لم تكن جولة التحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة صمود في أوروبا مجرد رحلة دبلوماسية أو محاولة لإثارة التعاطف مع مأساة بعيدة. جاءت الجولة في توقيت حساس، حيث بدأت أوروبا تلمس آثار أزمات يبدو أنها بعيدة لكنها في الواقع قريبة.
من باريس إلى لاهاي ومن برلين الى لندن، وضعت الجولة العقل السياسي الأوروبي أمام اختبار عملي يظهر أن تجاهل السودان اليوم يمكن أن يؤدي إلى كلفة أكبر على الاستقرار الإقليمي والغربي في المستقبل. لم تهدف الجولة إلى استجداء التعاطف، بل عرضت واقعًا ملموسًا يربط استمرار الصراع بخطره المحتمل على أوروبا، مع تقديم مسار مدني قابل للتنفيذ.
تجلى هذا في ما يمكن تسميته دبلوماسية الخوف. استخدمت الجولة المخاوف الأوروبية المحسوبة بشأن الهجرة غير الشرعية، والفراغ الأمني في البحر الأحمر، والتأثيرات على سلاسل التجارة والطاقة لتوضيح أن دعم المدنيين وتمكين المسار المدني الآن يوفر على أوروبا مواجهة أزمات أعقد لاحقًا. التحرك الأوروبي المقترح يظهر كخيار عقلاني مبني على سيناريوهات واضحة بدل اعتبار الأزمة مجرد ملف إنساني بعيد، وهو ما يضع العقل السياسي أمام مسؤولية التحرك الفعلي.
على مستوى الشرعية، سلطت الجولة الضوء على احتكار السلاح للقرار السياسي. بينما تحاول المؤسسة العسكرية فرض نفسها على الأرض، تُستخدم سردية دعم مؤسسات الدولة في الإقليم لتغليف دعمها ضمن مسارات سياسية رسمية. هذا التفسير عمليًا يعني إعطاء الأولوية للجيش في أي مسار سياسي مقبل. خلال الجولة تم طرح البديل المدني ليس كأيديولوجيا أخلاقية فحسب، بل كخيار تقني وعملي لإدارة مؤسسات الدولة التي تتآكل يومًا بعد يوم. تمكين الجهات المدنية القادرة على العمل هو السبيل الوحيد لاستدامة الدولة قبل أن يفرض استمرار القوة العسكرية خياراته على السودان بالكامل.
ثم تأتي المفارقة الرقمية التي أضافت بعدًا بصريًا وسياسياً للرسالة. بينما تصل الطائرات المسيرة عبر الحدود السودانية بسرعة مذهلة، مطلقة أحيانًا من قواعد عسكرية خارجية، ويستخدمها طرف النزاع لفرض هيمنته على الأرض، يجد المدنيون أنفسهم مضطرين للسفر بين العواصم الأوروبية بحقائبهم لنقل فكرة السلام وشرح المخاطر وطلب تمكين المسار المدني. هذا التناقض يظهر أن الحل السياسي يحتاج إلى سرعة ومرونة تفوق سرعة السلاح نفسه، وأن تنفيذ الحلول المدنية ممكن إذا قررت أوروبا التحرك عمليًا بناءً على معطيات واضحة. حركة الحقائب تحولت إلى أداة دبلوماسية تؤكد قدرة المسار المدني على تقديم حلول عملية رغم البطء النسبي للأنظمة التقليدية.
تتضافر هذه الزوايا الثلاث لدعم استراتيجية واضحة، حيث دبلوماسية الخوف توضح الحاجة للتحرك المبكر، وتفكيك احتكار السلاح للشرعية يبرز البديل المدني كخيار عملي، واستغلال المفارقة الرقمية يوضح جدوى المسار المدني في مواجهة التعقيدات الميدانية. الجولة لم تقدم مجرد طلب للاعتراف الرمزي، بل عرضت للفاعلين الأوروبيين خيارات محددة للحد من التصعيد وتمكين الحل المدني وإيصال المساعدات، ووضع تصور عملي لمسؤولية أوروبا تجاه الأزمة. ويبقى السؤال معلقًا على أوروبا، هل ستترجم هذه المعطيات إلى سياسات عملية تضمن حماية المدنيين وتمكين المسار المدني، أم أن الفرصة ستظل مجرد تحذير استراتيجي لم يُستثمر؟
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة