لا تكتفي الحرب في السودان بتمزيق الجغرافيا السياسية، بل هي تمارس نوعاً من "الاستقطاب المغناطيسي" للعقول، حيث يغدو الحياد تهمة، والنقد خيانة ,و إن المأزق الراهن ليس مجرد صراع عسكري، بل هو أزمة معنى بامتياز سقط فيها المثقف السوداني في فخ "السرديات المغلقة" مضحياً بالحقيقة على مذبح الانتماء. هذا الانقسام الفكري يعكس شرخاً تاريخياً في بنية الوعي؛ فبينما ذهب قطاع من المثقفين لتقديس "هيكل" الدولة وتبرير عنف المؤسسة العسكرية كحصن ضد الفوضى سقط الطرف المقابل في رومانسية التفكيك العنيف، مبرراً منطق المليشيا كأداة لهدم مركزية مستبدة وفي كلتا الحالتين، غابت المسافة النقدية التي تفصل "الضمير" عن "الخندق"، مما حول الساحة الفكرية إلى مجرد صدى لقعقعة السلاح إن الخروج من هذا المأزق يفرض على المثقف التحول من دور "المنظر للفصيل" إلى دور "المترجم للمعاني"، وهو ما يتجلى بوضوح في ضرورة صياغة مقاربة فكرية جديدة للعدالة الانتقالية، لا بوصفها مجرد نصوص قانونية مستوردة، بل كعملية "جراحة وطنية" تراعي خصوصية المجتمع السوداني وبنيته القبلية المتجذرة هنا، تبرز مهمة المثقف في إعادة تعريف العدالة من كونها "انتقام المنتصر" أو "قصاصاً إقصائياً" إلى كونها "ترميماً للنسيج الاجتماعي". وفي مجتمع تتداخل فيه الولاءات الإثنية مع الصراع السياسي، يصبح لزاماً على المثقف صياغة نموذج للعدالة الانتقالية يجمع بين "المحاسبية الجنائية" للأفراد الذين ارتكبوا الجرائم، وبين "المصالحات القاعدية" التي تستلهم من الموروث القبلي (كالأجاويد والأعراف المحلية) أدوات لامتصاص الغبن الجماعي
إن دور المثقف في هذا السياق هو "عقلنة الذاكرة المثقوبة"؛ أي منع تحويل المظالم القبلية إلى ترسانة للحروب القادمة ففي المجتمع القبلي، غالباً ما تُفهم العدالة كاستحقاق جماعي، وهنا تكمن خطورة تحول العدالة الانتقالية إلى أداة لوسم قبائل بأكملها بالجرم. لذا، يجب على الأطروحة الفكرية الجديدة أن تؤسس لعدالة تفرق بصرامة بين "الجريمة الفردية" و"الهوية الاجتماعية"، وتعمل على تحويل "الغبن الجهوي" إلى "مطالب مؤسسية" داخل الدولة. إنها عملية تحويل "الثأر" من فعل مادي مدمر إلى "اعتراف سياسي" بالخطأ، وجبر للضرر يعيد الاعتبار للمهمش دون أن يخلق تهميشاً مضاداً
هذا التأسيس للعدالة لا ينفصل عن ضرورة صياغة عقد اجتماعي جديد، يتجاوز إخفاقات دولة 1956، ليكون "تأسيساً ثانياً" يقوم على مواطنة عابرة للهويات. إن العقد المطلوب هو الذي يفكك بنية "الدولة الريعية" التي تقتات على تفتيت المجتمع لضمان بقاء النخبة، ويستبدلها بجمهورية المواطنة التي تحيد الدين والعرق في المجال العام وتجعل السلاح حكراً على مؤسسة وطنية مهنية خاضعة للمدنيين إن المثقف الحقيقي في هذه اللحظة هو من يمتلك الشجاعة ليكون "منشقاً عن الاصطفاف الجاهز" ومنحازاً فقط للإنسان، ليصيغ من حطام هذه الحرب "مانيفستو" لسودان جديد يولد من رحم المعاناة والاعتراف المتبادل، لا من فوهات المدافع أو انتصار طرف على أنقاض الآخر إنها دعوة للوقوف "خطوة إلى الخلف من الاصطفاف وخطوة إلى الأمام نحو المعنى"، ليكون القلم هو الأفق الثالث الذي يبشر بسلام قائم على العدالة، لا على مجرد الصمت المؤقت للبنادق.
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة