تمثل هذه الدعوة قمة الوقاحة. كيف لمجرم حرب ان يدعو ضحاياه للمصالحة؟ المصالحة مع من؟ مع من خان الثورة، واشعل الحرب، واستخدم مخيلته الشريرة وما فيها من مكر ودهاء ليبقي الشعب السوداني رازحا في قفص الاستبداد والفساد والظلم الذي ثار عليه في ثورة ديسمبر المجيدة. الذي يقتل الناس جماعيا وعشوائيا، لا يستثني احدا، الاطفال والنساء وكبار السن، بالطائرات المسيرة والصواريخ والراجمات والمدافع والدانات، يقتلهم فقط لانهم خارج دائرة الوصاية والقفص الذي اراد حشر الشعب فيه. انانية البرهان وانتهازيته هما اللتان سوغتا له نشر الخراب والدمار لتعطيل مسار الانتقال الديمقراطي الذي كان سيفتح الفضاء الثقافي والاجتماعي والسياسي، ويمنح السودانيين والسودانيات فرصة للتفاعل والتعايش والتثاقف والمشاركة بالرأي والرأي الآخر لبناء وطن حر ديمقراطي يشبه ثقافة المجتمع القائمة على الحرية، ويحقق العدالة في الحقوق والحريات والخيارات. انها مأساة حقيقية ان يطلب القاتل من الضحايا ان يتصالحوا معه. ليس هناك انسان عاقل ونزيه يستطيع التعايش مع هذا المخلوق غريب الاطوار، او الوصول الى حل يحفظ حقوق وحريات الشعب وخياراته. دعوة المراكبية هذه لا يسمعها الا من هم من نفس الدائرة والمنظومة التي صنعت الازمة. اما الشعب السوداني فقد تجاوز هذه اللغة، ولم يعد يقبل حلولا شكلية او دعوات جوفاء. زمان، عندما كنا صغارا، درسنا قصة محمود الكذاب: هجم النمر، هجم النمر، التي خدع بها الناس مرتين وضحك عليهم، لكنه دفع الثمن في المرة الثالثة نتيجة كذبه. بعد كل الاكاذيب التي بذلها مجرم الحرب البرهان منذ لحظة ادعائه الانحياز الى الثورة، وما مارسه بعد ذلك من افعال، ليس هناك عاقل يثق فيه. السودان لا يحتاج الى اكاذيب او شعارات تطلق من داخل الخراب. السودان يحتاج الى حل جذري لازماته المتفاقمة. حل يعالج الجذور لا القشور. حل يعيد بناء الدولة لا يعيد انتاج نفس الوجوه ونفس العقلية. حل يضع الشعب في مركز القرار لا في قاع القفص. البرهان رجل مريض يحتاج الى علاج، وعلاجه لن يكون بالمسكنات، بل بوصفة علمية سوسيولوجية تعالج ثقافة الظلام التي انتجت البرهان، وقبله عمر البشير وجعفر نميري وابراهيم عبود. لا بد من اقتلاع ثقافة الانغلاق الثقافي والاستبداد السياسي من جذورها اذا اراد السودان ان ينهض من جديد.
الطيب الزين / كاتب وباحث في قضايا القيادة والاصلاح المؤسسي
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة