الحرب لم تكن صدفة، ولا كانت ردة فعل لحظية، بل كانت مشروعاً معداً ومهندساً بعناية من قبل الحركة الإسلامية منذ وقت مبكر. كل الشواهد التي ظهرت قبل إندلاع الحرب كانت تشير إلى أن الكيزان يعملون على إعادة تموضعهم، وتجهيز أدواتهم، وتهيئة المسرح السياسي والأمني لعودة مشروعهم عبر الفوضى والحرب. أول الخيوط ظهرت من داخل المحكمة نفسها، عندما أدلى الطاغية الضلالي عمر البشير بتصريحه الشهير بأنه رتب انقلاب عام ١٩٨٩م المشؤوم وحده ويتحمل مسؤوليته وحده. هذا النوع من التصريح ليس اعترافاً بريئاً، بل رسالة سياسية لمن يفهم قراءة ما بين السطور. وقتها كانت هناك خطة يجري إعدادها تبدأ من المحكمة لأنها منصة يشاهدها الكثيرون، وبالتالي يرسل من خلالها رسائل لكوادر الحركة الإسلامية: استعدوا للمعركة، وهنا أنا أقولها من داخل المحكمة. التصريح الذي أدلى به الطاغية المجرم عمر البشير في المحكمة الغرض منه أن يقول للكيزان: أنا شلت الشيلة في المحكمة، وأنتم شيلوا الشيلة في الميدان. ثم جاءت الخطوة الأخطر: إغلاق ميناء بورتسودان، التي لم تكن حركة احتجاجية عفوية، بل كانت عملية خنق اقتصادي وسياسي هدفها إضعاف حكومة الثورة وإظهارها بأنها عاجزة، وبالتالي خلق فراغ نفسي سلبي تجاه أنصار حكومة الثورة، وإيجابي لصالح الكيزان يقوي من عزيمتهم. وبالتوازي، بدأ رموز النظام القديم يتقاطرون إلى بورتسودان، وعلى رأسهم كيلا الذي وصل إلى بورتسودان وبدأ في إطلاق التهديدات. وفي الخرطوم ظهر ناجي عبدالله بخطابه التعبوي في إحدى إفطارات رمضان، وقال إن رمضان الحالي سيكون آخر شهر للإفطارات الجماعية. أيضاً محمد علي الجزولي رفع نبرته الداعشية ووصف حميدتي وعبد الرحيم بالشقيقين الشقيين. كما أعلن أنس عمر قائلاً: الحركة الإسلامية ما في زول أرجل منها. كل تلك الظواهر وقتها لم تكن صدفة، بل كانت أحداثاً منظمة، مدعومة، ومحمية، تم الترتيب لها مع جهات خارجية، على رأسها النظام المصري، وأطراف إقليمية أخرى تدعم تنظيم الإخوان المسلمين في السودان. الدعم المصري لفلول الإنقاذ الذين هربوا إلى القاهرة لم يكن سراً. التنسيق كان واضحاً، واللقاءات كانت معلومة، والهدف كان واحداً: القضاء على قوات الدعم السريع، ومن ثم القضاء على مكاسب ثورة ديسمبر المجيدة، وفتح الباب واسعاً لعودة الحركة الإسلامية متحالفة مع الانتهازيين من باقي قوى نداء السودان وحركات الارتزاق. قبل بدء الحرب بثلاثة أيام تم إطلاق سراح مدبري انقلاب ١٩٨٩، لذلك حينما ذهبت قوات الدعم السريع إلى سجن كوبر وغيره من السجون في العاصمة الخرطوم بمدنها الثلاث: أم درمان والخرطوم والخرطوم بحري، لم تجد أحداً من رموز النظام. الخلاصة: ربط تصريحات الطاغية الضلالي عمر البشير من داخل المحكمة، بإغلاق الميناء، وعودة قيادات نظام الإنقاذ، ثم زيارة مجرم الحرب البرهان إلى مصر قبل بدء الحرب، كان يقول شيئاً واحداً: الحركة الإسلامية قد أعدت عدتها للحرب، وتنتظر لحظة الإشعال فقط. مشروع الحركة الظلامية التي تسمي نفسها، مشروع انبنى على الظلام، وترعرع في الظلام، ووصل إلى السلطة عبر الظلام، لذلك يصر على إبقاء السودان في دائرة الظلام.
الطيب الزين / كاتب وباحث في قضايا القيادة والإصلاح المؤسسي
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة