لقد أكد الاجتماع التشاوري الخامس حول السودان في القاهرة نهج المجتمع الدولي في إدارة الصراع واحتواء مخاطره ، دون السعي لحسمه . هذه الآلية ، التي تعيد توزيع الأدوار بين الفاعلين مما تجعل السودانيين خارج مركز القرار ، وتكرس مساراً يهدف لخفض التكاليف الإقليمية والدولية للأزمة ، ويؤجل البحث عن حل جذري . استمرار هذا المسار يعني إحتواء الانفجارات الضخمة دون معالجة اسبابها ، حيث تُدار النزاعات دون إنهائها .
يضع استمرار منطق "إدارة الصراع" حكومة الفريق أول البرهان في مأزق متصاعد . فمن ناحية ، يدفع صعود التيارات المتشددة داخلياً نحو خيارات عسكرية صرفة ، مما تعمق العزلة الدولية وتُفاقم الأزمة الاقتصادية الخانقة ، خاصة مع ضعف التمويل من الحلفاء الإقليميين الذين يتحول دعمهم إلى حساب تكاليف احتواء الأزمة دون حسمها . ومن ناحية أخرى ، تزيد الانتهاكات المدانة دولياً وعدم التجاوب الجدي مع مبادرات الهدنة الإنسانية من تآكل شرعية النظام دولياً . في المقابل ، يُتيح هذا الوضع لقوات الدعم السريع فرصة التقدم الميداني وبناء وقائع جديدة ، مما يُضعف حكومة البرهان على ادعاءها بالتمثيل الوحيد للدولة .
أما قوات الدعم السريع ، فستواجه في ظل استمرار المسار الدولي الحالي تحدياً جوهرياً في نيل الاعتراف السياسي الكامل ، الذي يبقى مشروطاً . فالتقدم الميداني وحده لا يمنح الشرعية ، بل يجب أن تدعم بمطلوبات أساسية لتحقيق اعتراف أوسع ، تشمل التزام واضح بمسار سياسي يضمن انتقالاً مدعوم شعبيا ، وتعاون كامل مع الآليات الإنسانية وحماية المدنيين ، مع التجاوب مع مطلوبات الهدنة التي تعتبر خطوة مهمة ، لكنها غير كافية . المسار الأنجح للتعامل دولياً يكمن في التحول من لاعب عسكري إلى شريك سياسي في حل شامل . هذا يتطلب تقديم رؤية سياسية وإدارية واضحة للمناطق التي تسيطر عليها ، والانخراط الجاد في عملية سياسية تفضي إلى حكومة وحدة وطنية ، وبناء تحالفات مدنية حقيقية . ويجب أن تستثمر في "الشرعية المكتسبة" عبر تقديم الخدمات والحكم الرشيد محلياً ، مما يخلق واقعاً يصعب على المجتمع الدولي تجاهله ، ويدفع نحو الاعتراف بها كطرف ضروري في أي تسوية .
يخلق مسار " إدارة الصراع " الدولي واقعاً معقداً فهو يُضعف حكومة البرهان دون إسقاطها ، ويتيح للدعم السريع تقدماً ميدانياً دون منحها شرعية سياسية كاملة . النتيجة هي استمرار حالة الحرب بوتيرة متحكَّم بها ، حيث يُدار الصراع كخطر يجب احتواؤه ، وليس كمشكلة يجب حلها . الخروج من هذا المأزق يتطلب من الأطراف السودانية ، رغم كل تعقيدات الموقف ، أن تدرك أن الشرعية الدائمة لا تُمنح في قاعات الاجتماعات الدولية ، بل تُبنى على الأرض عبر إرادة الناس وتحقيق مصالحهم .
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة