العسكر واغتصاب الدولة: كيف حوّل قادة الجيش الوطن إلى ملكية خاصة والانقلاب إلى حق سيادي؟
📝 أواب عزام البوشي
منذ عبود، لم يكن دخول العسكر إلى الحكم في السودان حادثة عابرة، بل بداية خطة طويلة للسيطرة الدائمة على الدولة. في تلك اللحظة، تعلم الجيش درساً قاسياً: السلطة تُنتزع بالقوة، والانقلاب إذا نجح مرة يصبح حقاً يُكرّس. ومنذ ذلك التاريخ، لم يغادر العسكر السياسة، بل غادرت السياسة الدولة. تعاقبت الانقلابات وتغيّرت الوجوه، لكن العقلية بقيت واحدة: السودان ملك للجنرالات، والشعب قاصر يحتاج إلى وصاية. كل تجربة مدنية، مهما كانت ناجحة أو ضعيفة، تُخنق فور أن تبدأ في التنفس. ليس لأن المدنيين فشلوا دائماً، بل لأن نجاحهم كان التهديد الحقيقي لهيمنة الجيش. أوضح مثال على ذلك كان في فترة حكومة حمدوك. ولأول مرة منذ عقود، بدأ السودان يخطو خطوات حقيقية نحو التعافي الاقتصادي، رغم الخراب، ورغم مقاومة الدولة العميقة. أُعيد بناء علاقات السودان الخارجية، فُتحت أبواب الإعفاء من الديون، عاد الأمل تدريجياً، وبدأ الناس يشعرون أن الدولة يمكن أن تعمل لصالحهم لا ضدهم. هنا بالضبط، دقّ جرس الخطر في غرف الجنرالات. نجاح حمدوك لم يكن تهديداً اقتصادياً فقط، بل كان تهديداً وجودياً على حكم العسكر. لأنه أثبت أن السودان لا يحتاج إلى انقلاب، ولا إلى وصاية عسكرية، بل إلى إدارة مدنية شفافة. لذلك تحالف العسكر مع الكيزان، كما فعلوا دائماً، وأعادوا إنتاج الانقلاب نفسه، بنفس الذرائع القديمة: حماية الدولة، تصحيح المسار، إنقاذ الوطن. لم يكن انقلابهم على حكومة حمدوك دفاعاً عن السودان، بل دفاعاً عن امتيازاتهم. أعادوا أنفسهم أوصياء على البلد، كأن السودان قاصر، وكأن الشعب بلا حق. أوقفوا المسار الاقتصادي، دمّروا الثقة الدولية، وأعادوا البلاد إلى العزلة والفوضى. ثم، كعادتهم، حمّلوا المدنيين مسؤولية الخراب الذي صنعوه بأيديهم. ومنذ انقلاب 25 أكتوبر وحتى اليوم، لم ير السودانيون الفريق عبد الفتاح البرهان يجتمع مع لجنة اقتصادية وطنية، ولم يقدّم برنامجاً اقتصادياً، ولم يفتح مشروعاً تنموياً واحداً يعالج أزمات الناس المعيشية. كل ما طُرح كان خطاباً سياسياً وأمنياً، بلا رؤية اقتصادية، وبلا اهتمام حقيقي بمعيشة المواطنين، وكأن الاقتصاد شأن ثانوي لا يليق بـ«الوصي» على البلاد. وبينما تتراكم هذه السياسات، يأتي خطاب قادة الجيش كأنهم ورثة بيض يمتلكون “الوصاية” على السودان. في أكثر من تصريح، كرّر رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان، بتركيز غير خجول، أن الجيش هو الحارس أو “الوصي” اللامتنازع على أمن ووحدة السودان، وأن دوره يمتد إلى ما بعد أي حكومة مدنية، وأن الجيش “يحافظ على مستقبل السودان ويحميه” من الفوضى. هذه اللغة ليست مجرد كلمات؛ إنها إعلان صريح عن موقف يقوّض فكرة الدولة المدنية من أساسها. فالوصاية على الوطن ليست وظيفة منصوصاً عليها في أي دستور، بل اختراع سياسي يستخدمه العسكر لتبرير بقائهم في السلطة. وهي نفس العقلية التي دفعت النظام العسكري إلى إفراغ السجون من ضباط قتلوا المتظاهرين، ثم أعيد إدماجهم داخل المؤسسة العسكرية، لا كمجرمين خضعوا للمحاسبة، بل كجزء من شبكة تحمي الهيمنة العسكرية على الحكم. العسكر لم يخونوا الثورة فقط، بل خانوا فكرة الدولة نفسها. تعاملوا مع الوطن كملكية خاصة، ومع السلطة كحق أبدي، ومع الانقلاب كأداة طبيعية للحكم. ومن عبود إلى اليوم، لم يتغير جوهر المعادلة: كلما اقترب السودان من دولة مدنية، تدخّل الجيش ليعيده إلى نقطة الصفر. السودان ليس مجرد أرض، ولا مجرد حدود على خريطة. السودان هو أحلام شعبه، دماء شهدائه، وإرادة الملايين الذين حلموا بدولة عادلة تحميهم قبل أن تحمي النظام. كل انقلاب وكل وصاية مزعومة سرقت من الناس حقهم في الحياة، الكرامة، والمستقبل. لكن الشعب لم يمت، ولم يخضع، ولم ينس. وعندما يدرك السودانيون أن السيادة ليست لعبة للجنرالات، وأن الوطن ليس ملكاً لأحد، سيقومون بإعادته كما يجب: وطن يملكه كل مواطن، وطن يحكمه القانون، وطن يرفض الانقلابات، وطن يعيش فيه الإنسان حراً كريماً، لا رهن وصاية ولا رهينة قوة. السودان سيبقى حياً في وعي شعبه، وفي ذاكرة تضحياته، ولن يُسترد إلا عندما تُسقط هذه الوصاية، وتُرفع كل أقنعة الانقلاب عن وجه الوطن. حينها فقط، سيعود السودان إلى أصحابه الحقيقيين: أهله، شعبه، وضميره.
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة