حين يُختزل التاريخ في لحظة دم تابعتُ التبادل الذي دار بين الأستاذة رشا عوض والروائي عبد العزيز بركة ساكن، واطّلعتُ على مقال الأستاذ بركة ساكن المنشور بتاريخ 22/1/2026 بعنوان: (من قصص الشعوب.. الدم عدو البلاغة: يا رشا عوض)، كما قرأتُ مقال الأستاذة رشا عوض المعنون: (بركة ساكن: عندما يصبح الأديب عدوًا للبلاغة وصديقًا لأكاذيب الكيزان)—وهكذا تتابع السجال، وقد وجدتُ في هذا التبادل ما يستدعي التعليق من زاوية منهجية تتجاوز الأشخاص إلى أصل إشكالٍ بالغ الأهمية في السياق السوداني: وهم الخلط بين القيمة الإبداعية والقدرة السياسية التحليلية. فليس من البداهة—ولا من مقتضيات أي منهج علمي—أن يكون الكاتب أو التشكيلي أو الشاعر، بحكم جودة منجزه الفني، قادرًا تلقائيًا على استيعاب تعقيدات وتقاطعات السياسة وسيرورات الدولة والتحوّل التاريخي. وما ينطبق على الفنانين والأدباء ينطبق، من حيث المبدأ، على أصحاب الامتيازات الرمزية الأخرى—مدّعي الحسب والنسب، أو "الأصول الرفيعة"، أو "الديانات الارفع"—غير أنّ التركيز في هذا المقال مقصود على حقل الإبداع. فإسقاط الثقل الرمزي للمنجز الفني على المجال السياسي لا يضمن إنتاج وعيٍ أعمق؛ بل كثيرًا ما يُربك الحكم، ويُسطّح الوقائع، ويُقصي التعقيد البنيوي اللازم لقراءة الدولة والعنف والشرعية وما اليه. وفي المحصلة، تُستبدل الحجّة بالهالة، والتحليل بالسمعة، فتضيع السياسة بين البلاغة والرمز. وأؤكّد ابتداءً أن ما أكتبه هنا ليس انحيازًا أعمى إلى الأستاذة رشا عوض، ولا دفاعًا عن د. عبد الله حمدوك؛ فالاختلاف مع كثيرٍ من رؤى كلٍّ منهما قائم ومعلن ومبذول. إنما هي محاولة لتثبيت معيار معرفي صارم في لحظةٍ تُستعمل فيها الأخلاق لتصفية السياسة برمّتها—ناهيك عن الاختلافات السياسية—ويُستدعى فيها الألم لا لتفكيك شروط إنتاج العنف، بل لتجميد التاريخ وإغلاق أفق التفكير. من هنا، لا يجوز التعامل مع التاريخ بوصفه محكمة غضب تُصدر أحكامًا نهائية عند لحظة الصدمة؛ فالتاريخ، في جوهره، أفق تحوّل، ولا يستقيم فهمه إلا بتحرير السياسة من الانفعال، وردّها إلى التحليل الذي يفتح إمكانات المستقبل بدل أن يغلقها.
- ان تجاوزنا عدم دقة الأستاذ ساكن في عرض مواقف وما كتبته الأستاذة رشا عوض عن الجرائم، في تقديري الخلاف ليس مع الدم، ولا مع فداحة الجريمة، ولا مع حق الضحايا في العدالة—وهو حقٌّ لا نقاش فيه. إنما الخلاف مع تحويل الدم إلى ميتافيزيقا سياسية مغلقة: أن يغدو تعريفًا نهائيًا للواقع، وأن يتحوّل الألم من طاقةٍ معرفية تُحفّز تفكيك البنية المنتِجة للعنف إلى سقفٍ إبستمولوجي يمنع التفكير خارج لحظة الفاجعة. وفي هذا المعنى، تتجاوز مقاربات رشا عوض وعبد الله حمدوك—بغضّ النظر عن اختلافنا معهما—الأفق الإنساني والأخلاقي والمعرفي الذي يتوقّف عنده نصّ بركة ساكن، لأنهما يفكّران في السياسة بوصفها سيرورة لا بوصفها صدمةً نهائية. ولنثبت هذا: - في السياق السوداني، يذكّرنا هيغل بأن التاريخ لا يتحرّك عبر الإدانة الأخلاقية وحدها، بل عبر صراعاتٍ تعيد تشكيل الدولة والشرعية والمعنى؛ وأن الوعي إذا توقّف عند لحظة الرعب بوصفها "الحقيقة الأخيرة" تحوّل إلى رثاءٍ دائم. ويكاد والتر بنيامين يضع إصبعه على الجرح حين ينبّه، في أطروحاته عن فلسفة التاريخ، إلى أن تراكم "الخراب" قد يصبح أداةَ شللٍ إن لم يتحوّل إلى معرفة تُقاوم منطق السلطة والانتصار وتفكّك آلياتهو كان هذا الانتصار حقيقي او زائفا. أما حنة آرنت فتشير إلى أن الشرّ لا ينتصر بالسلاح وحده، بل حين تُختزل السياسة إلى أخلاق انفعالية، وحين تُنتزع القدرة على الحكم والتفكير من المجال العام لصالح "حقيقة واحدة" تُسكِت الأسئلة. من هذا المنظور، فإن نصّ بركة ساكن—على كثافة لغته الوجدانية—لا يعمل بوصفه تفكيكًا للبنية السياسية التي أنتجت العنف، بل بوصفه تدويرًا للفاجعة كأنها خاتمة التاريخ لا مادته الخام. هنا يغدو الدم حاجزًا إبستمولوجيًا: يمنع انتقال الشهادة إلى تحليل، والإدانة إلى برنامجٍ سياسي–قانوني يضبط العنف داخل أفقٍ أخلاقي جديد. والمفارقة أن الأدب والفن—حين يتوقّفان عند "قوة الصدمة" وحدها—قد ينقلبان من أداة كشفٍ إلى أداة تثبيت: يثبّتان الحاضر بدل أن يفتحا المستقبل... الأدب والفنون ليست تفويضًا سياسيًا إن تداول الفلول ودوائر الدعاية المتحالفة مع سلطة البرهان—ومعها بيادقها من مني أركو مناوي وجبريل إبراهيم—لنصّ عبد العزيز بركة ساكن بوصفه "قولًا حاسمًا" لا يبرهن على صواب مضمونه، بقدر ما يفضح آلية دعائية مألوفة: استبدال البرهان السياسي بـهالة الشهرة الإبداعية. هنا تُستثمر القيمة الأدبية كسلطة رمزية تُعفي النص من الاختبار التحليلي، وتحوّل الانتشار إلى دليل، والاسم إلى حُجّة. هذه ليست سياسة، بل مقايضة معرفية تُسطّح النقاش وتُقصي الأسئلة البنيوية التي ينبغي أن تُحاكم الدولة والعنف والشرعية. كأن شهرة الروائي تُحوِّل رأيه إلى حقيقة، وكأن المجد الفني يُنتج تلقائيًا كفاءةً في قراءة الدولة والحرب والشرعية. وهذه—علميًا—مغالطة من نوع "الاحتكام إلى السُّلطة الرمزية"؛ إذ تُستبدل الحجة بالاسم، والتحليل بالهالة. الخبر السيئ (للذين يراهنون على هذه المغالطة) بسيط وحاسم: أن تكون أديبًا كبيرًا أو فنانًا لامعًا لا يعني أنك سياسيٌّ جيّد، ولا أن مواقفك السياسية ترقى إلى مستوى أعمالك الفنية. فبين "العبقرية الجمالية" و"القدرة التحليلية في شؤون الدولة والتحوّلات التاريخية" مسافة معرفية لا يجوز، ولايمكن طمسها. هذا ليس انتقاصًا من الأدب والفن ودورهما، بل تثبيتٌ لاختلاف الوظائف: الأدب يوقظ الحسّ ويكثّف الخبرة الإنسانية ويكشف جوانب العنف، لكنه لا يعوِّض—بمفرده—عن تحليل بنية السلطة، والمؤسسات، والاقتصاد السياسي، وآليات إنتاج الحرب. وهنا يفيد استدعاء بورديو: فالمجتمع ليس مجالًا واحدًا، بل "حقول" لكلٍ منها قوانينه ورهاناته ورأس ماله الرمزي. حقل الفن يُكافئ الإبداع والتفرّد الأسلوبي والقدرة التعبيرية، بينما حقل السياسة يُحاسب على قراءة المصالح، وبناء الاستراتيجيات، وفهم ميزان القوى، ومآلات التحالفات. الخلط بين الحقلين ينتج كارثتين: يمنح المثقف سلطةً سياسية لا يملك أدواتها، ويحوّل الإبداع إلى غطاءٍ لمواقف انفعالية تُصادر تعقيد التاريخ. والشواهد التاريخية ليست قليلة ولا هامشية. فولتير—رمز التنوير—قدّم إبداعًا فكريًا وأدبيًا عظيمًا، ومع ذلك حمل تصورات إقصائية ونزعات تمييز عنصرية، وفضّل "الاستبداد المستنير" على الديمقراطية الشعبية. وفي القرن العشرين قدّم إزرا باوند شعرًا حداثيًا مؤثرًا لكنه انحاز إلى الفاشية وقدّم دعاية لموسوليني؛ وحاز كنوت هامسون علي نوبل ثم عبّر عن تعاطف مع النازية؛ وكتب سيلين أعمالًا روائية كبيرة مقرونة بنصوص معادية للسامية؛ ودافع كبلنغ عن الإمبراطورية باسم "رسالة الحضارة". وفي الفلسفة، تكفي حالة هايدغر لتأكيد أن العمق النظري لا يضمن صفاء الموقف التاريخي. في الفنون البصرية—وهو مجالنا—تقدّم حالة ليني ريفنشتال مثالًا إيضاحيًا على أن التفوّق الفني والتقني لا يضمن، بذاته، نضجًا سياسيًا أو سلامةً أخلاقية. فقد قدّمت ابتكارات سينمائية مؤثرة، لكنها سخّرتها لصناعة دعاية نازية في (انتصار الإرادة)، حيث تحوّل الإبداع إلى وسيط يمنح العنف شرعية بصرية. والأدقّ دلالة أنها، بعد سقوط النازية، لم تُجرِ مراجعة أخلاقية عميقة، بل نقلت زاوية الرؤية نفسها إلى أفريقيا—وتحديدًا السودان—في أعمالها الفوتوغرافية عن النوبة في كتابيها: (The Last of the Nuba، The People of Kau). الخلاصة هنا منهجية لا شخصية: التميّز التقني في حقلٍ بعينه لا يُنتج تلقائيًا فهمًا لتعقيدات السياسة وتقاطعاتها، ولا سيما في سياقات مركّبة كسياق السودان. ضمن هذا الإطار المنهجي، يمكن ملاحظة آلية مشابهة—مع اختلاف السياق—في قراءة الأستاذ عبد العزيز بركة ساكن للواقع السياسي؛ إذ تميل الكتابة إلى مقاربة رمزية تُعلي من دلالات الدم والانتماء الأولي، على حساب قراءة السياسة بوصفها سيرورة مادية تُنتجها الدولة وبُناها ومؤسساتها. في هذا المنظور، يصبح الرمز اختصارًا للتاريخ، بينما يتراجع السؤال الجوهري: من يُنتج العنف؟ وكيف تُدار الدولة؟ وما هي شروط كسر دائرته؟ هذا النمط من المقاربة لا يفضح الواقع بقدر ما يؤسطِره: ينقلنا من تحليل التحالفات باعتبارها أدوات سلطة داخل دولة عنيفة، إلى تفسيرها بوصفها امتداداتٍ رمزية لانتماءات أولية-القبلية. والنتيجة—من حيث المنهج—هي إضعاف التفكير السياسي وحبس التاريخ داخل أخلاقٍ انفعالية صادقة النبرة لكنها محدودة القدرة على الفهم البنيوي وعن التغيير. وهذا بالضبط ما ينبغي تفاديه في السودان للخروج من كارثة الدوران في حروبٍ متكرّرة: تفادي استبدال التحليل بالرمز، وتفادي تحويل الألم إلى سقفٍ للتفكير، والانتقال بدلًا من ذلك إلى تفكيكٍ صارم لبنية الدولة المنتِجة للعنف، وبناء معيارٍ واحد للمساءلة، وفتح أفقٍ سياسي يقطع مع إعادة إنتاج الأدوات نفسها بأسماء جديدة. فدون هذا التحوّل المنهجي، تبقى البلاغة—مهما صدقت—غير كافية لوقف الدائرة.
والمزيد، اتخذ الفنان سلفادور دالي مواقف سياسية ملتبسة اقتربت من تبرير الاستبداد في لحظة كان فيها المجتمع ينزف. أما في تيارات "التنوير العكسي" وما بعد الثورة الفرنسية، فإن جوزيف دو مايستر يمثل نموذجًا لكاتبٍ مؤثر يناهض روح الحداثة السياسية ويدافع عن الملكية والتراتبية بوصفها "الاستقرار الوحيد"—وهو ما يبرهن أن البلاغة و"الإنتاج الادبي" لا يمنعان الانحياز ضد المستقبل... هذه الأمثلة لا تُستدعى للتشهير، بل لتأسيس قاعدة منهجية: العمل الفني—بمجرد اكتماله—ينفصل نسبيًا عن صاحبه ويخضع لقوانينه الداخلية (الأسلوب، البناء، التلقي، الأثر)، بينما الموقف السياسي يخضع لاختبارٍ مختلف: مدى اتساقه مع تحليل بنية الدولة، وتشخيصه لمصادر العنف، وقدرته على فتح أفقٍ عملي لتفكيك الحرب ومنع تكرارها. لذلك قد ينتج المبدع فنًا عظيمًا ويقدّم في السياسة قراءةً سطحية، أو ينحاز إلى سلطةٍ تدمّر ما يدّعي أنه يدافع عنه أخلاقيًا. ومن منظور فلسفة التاريخ (هيغل/بنيامين)، يتضاعف الخطر حين تُستعمل اللغة الوجدانية لتجميد الزمن السياسي: أن يتحول الدم إلى "حقيقة أخيرة" تُسقط سؤال البنية. ليس المطلوب إنكار الألم ولا تجميل الجريمة، بل رفض تحويل الألم إلى قفلٍ على المستقبل. فالأدب والفن حين يبلغان ذروتهما لا يكتفيان بوصف المأساة وتعديد الجرائم كما فعل الاستاذ ساكن في مقاله، بل يفتحان سؤالها البنيوي: كيف تُنتج الدولة العنف؟ كيف تُشرعن الجريمة؟ كيف تُعيد تدوير أدواتها بأسماء جديدة؟ وحين يغيب هذا السؤال، تصبح البلاغة—حتى لو صدقت نبرتها—جزءًا من تثبيت اللحظة لا تفكيكها. الخلاصة هنا: لا دفاع عن أشخاص، بل عن معيارٍ معرفي: شرعية القراءة السياسية لا تُستمد من شهرة الكاتب ولا من جمال العبارة، بل من صرامة التحليل. ويُقاس وزن الموقف بقدرته على رؤية الدولة كنظام وبُنى لا كمشهد، وعلى إبقاء التاريخ مفتوحًا خارج أقفاص السرديات الجاهزة.
إدانة الدعم السريع: نعم—لكن داخل سياقه التاريخي البنيوي لا خلاف—ولا مجال للمناورة—في أن قوات الدعم السريع ارتكبت جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. هذه حقيقة موثّقة قانونيًا وحقوقيًا. ومواقف الإدانة والمطالبة بالمحاسبة معلَنة وثابتة لدى الأستاذة رشا عوض، وكذلك في الخطاب العام الذي تبنّاه د. عبد الله حمدوك بشأن عدم الإفلات من العقاب، وعليه ان الزجّ بهما في خانة "تبييض الجرائم" أو "بيع الدم" ليس نقدًا سياسيًا جادًا، بل بروباغندا فُلولية ساذجة تهدف إلى التشويش على معيار المساءلة، لا إلى ترسيخه. السؤال السياسي الأعمق—الذي لا يجوز الهروب منه—ليس: هل وقعت الجريمة؟ بل: كيف أنتجت الدولة السودانية الحديثة هذا النمط من العنف المنظّم؟ فالدعم السريع ليس انحرافًا طارئًا ولا استثناءً تاريخيًا؛ بل نتاج مباشر لدولة تأسست على العنف منذ الحقبة الاستعمارية، مرورًا بدولة ما بعد الاستقلال، وصولًا إلى نظام الإنقاذ الذي: - شرعن الميليشيا، ولايزال يشرعن مليشيا المشتركة وغيرها! - فوّض العنف خارج أي رقابة ديمقراطية، - وخصخص الحرب بوصفها موردًا سياسيًا واقتصاديًا إن اختزال المأساة في فاعلٍ واحد—مع خطورة جرائمه—دون تفكيك بنية الدولة الأمنية–الريعية، لا يخدم العدالة؛ بل يريح النظام الذي أعاد إنتاج الجريمة بأسماء وأزياء مختلفة، ويمنح مؤيّديه الموسميين غطاءً أخلاقيًا زائفًا... التاريخ في حركة: ضد تجميد السياسة عند لحظة الدم ما يغيب عن مقاربة عبد العزيز بركة ساكن أن التاريخ سيرورة متحركة: يمكن إعاقتها أو تشويهها، لكن لا يمكن إيقافها. تحويل الدم إلى "حقيقة أخيرة" يُجمّد التفكير ويغلق أفق التحوّل. السياسة الجادّة لا تكتفي بالإدانة—على ضرورتها—بل تعمل على منع تكرار الجريمة عبر تفكيك شروط إنتاجها...ولا مش كده؟ ومن هذا المنظور، فإن الهتاف ضد حمدوك بزعم "بيع الدم" ليس فقط مجحفًا، بل يكشف سطحية قراءة ميكانيكية وتبعيةً لخطابٍ يُعيد توظيف الهامش وقودًا لحروبٍ متجددة بدل كسر دائرتها. والمؤسف أن يقع كاتبٌ مثل بركة ساكن—بوعيٍ أو بدونه—في هذا الحقل الجمعي الذي يساوي عقل مؤيّدي الشراكة والجيش، ويُدافع عنهما بلغة أخلاقية تُجمّد السياسة بدل أن تفتحها. إن الخروج من هذه الحفرة يبدأ بالعودة إلى المعيار: محاسبة بلا استثناء، وتحليل بنيوي للدولة، وتاريخ مفتوح على التحوّل والتأسيس.
العدالة وعدم الإفلات من العقاب: معيارٌ واحد لتأسيس المستقبل من باب الأمانة المعرفية، ينبغي تثبيت حقيقةٍ واضحة في كتابات رشا عوض: موقفٌ مُعلن ومتكرر من المحاسبة وعدم الإفلات من العقاب. الإقرار بذلك ليس دفاعًا عن أشخاص، بل ضرورةٌ منهجية لصيانة النقاش العام من الدعاية التي تُحرّف المواقف وتُنتج خصوماتٍ مصطنعة. وفي الوقت نفسه، لا بد من تثبيت حقيقةٍ أخرى لا تقل وضوحًا: السودان شهد، عبر عقود، جرائم جسيمة ومتعددة، والاختبار الحقيقي اليوم لا يكمن في كثافة الإدانة، بل في صرامة المعيار—أن تكون العدالة قاعدةً عامة لا أداةً انتقائية. وموقف ثورة وثوّار السودان الجديد، بوصفه موقفًا مبدئيًا، يتمثّل في رفض الإفلات من العقاب على نحوٍ شامل. هذا ليس شعارًا، بل أفقٌ تأسيسي لعدالةٍ تاريخية تُعدّ مبدأً فوق دستوري، لا تستقيم الدولة الجديدة بدونه. فالمستقبل لا يُبنى على تسوياتٍ تُرحِّل الجريمة، ولا على علاقات دم او "توازنات" تُسوّي بين الجاني والضحية، بل على قاعدةٍ واحدة تُعيد تعريف الشرعية: كل من ارتكب جريمةً ضد الشعب السوداني يخضع للمساءلة، بصرف النظر عن الاسم، الموقع أو الراية او الحمض النووي! وعليه، إذا كان الحديث عن العدالة حديثًا جادًا لا إنشائيًا، فإن معيارها لا يجوز أن يكون انتقائيًا أو ظرفيًا، بل شاملًا وغير قابل للتجزئة. أي معيار لا يطال جميع حاملي السلاح بلا استثناء يتحوّل، موضوعيًا، إلى غطاءٍ لإعادة إنتاج العنف. وبذلك يجب أن يخضع للمساءلة والمحاسبة: - قوات الدعم السريع، بما ارتكبته من جرائم موثّقة بحق المدنيين؛ - الجيش السوداني، بوصفه مؤسسة دولة تورّطت—مباشرة أو عبر التفويض—في انتهاكات جسيمة، إلى جانب الميليشيات التي عملت تحت مظلته أو باسمه؛ - وميليشيات "المشتركة"، بما فيها قوات مني أركو مناوي وغيرها من التشكيلات المسلحة التي ثبت تورّطها في انتهاكات ضد المدنيين. كما يمتد هذا المعيار إلى أي قوة مسلّحة أخرى توجد بشأنها ادعاءات موثوقة بانتهاك حقوق الإنسان أو القانون الإنساني الدولي. فالعدالة، لكي تكون عدالة، لا تُقاس بعدد المتهمين ولا بميزان القوى، بل بقدرتها على توحيد معيار المساءلة وكسر منطق الإفلات من العقاب الذي شكّل جوهر الأزمة السودانية عبر تاريخها الحديث. السؤال الحاسم، إذن، ليس "من نُدين؟" بل: هل نملك الإرادة لاعتماد معيارٍ واحد يفتح أفق المستقبل بدل إعادة تدوير الماضي؟ وهل سيُصار إلى تبنّي هذا المعيار الشامل بوصفه شرطًا لبناء دولة جديدة—أم ستستمر الإدانة الانتقائية التي تُرضي الضمير مؤقتًا، بينما تُبقي الباب مواربًا أمام عودة الجريمة في صيغةٍ أخرى؟ الخلاصة بسيطة ومباشرة: المستقبل لا يحتاج بلاغةً إضافية؛ يحتاج ميزانًا واحدًا للعدالة، واضح القواعد، شامل التطبيق، ومحصّنًا ضد الانتقائية.
من مني أركو مناوي إلى عبد العزيز بركة ساكن: اختلاف المواقع ووحدة المنطق تتكشّف مفارقةٌ لافتة حين نضع مساري مني أركو مناوي وعبد العزيز بركة ساكن جنبًا إلى جنب. فبالرغم من اختلاف الموقع والأداة—أحدهما قائدٌ سياسيٌّ مسلّح، والآخر كاتبٌ ومثقف—إلا أن كليهما يتحرّك، عمليًا أو خطابيًا، داخل المنطق نفسه الذي يعجز عن قراءة الدولة السودانية بوصفها بنية تاريخية منظِّمة للعنف. مناوي يُمارس السياسة من داخل تحالفاتٍ مسلّحة ظرفية مع الدولة، فيما يُمارس بركة ساكن السياسة من داخل بلاغةٍ أخلاقية رمزية تُحاكم اللحظة ولا تُفكّك البنية. والنتيجة في الحالتين واحدة: تعطيل التحليل البنيوي وتجميد التاريخ.
مناوي: سلاح بلا مشروع، وتحالف بلا قراءة للدولة في مساره من أبوجا إلى جوبا، اختزل مناوي السياسة في رهانٍ إثنيٍّ تفاوضي، متوهّمًا أن الدولة—التي لم تعترف يومًا بشركاء—يمكن أن تتحوّل إلى حليفٍ دائم. لم يُحوِّل السلاح إلى أداةٍ لتفكيك الدولة العنيفة، بل إلى رافعة صفقة داخل منطقها. هكذا صار السلاح جزءًا من آلية إعادة إنتاج الدولة لا أداةً لكسرها. وعندما انتهت الحاجة الوظيفية، أعادت الدولة إنتاج قاعدتها البنيوية: استخدام الأداة ثم التخلّي عنها. هذا ليس حادثًا عارضًا، بل قانونًا تاريخيًا لدولة لا تحتمل أي ذاتٍ مسلّحة خارج احتكارها الرمزي للعنف. إن مأزق مناوي هنا ليس في حمل السلاح بحد ذاته—فالسلاح في الهامش كان دائمًا نتاج عنف الدولة—بل في العجز عن تحويل القوة إلى سياسة، وعن اقتراح مشروعٍ وطنيٍّ يُعيد تعريف الدولة بدل الارتهان لها. هذا العجز عن التعلّم من التاريخ هو ما جعل المسار يتكرّر: تسوية بلا تفكيك، تحالف بلا رؤية، انتقال بلا مراجعة. بركة ساكن: أخلاق بلا تحليل، ورمز يُؤسطر السياسة في المقابل، يقع بركة ساكن في مفارقةٍ معاكسة شكلًا، مماثلة مضمونًا. فبدل تفكيك السياسة بوصفها سيرورة مادية تُنتجها الدولة وبُناها ومؤسساتها، يميل خطابه إلى استبدال التحليل بالرمز. تُختزل الدولة في مشهد دم، وتُقرأ التحالفات عبر ثنائيات أخلاقية (طهارة/خيانة، ضحية/جلاد)، وكأن العلاقات السياسية تُدار بمنطق الانفعال لا بمنطق المصالح والبُنى. هنا لا يُطرح السؤال الجوهري: من يُنتج العنف؟ وكيف تُدار الحرب؟ وما هي شروط منع تكرار الجريمة؟ بل تُؤسطر السياسة داخل سردية رمزية تُريح الوجدان وتُعفي البنية من المساءلة. وبهذا المعنى، لا يكشف الخطاب الواقع بقدر ما يُجمِّده عند لحظة الفاجعة، ويحوّل الألم من دافعٍ للفهم والتغيير إلى سقفٍ يمنع التفكير خارج اللحظة.
المفارقة الجامعة: موقعان مختلفان، نتيجة واحدة المفارقة، إذن، أن مناوي يُسيّس السلاح بلا مشروع، بينما بركة ساكن يُؤخْلِق السياسة بلا تحليل. الأول يرتهن عمليًا لمنطق الدولة العنيفة، والثاني يُجمِّد نقدها داخل بلاغةٍ رمزية. وكلا المسارين—رغم تعارضهما الظاهري—يُفضي إلى النتيجة نفسها: إبقاء الدولة خارج المساءلة البنيوية. بهذا المعنى، لا يعود الخلاف بينهما خلافًا في القيم، بل في الأدوات التي تُفضي إلى العطب ذاته. فحين تُختزل السياسة إلى صفقات إثنية، أو إلى رموز أخلاقية، يُمحى سؤال الدولة من المشهد، وتُعاد إنتاج الشروط التي أنجبت العنف أول مرة. الخلاصة هنا: كسر الحلقة! إن الخروج من مأزق السودان لا يكون بتحالفاتٍ ظرفية مع الدولة، ولا ببلاغة دم تُحوِّل الجريمة إلى حقيقةٍ نهائية. الخروج يبدأ بعملٍ سياسي ومعرفي يُعيد السؤال إلى أصله: كيف تُنتج الدولة العنف؟ وكيف تُفكَّك شروطه؟ دون ذلك، سيظل السلاح بلا بوصلة، والكتابة بلا أفق، والتاريخ أسير دائرةٍ تُعيد إنتاج نفسها مهما تبدّلت الأسماء والمواقع.
خاتمة: حين يُختبر المثقف أمام التاريخ لا أمام الزعيم في المحصّلة، لا يمثّل مني أركو مناوي حالةً استثنائية، بل نموذجًا متكرّرًا لقيادات هامشية تدور في الحلقة نفسها: تُقاتل الدولة حين تُقصى، ثم تعود إليها حين تُغريها السلطة، من دون أن تفكّك بنيتها، أو تقترح بديلًا جذريًا عنها. ولهذا فالمواجهة القادمة بين مناوي والدولة حتمية—لا لأن الدولة تغيّرت، بل لأنها لم تتغيّر أصلًا. ومن لا يفهم أن جوهر الأزمة في الدولة بوصفها بنية عنف تاريخية سيظلّ أسير دورةٍ عقيمة: تمرّد → تسوية → إقصاء → تمرّد… بلا أفق ولا تحوّل. هنا تحديدًا يُحرِج موقف عبد العزيز بركة ساكن نفسه. فحين ينحاز المثقف—ولو رمزيًا—إلى قائدٍ سياسي/عسكري ساذج، محدود الأفق، فإن الانحياز لا يعود أخلاقيًا بل تبسيطيًا؛ لا يقف مع الضحايا بقدر ما يُؤبّد موقعهم داخل سردية دمٍ تُجمِّد السياسة وتُغلق المستقبل. الأخلاق، حين تُستعمل لإسكات التفكير، تتحوّل إلى أداة ضدّ التاريخ. لقد علّمنا فرانتز فانون وأنطونيو غرامشي أن وظيفة الفكر ليست البكاء على الواقع، بل تجاوزه؛ وأن الهيمنة لا تُكسَر بتراكم الشهادات وحدها، بل بتفكيك شروط إنتاج العنف وبناء أفقٍ جديد للشرعية. الأدب، حين يُختزل إلى أرشيف للفظاعة، يفقد وظيفته التحرّرية ويصبح جزءًا من اقتصاد الحداد السياسي: صادق النبرة، فقير السياسة. دور المثقف—كاتبًا كان أو فنانًا أو أكاديميًا—ليس أن يكون محامي دمٍ أبدي ولا تابعًا لقيادات معطوبة، بل أن: يسمّي الجريمة بلا انتقائية، ويفكّك البنية التي أنتجتها، ويفتح أفقًا يمنع تكرارها. أما الاكتفاء بإعادة سرد الجرائم دون مساءلة الدولة ودون تخيّل مستقبلٍ مختلف، فهو موقفٌ مريح أخلاقيًا لكنه عقيم سياسيًا. هذا المقال ليس دفاعًا عن رشا عوض، ولا عن عبد الله حمدوك، ولا عن أي ميليشيا. إنّه دفاعٌ عن حقّ التاريخ في الحركة، وعن حقّ الشعوب في ألّا تُحبس داخل سرديات قادةٍ محدودي الأفق، أو رموزٍ مُؤسْطرة، أو غضبٍ أعمى—مهما بدا مبرَّرًا. فالدم يطالب بالعدالة، نعم؛ لكنه لا يطالب بإلغاء المستقبل. وحين تُختزل السياسة في الإدانة وحدها، تُترك الدولة—كما هي—لتُعيد إنتاج الجريمة باسمٍ جديد وضحيةٍ جديدة. ومن هنا تتبدّى صلة هذا الموقف بمشروع السودان الجديد: ليس بوصفه شعارًا، بل بوصفه أفقًا تأسيسيًا يعيد تعريف الدولة والشرعية والعدالة. فالسودان الجديد لا يقوم على محو الألم ولا على تسويغ الجريمة، بل على العدالة التاريخية بوصفها مبدأً فوق دستوري، وعلى بناء الكتلة التاريخية القادرة على تفكيك بنية العنف، لا مهادنتها. هذه الكتلة لا تتشكّل بالبلاغة ولا بالحداد السياسي الدائم، بل بتوحيد القوى الاجتماعية والسياسية حول برنامجٍ تأسيسي ثوري يقطع مع منطق الغلبة، ويؤسّس لدولة مواطنة ومساءلة. التاريخ لا يُكتب بالبلاغة وحدها، لكنه أيضًا لا يُبنى بالبكاء. إنّه يُصنع حين نمتلك شجاعة التفكير أبعد من الجرح: لا ضده ولا تحته، بل عبره—نحو تفكيك الدولة العنيفة، وبناء عقدٍ اجتماعي جديد، وتأسيس دولةٍ تستحق الحياة. هذه هي روح التأسيس: عدالةٌ شاملة، كتلةٌ تاريخية جامعة، ومستقبلٌ مفتوح لا يُقايَض بالدم ولا يُختزل في الإدانة.
النضال مستمر والنصر أكيد
(أدوات البحث والتحرير التقليدية والإليكترونية الحديثة استخدمت في هذه السلسلة من المقالات)
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة