أمرين: إما الزميل المرحوم عوض عبد الرازق السكرتير الأسبق للحزب الشيوعي السوداني كان لا يكتب أو إن المنتصرين عليه في الصراع الفكري غيبوا مساهماته السياسية والفكرية. والمعروف انه تولى المسئولية السياسية للحزب ( حستو ) في عام ١٩٤۷ حتى العام ۱٩٤۸ولقد شهد هذا العام معارك الجمعية التشريعية والتي أسهم فيها الشيوعيين السودانيين بنصيب وافر من النضال والتضحيات وكشفت القدرات القيادية للزميل المرحوم عوض عبد الرازق. ولقد قدم الشهيد عبد الخالق محجوب تقييم لهذه القيادة والتي على رأسها عوض عبد الرازق في كتاب لمحات من تاريخ الحزب الشيوعي أكد فيها إن تلك القيادة حررت الحزب من القيود القديمة التقليدية وسلك طريقه المستقل في تنظيم الجماهير وارتباط مباشر بالطبقة العاملة. كما تم وضع دستور للحزب كما قال ان اللجنة المركزية الجديدة وضعت الأساس لقيام حزب ولتطوره. وهذا لايعني أن لا تكون لدى عوض عبد الرازق أفكار ورؤية قد يختلف معه الآخرين ولكن لا اعتقد إن ذلك يستوجب شطب تاريخه ومساهماته من الحزب. لقد آن الأوان وعبر المؤتمر الخامس للحزب برد الاعتبار للزميل المرحوم عوض عبد الرازق السكرتير الأسبق للحزب ولكل من أسهم بقطرة عرق أو دم أو جهد في بناء الحزب والمحافظة عليه وتطويره))

    خاتمة :
    قد يتسائل كثيرون لماذا نعيد هذا الموضوع القديم للاضابير ، ونقول اننا نفعل ذلك اذ لا يزال الشيوعيون يصرون على وصفه بالانتهازية والتصفوية وممارسة الكذب انه دعا الى حل حزبهم وتذويبه في الاحزاب الاتحادية، رغم ان بعضهم – ومن بينهم السر بابو نفسه – قد اعترفوا بخطل ذلك . يقول السر بابو في لحظة صدق مع نفسه ما لبث ان انتكس عنها ((وخلاصة ما جاء في تقرير عوض عبد الرازق لم يخرج عن دراسة النظرية اولا ثم التوجه لبناء الحزب وسط العمال والمزارعين، وان يعكف الحزب علي التبشير بالماركسية وترجمتها بدلا من الاستعجال في قيام حزب شيوعي لم تتهيأ ظروف البلاد الموضوعية لقيامه))
    ثم يرجع للتعريض فيقول: ((اضافة الي فقدان الحزب لاستقلاله ويصبح ذيلا للحزب الوطني الاتحادي، لا التحالف معه من مواقع الاستقلال الفكري والسياسي والتنظيمي.)) وهذه فرية لم يقل بها عوض عبد الرازق، ناهيك عن ان يدعو لحل حستو وان ينضم الشيوعيين للاحزاب الاتحادية كما يزعم التاريخ الرسمي للحزب الشيوعي. كما يقول الكاتب الذي استشهدنا به عاليا : ((أنّ أطروحة الأستاذ عوض عبد الرازق قبل نصف قرن من الزمان حول مستقبل الحركة السودانية للتحرر الوطني تبدو هي الأكثر جدوي. وأنّ أمعان النظر في القضايا التي تناولها يفضي الي نتيجة مفادها أنّ أداء الحزب الشيوعي قد تأثر كثيرا بتجاهله لتلك الاراء في خضم الأجواء الثورية المفخخة بالشعارات والمبهورة بتطبيق الأشتراكية في أوروبا والأتحاد السوفيتي.))
    ويواصل : ((في أجابته التكميلية لسؤال الأستاذ ضياء الدين بلال عن عوض عبد الرازق قال سكرتير اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوداني : " تجربته لم تنجح والدليل علي ذلك أنّ الحزب الذي كوّنه غير موجود الان". ويعلم المحارب القديم والسياسي الكبير انّ عدم وجود حزب يحمل افكار المرحوم عوض عبد الرازق لا يعني عدم صلاحية اراءه وأفكاره فهذا خلط للأمور لا يجوز في مقام الفكر .والأصلح عندي أن تتنازل قيادة الحزب عن عصبية موروثة ونهج عقيم في الخصومة ( ديل ما عندنا أي رحمة ليهم، ديل نحن ما بنتعامل معاهم بتهاون) وتتواضع علي دراسة اراء المخالفين ورد الأعتبار لمن طالتهم سياط الحرب النفسية والقتل المعنوي وعلي رأسهم المرحوم عوض عبد الرازق.))أعتقد انه آن الاوان لاعادة الاعتبار لهذا البطل الوطني والمفكر ذو النظر العبقري والرجل العصامي الشريف، الذي تم ابعاده من التنظيم الذي بناه فعليا بشكل فظ، ورغما عن ذلك عاش حياته بشرف ومات بشرف انسانا مخلصا لافكاره ولشعبه وليس انتهازيا تصفويا كما يقول الشموليون والمرجفون.

    عادل عبد العاطي
    15/7/2016

                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

07-01-2020, 05:23 PM

طلعت الطيب
<aطلعت الطيب
تاريخ التسجيل: 12-22-2005
مجموع المشاركات: 5534

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: توثيق متواضع لسيره الراحل المقيم د. مهدى ا (Re: طلعت الطيب)

    فجعت صباح اليوم بخبر رحيل الصديق العزيز الدكتور مهدي إسماعيل ببريتوريا، جنوب أفريقيا
    صارع مهدي المرض اللعين ببطولة وفدائية، ولم يستسلم له لحظة واحدة. استثمر فترة البقاء بالمنزل للبحث و الدراسة في السياسة والاقتصاد، أعد عدد من الدراسات والأوراق الاقتصادية كان يرفدنا بها استمرار.
    كان هذا جزءا من رحلة نضال طويلة ما بخل فيها بالعمل والفكر والموقف النضالي السليم، لم يهادن ولم يستسلم، دخل في عدد من المنظومات السياسية وخرج دون أن يبدل قناعاته وأفكاره، كان يقول ضاحكا إن هذه المنظمات هي التي تخلت عنه ولم يتخل عنها.
    كان هميما وكريما، لا يغيب عنا ولا نغيب عن منزله في زيارات عمل متقطعة لبريتوريا، يغرقنا بكرمه الفياض هو وزوجته سناء وأبناؤه.
    رحمه الله وأحسن إليه فقد كان إنسان نقيا ومخلصا للقضايا بلده وشعبه
    العزاء لأسرته الصغيرة و الكبيرة وللجالية السودانية في بريتوريا التي كان الدينمو المحرك لها
    ----------------------------
    تعزيه عبر الواتساب
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

07-02-2020, 01:28 AM

طلعت الطيب
<aطلعت الطيب
تاريخ التسجيل: 12-22-2005
مجموع المشاركات: 5534

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: توثيق متواضع لسيره الراحل المقيم د. مهدى ا (Re: طلعت الطيب)

    رحم الله الأخ مهدي إسماعيل رحمة واسعة و تقبله قبولا حسنا و الهم آله الصبر و حسن العزاء.
    عرفته ناشطا و زميلا مبادرا في صفوف الجبهة الديمقراطية بشمبات. كانوا مجموعة نيرة على قدر من التمرد حتى على الجبهة الديمقراطية نفسها التي انتموا إليها. كنت اتابع بعض كتاباته في ذات المنحى المتمرد عن المسكوت عنه في تاريخنا السياسي و الاجتماعي و برؤية أقرب للسودان الجديد الذي يحلم به شباب ثورة ديسمبر المجيدة. يقيني انه ذهب إلى رحاب نومته الأبدية مرتاح الضمير لما تم في وطنه من انفتاح لافق التغيير فقد كان من حاملي هم الوطن أينما حلوا.
    أتمنى على الاقربين منه السعي لنشر اسهاماته المكتوبه لتصل إلى من أحب أن تصلهم و لم تسعفه الايام.
    له الرحمة والمغفرة من قبل ومن بعد
    ----------------
    تعزيه اخري عبر الواتساب
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

07-03-2020, 11:00 AM

طلعت الطيب
<aطلعت الطيب
تاريخ التسجيل: 12-22-2005
مجموع المشاركات: 5534

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: توثيق متواضع لسيره الراحل المقيم د. مهدى ا (Re: طلعت الطيب)

    sudanile.com























    الناهش مالنا ودمنا؛ جيشنا جيش الهنا .. بقلم: مهدي إسماعيل مهدي/ بريتوريا

    نشر بتاريخ: 02 تموز/يوليو 2019

    (ياسودان معليش؛ خذلوك ناس الجيش)
    (تسييس الجيش وتديين السياسة؛ سبب الكارثة)
    مهدي إسماعيل مهدي
    بريتوريا: 15 يوليو 2011
    سوف يظل التاسع من يوليو 2011 (يوم انفصال جنوب السودان) وصمة عار لا تُمحى في تاريخ الجيش السوداني، الذي ظل شعبنا الطيب يُنظر إليه كقُدس الأقداس ويصوغ أروع الأناشيد والأهازيج الحماسية تغنياً بمآثره وبسالته، ويخلع على قادته وأفراده ألقاب فروسية لا يستحقونها. ظل شعبنا الصابر المكدود يقتطع من لحمه وعظامه وقوت عياله ليوفر لهذا الجيش ما يحتاجه من مال وعتاد وسلاح باهظ التكاليف، يفعل ذلك دون منٍ أو أذى إيماناً منه بأن جيشنا مُدخر ليوم كريهة، وأن من يجود بدمه وروحه فداء للوطن وصوناً لكرامته وحفاظاً على ترابه، لا يُيخل عليه بشئ، وقد ظل الإنتماء للقوات المُسلحة شرف لا يُدانيه شرف وفخار يتطلع إليه جميع الشباب، ولكن (وآه منك يا مُشير آخر الزمان) وبعد التاسع من يوليو ينبغي على مُنتسبي هذا الجيش أن يعلموا أنه لم يعد لهم ذات التقدير والمكانة، فقد فشلوا في أداء واجبهم ولم يعودوا كما كانوا ابداً، بل أصبحوا رمزاً للزراية والمهانة والضعة، وقد كُتبت عليهم الذلة والمسكنة حتى يرث الله الأرض ومن عليها، ولن تنفعهم تُرهات العميد/ محمد عجيب (العجيب فعلاً)، ولو قال عجيب ما قال في أي جيش مُحترم، يلتزم بالضبط والربط والمهنية الإحترافية، لجُرد من رُتبته وتعرض لعقاب قاس، ولكن هذا زمانك يا مهازل فأمرحي؛؛؛ قد عُد كلب الصيد في الفرسان (فالكُل في السودان غير مكانه؛؛؛؛؛ المال عند بخيله والسيف عند جبانه).
    علينا أن ننفض ثياب التقديس عن منسوبي القوات المُسلحة، ونُساءلهم كما نُسائل كافة العاملين بالخدمة العامة، ونُحاسبهم وفقاً لعقود الخدمة المُبرمة بينهم وبين الشعب، والمُتمثلة في القسم الذي يؤدونه عند التخرج (تماماً كما يؤدي الأطباء قسم أبو قراط، وكما يوقع العاملون بالخدمة المدنية على عقود عملهم)، والذي يتعهدون فيه بالدفاع عن كُل شبر من تُراب الوطن وأن يبذلوا الدماء والمُهج فداء لأرضه الطاهرة، وأن يصونوا الدستور حسبما ما يرتضيه الشعب؛ وهذا يعني بالواضح أنه ليس من واجبهم رسم الحدود أو وضع الدستور أوحُكم الشعب، بل عليهم حماية الدستور والحدود والمواطنين بكافة فئاتهم ورؤاهم (لا حسب مزاج عجيب). ولنا أن نسأل جيش عبد الرحيم وعصمت؛ كم ملياراً صرفنا عليكم خلال العشرين عاماً الأخيرة فقط؟ وما هو عائدها؟، أليست مرُتباتكم أكثر من مرتبات العُلماء والخُبراء وأساتذة الجامعات؟؟ أليست مُخصصاتكم لا تُدانيها أي مُخصصات أُخرى؟؟؟ ألا تصل فوائد خدمتكم إلى مليارات الجُنيهات وأرقام فلكية؟. ماذا أعطيتمونا مقابل عطائنا لكم؛ وقد أجزلنا لكم العطاء؟؟؟، أليس كُل الذي فعلتموه لنا وبنا، أنكم تركتم واجباتكم جانباً وأستأسدتم علينا في أبيي وكادوقلي وأمري وكجبار وبورتسودان والعيلفون؟؟!! (أسدُ عليً وفي الحروب نعامة *** فرخاء تجفل من صفير الصافر). هل قام جيشنا بواجبه؟ وهل أوفى بقسمه؟؛؛ الإجابة كلا ثُم كلا،،، فجيشنا لم يخض أي معركة خارجية!! ولم يوجه طلقة واحدة إلى صدر عدو خارجي مُعتدي؟؟ ويقف إحتلال حلايب والفشقة ومثلث أليمي وإستباحة إسرائيل لأجوائنا وأراضينا مراراً وتكراراً، شاهداً دامغاً على ما نقول!!! وكما أسلفنا فلقد ظل سلاح الجيش السوداني موجًهاً دائماً وأبداً نحو صدور أبناء شعبنا، مستأسداً على المدنيين تارة في يوليو الحزين (عبد الخالق والشفيع وجوزيف قرنق ورفاقهم الأبرار)، وتارةً اُخرى على رفاق السلاح من العسكريين (حتى بعد أن يستسلموا، ويُمنحوا الأمان!!) في يوليو ورمضان 1999، وغيرها من أيام وشهور الكوارث التي تستعصي على العد والحساب.
    وحتى عندما يُرسل هذا الجيش إلى مسارح العمليات في الجنوب والغرب لا يتصرف بنُبلٍ ومسئولية أخلاقية كما تتصرف الجيوش المُحترمة الملتزمة بقواعد الحروب، فتجدهم يقتلون الأسرى والجرحى، وكم كان مُحزناً عدم وجود أسير واحد لدى الجيش السوداني في الجنوب عند توقيع إتفاقية السلام الشامل وتبادل الأسرى، ومع أنه كان من المفترض أن لا تمر هذه المسألة مرور الكرام إلا أنها فاتت على الكثيرين ولذا لم يتورع المُشير عن تكرار توصيته لجيشه الرسالي في دارفور بأنه لا يريد جريحاً ولا أسيراً، كأنه لم يسمع وصية عُمر بن الخطاب الذي يحمل إسمه زوراً وكذباً وبُهتاناً. لقد ظل الجيش السوداني وعلى مر عهوده ينتهك حُرمات المدنيين وأعراضهم، ويتباهى ضُباطه ومن دونهم رُتباً من ضباط صفٍ وجنود بعدد عشيقاتهم من الجنوبيات المُستضعفات في جوبا ومريدي وتوريت، فأججوا بأفعالهم المُشينة نار الغل والحقد والكراهية، أما في أوقات الهُدنة وخفوت حدة القتال فتجدهم مُنغمسين في تجارة أخشاب التيك والمهوقني وصيد الأفيال ونزع أنيابها، والسمسرة وتجارة الأراضي في الخرطوم وغيرها.
    لقد إستهل جيشنا عهده الوطني (وبعد عامين فقط من الإستقلال) بالإنقلاب على الديمقراطية، ولا عُذر للجيش بالقول إنه إنما دُعي إلى السُلطة وتم تسليمها له دون أن يطلبها، ولئن حق ذلك فيجب أن لا ننسى أن من تآمر ودعاهم لذلك رجل عسكري أيضاً (الأميرلاي عبد الله بك خليل)، ومنذ ذلك الحين دخلت جرثومة حب السُلطة في دماء العسكر، وأصبح كُل من يقعد به تواضع قُدراته الأكاديمية عن مواصلة تعليمه العالي يتوجه نحو الكُلية الحربية وفي ذهنه مشروع مُغامر صغير تُحركه عقدة النقص والفشل، فيطمح في حُكم البلاد والعباد دونما تأهيل أو دُربة أو رؤية.
    بعد أن ثار الشعب وانتفض، آخذاً حُريته بيده في أكتوبر 64، خذلنا الساسة مرة أُخرى وفرطوا في النظام الديمقراطي، فأطل علينا غرٌ جاهلُ آخر إسمه جعفر، سامنا سوء العذاب لستة عشر عاماً حسوما، ولم نهنأ بالديمقراطية لثلاثة أعوام حتى تحالف أخوان الشياطين مع الجهلة من العسكريين فأهلَ علينا بكذبة بلغاء في 30 يونيو 1989 الأغبر، جهلول آخر لا يملك من مؤهلات الحُكم سوى القُدرة الفائقة على الكذب والغدر والتضليل وبلع الكلام (وهل هنالك كذبة أكبر من الإدعاء بأن هيئة القيادة قررت الإستيلاء على السُلطة في الوقت الذي كان فيه المدنيون من عناصر الجبهة الإسلامية يعتقلون القائد العام/ فتحي أحمد علي، ورئيس أركانه/ مهدي بابو نمر)- بالله عليكم هل هذا جيش يؤتمن على وطن المليون ميل الذي كان؟؛ هكذا قاد تسييس الجيش وتديين السياسة إلى تمزيق الوطن والرقص على أشلائه وفشل المؤسسة العسكرية في القيام بواجبها، بعد أن حولها إبنها العاق إلى تابع ذليل ومسخ مشوه لتجار الدين والسياسة.
    ظن كثير من بُسطاء أبناء شعبنا أن البشير، يُمثل الطيبة والبساطة والتدين الفطري، ولكن تكشف لهم شيئاً فشيئاً أن كاذب (أذهب إلى السجن حبيساً،، ووالله العظيم لسنا أعضاء في الجبهة الإسلامية) مُجرد صنيعة وألعوبة في يد شيخ السوء (التُرابي)، وتمسكن البشير حتى تمكن فغدر بشيخه وأودعه السجن ثُم غدر بأقرب الناس إليه، وفتك بالمؤسسة العسكرية التي أنجبته فقتل رُفقاء السلاح ودفنهم أحياء ثُم شرد من تبقى منهم وألحقهم ببقية أفراد الشعب من المدنيين الذين قطع أرزاقهم وشتتهم في الأصقاع الأربعة، وهو في أثناء ذلك يجمع حوله الفاسدين والفاشلين حتى صار المؤتمر الوطني مزبلة تجمع كُل ساقط وأفاك وباحث عن الثروة الحرام وأكل مال السُحت والحياة الهينة الللينة، وأصبح مُتكأ لكل من تكومت كرشه وتكورت مؤخرته وانتفخت حلاقيمه وجضومه، فتعذر التمييز بين رجالهم ونسائهم.
    لقد كان سلفاكير كبيراً حقاً، وهو يرحم عزيز قوم ذل، ويقرر الإحتفاظ بعلم السودان مُكرماً مُعززاً كجُزء يُعتز به من تاريخ الجنوب، ولم يرم به في وجه القائد المهزوم (المُشير/ الفيلد مارشال) قائلاً له (ياغريب بلدك يلا لبلدك)، وتلفع بعلمك وألبس خريطتك الـــ "الجبون"، وفي الوقت الذي تسامى فيه سلفاكير على مراراته وأحزانه، تصاغر البشير حد الوضاعة وهو يناشد الرئيس الأمريكي/ أوباما، أن يرفع عنه العقوبات الآحادية وسوط عذاب الجنائية!!. لقد أًصبت (كما أُصيب الكثيرين غيري) بالذهول ولم يصدقوا أعينيهم وآذانهم أن من يقول هذا هو ذات من رقص وجعر قائلاً "أمريكا تحت جزمتي". وما يؤسف له أن المشير الذليل لم يع قول سوزان رايس قبلها بدقائق معدودة وعلى شفتيها إبتسامة واثقة وساخرة "إن إستقلال الجنوب لم يأت منحة من أحد، وإنما أتى عنوةً وإقتداراً" وأضافت "لم يتم تنفيذ كامل مُستحقات إتفاقية السلام، ولا يزال يتعين على قيادة الشمال الإيفاء بإلتزاماتها"؛ وإياك أعني فأسمع يا ديك العدة.
    وقبل الختام نقول لقادة المُعارضة (الصادق والترابي والميرغني ونُقُد) إن الحركة الإسلامية والقوات المُسلحة يتحملان وحدهما وزر كارثة تفكك وهوان السودان، ولكن لكم نصيبكم أيضاً في الكارثة، والمتمثل في عجزكم عن مقارعتهما وصدهما وعدم التعامل والتحاور معهما، ولا مخرج لكم لاعذر لكم سوى الإستقالة (كفاية مسكاً للعصا من المنتصف؛ فلقد فشلتم مليون مرة، أفسحوا المجال لغيركم)، وأحسن تمشوا بكرامتكم وإلا فالثورة عليكم واجبة وآتية لا ريب فيها، وربما نثور عليكم ونكنسكم من طريقنا قبل أن نثور على المشير وبطانته من جيش رئيس الأركان/ عصمت (هزلت والله حتى بانت كلاها، وبالت عليها الثعالب)؛ وعندما تتحقق الثورة ينبغي المُحافظة على مال الشعب بحل القوات المُسلحة والإستعاضة عنها بتكوين فرقة موسيقية من الكشافة للإحتفالات والإستقبالات والمسيرات الكرنفالية.
    آخر الكلام: هل سمع المشير وسميره/ عبد الرحيم؛ بخبر تقديم قائد الجيش ووزير الدفاع في قبرص لإستقالتيهما من منصبيهما، إثر إنفجار في قاعدة عسكرية أودى بحياة 12 (إثنا عشر فقط) شخصاً. ألم يقرآ عن إنتحار هتلر وجوبلز، والمشير/ عبد الحكيم عامر ؟؟؟.

    عن الجيش مرة أُخرى
    (تعقيب على العميد/ محمد عجيب)
    مهدي اسماعيل مهدي
    بريتوريا: 20 يوليو 2011

    قُلت لكم مرارا
    قُلت لكُم مرارا
    إن الطوابير التي تمُر في عيد الفطر والجلاء
    (فتهتف النساء في النوافذ إنبهارا)
    لا تصنع إنتصارا
    إن المدافع التي تصطف على الحدود، في الصحارى
    لا تطلق النيران إلا حين تستدير للوراء
    إن الرُصاصة التي ندفع فيها ثمن الكسرة والدواء
    لاتقتل الأعداء
    لكنها تقتلنا إذا رفعنا صوتنا جهارا
    تقتلنا وتقتل الصغارا
    (أمل دنقل/ مُقتطف من تعليقات أحد القُراء على المقال السابق – الناهش مالنا ودمنا).
    تلقيت سيلاً من تعليقات القُراء الكرام على مقالي السابق عن الجيش السوداني، وجميعها تتفق مع ما جاء في متن المقال، ولكن ثمة أقلية ضئيلة ً تزعم (أو لعلها تتوهم) أن القوات المُسلحة لا تزال مؤسسة قومية ينبغي النأي والسمو بها فوق الخلافات السياسية، ولهؤلاء نقول أن جوهر مقالنا يُنادي ويدعو إلى؛ المُحاسبة ونبش المسكوت عنه (لأن تغطية النار بالقش والسكوت عن تناول جوهر الأمور، هو سبب فرقتنا وتخبطنا- كما قال/ فرانسيس دينج، ذات يوم)، فالإزورار عن الحقائق والغتغتة من أسباب الإختلال في بلادنا ولا بُد من نكأ الجراح ونظافتها لتطهيرها من الجراثيم والأدران، ومن ثم تضميدها إذ لا يندمل جُرح على قيح وصديد، ونقول ذلك (رغم الإحباط الشديد والحزن الطاغي، اللذان نسعى إلى تحويلهما إلى غضب ثوري وفعل إيجابي) أملاً في إصلاح الحال المائل وإعادة الأمر إلى نصابه، حتى تتفرغ كُل مؤسسة لأداء الدور المُناط بها، وقُلنا أن أبناء القوات المُسلحة الذين قاموا بإنقلاب الإنقاذ المشئوم، خانوا قسم الولاء للوطن وللمؤسسة التي أنجبتهم، وأحالوها (عبر الكذب المُبرمج والتضليل وكشوف الإستيداع والتقاعد والطرد من الخدمة) إلى مُجرد مليشيا حزبية عاجزة عن القيام بواجبها أو الوفاء بعهدها المُلزم شرعاً وقانوناً، رغم أدائها قسم الولاء والحياد والدفاع عن الوطن وصون وحدة تُرابه. ولعل مقال العميد/ محمد عجيب، المنشور بصحيفة القوات المُسلحة ضمن عموده الراتب (درب السلامة) وبعنوان "المؤتمر الوطني يلعب بالنار" خير إثبات على ما نقول، إذ يقف دليلاً دامغاً على الأزمة العميقة والفوضى التي تعصف بالقوات المُسلحة السودانية وإنفراط عقد الضبط والربط بها، ولقد أرسلت للسيد العميد/ محمد عجيب، رسالة على بريده الإلكتروني (أرفقت معها مقالي المذكور)، وشكرته على فتحه لباب الحوار والتداول حول بقرة القوات المُسلحة المُقدسة (وعلى نفسها جنت براقش ياعجيب)، وفي ما يلي نص رسالتي إليه:
    السيد العميد/ محمد عجيب
    سلام
    مقالك المنشور بصحيفة القوات المُسلحة بعنوان "المؤتمر الوطني يلعب بالنار" يؤكد التالي:
    أولاً: زج القوات المُسلحة في صراع سياسي بين حزبين سياسيين.
    ثانياً: أن القوات المُسلحة في عهد أمثالكم ليست سوى مليشيا تابعة للجبهة الإسلامية، وفي هذا لا تختلف شيئاً عن الجيش الشعبي التابع للحركة الشعبية.
    ثالثاً: يؤكد مقالكم إنفراط عقد الضبط والربط بالقوات المُسلحة.
    أرفق لك طيه مقالي عن الجيش والذي نال إستحسان وعبر عن رأي قطاع كبير من الشعب السوداني.
    وشُكراً على فتح هذا الحوار علناً عن القوات المُسلحة، وهل هي مؤسسة قومية للحماية أم ذراعاً سياسياً للحُكم.
    مهدي إسماعيل مهدي
    وإثراءً للحوار ولفائدة الجميع؛ إليكم هذه الإضافات المُنبثقة عن تعليقات وتفاعل القُراء الكرام:
    - إن آخر طلقة أطلقها الجيش السوداني على عدو أجنبي كانت قبل تسعة عقود، عندما استشهد في مدفعه عبد الفضيل الماظ (ثورة 1924 بقيادة/ علي عبد اللطيف، وعبد الفضيل الماظ). وأضيف من عندي أن أجداد رئيس الأركان/ عصمت (وكرام المواطنين) وغيرهم من المُتوركين (أمثال العميد/ عجيب؛ والطيب مُصطفى) إعتذروا عن بطولة المُهمشين؛ عبد الفضيل وعبد اللطيف (ومن بعدهم الحلو وعقار ويوسف كوه مكي) ووصفوهم بــــ (المُنبتَين والرعاع!!) .
    - ظل العسكر يحكمون السودان لخمسة وأربعين عاماً عجافاً من عُمر الإستقلال البالغ 55 عاماً (أي بنسبة أكثر من 80%)، وفي العقدين الأخيرين ظلوا يحكمون حُكماً مُطلقاً ويتمتعون بأكثر من سبعين في المائة من الميزانية العامة المُقتطعة من عرق الشعب المكدود، ومع ذلك إنتهى الأمر بإمتطاء قادة القوات المُسلحة لأفخر موديلات المركبات، وترصيع أكتافهم وصدورهم بالنياشين والأوسمة التي لا نعرف سبباً لها، فأفعالهم واستئسادهم على المدنيين العُزل الأبرياء وحرق قطاطي زُرقة دارفور وأكواخ أبيي وقصف كراكير كادقلي، لاتؤهلهم للترفيع والتوقير وإسباغ ألقاب المارشالية والمُشيرية !! ولعله من المؤسي والمؤلم أن إنتهت هذه البطولات المزعومة بتمزيق الوطن وتحويل خريطته إلى "جبون" (إنفصال الجنوب) والتفريط في سيادته ( تواجد أكثر من 30.000 جُندي أجنبي بالبلاد).
    - أشار أحد القُراء الكرام إلى الدور السلبي للقوات المُسلحة (منذ أن كانت تُسمى قوة دفاع السودان) وعدم مُشاركتها في إستقلال البلاد، فالتاريخ سطًر بأحرف من نور مُشاركة كافة فئات الشعب السوداني مُمثلاً في أحزابه السياسية (مؤتمر الخريجين) وتنظيماته النقابية (هيئة شئون العُمال) وإتحادات المُزارعين (شُهداء عنبر جودة) والطُلاب (إضراب طُلاب كُلية غردون التذكارية)،،، إلخ؛ في المُطالبة بالإستقلال والتضحية من أجله. وللأسف ظلت القوات المُسلحة طيلة تلك الفترة تلوذ بالصمت غير النبيل، بحُجة الإحترافية والمهنية وعدم التدخل في الشئون السياسية، ولكن وبمُجرد أن غادر الإستعمار البلاد، وبعد عامين فقط من الإستقلال انفتحت شهية العسكر وشهوتهم للحُكم فانقضوا على النظام الديمقراطي الوليد (نوفمبر 1958)، ومنذ ذلك التاريخ إستهوتهم الإنقلابات بعد أن ذاقوا حلاوة السُلطة وصولجانها، فأوردونا موارد التهلكة، ولا يزال القادم أسوأ وأضل سبيلاً.
    - كذلك تساءل كثير من القُراء عن مبرر وجود معسكرات (ومخازن ذخيرة وراجمات وصواريخ) للقوات المُسلحة بالأحياء السكنية، وسط رياض الأطفال والمُستشفيات!!؟؟، وطالبوا بترحيل كافة المعسكرات والثكنات العسكرية إلى خارج العاصمة والمدن عامةً، وتحويل مواقعها الجميلة على ضفاف النيلين إلى رياض أطفال وحدائق عامة ومستشفيات وجامعات وداخليات لأبناء وبنات شعبنا.
    - حذر أحد القُراء قائلاً؛ أنهم كانوا يُرددون خلال مُظاهرات ثورة أبريل 1985، هتاف "جيش الشعب ليحمي الشعب"، ولكن على شباب التغيير أن يهتفوا في وجه مليشيا الحركة الإسلامية بشعار (مليشيا الجبهة عدو الشعب)، وعلى أخوات صفية إسحق وأمل هباني أن يحملن أكفانهن وهُن يقُدن مسيرات الغضب نحو القيادة العامة (وليس القصر الجمهوري أو البرلمان) فالجيش المُسيس، الغاصب للسُلطة والأعراض، لا يؤتمن على أرواح أبناء وبنات شعبنا. وهنا يأتي دور الجيش الشعبي وحركات دارفور، في حماية الإنتفاضة القادمة لا ريب فيها.
    - بعد عمليات التسريح والطرد من الخدمة الجارية الآن على قدمٍ وساق لأبناء جنوب السودان (ومن قبلهم أبناء النوبة والنيل الأزرق الذين فضلوا الإلتحاق بالجيش الشعبي، وأبناء دارفور بالحركات المُتمردة) فقد الجيش السوداني آخر ما تبقى من صفته القومية والتعددية (وأصبح ما في تعددية- ودغمسة على حسب قول المشير) وصار جيش الهنا مُجرد مليشيا شمالية/ إسلامية كاملة الدسم، ولعل التمعن في قياداته العُليا يؤكد أنها تنحصر في قبائل وتنحدر من ولايات بعينها !!، فهل لا يزال البعض يتوهم أن جيش عصمت وعجيب جيش قومي مُحايد؟!.
    - أثبت نقض الإتفاقيات، وآخرها إتفاقية أديس أبابا الإطارية (28/06/2011)؛ إنه لا جدوى من أي إتفاقيات أو ترتيبات دستورية أو أجندة وطنية أو أي وثيقة، طالما أنه يتم نقضها أو الإلتفاف عليها أو إفراغها من محتواها؛ فدستور السودان الإنتقالي لعام 2005 ووثيقة حقوق الإنسان الواردة في متنه، تُعد من أفضل وثائق حقوق الإنسان في العالم، ومع ذلك يستطيع العميد/ عجيب بجرة قلم ومقال، أن ينسفها من أساسها، ويُحدد من يحق له ممارسة العمل السياسي ومن لا يحق له ذلك!!.
    لا نُريد أن نُسهب ونسترسل أكثر في تبيان المآخذ العديدة على الجيش، وخُلاصة القول:
    1. لنا أهل وأقارب وأصدقاء وزملاء بالجيش السوداني، ولا يسُرنا البتة ذم القوات المُسلحة؛ ولكن هذا لن يمنعنا من الصدع بالحق والدعوة إلى إصلاح الحال المائل، وبعد أن تصبح القوات المُسلحة مؤسسة قومية بحق وحقيقة، سوف تجد منا ما تستحقه من إحترام وتوقير، أما وإن ظل الحال كما هو عليه، فلا وألف لا. ونزيد على موقفنا الرافض لتسييس الجيش، بدعوة كُل الكُتاب الوطنيين (فتحي الضو، وإبراهيم الكرسني، وسيف الدولة حمدنا الله، وعلى حمد إبراهيم،،، إلخ، إلى تسليط الضو على هذا الموضوع الحيوي، ولأن السُلطات لا تسمح بنشر هكذا مقالات بالداخل، فعلى قادة الرأي بالخارج يقع عبء كشف المستور.
    2. لا بُد من تحديد رسالة القوات المُسلحة والحفاظ على هويتها القومية وتعريف عقيدتها القتالية (وهل هي قوات جهاد كما يُعرف الجهاد شرعاً ولُغة، أم أنها قوات لا تُميز بين المواطنين على أساس الدين أو العرق أو اللون، كذلك يجب تأطير دورها السياسي (إن كان لابُد لها أن تلعب دوراً سياسياً)، للخروج من دوامة الإنقلابات وتسابق الأحزاب على تسييس وإساءة إستغلال القوات المُسلحة.
    3. لابُد من إعادة بناء القوات المُسلحة على أساس إحترافي/مهني بحت، ويقع على مُنتسبي القوات تصحيح الإختلال الكائن وإعادة الأمور إلى نصابها الصحيح داخل مؤسستهم. وإلا؛ فلا توبة ولا كُفارة لهُم إلا بالإنضمام إلى حركات التحرير، والقتال إلى جانبها (كما فعل الشهيد اللواء/ إبراهيم محمد الحسن أبورنات وغيره من ضُباط وضُباط صف وجنود الجيش السوداني)، كما يقع على عاتقهم التقيد بالضبط والربط ومُحاسبة الضُباط العقائديين المُتفلتين وإيقافهم عند حدهم، إذ لا يُشرف الجيش أن يتطاول أحد مُنتسبيه على والي مُنتخب (مالك عقار) كما تطاول العميد/ عجيب، والذي لم يكتف بذلك بل تطاول على نواب الحركة الشعبية المُنتخبين بالبرلمان القومي والمجالس التشريعية الولائية. وماورد في مقال عجيب، يؤكد أنه لم يقرأ الدستور الإنتقالي ولم يتمعن في نصوص إتفاقية السلام الشامل (التي تُشكل جُزءاً لا يتجزأ من الدستور، بل تعلو عليه).
    آخـــــــــــــــــر الكـــــــــــــــــلام:
    ألا تستدعي أحداث الجمعة 22/07/2011، باستاد المريخ في اُم درمان، عند الإحتفال بتخريج ما يُسمى بدورة عزة السودان، التوقف عندها وإستقراء معانيها والتأمل في فحوى الرسالة التي ينطوي عليها قذف الشباب للشُرطة والمواطنين بالحجارة، مما أدى إلى تدافعهم وسقوط قتيل والعديد من الجُرحى (حسب الرواية الرسمية)!؟. أليس هذا بداية الوعي الشعبي؟.
    إن على كُل مواطن سودني إبلاغ من يعنيهم الأمر وإفهامهم بشتى الوسائل، أن الجيش (وبالأصح؛ مليشيات الجبهة الإسلامية) لم تعُد موضع ثقة أو تقدير كما كان الحال في ما مضى من زاهر الأيام.

                  
|Articles |News |مقالات |بيانات


[رد على الموضوع] صفحة 1 „‰ 1:   <<  1  >>

تعليقات قراء سودانيزاونلاين دوت كم على هذا الموضوع:
at FaceBook




احدث عناوين سودانيز اون لاين الان
اراء حرة و مقالات
Latest Posts in English Forum
Articles and Views
اخر المواضيع فى المنبر العام
News and Press Releases
اخبار و بيانات



فيس بوك تويتر انستقرام يوتيوب بنتيريست
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة
About Us
Contact Us
About Sudanese Online
اخبار و بيانات
اراء حرة و مقالات
صور سودانيزاونلاين
فيديوهات سودانيزاونلاين
ويكيبيديا سودانيز اون لاين
منتديات سودانيزاونلاين
News and Press Releases
Articles and Views
SudaneseOnline Images
Sudanese Online Videos
Sudanese Online Wikipedia
Sudanese Online Forums
If you're looking to submit News,Video,a Press Release or or Article please feel free to send it to [email protected]

© 2014 SudaneseOnline.com

Software Version 1.3.0 © 2N-com.de