(أنشر اليوم كلمة عن الشيخ الترابي صدرت عني بعد مفاصلة الإسلاميين في1999)
يحاول الدكتور حسن الترابي منذ قبل قرارات رمضان استثارة "ثورة ثقافية" على غرار الرفيق ماوتسي تونغ. وقد دشن هذه المحاولة حين قال لمؤتمر شبابي إسلامي انعقد قبل قرارات رمضان إن نسبة 90 في المئة من طاقم الحكم الإسلامي القائم متورطة في فساد فاحش. والثورة الثقافية "الماوتسية هي عودة الزعيم الأيدلوجي إلى البراءة الأولى بخروجه كالشعرة من عجين نظامه السياسي الفاسد ليحمل الكادر المتسلط في الحكم أو الحزب كساد العقيدة وخبو نارها. فالثورة الثقافية باختصاره هي عودة الشيخ إلى صباه في محمول فكري لا جنسي. وجُند الثورة الثقافية هم الشباب ممن لم تسنح لهم طراوة العمر بالتورط في إفساد الدولة المؤدي إلى ضيعة الأيدلوجية. فالشباب يعتصم بطهر الأيدلوجية الأساسي لمحاكمة الدولة المفتونة عن العقيدة.
لا تخلو الثورة الثقافية مما يحاوله الترابي حالياً من "انتهازية". فبهذه الثورة يريد قطاع عمري أن يتسلط في الساحة السياسية بمحض براءته التي لم يعركها الواقع بعد، وبمصداقية أشواقه البكر التي لم تتسخ في التنفيذ. والثورة الثقافية انتهازية في معنى آخر. فبها يستأثر الشباب بالزعيم الأيدلوجي (صاحب السجادة) المخذول من الجيل الحاكم من الآباء والإخوان الكبار. فالشباب يقبل بالزعيم "ويتبناه" ليلوح به كقميص عثمان طلباً لثأر من جيل السلف الذي أفسد العقيدة. وفي مقابل ذلك يسقط الشباب الحساب عن الزعيم لمسايرته للسلف في السقطة السياسية للعقيدة. فالثورة الثقافية، في لغة الأسرة، هي تحالف الجد مع الحفيد ضد الابن/الوالد. وأظن الطيب صالح قد قدم لبعض قصصه بإشارة إلى متانة هذا الحلف.
شباب الإسلاميين السودانيين ربما كانوا أحق الناس بثورة ثقافية لأنهم أهدوا الدولة بغير مَنٍّ ولا تحفظ رحيق عقيدتهم وأرواحهم دبابين: وكل شي لله. وكانت المفارقة بين استشهادهم في الأدغال الموحشة وبين فقه تظليل العربات الليلي علوية والدشوش المرتاحة مفحماً. وقد دخل الترابي على الشباب بهذا المدخل حين تحدث إليهم عن حربهم في الجنوب التي لم يقصدوا الحصول بها على عرض الدنيا.
وككل ثورة ثقافية احتاج الترابي إلى كتاب "أحمر أو أخضر" مختصر بسيط قريب من أفهام ومزاج وغضب شبيبة الأيدلوجية. فقد ظل في أحاديثه يربط بين ابتلائه مع الحكومة وبين ابتلاء الإسلام ذاته جاعلاً من استنقاذه من براثن البشير استنقاذاً للإسلام. وقد أترع أحاديثه بمجازات سائغة تخاطب أقاليم الطهر في الشباب النزَّاع إلى المثالية والنفرة من محض السلطة وكل سلطة. وصف الترابي السلطة بأنها الفتنة الخطيرة التي أضعفت في الإسلاميين أمانة السر وأمانة المال، وكشفت أن متوسط التدين والتربية بينهما كان ضعيفاً. وأتهم تجربة حكم الإسلاميين بأنها مما اختلطت فيه رابطة الدين برابطة السلطان، وأنها أيقظت شهوة الحسد والغيرة. والأصل في بساطة الكتاب "الأحمر أو الأخضر" أنه، رغم أنه من تأليف أو نسج الشيخ الأيدلوجي، إلا أنه في واقع الأمر تحالف لأصداء غضبة الشباب واحتجاجهم ونقداتهم لسلطان عقيدتهم الهادم لها. ولذا رد الترابي للشباب بضاعة أصدائهم الحانقة ضد "تجار الجبهة" الذين خرجوا من الدين بدخولهم في الاقتصاد وانحطت لجشعهم الاخلاق.
ثورة الترابي الثقافية ناقصة في شيء هام. فهذه الثورة مما يشعله الزعيم المفجوع في دولته من موقع الشوكة والحكم. فهي ثورة قل أن تدار من ضفة المعارضة التي يبدو أن الترابي قد آل إليها في صراعه مع القصر. فأكثر ما يقال عن الترابي، بأفضل تفسير، إنه في ميزان القوة شريك مُناصِـف لحزب حكومي لم يقل الترابي نفسه كلمة حسنة واحدة عنه في حديثه الذي امتد لساعتين أمام جمهور بلغ 8 ألف من الشباب وغيرهم.
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة