ما يتعرض له السودانيون في مصر من حملات اعتقال وترحيل، شملت حتى حاملي بطاقات المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، لا يمكن عزله عن السياق السياسي الأشمل الذي يحكم علاقة القاهرة بالخرطوم. فالأمر لا يتعلق بإجراءات أمنية عابرة، بل بسياسة متكاملة تدفع ثمنها الفئات الأضعف: اللاجئون والنازحون الهاربون من حرب لم يصنعوها. والذين يخضعون لتلاقي مصالح نظام بورسودان مع السلطة المصرية.
العلاقة بين السودان ومصر لم تكن يومًا متكافئة. فمنذ اتفاقية السد العالي، قدّم السودان أحد أكبر تنازلاته التاريخية، حين غُمرت مدينة وادي حلفا، بما تحمله من إرث حضاري وإنساني، مقابل وعود لم تُنفذ. حقوق التعليم، والتعويض، والتنمية، بقيت حبرًا على ورق، بينما تحمّل السودانيون وحدهم كلفة “التعاون الأخوي”.
سياسيًا، لم تُخفِ مصر يومًا تفضيلها للأنظمة العسكرية في السودان. فالعسكر، بحكم ضعف شرعيتهم واعتمادهم على الدعم الخارجي، يشكّلون الشريك المثالي لضمان المصالح الاستراتيجية، من المياه إلى الحدود والاقتصاد. في المقابل، يُنظر إلى أي تجربة ديمقراطية سودانية بوصفها تهديدًا محتملًا، لأنها تعبّر عن إرادة شعبية لا يمكن التحكم فيها.
احتلال مثلث حلايب لم يكن سوى نتيجة طبيعية لهذا الاختلال في ميزان القوة. استغلت القاهرة حادثة محاولة اغتيال حسني مبارك في التسعينات، وفرضت أمرًا واقعًا على الأرض، مستفيدة من نظام سوداني مأزوم، عاجز عن الدفاع عن سيادته أو حتى التفاوض الجاد بشأنها.
أما الخطاب الشعبي الذي يروّج لفكرة تبعية السودان لمصر، فهو خطاب يتجاهل التاريخ والجغرافيا معًا. فمصر نفسها كانت خاضعة للحكم العثماني حين غزا محمد علي باشا السودان عام 1820، كما أن صفحات التاريخ تشهد لفترات حكم فيها ملوك من السودان أرض مصر. لكن الاستعلاء السياسي لا يحتاج إلى حقائق، بل إلى أنظمة ضعيفة في الجوار.
اقتصاديًا، تتجلّى البراغماتية المصرية في أوضح صورها خلال الحرب. مئات الشاحنات تدخل السودان يوميًا محمّلة بالبضائع المصرية، بينما تعود محمّلة بثروات السودان الزراعية والحيوانية، التي يُعاد تصديرها باعتبارها منتجات مصرية. في المقابل، يُمنع السودان من الوصول إلى السوق المصرية بشروط مماثلة، في علاقة أقرب إلى الاستغلال منها إلى الشراكة.
وفي ملف المياه، تستمر الهيمنة ذاتها. فحصة السودان من النيل تُستنزف عمليًا، سواء بسبب توقف المشاريع أثناء الحرب أو بفعل ضغوط سياسية سابقة حالت دون استثمارها الكامل، كما حدث في مشروع سد مروي، الذي كان يمكن أن يشكّل نقلة تنموية حقيقية للولاية الشمالية.
المفارقة الصارخة أن السودان طبّق مبدأ الحريات الأربع على المصريين لعقود، فانتشروا في أسواقه وقراه ومدنه دون قيود تُذكر. لكن حين لجأ السودانيون إلى مصر طلبًا للأمان، واجهوا التضييق والملاحقة، وتعقيدات تأشيرية مهينة، حوّلت اللجوء إلى تجارة أمنية مربحة.
ومع ذلك، فإن توجيه اللوم كله إلى مصر يظل قراءة ناقصة. فالمسؤولية الأولى تقع على الأنظمة العسكرية السودانية، التي رهنت السيادة الوطنية مقابل البقاء في السلطة، وفضّلت التحالف مع الخارج على الاحتكام إلى الداخل. هذه الأنظمة، ومعها بعض التيارات السياسية المنزوعة الشرعية، فتحت الباب واسعًا أمام التدخل والاستغلال.
في النهاية، ما يحدث للسودانيين في مصر ليس أزمة لجوء فحسب، بل نتيجة مباشرة لتحالف الاستبداد، حيث تتقاطع مصالح الأنظمة على حساب الشعوب. وما لم يستعد السودان دولته الديمقراطية وسيادته السياسية، سيظل مواطنوه يدفعون الثمن داخل الوطن وخارجه.
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة