في لحظات الانهيار الكبرى التي تعصف بالأوطان، لا يكون السقوط الأخلاقي حكراً على حملة السلاح وحدهم، بل يمتد ليشمل حملة الأقلام الذين يقررون، في لحظة عمى بصيري، أن يغمسوا مدادهم في دماء الأبرياء لتبرير ما لا يُبرر. إن مقال الدكتور الوليد آدم مادبو المعنون "حميدتي بين شرف المعركة ووحشية الانتقام"، يمثل نموذجاً صارخاً للسقوط المريع للمثقف حينما تتحكم فيه عصبية الدم وتعميه عن نور الضمير. إنه مانيفستو تبريري بامتياز، يحاول فيه الكاتب ببراعة لغوية خادعة أن يصنع من زعيم ميليشيا دموية قديسا تغلبه دموعه، بينما الواقع الموثق والمشهود يقول إننا أمام أكبر عملية تدمير ممنهج للدولة والمجتمع في تاريخ السودان الحديث. أولاً/ أكذوبة شرف المعركة في مواجهة واقع الاغتصاب والتنكيل.. يفتتح مادبو مقاله بحديث فلسفي منمق عن شرف المعركة ولحظة الاختيار، محاولا إيهام القارئ بأن محمد حمدان دقلو (حميرتي)، قد اختار طريق الشرف، لكن أي شرف هذا الذي يتحدث عنه الدكتور، هل الشرف هو احتلال بيوت المواطنين العزل في الخرطوم ومدني ودارفور وكردفان، هل الشرف هو تحويل المستشفيات إلى ثكنات عسكرية والتطهير العرقي والإبادة الجماعية ضد قبائل الزُرقة في دارفور؟ إن الدكتور مادبو يتجاهل عمدا، وبقسوة لا تليق بأكاديمي، آلاف التقارير الصادرة عن الأمم المتحدة، ومنظمة العفو الدولية، وهيومن رايتس ووتش، وحتى المنظمات الحقوقية السودانية المستقلة، التي وثقت جميعها أن قوات الدعم السريع لم تخض حربا ضد جيش فحسب، بل شنت حربا شاملة ضد المواطن السوداني. تتحدث التقارير عن العنف الجنسي المتصل بالنزاع كاستراتيجية حرب، حيث اغتُصبت النساء والفتيات أمام ذويهن لإذلال المجتمعات، فأين الشرف الذي يدعيه مادبو في تقنين الاغتصاب، وأين الضمير في تهجير ملايين المواطنين من منازلهم وسرقة ممتلكاتهم وبيعها في أسواق دقلو التي أصبحت وصمة عار في جبين الإنسانية؟ إن محاولة إلباس زعيم الميليشيا ثوب الفارس النبيل، هي محاولة بائسة تصطدم بصخرة الواقع الدامي الذي يعيشه كل سوداني هُجر من بيته أو انتُهك عرضه. ثانياً/ مغالطة المتفلتين ودموع التماسيح.. يحاول المقال بذكاء خبيث أن يفصل بين حميرتي وبين جرائم جنوده، مستدعيا رواية هشة عن بكاء حميرتي عندما سمع بجرائم المستنفرين، ومستشهداً بشهادة كيكل -(الذي هو نفسه جزء من آلة الحرب). هذه السردية تمثل استخفافا بعقول السودانيين، لأن الجرائم التي ارتُكبت لم تكن حوادث فردية معزولة لمتفلتين أو فزع، بل كانت نمطا سلوكيا ممنهجا ومتكررا في كل مدينة دخلتها هذه القوات. عندما تحتل قوة عسكرية مدينة كاملة مثل ود مدني أو الجنينة، وتستبيحها لأسابيع وأشهر، وتنهب بنوكها ومخازنها وبيوتها، فهذا قرار قيادة وليس تصرف أفراد. إن دموع القائد، إن صحت، لا تعفيه من المسؤولية الجنائية والأخلاقية وفقاً للقانون الدولي ومبدأ مسؤولية القيادة. القائد الذي لا يسيطر على جنوده هو قائد فاشل، أما القائد الذي تنهب قواته وتغتصب بشكل ممنهج بينما هو يكتفي بالبكاء في الغرف المغلقة (حسب زعم الوليد مادبو)، فهو شريك كامل في الجريمة، وإن محاولة تصوير حميدتي كضحية لجنوده هي محاولة لغسل يده من دماء الأبرياء، وهي محاولة لن تمر على شعب خُبر الميليشيا وعايش فظائعها. ثالثاً/ العصبية القبلية تحت غطاء التحليل السياسي.. لعل أخطر ما في مقال مادبو، هو تلك النزعة القبلية المبطنة التي تفوح من بين السطور، ممارسةً لسياسة انصر أخاك ظالما أو مظلوما في أبشع صورها، حيث ينتقد ويدين الدكتور استهداف الجيش لقرى في بوادي الغرب، وهو أمر مدان كعقاب جماعي، لكنه يصمت صمت القبور عن التطهير العرقي الموثق الذي مارسته ميليشيا الدعم السريع في الجنينة والفاشر وغيرها ضد قبائل الزُرقة في دارفور، حيث قُتل الآلاف ودُفنوا في مقابر جماعية. لماذا لم يتحرك ضمير الدكتور مادبو لمجازر الجنينة التي وصفتها الأمم المتحدة بأنها قد ترقى لجرائم إبادة جماعية، لماذا يعتبر ضرب قرى معينة انتقاما من المجتمع، بينما يتجاوز عن إبادة أحياء كاملة في الخرطوم ودارفور على يد قوات ابن عمه؟ إن الانتقائية في الإدانة، هي السمة الأبرز لهذا المقال الفج، فالدكتور يرى بعين واحدة، عين القبيلة التي ترى في حميدتي المظلوم والحنون، وتتعامى عن حميدتي قائد الجنجويد الذي أحرق القرى في الماضي ويحرق المدن اليوم. إن الحديث عن رفض استهداف قرى الشايقية في مروي كدليل على نبل حميرتي هو ذر للرماد في العيون، فالسلوك العام للميليشيا في الجزيرة والخرطوم ودارفور ينسف هذه الجزئية التي سيقت لغرض التلميع ليس إلا. رابعاً/ تزييف التاريخ: من أطلق الطلقة الأولى؟ يتحدث مادبو عن الحرب وكأنها نزلت من السماء، أو كأنها مؤامرة إسلامية بحتة، متناسياً الحقيقة الساطعة التي يعرفها القاصي والداني، وهي أن ميليشيا الدعم السريع من حشدت القوات في مروي والخرطوم قبل الحرب، وهي من أطلقت الطلقة الأولى صبيحة 15 أبريل، وهي من هاجمت بيت الضيافة ومطار الخرطوم ومقار القيادة في وقت واحد. لقد كان حميرتي يخطط للانقضاض على السلطة بقوة السلاح، وحينما فشل مخططه الانقلابي السريع، تحول إلى خطة الأرض المحروقة. إن تصوير حميرتي على أنه كان في موقف الدفاع، هو تزوير للتاريخ القريب الذي عشناه لحظة بلحظة، إذ ان الميليشيا هي المعتدية، وهي التي بادرت بكسر شوكة الدولة، وهي التي حولت الصراع السياسي إلى حرب وجودية تستهدف تدمير البنية التحتية، وحرق الأرشيف الوطني، وتدمير الجامعات، وسرقة ممتلكات المواطنين. إن القفز فوق حقيقة البادئ ومحاولة توزيع المسؤولية الأخلاقية بالتساوي، أو تحميلها للضحية، هو تدليس لا يقبله عقل. خامسا/ تبرير الجريمة بالمظلومية الاجتماعية.. يلجأ الدكتور مادبو إلى الحيلة القديمة الجديدة، وهي تفسير الجريمة بالسياق الاجتماعي والاقتصادي (امتيازات الخرطوم مقابل مرارات الهامش). نعم، هناك ظلم تاريخي في السودان، وهناك تفاوت تنموي، ولكن ما علاقة من كان أداة في يد المركز لقهر الهامش واغتصب النساء ونهب بيوت الفقراء في أم درمان والجزيرة وغيرها، بقضية الهامش العادلة أصلاً؟ إن استخدام المظلومية التاريخية كغطاء لجرائم الفاشية الجديدة هو أخطر أنواع التبرير، لأن ما تفعله ميليشيا الدعم السريع، ليس نضالا من أجل العدالة الاجتماعية، بل هو لصوصية وعنف بربري لا علاقة له بقضايا الهامش، بل إن أكبر المتضررين من هذه الحرب، هم أبناء الهامش أنفسهم الذين دمرت الميليشيا أسواقهم وموارد رزقهم. إن محاولة مادبو ربط وحشية الميليشيا بتكدس المرارات، هي إهانة لكل المهمشين الشرفاء الذين لم يختاروا طريق النهب والاغتصاب كحل لمشاكلهم. إنها دعوة مبطنة لشرعنة الحقد الطبقي والانتقام الأعمى الذي يمارسه جنود الميليشيا، وتصويره كأنه رد فعل طبيعي على امتيازات المركز. سادساً/ حكاية حنان حميرتي.. في قمة التناقض، يروي مادبو قصته مع حميرتي ونصيحته له بتصفية قيادات الإسلاميين، ليظهر نفسه بمظهر الواقعي القاسي وحميدتي بمظهر الحنون المتواضع. هذه الحكاية المسرحية، تهدف لغرضين: الأول، إظهار حميدتي بمظهر الحمل الوديع الذي أوردته عاطفته المهالك، والثاني، تحميل الإسلاميين (الذين لم يقتلهم حميدتي)، مسؤولية الـ 350 ألف قتيل الذين سقطوا في دارفور وغيرها. يا لها من مغالطة فجة! الـ 350 ألف قتيل، وملايين المشردين، لم يسقطوا لأن حميرتي كان حنونا، ولم يقتل 15 شخصاً، بل سقطوا لأن حميرتي وبدعم الإسلاميين، يعرفه مادبو جيداً، قرر أن يختطف الدولة السودانية لصالحه وصالح أسرته. سقطوا لأن حميرتي، جند مئات الآلاف من عرب الشتات العابرين للحدود، وسلحهم بأسلحة فتاكة، وأطلقهم لينهشوا لحم السودانيين. إن تحميل الضحايا (أياً كان انتماؤهم السياسي)، مسؤولية إبادتهم لاحقاً، هو منطق القاتل المتسلسل الذي يلوم ضحاياه على عدم موتهم مبكراً، فحميدتي ليس ضحية حنانه، بل هو مجرم حرب بامتياز، قادته أطماعه السلطوية لتدمير بلد كامل. سابعاً/ حين يموت الضمير وتبقى القبلية.. يختتم مادبو مقاله بالحديث عن المروءة وحماية الضعيف، وهي كلمات رنانة، لكنها تسقط عند أول حاجز تفتيش للميليشيا، حيث تُهان النساء ويُضرب الشيوخ. إن مقال الدكتور مادبو، ليس إلا محاولة بائسة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من سمعة رجل تلطخت يداه بدماء الأبرياء حتى المرفقين. لقد سقط الدكتور مادبو في هذا المقال سقطة مدوية، فبدلاً من أن يكون صوتا للحقيقة، منحازا للإنسان السوداني المسحوق الذي انتُهك عرضه وسُلب ماله، اختار أن يكون محاميا للشيطان، مدافعا عن الجلاد، مبررا للوحشية، ومستخدماً أدواته المعرفية لليّ عنق الحقيقة. لقد تجاهل، بقصد وترصد، توثيقات العالم كله لجرائم التطهير العرقي والاستعباد الجنسي، ليحدثنا عن بكاء القائد وشرف المعركة. إن الدماء التي سالت في الجنينة، والخرطوم، والجزيرة، وكردفان، ستبقى لعنة تطارد كل من حمل السلاح، وكل من حمل القلم ليشرعن هذا السلاح أو يجمّل وجه حامله القبيح. إن التاريخ لن يرحم من وقف مع ميليشيا الجنجويد ضد شعبه، ولن يغفر لمن رأى اغتصاب الحرائر ملفا جنائيا، ورأى في تدمير الدولة امتحانا للمروءة. لقد كان الأجدر به، وهو الأكاديمي الذي درس في الغرب، أن ينتصر لقيم الإنسانية لا لقيم العشيرة، وأن يدين المجرم بوضوح لا أن يبحث له عن مخارج أخلاقية من نسيج الخيال. إن ردنا للوليد مادبو، ليس إلا صدى لأنين الضحايا الذين داس على جراحهم بقلمه البارد، فالحق أبلج، وجرائم الميليشيا أوضح من شمس النهار، ولن تغطيها غربال المقالات المنمقة ولا دموع التماسيح المزعومة. لقد امتحن الدم الضمير.. وللأسف، الدكتور وليد في مقاله هذا، رسب ضميره ونجت العصبية.
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة