لماذا تفشل احزاب النخب ومنظماتها المدنية في مقاربة الحرب السودانية؟ كتبه خالد كودي

مرحبا Guest
اخر زيارك لك: 02-04-2026, 08:10 AM الصفحة الرئيسية

منتديات سودانيزاونلاين    مكتبة الفساد    ابحث    اخبار و بيانات    مواضيع توثيقية    منبر الشعبية    اراء حرة و مقالات    مدخل أرشيف اراء حرة و مقالات   
News and Press Releases    اتصل بنا    Articles and Views    English Forum    ناس الزقازيق   
اراء حرة و مقالات
نسخة قابلة للطباعة من الموضوع   ارسل الموضوع لصديق   اقرا المشاركات فى شكل سلسلة « | »
اقرا احدث مداخلة فى هذا الموضوع »
02-03-2026, 10:28 AM

خالد كودي
<aخالد كودي
تاريخ التسجيل: 12-31-2021
مجموع المشاركات: 217

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
مكتبة سودانيزاونلاين
لماذا تفشل احزاب النخب ومنظماتها المدنية في مقاربة الحرب السودانية؟ كتبه خالد كودي

    10:28 AM February, 03 2026

    سودانيز اون لاين
    خالد كودي-USA
    مكتبتى
    رابط مختصر





    2/1/2026 ، بوسطن

    مقدّمة: معركة في غير معترك
    تُدهشنا—ولا تُفاجئنا—البهلوانية السياسية التي تمارسها أحزاب النخب وكثير من منظمات المجتمع المدني وقادة الراي في نقاشها المتكرر حول "سبل وقف الحرب" في السودان، وكأن الأمر يتطلّب قوى خارقة من خارج التاريخ والواقع معًا. تتوالى البيانات الرافضة، والاتهامات المتبادلة، وخطابات "النقاء الثوري" التي تُشيِّد خلافاتٍ مُتخيَّلة على أنها خلافات جوهرية تحول دون أي تقارب سياسي لإنهاء الحرب. غير أن هذا الصخب، عند وضعه في سياقه السياسي والفكري الأوسع، لا يعبّر عن صراعٍ حقيقي حول جوهر الأزمة، بقدر ما يكشف عن معركة في غير معترك: اشتباكٌ لغويٌّ حول الوسائل، بينما يظلّ لبّ المشكلة خارج النقاش للأسف!
    فالمفارقة المركزية أن هذه الأحزاب والمجموعات—رغم التلاسن الحاد—تتقاطع في العجز عن تشخيص طبيعة المشكلة السودانية تشخيصًا تأسيسيًا، وتتشارك موقفًا ملتبسًا من القضايا التي شكّلت أصل الحروب المتعاقبة: العلمانية بوصفها حياد الدولة، واللامركزية كإعادة توزيع حقيقي للسلطة، وحق تقرير المصير كحل تاريخي للصراع، وبناء جيش جديد، والعدالة التاريخية. يختلفون في اللغة والمنصّات—هذا يرفع راية "العمل الجماهيري الداخلي"، وذاك يراهن على العملية السياسية والوساطة الخارجية—لكنهم يلتقون عند النقطة الأكثر أهمية وواقعية: الهروب من الأسئلة التأسيسية، والاكتفاء بإدارة الصراع بدل تفكيك جذوره.

    طوباوية بلا تأسيس: لماذا تفشل أحزاب النخب ومنظوماتها المدنية في مقاربة الحرب السودانية؟
    ١/ الحرب ليست حادثة… بل نتيجة تأسيسية مؤجَّلة
    منذ الاستقلال، لم يعرف السودان سلامًا مستدامًا، لا لأن المجتمع السوداني ميّال بطبيعته إلى العنف، بل لأن الدولة نفسها قامت على إنكارٍ بنيويٍّ لمكوّناتها ولشروط استقرارها. هذا الإنكار لم يكن مجرّد خطأ إداري، بل خيارًا سياسيًا–تاريخيًا تراكمت نتائجه حتى انفجرت في شكل حروب متكررة.
    - إنكار التعدّد يعني افتراض هوية وطنية أحادية في بلد متعدّد إثنيًا وثقافيًا ودينيًا، وتحويل هذا الافتراض إلى معيار للانتماء والحقوق. وكما يبيّن أمارتيا سن، فإن نفي التعدّد لا يُنتج وحدة، بل يُنتج عنفًا؛ لأن "اختزال البشر في هوية واحدة هو الشرط الأول لشرعنة الإقصاء". في السودان، قاد هذا الإنكار إلى تهميش جماعي، وصراعات هوية، وحروب مقاومة ضد دولة لا تعترف إلا بصورة واحدة لنفسها.
    - إنكار اللامركزية لا يعني فقط مركزية القرار الإداري، بل احتكار السلطة والثروة والمعرفة في المركز، وتجريد الأقاليم من القدرة على إدارة شؤونها. يوضح دينيس روندينيللي في دراسات التنمية أن غياب اللامركزية يحوّل الدولة إلى جهاز استخراج لا إلى إطار خدمة، ويحوّل الأقاليم إلى خزّان غضب دائم. في الحالة السودانية، أدّى هذا النمط إلى تنمية غير متوازنة، وإلى عسكرة المطالب الاجتماعية.
    - إنكار حياد الدولة يتمثّل في ربط السلطة السياسية بعقيدة دينية أو ثقافية بعينها، ما يحوّل الدولة من حكمٍ بين مواطنين إلى طرفٍ في الصراع. يبيّن تشارلز تايلور أن الدولة غير المحايدة لا تستطيع إدارة التعدّد، لأنها تُكافئ هوية وتُعاقب أخرى. وكانت النتيجة في السودان حروبًا دينية–ثقافية مقنّعة، جرى فيها تديين السياسة وتسليح الهوية.
    - إنكار العدالة التاريخية يعني تجاهل التراكم الطويل للظلم، والعبودية، ونهب الأراضي، والإقصاء البنيوي، والتعامل مع الحاضر وكأنه صفحة بيضاء. يحذّر بول ريكور من أن المجتمعات التي لا تعترف بذاكرتها الجريحة تُعيد إنتاج العنف بصيغ جديدة. في السودان، لم تُعالَج جذور المظالم، بل جرى تدويرها، فانتقلت من جيل إلى آخر.
    - إنكار حق تقرير المصير—داخل الدولة أو خارجها—يعني نفي حق الجماعات في إعادة تعريف علاقتها بالدولة. وكما يؤكد جون رولز، فإن الاستقرار العادل لا يقوم على الإكراه الدائم، بل على القبول الحرّ. في السودان، قاد رفض هذا الحق إلى حروب انفصالية، ثم إلى استمرار الحروب حتى بعد الانفصال، لأن المشكلة لم تكن في الحدود، بل في بنية الدولة نفسها. لهذا، لم تكن الحروب—من الجنوب إلى دارفور، ومن جبال النوبة إلى النيل الأزرق—سلسلة حوادث منفصلة، بل حروبًا متراكمة ضد دولة واحدة لا ترى نفسها موضوعًا للنقد. دولة تعاملت مع العنف بوصفه خللًا أمنيًا، لا نتيجة مباشرة لتأسيسها المختل.
    في هذا الإطار، لا يكون السؤال الجوهري: كيف نوقف الحرب فحسب؟
بل: أيُّ دولة أنتجت هذه الحرب؟ وأيُّ دولة نريد كي لا تتكرّر ولا تستمر؟
    هنا، تحديدًا، يتكشّف الخلل البنيوي في مواقف أحزاب النخب النيلية ومنظوماتها المدنية: الإصرار على حلولٍ إجرائية—مبادرات، مؤتمرات، موائد حوار، وبيانات أخلاقية—لمواجهة أزمةٍ تأسيسية. هذا الإصرار لا يعالج أصل المشكلة، بل يُدير أعراضها ويُراكم تأجيلها. وكما نبّه يوهان غالتونغ، فإن "السلام ليس غياب العنف المباشر، بل غياب العنف البنيوي". وعليه، ما لم تُعالَج بنية الدولة التي تُنتج العنف—في توزيع السلطة والثروة والهوية—سيظلّ كل وقفٍ للحرب مؤقّتًا، وكل سلامٍ بلا تأسيس هدنةً مؤجَّلة لا أكثر.
    ٢/ وهم "إيقاف الحرب" خارج أسئلتها التأسيسية
    تُكرِّر قطاعات واسعة من النخب خطابًا حادًا يرفض أي دورٍ لطرفي الحرب في رسم مستقبل السودان، بذريعة انعدام الأهلية الأخلاقية والقانونية. للوهلة الأولى، يبدو هذا الموقف معقولا وربما مبدئيًا. غير أنّه—حين يُقرأ في ضوء اللحظة التاريخية ومسار الدولة السودانية—ينكشف بوصفه وهمًا سياسيًا يعكس محدودية أفقٍ لا يميّز بين الإدانة الأخلاقية وإدارة الصراع بوصفها مسألة تأسيس دولة.
    المعضلة ليست في التشديد على المحاسبة، بل في توهّم إمكان إنهاء حرب أهلية طويلة وكبرى دون إشراك أطرافها المسلحة في إنهائها وفي صياغة ترتيبات ما بعدها. هذا ليس تبريرًا لجرائم، بل توصيفًا لواقعٍ صلب: الأطراف المسلحة—بحكم السيطرة والقوة—تمتلك وقائع الأرض. تجاهلها لا يُنتج سلامًا، بل يمدّد الحرب أو يؤجّلها بصيغة أشدّ عنفًا.
    التاريخ، في نماذجه الفارقة، يعلمنا ويقدّم الدليل:
    - الحرب الأهلية الأمريكية انتهت بحسم عسكري، لكن إعادة بناء الدولة لم تتمّ بالاستبعاد المطلق، بل بترتيبات سياسية–قانونية أعادت دمج الجنوب في الاتحاد، مع تفكيك البنية العبودية دستوريًا. فالحسم العسكري وحده لم يكن سلامًا؛ السلام نتج عن إعادة تأسيس قانوني للدولة.
    - جنوب أفريقيا لم تخرج من نظام الفصل العنصري بإقصاءٍ شامل، بل بتفاوضٍ شاملٍ مشروط: تفكيك قانوني للمؤسسات العنصرية، إدماج سياسي مراقَب، و"عدالة انتقالية". النتيجة كانت دولة جديدة لا مجرّد وقف عنف.
    كولومبيا أنهت أطول حروبها عبر اتفاقٍ مع حركة مسلّحة، تضمّن نزع سلاح تدريجيًا، إدماجًا سياسيًا مشروطًا، وإصلاحات ريفية وقضائية. الفشل لم يكن في التفاوض، بل في أي تأخير عن تنفيذ الإصلاحات البنيوية.
    - نيبال انتقلت من حرب أهلية إلى جمهورية عبر دمج الحركة المسلحة في العملية السياسية، وإعادة هيكلة الجيش، وكتابة دستور جديد اعترف بالتعدّد واللامركزية. تجاهل ميزان القوة كان سيعيد البلاد إلى الحرب.
    - إيرلندا الشمالية لم تعرف سلامًا مستدامًا إلا عندما جرى إشراك الفاعلين المسلحين في اتفاقٍ سياسي شامل، مع تفكيك العنف تدريجيًا، وإصلاح مؤسساتي، وضمانات حقوقية متبادلة.
    حتى تجارب حركات التحرر ذات المرجعيات اليسارية—التي طالما استشهدت بها النخب—لم تبنِ دولًا جديدة عبر إنكار ميزان القوة، بل عبر تفكيكه سياسيًا وقانونيًا: نزع سلاح تدريجي متفق عليه، إدماج مشروط، إعادة هيكلة مؤسسية، وعدالة تاريخية وانتقالية تُقيم الاعتراف والمساءلة دون تحويلهما إلى سياسة انتقام.
    هنا يتبدّى فشل النخب بوصفه فشلًا تاريخيًا لا أخلاقيًا فحسب. فحين تُصرّ النخب على حلولٍ "نقيّة" منفصلة عن الواقع، فإنها تسرق الثورات وتضيّع الفرص: ترفع سقف الشعارات دون قدرة ولاأدوات، وتحوّل لحظات التحوّل إلى فراغٍ سياسي تملؤه البنادق. بهذا المعنى، لا تُوقِف هذه النخب الحرب، بل تخلق بيئة تمدّد أسبابها—عبر تعطيل التأسيس، وتأجيل الإصلاحات البنيوية، وترك ميزان القوة يعمل بلا تفكيك.
    أما ما الذي يجري إن لم تُنجَز هذه الترتيبات؟ فالجواب معلوم تاريخيًا: هدنة هشّة، عودة السلاح بأسماء جديدة، إعادة تدوير النخب نفسها، وتجدد الحرب على نطاق أوسع. السلام الذي لا يُعاد فيه تأسيس الدولة ليس سلامًا؛ إنه فاصل زمني بين حربين

    ٣/ الطفولية السياسية: دولة بلا أطراف، وسلام بلا قوة
    تُقدِّم قوى تُصنَّف نفسها "تقدمية" او"يسارية" او "ثورية" تصورًا للسلام أقرب إلى بيان أخلاقي جميل معلق على جدار، بلا بابٍ ولا نوافذ. سلامٌ يريدون له أن يولد مكتملًا من غير مخاضٍ، وأن يسير بلا أقدامٍ على أرضٍ ملغومة. يريدون:
    - سلامًا بلا مشاركة القوى المسلحة التي تمسك بوقائع الأرض،
    - وبلا إعادة تعريف للجيش كجهاز وطني خاضع للسياسة لا حاكمٍ لها،
    - وبلا حسم جذري لمسألة الدين والدولة عبر إقرار العلمانية والمواطنة المتساوية،
    - وبلا اقرار بحق تقرير المصير بوصفها حقًا سياسيًا لا ورقة ابتزاز،
    - وبلا عدالة تاريخية تعيد تعريف الملكية والسلطة والهوية
    ثم—وبثقةٍ لا تخلو من ادّعاء—يرفضون أي عملية سياسية لا تُشبه حلمهم الأخلاقي القديم، كأن التاريخ ملزمٌ بتقليد دفاترهم المدرسية. هذا ليس ثورية ولا راديكالية؛ إنه شكل فاضح من الطفولية السياسية: إصرار على عالمٍ "نقيّ" لا يلامس الواقع، ثم لوم الواقع لأنه لم يلتزم بالنقاء!
    السياسة—كما لخّصها ماو تسي تونغ—"صراع قوى، لا وعظ أخلاقي". وقد قالها بوضوحٍ لا يحتمل الالتباس: من لا يفهم ميزان القوة، سيُهزم أخلاقيًا وسياسيًا معًا. وحتى فلاديمير لينين، الذي لم يكن "تصالحيًا" في المخيال الثوري، وقّع معاهداتٍ قاسية مرحليًا—أشهرها بريست–ليتوفسك—لأنه أدرك أن الدولة لا تُبنى بالنقاء الثوري، بل بإدارة التناقضات: تناقض الحرب والسلام، وتناقض القوة والشرعية، وتناقض المبدأ والمرحلة. من يرفض هذا الإدراك، يختار الهزيمة باسم الفضيلة.
    الأمر ذاته يتجلى عند نيلسون مانديلا. لم يُفاوض خصومه لأنه نسي الجرائم، بل لأنه فهم—ببراغماتية أخلاقية عالية—أن تفكيك نظامٍ عنيف يقتضي تفكيك أدواته: تحويل القوة إلى التزامٍ قانوني، والسلاح إلى سياسةٍ مُراقَبة، والانتقام إلى عدالةٍ انتقالية تُقيم الاعتراف والمساءلة معًا. الإنكار لم يكن خيارًا؛ كان طريقًا مختصرًا لعودة الحرب.
    (Ripeness)وفي علم إدارة الأزمات والتفاوض، يقدّم ويليام زارتمان مفهوم «نضج الصراع"
    الصراعات لا تُحلّ عندما نُقصي الفاعلين الأقوى، بل عندما نخلق شروطًا تحوّل قدرتهم على الإيذاء إلى استعدادٍ للالتزام—عبر ضمانات، وحوافز، وآليات مراقبة، وإصلاحات مؤسسية. هكذا تحوّلت حروبٌ طويلة في كولومبيا وإيرلندا الشمالية من دوّامات دم إلى مسارات سياسية قابلة للاستدامة.
    أما عندنا، فتصرّ كيانات صلفة ومدّعية على سلامٍ بلا قوة، ودولةٍ بلا أطراف، وعدالةٍ بلا أدوات. ترفع الشعارات، وتكسر الجسور، ثم تتباكى على غياب العبور. والنتيجة—كما علّمنا التاريخ—ليست سلامًا مؤجّلًا فحسب، بل إطالة أمد الحرب، لأن الفراغ الذي تتركه الطفولية السياسية لا يبقى فراغًا طويلًا؛ تملؤه البنادق بسرعة، وبأثمانٍ أفدح.
    المفارقة هنا أن هذه القوى، وهي تعظ العالم بالأخلاق والثورة، تُنكر أبسط بديهيات السياسة. تريد إنهاء الحرب دون أن تمسّ أسبابها، وتأسيس الدولة دون أن تُعيد تأسيس أدواتها. هكذا تُهدر اللحظة التاريخية، وتُسرق الفرصة مرةً أخرى—لا على يد "الأعداء"، بل بأيدي من يدّعون الفضيلة، والثورية وهم يعجزون عن تحويلها إلى سياسة!
    ٤/ التقاء الجذور: اختلاف الأدوات وتطابق الجوهر
    على الرغم من حدّة السجال بين أحزاب النخب—بما فيها الحزب الشيوعي—وبين بعض التحالفات المدنية، وفي مقدّمتها تحالف صمود، وحتي الاسلاميين فإن هذا الخلاف لا يبلغ، في حقيقته، مستوى التناقض الجذري أو الاختلاف التأسيسي كما يُسوَّق له في الخطاب العلني. إنّه، في جوهره، اختلاف في الأدوات والأساليب، لا في الرؤية المؤسسة للدولة.
    فريقٌ يراهن على الخارج والوساطات الدولية ومسارات التفاوض الإقليمية، وفريق يراهن علي الحسم العسكري، وفريقٌ آخر يراهن على "جماهير" مُتخيَّلة ومنتقاة، غالبها من نخبٍ حضرية، تُستدعى بخطابٍ أخلاقي كثيف، لكن من دون برنامج تأسيسي قادر على تحويل الأخلاق إلى مؤسسات. غير أنّ الرهانات—على تباينهما الظاهري—تتقاطع عند النقطة الحاسمة نفسها: العجز عن حسم الأسئلة الكبرى.
    ذلك أنّ هذه الاطراف، على اختلاف أدواتهما، يتشاركوا المواقف ذاتها من القضايا التأسيسية
    - كلاهم يتهرّب من إقرار العلمانية بوصفها شرطًا تأسيسيًا لحياد الدولة والمواطنة المتساوية،
    - وكلاهم يتجنّب الاعتراف بـ حق تقرير المصير كحل تاريخي وجذري للصراع البنيوي،
    - وكلاهم يرفض—صراحةً أو مواربة—تفكيك الجيش القائم وبناء جيش جديد على أسس وطنية مهنية،
    - وكلاهم يتعامل مع العدالة التاريخية بوصفها شعارًا أخلاقيًا مُعلّقًا، لا برنامجًا مؤسسيًا ملزمًا يعيد تعريف السلطة والملكية والهوية.
    بهذا المعنى، لا يكمن الخلاف الحقيقي بين هذه القوى في "الطريق" إلى الدولة الجديدة، بل في الخوف المشترك من الذهاب إلى آخر الأسئلة؛ تلك الأسئلة التي لا تسمح بالمناورة، ولا تقبل الحلول الوسط، وتفرض قطيعة واضحة مع بنية الدولة القديمة. اختلاف الأدوات إذن يُخفي تطابقًا في الجوهر، ويعيد إنتاج المأزق نفسه: إدارة الأزمة بدل تفكيك أسبابها...
    ٥/ أسطورة "الجماهير" وانتقائية التمثيل: فقر الخيال وعمى القراءة بعد الحرب
    تواصل بعض الكيانات الحزبية—ومعها قطاعات من النخب المدنية—الحديث عن "الجماهير" كما لو كانت كتلة واحدة متجانسة، جاهزة لتكرار مشهدٍ محفوظ من ذاكرة السياسة السودانية: أكتوبر 1964، أبريل 1985، ديسمبر 2018. غير أن التمسك بهذه التكتيكات بوصفها وصفة صالحة لكل زمان لا يدل على وفاءٍ للتاريخ بقدر ما يدل على أمرين محيرين: فقر في الخيال السياسي، وعجزٍ فاضح عن قراءة ما أحدثته الحرب الراهنة من تفكيكٍ جذري لبنية "الجمهور" ذاته ماديا ومعنويا!
    فالجماهير التي افترضتها انتفاضات المركز—بصورتها الكلاسيكية—كانت تقوم على شروط مادية واجتماعية بعينها: مدينة قابلة للتجمع، مؤسسات عمل وتعليم وخدمات، نقابات ولجان مهنية، أحياء مستقرة، وفضاء عام يسمح بتراكم الاحتجاج. أما الحرب الحالية فقد ضربت هذه الشروط في الصميم: لم تُحوّل العاصمة إلى ساحة نزاع فقط، بل فككت الوجود الاجتماعي الذي كانت النخب تتكئ عليه لتسمّيه "الجماهير". كثير من سكان الخرطوم ومدن المركز—ومن ضمنهم أبناء النخب أنفسهم—لم يعودوا "جماهير" داخل العاصمة، بل نازحون ولاجئون خارجها، أو خارج السودان كله، موزّعون بين ولايات، وحدود، ومدن لجوء، وخرائط هشاشة لا تشبه خرائط الانتفاضات القديمة.
    الأخطر من ذلك أن هذا الخطاب يتجاهل، بعمى مقصود أو جهلٍ بنيوي، واقع جماهير المناطق المهمّشة—وهم في أغلب التقديرات السكانية والاجتماعية "أغلبية السودان"—الذين لم تكن علاقتهم بالدولة علاقة "احتجاج مدني" فقط، بل علاقة صراع طويل مع دولةٍ تُدار ضدّهم. هؤلاء ارتبط جزء معتبر من تجربتهم السياسية بالنضال المسلح، لا بوصفه (نزوة)، بل بوصفه لغة اضطرارية فرضها تاريخ الإقصاء وغياب الدولة والخدمات والتمثيل. ومن ثم فإن الحديث عن "جماهير" جاهزة لسيناريوهات أكتوبر/أبريل/ديسمبر، دون إدراج هذه الحقيقة والوعي بها، ليس تحليلًا؛ إنه استدعاء نوستالجي لمدينةٍ لم تعد موجودة بالشكل الذي يفترضه الخطاب.
    لهذا، لم يعد سؤال "أيُّ جماهير؟" سؤالًا بلاغيًا أو تعبويًا، بل سؤالًا تأسيسيًا حاسمًا.
هل المقصود جماهير الهامش التي عاشت الحرب بوصفها واقعًا يوميًا، ودَفعت كلفة الدولة القديمة كاملة، وربطت السياسة بقضايا الأرض والهوية والمساواة والكرامة والأمن؟
أم المقصود جماهير المدن التي تشكّلت احتجاجاتها تاريخيًا داخل مجالٍ حضريٍّ مركزيٍّ ذي مطالب اقتصادية—وأحيانًا حقوقية—ثم تفتّت هذا المجال نفسه بفعل الحرب، والنزوح الواسع، والانهيار المؤسسي؟
    تاريخيًا، لم يتحرّر خطاب "الجماهير" لدى كثير من النخب من مركزيةٍ ثقافية وسياسية، حتى حين يتزيّا بلغة اليسار. وغالبًا ما تُستدعى "الجماهير" بوصفها غطاءً أخلاقيًا صالحًا للتعبئة، لا كفاعلٍ تاريخيٍّ متعدّدٍ ومتناقضٍ تغيّرت شروط وجوده وتحوّلت أشكال فعله السياسي. ما نحتاجه اليوم ليس تمثيلًا انتقائيًا باسم "الجماهير"، بل عقدًا اجتماعيًا جديدًا يقرأ تحوّلات الحرب قراءةً واقعية: تفكيك المدينة، وتشتّت السكان، وتغيّر مركز الثقل السياسي، وظهور الهامش لا كملحقٍ للثورة، بل كمركزها ومحركها الأساسي.
    ٦/ لماذا تُزعج القضايا التأسيسية النخب؟
    لأن القضايا التأسيسية—العلمانية، اللامركزية، تقرير المصير، الجيش الجديد، العدالة التاريخية—لا تقبل الحلول الرمادية.
إنها تُجبرك على اختيارٍ واضح:
    إمّا دولة امتيازات،
    أو دولة مواطنة.
    ولهذا، تفضّل النخب—يسارًا، ويمينا ووسطًا—الالتفاف بشعارات وقف الحرب، دون مسّ أسبابها!

    خاتمة: إنكار اللحظة… حين تتأخر النخب عن التاريخ
    المأساة الحقيقية ليست في اختلاف أحزاب النخب والجماعات المدنية، بل في إنكارها للحظة التاريخية. فهذه النخب ما تزال تتصرّف كما لو أنّ السودان الذي عرفته—بدولته المركزية، وخرائط امتيازاته، وقواعد لعبه القديمة—قابلٌ للترميم أو الاستعادة. والحقيقة الأشد قسوة أن ذلك السودان قد وَلّى، لا بفعل مؤامرة، بل بفعل تراكمٍ طويل من الفشل البنيوي انتهى بالحرب الراهنة إلى كسر الإطار كله، لا بعض أجزائه!
    إن التمسك بأوهام المحافظة على الامتيازات التاريخية—السياسية، والاقتصادية، والرمزية—لم يعد مجرد خطأ في التقدير؛ لقد صار عجزًا عن القراءة. فالحرب لم تُدمّر المدن فحسب، بل دمّرت شروط إعادة إنتاج السلطة القديمة، وغيّرت مركز الفعل السياسي، وأخرجت الدولة من يد نخبها التقليدية. من هنا، يصبح إنكار هذا التحول نوعًا من العمى الإرادي: محاولة الوقوف في مجرى التاريخ وطلبه أن يتوقف احترامًا للذاكرة!
    على هذه النخب أن تتعلّم—لا أن تُلقّن. أن تتعلّم أن زمن الوصاية قد انتهى، وأن السياسة لم تعد تُدار من علٍ، وأن الهامش لم يعد موضوع شفقة أو تعبئة ظرفية، بل فاعلٌ مؤسِّس. وأن تتعلّم أن العدالة لم تعد وعدًا مؤجّلًا، وأن العلمانية والمواطنة المتساوية واللامركزية وتقرير المصير ليست شعارات تفاوض، بل شروط بقاء. وأن تتعلّم، أخيرًا، أن إدارة الصراع بلا تفكيك أسبابه ليست حكمة، بل إطالة لأمد الخراب!
    إن رؤية السودان الجديد لا تطلب من النخب أن تنتحر سياسيًا، بل أن تعيد تعريف دورها: من حراس امتيازات إلى شركاء تأسيس، ومن خطابٍ أخلاقيٍّ مُنزّه إلى برنامجٍ مؤسسيٍّ شجاع. الطريق ليس سهلًا، لكنه واضح: الاعتراف بأن ما بعد الحرب ليس عودةً إلى ما قبلها، وأن المستقبل لن ينتظر المترددين.
    إن لم تتخلَّ هذه النخب عن الصَّلَف، ولم تنظر أبعد من تحت أقدامها، فستبقى أسيرة لحظة نكرانٍ تُقصيها عن التاريخ. أمّا إن تعلّمت—بشجاعة التلميذ لا غرور الأستاذ—فقد تسهم في تأسيس بلدٍ جديدٍ يليق بتضحيات أهله. وفي غير ذلك، سيظلّ كل حديث عن السلام تأجيلًا للصراع، لا خروجًا منه.

    النضال مستمر والنصر اكيد.
    (أدوات البحث والتحرير التقليدية والإليكترونية الحديثة استخدمت في هذه السلسلة من المقالات)























                  


[رد على الموضوع] صفحة 1 „‰ 1:   <<  1  >>




احدث عناوين سودانيز اون لاين الان
اراء حرة و مقالات
Latest Posts in English Forum
Articles and Views
اخر المواضيع فى المنبر العام
News and Press Releases
اخبار و بيانات



فيس بوك تويتر انستقرام يوتيوب بنتيريست
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة
About Us
Contact Us
About Sudanese Online
اخبار و بيانات
اراء حرة و مقالات
صور سودانيزاونلاين
فيديوهات سودانيزاونلاين
ويكيبيديا سودانيز اون لاين
منتديات سودانيزاونلاين
News and Press Releases
Articles and Views
SudaneseOnline Images
Sudanese Online Videos
Sudanese Online Wikipedia
Sudanese Online Forums
If you're looking to submit News,Video,a Press Release or or Article please feel free to send it to [email protected]

© 2014 SudaneseOnline.com

Software Version 1.3.0 © 2N-com.de