جاء في جريدة " الميدان" العدد 4422 و نشر بتاريخ 1 فبراير 2026م و في مقدمة مبحث كتبه حسين سعد بعنوان " من نعمة التعدد إلي جحيم النزاعات فشل الدولة السودانية في إدارة التنوع" يقول سعد ( فشل الدولة السودانية في أحترام التنوع و التعدد، ليس مسألة ثقافية فحسب، بل انتهاك ممنهج للحقوق الأساسية: الحق في الهوية، و الحق في المشاركة السياسية و الحق في التنمية المتوازنة، و الحق في الحياة نفسها. لأنه ببسلطة عندما تختزل الدولة في هوية واحدة، يصبح العنف لغة بديلة، و تتحول النزاعات إلي حروب طويلة، و يعاد إنتاج المأساة جيلا بعد جيل) إعادة السرديات التاريخية التي لفتت النظر إليها نخبة الثلاثينيات ما قبل الاستقلال في مجلتي " الفجر و النهضة" و نقل الحوار بصورة هادئة بعد الاستقلال من الحقل السياسي إلي الحق الثقافي و الأدبي في ستينات القرن الماضي في مدارس متعدد لفكر " مدرسة الخرطوم و الغابة و الصحراء و ابادماك و حتى إلي الفنون التشكيلية" الأمر الذي كان يؤكد على الدفع و الدفق الثقافي في مرحلة ما قبل الاستقلال و ستينيات القرن الماضي.. هذا الحوار أجبر الدولة أن تصدر مجلة تسه في تعميق الحوار هي مجلة " الثقافة السودانية" باعتبار أن الحوار الفكري أفضل طريق لتطوير و تنمية الوعي الجماهيري.. الصراعات الفكرية التي كانت جارية في الحقل السياسي في السودان، كانت مسنودة بقوة من قبل تيار الوعي الذي تكون عبر الجمعيات و الروابط الأدبية و الثقافية، و شكل الوعي السياسي في ذلك الوقت من حصاد التعليم الحديث الذي جاء به المستعمر لكي يساعده في إدارة الدولة، و التعليم الحديث أضاف لغة جديدة للسودانيين المتعلمين جعلهم ينهلوا من تيارات الفكر التي نشأت في الغرب، و خاصة الفابية و الماركسية و الوجودية و غيرها، و أيضا الطلاب الذين ذهبوا للدراسة في مصر تأثروا بالحوارات الفكرية و السجالات الثقافية بين الكتاب المصريين، البعض أندمج في الصراع السياسي الذي كان دائرا هناك خاصة التيارات الأيديولوجية " الإسلاميين – الشيوعيين – القوميين" هؤلاء عندما رجعوا إلي البلاد انعشوا الحوار السياسي و الثقافي في المجتمع.. و كل ما كان الحوار الفكري عميقا بين التيارات السياسية يسد الفراغات التي تطل منها الجهوية و المناطقية و القبيلة و العشائرية و غيرها.. و المسألة عكسية كل ما ضعفت الحوارات بين التيارات الفكرية، و تراجع دور المفكرين و المثقفين العضويين على توصيف غرامشي تطل بقوة الإثنيات و القبيلة و المناطقية، و إطلالها يؤكد حالة الضعف في النخب السياسية و المثقفة.. الحوارات الفكرية بدأت بقوة في 1947م في ساحة الجبهة المعادية للإستعمار بين عبد الخالق محجوب و عبد الوهاب زين العابدين، عندما أشار زين العابدين أن الوقت غير مؤاتي لإعلان حزب شيوعي في السودان، ثم تطور الصراع بين عبد الخالق و عوض عبد الرازق في 1952م عندما قدم عوض رؤيته الرافضة إلي سياسة "حرق المراحل" و كان يعتقد عوض أن عبد الخالق يحاول بسياسته "حرق المراحل" أن يسير في ذات الطريق الذي انتج الثورة المصرية في 1952م.. و كان عبد الخالق يتهم عوض عبد الرازق باليمينية و الابتعاد عن المنهج الماركسي الثوري، الأمر الذي أدى إلي عزل عوض عبد الرازق.. الغريب في الأمر: أن الحزب الشيوعي في صراعه مع الإسلاميين في منتصف عقد ستينات القرن الماضي 1965، و الذي أدى بمعاونة الوطني الاتحادي و حزب الأمة إلي حل الحزب الشيوعي و طرد نوابه من البرلمان .. تلك الأزمة السياسية لم تجر الحزب لإطلاق شعارات مزايدة سياسية تدخل من خلالها أرانب أنوف العشائرية و القبلية.. بل خلق الحزب الشيوعي حوارا فكريا بين سكرتيره العام عبد الخالق محمجوب و عضوين في المكتب السياسي للحزب عمر مصطفى المكي الذي كان رئيس تحرير جريدة الميدان و أحمد سليمان حيث تبنى الإثنين مصطلح " الديمقراطيون الثوريون" و يمكن أن يكونوا بديلا لمسألة " ديمقراطية وستمنستر" و كانت رؤيتهم منصبة على ثورة يوليو 1952 في مصر.. في الجانب الأخر كان عبد الخالق متبني فكرة الديمقراطية باعتبارها الطريق المطالب فيه الحزب للعمل مع وسط الجماهير.. الملاحظ في جدليات عبد الخالق محجوب: نجده دائما يربط مصطلح الديمقراطية بالثورة.. و ليس ربط عشوائي بل محدد بالخطوة التي بعدها .. و يعتقد أن الثورة الديمقراطية هي التي تقود لمرحلة الانتقال إلي البناء الاشتراكي.. مما يؤكد المقصود هنا ثورة "البروليتاريا" لكن لماذا يسحب عبد الخالق مصطلح البروليتاريا و يقرن الثورة فقط بالديمقراطية.. إذا، عبد الخالق في صراعه الفكري مع عبد الوهاب زين العابدين و عوض عبد الرازق بعدم تكوين حزب شيوعي لآن المجتمع غير ناضج لقبول الفكرة، و أن تيار اليسار الأفضل يكون جزء من التيار الاتحادي العريض لكي يحافظ على الديمقراطية و يرسخ قوائمها في المجتمع.. وصف عبد الخالق الفكرة بإنها يمينة و لا تتماشى مع الفكر الماركسي، لآن عبد الخالق كان واعيا لرؤيته، بأن الحزب ذاهب في طريق ديكتاتورية البروليتاريا. لذلك كان يربط الثورة بالديمقراطية التي تؤدي إلي الاشتراكية، و هنا يحدث تغبيش للوعي.. لآن الثورة و الثورية في الفلسفة الماركسية ليس لهم علاقة بالديمقراطية، أنما الهدف من ذلك هو الوصول إلي ديكتاتورية البروليتاريا.. كان عبد الخالق رجلا مفكرا إذا أختلفت معه أو لم تختلف، و كان منتجا للفكر، و جاء بعده محمد إبراهيم نقد يسير في ذات الطريق، لكن كان الضغط على نقد كبيرا من القيادات الدغمائة العاجزة عن إنتاج الفكر، لذلك عرجت إلي طريق الشعارات .. و ليس غريبا أن يتم الرجوع لمنتجات الأزمة السياسية بسبب ضعف التنظيمات... فالرجوع إلي قضايا الهوية و المناطقية و التي قال عنها سمير أمين هي إنتاج المجتمعات المأزومة.. أن ضعف العقول و الأحزاب هو الذي يثير إشكاليات الهوية و التنوع و التنمية المتوازنة و غيرها التي رفعت من قبل دعاة الهامش و المركز، عندما عجزت الأحزاب السياسية أن تقود المجتمع إلي حوارات فكرية للعلاج.. و حوار أهل الفكر لا يتم أختراقه من قبل أصحاب القدرات المحدودة. و لا يفتح منافذ تطل منها دعاة الجهوية و المناطقية و العشائرية. للأسف أن الحزب الشيوعي فقد العقول المنتجة للفكر، و لذلك أصبح خارج الخارطة السياسية يثير مشاكل دون أن يقدم علاجا.. نسأل الله حسن البصيرة..
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة