بروفيسور مكي مدني الشبلي: دفاعٌ عن التاريخ أم عن الدولة التي خانته؟ كتبه خالد كودي

مرحبا Guest
اخر زيارك لك: 01-17-2026, 11:55 PM الصفحة الرئيسية

منتديات سودانيزاونلاين    مكتبة الفساد    ابحث    اخبار و بيانات    مواضيع توثيقية    منبر الشعبية    اراء حرة و مقالات    مدخل أرشيف اراء حرة و مقالات   
News and Press Releases    اتصل بنا    Articles and Views    English Forum    ناس الزقازيق   
اراء حرة و مقالات
نسخة قابلة للطباعة من الموضوع   ارسل الموضوع لصديق   اقرا المشاركات فى شكل سلسلة « | »
اقرا احدث مداخلة فى هذا الموضوع »
01-15-2026, 05:12 PM

خالد كودي
<aخالد كودي
تاريخ التسجيل: 12-31-2021
مجموع المشاركات: 206

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
مكتبة سودانيزاونلاين
بروفيسور مكي مدني الشبلي: دفاعٌ عن التاريخ أم عن الدولة التي خانته؟ كتبه خالد كودي

    05:12 PM January, 15 2026

    سودانيز اون لاين
    خالد كودي-USA
    مكتبتى
    رابط مختصر






    14/1/2026 – ، بوسطن

    اطلعتُ على مقالٍ بعنوان: (تَأسِيْسٌ أمِ ابْتِنَاءٌ؟ فِي خَطَلِ مُصْطَلَحِ “تَأسِيْسِ” السُوْدَانِ وَإشْكَالِيَّةِ مَحْوِ التَارِيْخ فِي خِطَابِ السِلَاح) للبروفيسور مكي مدني الشبلي، المدير التنفيذي لمركز الدراية للدراسات الاستراتيجية، المنشور في سودانايل بتاريخ 12/1/2026. وهو مقالٌ لا يُقرأ، في جوهره، بوصفه دفاعاً عن التاريخ بقدر ما يُقرأ بوصفه دفاعاً عن وضعٍ راهنٍ مهدَّد: دفاعاً عن استمرارية دولة بعينها لا عن تعقيد حضارة، وعن طمأنينة مصطلح مألوف لا عن عنف واقعٍ مأزوم. وكما نبَّه ميلان كونديرا بسخريته المريرة: (أخطر أشكال النسيان هو الذي يتخفّى في ثياب الذاكرة). وهنا، على وجه الدقة، لا تُمحى السياسة، بل تتخفّى في ثياب اللغة.

    المشكلة ليست في "التأسيس"… بل في صورةٍ متخيَّلة يتوهّمها الكاتب عنه
    الإشكال المركزي في مقال البروفيسور الشبلي أنه لا يشتبك مع "التأسيس" بوصفه مشروعاً سياسياً–دستورياً له وثائق ورؤية وأفق، بل يشتبك مع نسخة متخيّلة من المصطلح: كأن "تأسيس السودان" يعني إلغاء كرمة، وحرق مروي، وشطب دارفور والفونج" من الذاكرة، وإعلان أن السودان بدأ اليوم من "عدم"!
    هذه فرضية مريحة لمن يريد تفادي النقاش الحقيقي؛ لأنها تسمح للكاتب بأن يربح المعركة قبل أن تبدأ: يصنع خصماً كاريكاتورياً مفاده (التأسيس = محو التاريخ)، ثم يهزمه باستدعاء الأثر والتراكم الحضاري. لكن السؤال الذي يفضح هذا البناء كله بسيطٌ ومحرج: أين قال تحالف "تأسيس" إن المقصود محو التاريخ؟ وأين في وثائقه أن التأسيس يعني "ولادة من العدم"؟ الكاتب لا يقدم نصاً واحداً يؤكد ذلك، لأنه ببساطة يناقش نوايا افترضها، لا مشروعاً قرأه!
    امر محير حقيقة!

    أولاً: عندما تفزع النخب، تُتقن النحو وتُفوِّض الواقع للقاموس
    كتب جورج أورويل في نقده الكلاسيكي للغة السياسية أن الكلمات لا تُستخدم دائماً لكشف الحقيقة، بل كثيراً ما تُستعمل لحجبها "بطريقة مهذّبة". وفي لحظات الخطر الوجودي على الامتيازات، لا تجد النخب ملاذاً أكثر أماناً من اللغة نفسها: تُنقّى المفردات، وتُهذَّب المصطلحات، ويُستبدل الفعل السياسي بنقاشٍ لغوي مطوّل، كأن تغيير الاسم قادرٌ على تعليق الأزمة أو تأجيل الانهيار.
    ليس جديداً إذن أن تلجأ النخب السودانية—كلما اقترب السؤال الجذري من بنية الدولة—إلى المعجم بدل السياسة، وإلى الاشتقاق بدل الاشتباك مع الواقع. غير أن الجديد هذه المرة هو أن الفزع تَكَثّف في كلمة واحدة: "تأسيس". كلمة قصيرة، لكنها كانت كافية لإرباك نظامٍ كامل من الطمأنينة الزائفة. فما إن ظهر تحالف سياسي–اجتماعي يجرؤ على تسمية الأزمة باسمها البنيوي، حتى اندفعت الأقلام لا لتفكيك المشروع أو مساءلة وثائقه ومضامينه، بل للبحث المحموم عن مفردة بديلة أكثر لباقة، أقل صداماً، وأشد طمأنة لأعصاب طبقة اعتادت النجاة من كل انهيار بتبديل العناوين لا بتغيير البُنى.
    فبدلاً من طرح السؤال الجوهري—ما الذي يُراد تأسيسه فعلاً: دولة جديدة أم سلطة معاد تدويرها؟ عقد اجتماعي جديد أم إعادة توزيع محسوبة للامتيازات؟—يجري تحويل النقاش إلى معركة لغوية حول "لياقة" المصطلح إزاء تاريخ يمتد آلاف السنين، كأن التاريخ نفسه كيان هش يحتاج إلى حماية لغوية من مشروع سياسي معاصر!
    خطاب بروفيسور الشبلي لا يُستدعى التاريخ بوصفه مجالاً للصراع والمساءلة والمحاسبة، بل يُصقل كمرآة عاكسة تُستخدم لرد أي مشروع يهدد الاستمرارية المريحة—ولو كانت تلك الاستمرارية هي عين الأزمة.

    ثانياً: خلاصة المقال… أو كيف يُكتب الكثير لتجنّب السؤال الأساسي
    جوهر مقال البروفيسور الشبلي يقوم على المسلمات الآتية:
    ١/ السودان كيان حضاري قديم ممتد منذ كرمة ونبتة ومروي، وليس كياناً طارئاً أو فراغاً تاريخياً
    ٢/ لذلك فإن الحديث عن "تأسيس السودان" خطأ مفاهيمي، لأن التأسيس—وفق هذا المنطق—يفترض القطيعة أو النشوء من عدم!
    ٣/ المصطلح الأنسب هو "الابتناء" أو "إعادة البناء" لانسجامهما مع الاستمرارية التاريخية
    ٤/ كل خطاب عن "التأسيس" يصدر عن فاعلين مسلحين لا يُقرأ إلا كمحاولة لمحو التاريخ وفرض شرعية بالقوة
    ٥/ مشروع التغيير الحقيقي مناط بالحراك المدني الذي تجلى في ديسمبر 2018
    وحتى هذه النقطة قد يبدو البناء متماسكاً ظاهرياً. غير أن هذا التماسك ليس سوى نتيجة الاشتغال على وضعٍ متخيل لا يمت بصلة لما يعنيه "تحالف تأسيس" فعلياً. فما إن يُطرح السؤال البسيط الذي تجاهله الكاتب عمداً، حتى يتكشف الخلل:
    تأسيس ماذا تحديداً؟ وبالاستناد إلى أي وثائق مرجعية؟ وبأي معنى سياسي ودستوري ملموس؟


    ثالثاً: حين يتحوّل القاموس إلى متراسٍ سياسي
    ١/ مغالطة التمثيل الزائف: اختزال "التأسيس" في محو التاريخ
    يبني الكاتب نقده لمفهوم "تأسيس السودان" على افتراض لم يُصرَّح به في وثائق الجهات التي تتبنى المصطلح. إذ يُعامل "التأسيس" وكأنه دعوة لمحو التاريخ الحضاري للسودان وإلغاء امتداداته من كرمة ونبتة ومروي إلى دارفور والفونج، وكأن المشروع المطروح ينطلق من فراغ تاريخي أو قطيعة مع الذاكرة الجمعية.
    غير أن السؤال المنهجي يظل معلقاً: من قال ذلك؟ وأين؟ وعلى أي نص يمكن الاستناد؟
فالرجوع إلى وثائق تحالف "تأسيس"—التي لم يناقشها المقال—يبين بوضوح أن المقصود ليس تأسيس الجغرافيا ولا المجتمع ولا الذاكرة، بل تأسيس الدولة بوصفها بنية سياسية–قانونية. أي مشروع يركز على:
    - تفكيك الدولة الاستعمارية–الوريثة التي استمرت بعد الاستقلال بأجهزتها ومنطقها الإقصائي.
    - إعادة تعريف السيادة خارج احتكار المركز.
    - إعادة بناء العقد الاجتماعي على أسس جديدة.
    - تأسيس شرعية سياسية تقوم على المواطنة والعدالة التاريخية لا على الإرث القسري.
    الخلط بين تأسيس الدولة ومحو التاريخ ليس خطأ لغوياً، بل تحوير مفاهيمي يُفرغ النقاش من مضمونه السياسي. وحين يصبح هذا النوع من التأسيس مهدداً لبنية الامتيازات القائمة، يُعاد تأطيره لغوياً بوصفه "اعتداء على التاريخ"، لا بوصفه مساءلة للدولة التي احتكرته.
    ٢/ التباس المفهوم: تقديم "الابتناء" بوصفه بديلاً محايداً.
    يقترح الكاتب مفهوم "الابتناء" بديلاً لما يراه خطراً في مصطلح "التأسيس". غير أن هذا الطرح، رغم جاذبيته، يظل ناقصاً ما لم يُجب عن سؤالين: ابتناء ماذا؟ وعلى أي أساس سياسي ومؤسسي؟
في الخطاب السائد للنخب، يُستخدم "الابتناء" غالباً للإشارة إلى:
    - إصلاح الدولة القائمة دون المساس بجذورها.
    - ترميم المركز ذاته مع تعديلات شكلية.
    - إعادة تدوير البيروقراطية نفسها.
    - الحفاظ على شبكة الامتيازات مع تحسين لغوي أو إداري محدود.
    بهذا المعنى يصبح "الابتناء" مرادفاً لإصلاح بلا قطيعة، في مقابل "التأسيس" الذي يفترض—بحكم تعريفه السياسي—قطيعة مع دولة الامتياز وبنيتها التاريخية. ومن هنا لا يبدو الجدل لغوياً بقدر ما هو صراع حول حدود التغيير الممكن: إعادة ترتيب داخل النظام أم إعادة تعريف للنظام نفسه؟
    ٣/ المفارقة البنيوية: الدفاع عن التاريخ دون مساءلة الدولة التي قوّضته
    يتوقف المقال طويلاً عند الاعتداء على الذاكرة التاريخية: نهب المتحف القومي، تدمير متحف السلطان علي دينار، والاعتداء على الموروثات المادية للأسر السودانية. وهي وقائع لا خلاف حول فداحتها. لكن الإشكال يبدأ حين يُفصل هذا الدمار عن سياقه السياسي والتاريخي.
    السؤال الغائب هو: من الذي دمّر هذه الذاكرة عبر العقود؟
هل هو مشروع "تأسيس" الذي لم يتولَّ السلطة بعد؟ أم الدولة السودانية نفسها منذ الاستقلال بأجهزتها العسكرية ونخبها الحاكمة ومركزيتها العنيفة وحروبها المستمرة في الأطراف؟
    هنا تتجلى مفارقة لافتة: كيف يتحول المدافع عن استمرارية الدولة القديمة إلى حارسٍ مفاجئ للذاكرة، بينما تُستدعى الذاكرة فقط حين تُستخدم سلاحاً رمزياً ضد مشروع يسعى إلى تفكيك الدولة التي ساهمت عملياً في تدميرها؟ إن الدفاع عن التاريخ إذا لم يقترن بمساءلة الدولة التي أدارته بعنف يظل دفاعاً انتقائياً يُستخدم لإجهاض التغيير لا لحماية الذاكرة.

    التأسيس في معناه السياسي: قطيعة مع دولةٍ خانت الحضارة، لا مع الحضارة نفسها
    في الفكر الدستوري والسياسي، "التأسيس" يعني—ببساطة دقيقة—إعادة تأسيس الدولة: قواعد الشرعية، شكل السلطة، تعريف المواطنة، توزيع السيادة، علاقة المركز بالأطراف، وحدود العنف الشرعي. ليس تأسيس المجتمع ولا اختراع الجغرافيا ولا محو الذاكرة، بل مساءلة الدولة التي ادعت تمثيل التاريخ بينما أدارت الحاضر بمنطق الامتياز.
    وهنا تقع مفارقة الكاتب: يستدعي حضارات السودان بوصفها "برهاناً" ضد التأسيس، بينما كثير من القيم التي يفاخر بها ذلك التاريخ—التعدد، الاندماج، التعايش، المواطنة، الإنتاج، تنظيم السلطة—هي ذاتها ما يقول مشروع "تأسيس" إنه يريد إعادته إلى الدولة الحديثة بعد أن سُلب منها.
    إذن التأسيس ليس ضد تاريخ السودان، بل ضد الدولة التي استخدمت التاريخ واجهة: تضع كرمة في شعار، ومروي في ملصق سياحي، ثم تترك دارفور محرقة، وجبال النوبة ساحة استنزاف، والشرق هامشاً بلا نصيب...ده كلام ده؟!

    لماذا تجاهل الكاتب "تأسيس" بوثائقه؟ لأن قراءتها تُسقط حجته
    أخطر ما في المقال ليس ما قاله، بل ما تعمّد ألا يقوله: لم يناقش رؤية التحالف، ولا مفهوم الشرعية الجديدة، ولا أسئلة المواطنة، ولا العدالة التاريخية، ولا إعادة هيكلة العنف، ولا تفكيك مركز الامتياز. لأن مناقشة ذلك كانت ستنقل النقاش من "هل الكلمة جميلة؟" إلى سؤال أكثر خطورة: هل الدولة القائمة قابلة للاستمرار أخلاقياً وتاريخياً؟
والكاتب—مثل كثيرين—يفضل حسم الصراع في القاموس، لأنه أقل كلفة من حسمه في السياسة.

    ٤/ السلاح: شماعة جاهزة
    يربط الكاتب "التأسيس" بالسلاح، وكأن كل دولة حديثة في التاريخ تأسست بالسلام وحده، وكأن الدولة السودانية نفسها وُلدت ببيان مدني لا بعنف استعماري. لكن الأهم أن تحالف "تأسيس" لا يشرعن السلاح، بل يشرعن تفكيك الدولة التي أنتجت السلاح. وهذا فرق لا تراه النخب—أو لا تريد أن تراه للأسف.

    رابعاً: ما المقصود فعلاً بتحالف "تأسيس"؟ ولماذا ظلّت وثائقه خارج النقاش؟
    يتناول المقال مصطلح "التأسيس" بإسهاب لغوي، دون الاقتراب من مضمونه السياسي والمؤسسي في سياقه الفعلي، وهو امر محير حقيقة. فهو لا يناقش مثلاً:
    ١/ وثيقة تحالف "تأسيس" كنص مرجعي.
    ٢/ الدستور الانتقالي المقترح كإطار لإعادة بناء الدولة.
    ٣/ مفهوم المبادئ فوق الدستورية كضامن لعدم الارتداد.
    ٤/ العدالة التاريخية كشرط لإعادة تأسيس الشرعية.
    ٥/ علمانية الدولة كحل بنيوي لمسألة الهوية والسلطة.
    ٦/ إعادة هيكلة المؤسسة العسكرية وفك احتكار العنف.
    ٧/ تفكيك المركز وإعادة توزيع السلطة والثروة.
    ولا يمكن فهم هذا الغياب بوصفه صدفة منهجية، بل اختياراً واعياً؛ لأن مناقشة هذه القضايا تعني الاعتراف بأن "التأسيس" ليس لعبة مصطلحية، بل مشروع سياسي–بنيوي يستهدف إعادة تعريف الدولة.
تحالف "تأسيس" لا ينطلق من دعوى البدء من فراغ تاريخي، ولا يطرح فكرة "البدء من الصفر" كما يُروَّج نقدياً، بل يقوم على أطروحة واضحة: إنهاء دولة فشلت أخلاقياً وتاريخياً، وتأسيس دولة جديدة على أنقاض بنيتها المختلة. وهذا بالضبط هو الحد الذي تعجز النخب التقليدية عن تجاوزه لأنه يضعها وجهاً لوجه أمام مسؤوليتها التاريخية.

    خامساً: لماذا هذا الهجوم الكثيف؟ لأن التأسيس يهدد منظومة المصالح
    حين يُطرح "التأسيس" كمشروع سياسي–بنيوي متكامل لا كشعار، يبدأ في زعزعة بُنى استقرت طويلاً خارج المساءلة. فالتأسيس يعيد طرح السؤال المؤجل حول شرعية النظام نفسه، ومن هنا تنبع حدّة المقاومة التي يواجهها. إذ يترتب عليه:
    ١/ تقويض الشرعية الرمزية والسياسية للنخب التي راكمت سلطتها دون تفويض تاريخي عادل.
    ٢/ انهيار سردية "الدولة الوطنية" كغطاء أخفى عملياً دولة امتياز ومركزية عنيفة.
    ٣/ إعادة فتح ملفات أُغلقت قسراً: الرق، التهميش، الإبادة، والتمييز البنيوي—بوصفها مكونات تأسيسية للدولة القائمة لا أحداثاً عرضية.
    ٤/ سحب الاحتكار الأخلاقي والسياسي من الخرطوم كمركز وحيد للشرعية والتمثيل، وإعادة توزيع معنى الوطنية على كامل المجال السوداني.
    أمام هذا الأفق المقلق، لا يأتي الردّ في شكل اشتباك سياسي صريح، بل في شكل مناورة لغوية: لا تُناقش الوثائق، ولا تُفكك الرؤى، بل يُختزل الصراع كله في المصطلح. وهكذا يُستبدل النقاش حول الدولة بنقاش حول الكلمة، ويُستعاض عن مساءلة البنية بالجدل حول التسمية. فيُستدعى التاريخ وعلم الآثار لا لمساءلة الدولة المعاصرة التي تشكلت بالعنف والإقصاء، بل لتمرير رسالة واحدة: اتركوا الدولة كما هي، وعدّلوا لغتكم فقط!

    ٥/ اقتراح "إعادة البناء" ليس بريئاً: المصطلح نفسه تاريخياً ساحة احتيال
    قد يبدو تعبير "إعادة البناء/الابتناء" أكثر لطفاً وأقل راديكالية. لكن العبارات اللطيفة كثيراً ما تكون أدوات لإعادة ترتيب الفشل لا لإنهائه. والأهم أن "إعادة البناء" ليست كلمة محايدة في التاريخ السياسي الحديث؛ فهي عنوان مرحلة عالمية معروفة
    في الولايات المتحدة بعد الحرب الأهلية، وقد انتهت—في جزء كبير منها—إلى خداع تدريجي للمحررين، ثم إعادة إنتاج واقع قريب من الاستعباد بأدوات قانونية واقتصادية وأمنية!
    إذا كان الدكتور الشبلي يدعو إلى "ابتناء" أو "إعادة بناء" السودان، فمن حقنا أن نقول: مرحب، ولكن تعالوا نتعلم من الدرس التاريخي: إعادة البناء قد تتحول إلى بوابة "إعادة الاستعباد" إن سيطرت عليها النخب نفسها التي صنعت الخراب!

    سادسا: درس "إعادة البناء" الأمريكية بعد الحرب الأهلية: كيف خُدع المحرَّرون ثم جُرّدوا من مكاسبهم
    أ) لحظة الوعد: تحرير دستوري وطموح دولة جديدة
    بعد الحرب الأهلية (1861–1865) أُلغيت العبودية دستورياً، ثم جاءت تعديلات قلبت المعنى القانوني للمواطنة:
    ١/ إلغاء الرق (التعديل 13
    ٢/ تعريف المواطنة والحماية المتساوية أمام القانون (التعديل 14
    ٣/ حق التصويت للرجال السود (التعديل 15
    :Freedmen’s Bureauظهرت مؤسسات لدعم الانتقال أبرزها مكتب شؤون الأحرار
    تعليم، عقود عمل، مساعدات، ومحاولات لتثبيت حياة جديدة. دخل السود المجال العام بقوة: مدارس، كنائس كمراكز تنظيم، صحافة، ونواب ومشرعون محليون وفيدراليون. كانت تلك لحظة "تأسيس" بالمعنى الحقيقي: إعادة تعريف من هو المواطن، وما هي الدولة، ولمن تُدار... الخ...
    ب) أول انقلاب: "قوانين السود" والالتفاف المبكر
    : Black Codesما إن انتهت الحرب حتى ظهرت في الجنوب
    قوانين "تنظيم" العمل والتنقل والسكن، هدفها الواقعي إبقاء السود قوة عمل مقيدة:
    - تجريم البطالة والتشرد
    - فرض عقود عمل قسرية
    - منع تملك بعض الموارد أو تقييد الحركة
    - خلق أدوات لإعادة السيطرة على الأجساد دون كلمة "رق"
    ج) الاقتصاد كقيد جديد: من الرق إلى المزارعة/الديون
    Sharecroppingثم جاء الاحتيال الأكبر: المزارعة
    ونظام الديون. بدلاً من السوط صار القيد عقداً اقتصادياً: المحرر يعمل أرض غيره، يستدين من متجر المالك، ويُحاسَب نهاية الموسم بحسابات لا يملك أدوات مراجعتها، فيخرج غالباً مديناً… ويستمر العمل عاماً بعد عام. إنه شكل من "الاستعباد الاقتصادي": حرٌّ في الاسم، مقيدٌ في الواقع!
    د) العنف السياسي كإدارة للانتقال: الإرهاب الأبيض
    ترافق ذلك مع عنف منظم: ميليشيات وإرهاب سياسي (ومن أشهره كو كلوكس كلان)، اغتيالات، حرق مدارس وكنائس، ترهيب انتخابي. العنف لم يكن "فوضى" بل أداة سياسية لإرجاع السود من المجال العام إلى الخضوع.
    هـ) الخاتمة المرّة: "الاسترداد/الردّة" وسقوط الحماية
    مع الوقت، وبأسباب سياسية واقتصادية متداخلة (تعب الشمال، مساومات النخب، وأزمات اقتصادية)، تراجع الالتزام الفيدرالي بحماية مكاسب المحررين. انتهت المرحلة عملياً بتسويات سحبت القوات الفيدرالية وفتحت الباب لسيطرة نخب Redeemers الجنوب البيضاء
    Jim Crow ثم جاءت مرحلة
    - حرمان السود من التصويت عملياً عبر ضرائب الاقتراع واختبارات القراءة وذرائع إدارية
    - فصل في المدارس والمرافق
    Convict Leasing تجريم واسع يقود إلى نظام العمل القسري عبر السجون
    بما يشبه إعادة تشغيل الرق باسم القانون
    الخلاصة القاسية: أُعلن التحرير، ثم جرى الالتفاف عليه تدريجياً حتى صار المجتمع أقرب إلى الاستعباد من التحرر—لكن بأدوات "قانونية" و"إصلاحية" و"إدارية" لا بكلمة الرق... وتاسيس لن تسمح بهذا!

    ٦/ ما علاقة هذا بالسودان؟ علاقة المصطلح بالاحتيال السياسي
    عندما تقترح النخب السودانية اليوم "إعادة بناء" بلا تفكيك للدولة التي صنعت الحرب، فهي تفعل ما فعله "مستردّو" الجنوب الأمريكي بعد الخرب الاهلية وتحرير المسترقين السود: تحوّل الانتقال من تأسيس جديد للشرعية إلى ترميم للنظام القديم
    الخطر ليس في كلمة "إعادة البناء" ذاتها وحسب، بل في من يحملها وكيف تُدار!
    - إذا كانت "إعادة البناء" تعني إعادة نفس المركز، ونفس اقتصاد الامتياز، ونفس احتكار العنف، ونفس الذاكرة الانتقائية… فهي ليست إعادة بناء بل إعادة إخضاع.
    وإذا كانت تعني الانتقال الحقيقي: مواطنة متساوية، عدالة تاريخية، تفكيك بنية التمييز، وإعادة توزيع السلطة والثروة… فهذا في جوهره تأسيس ويجب تسميته ب"تأسيس"... فلم اللف والدوران؟!
    ولهذا نقول بوضوح: لن نسمح باحتيال إعادة البناء. لن نكرر سيناريو "تحرير في النص" و"استعباد في الواقع". لن نسمح لنخبة تصنع الخراب أن تقود "ترميمه" بالطريقة التي تضمن عودتها إلى موقعها القديم. ولن نسمح أن تُستخدم اللغة—مرة أخرى—ستاراً لإعادة إنتاج الدولة التي أوصلتنا إلى الحرب.

    أخيراً: والحاضر يبلغ الغائب
    التأسيس ليس ضد التاريخ… بل ضد الدولة التي خانته
ليس "التأسيس"—كما يُصوَّر في الخطاب المحافظ أو المحتال—محواً للتاريخ، بل مساءلة له: مساءلة للطريقة التي حُوّل بها التاريخ من رصيد جماعي إلى أداة لشرعنة الهيمنة. فالتاريخ الذي يُستدعى اليوم للدفاع عن الدولة القائمة هو ذاته التاريخ الذي جرى انتقاؤه وتشويهه وتسطيحه، ثم استخدامه ديكوراً رمزياً لتبرير دولة أخفقت أخلاقياً وسياسياً في تمثيل مجتمعها.
    التأسيس الذي تخشاه النخب لا يستهدف كرمة ولا نبتة ولا مروي، بل يستهدف الدولة التي اختزلت هذه الحضارات في شعارات ثقافية فارغة، فيما حولت دارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق والشرق إلى ساحات حرب دائمة. إنه قطيعة لا مع الجذور، بل مع الدولة التي ادعت حمايتها بينما كانت تفككها عبر العنف والتهميش والإقصاء المنهجي.
    أما "الابتناء" الذي يُقدَّم بوصفه خياراً وسطياً، من أمثال بروفيسور الشبلي فليس في جوهره سوى اسم مهذب لإدامة البنية نفسها: إصلاح بلا مساءلة، واستمرارية بلا عدالة، وتجميل للفشل بدل تفكيكه. وهو طرح لا يجيب عن سؤال الدولة بل يؤجله، ولا يواجه تاريخ العنف بل يعيد تدويره تحت لافتة لغوية أكثر لطفاً.
    وفي المحصلة لا تكمن المعضلة في المفردة—تأسيساً كانت أم ابتناءً أم إعادة بناء—بل في السؤال الذي يصر الخطاب المحافظ على تفاديه:
هل نملك الشجاعة لبناء دولة جديدة على أسس العدالة والمواطنة، أم سنكتفي بترميم خراب قديم وإعادة تسميته حضارة؟
تحالف "تأسيس" قدّم إجابة سياسية واضحة بوثائق ومشروع ورؤية. أما النخب التي ارتبكت أمام هذه الإجابة فقد اختارت الرد بالطريقة التي تجيدها منذ الاستقلال: الانسحاب إلى القاموس حين تعجز عن الدفاع عن الدولة.

    مقال الشبلي يفترض قطيعة متخيلة مع التاريخ ثم يبني عليها نقداً مطمئناً. لكن الصراع الحقيقي ياصاح ليس بين "التأسيس" و"الحضارة"، بل بين مشروعين:
    - مشروع يعيد تعريف الدولة بعد أن خانت مجتمعها
    - ومشروع يُلطّف الكلمات كي لا تتغير البنية
    أما "إعادة البناء"، فالتاريخ يعلمنا أنها قد تكون اسماً جميلاً لردّة قاسية. وهذا درس لا يحق لنا—بعد كل ما جرى في السودان—أن ننساه، ولا أن نسمح بتكراره.

    النضال مستمر والنصر اكيد.

    (أدوات البحث والتحرير التقليدية والإليكترونية الحديثة استخدمت في هذه السلسلة من المقالات)
























                  


[رد على الموضوع] صفحة 1 „‰ 1:   <<  1  >>




احدث عناوين سودانيز اون لاين الان
اراء حرة و مقالات
Latest Posts in English Forum
Articles and Views
اخر المواضيع فى المنبر العام
News and Press Releases
اخبار و بيانات



فيس بوك تويتر انستقرام يوتيوب بنتيريست
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة
About Us
Contact Us
About Sudanese Online
اخبار و بيانات
اراء حرة و مقالات
صور سودانيزاونلاين
فيديوهات سودانيزاونلاين
ويكيبيديا سودانيز اون لاين
منتديات سودانيزاونلاين
News and Press Releases
Articles and Views
SudaneseOnline Images
Sudanese Online Videos
Sudanese Online Wikipedia
Sudanese Online Forums
If you're looking to submit News,Video,a Press Release or or Article please feel free to send it to [email protected]

© 2014 SudaneseOnline.com

Software Version 1.3.0 © 2N-com.de