التسريبات السياسية- هل تُقاس بطهارة المتحدث أم بخطورة المعلومة؟
في عالم السياسة والاستخبارات، حيث تتداخل الظلال مع الحقائق، يتجدد دائماً الجدل حول قيمة التسريبات هل تُقاس مصداقيتها بنزاهة من ينطق بها، أم بخطورتها وقدرتها على كشف ما يُراد له أن يبقى مخفياً؟ هذا السؤال ليس فلسفياً مجرداً، بل يمس جوهر الصحافة الاستقصائية نفسها، التي نادراً ما تتعامل مع مصادر مثالية. ومع ذلك، يصرّ بعض المحللين ذوي النزعة الأكاديمية المعقّمة على التعامل مع الواقع السياسي كما لو كان محاضرة جامعية تُمنح فيها الدرجات وفق “شهادة حسن سيرة” المتحدث، لا وفق قيمة ما يكشفه-. المنطق الذي يحكم هذا الموقف بسيط إلى حد السذاجة-- إذا كان المتحدث غير قديس – كاذباً، أو متباهياً، أو حتى خائناً – فإن التسريب بأكمله يصبح صفراً وهذا ليس تحليلاً سياسياً، بل تبسيط مخلّ للواقع المركّب، أشبه باعتبار الإجابة خاطئة فقط لأن الطالب ليس مثالياً أخلاقياً
في الصحافة، لا تُلغى الحقيقة بسبب سيرة ناقلها، بل تُفحَص، وتُقاطع، وتُختبر أما تحويل “طهارة المصدر” إلى شرط مسبق لقبول المعلومة، فليس تحققاً صحفياً، بل هروب مريح من مواجهة ما يكشفه التسريب
التاريخ نفسه يدحض هذا المنطق أخطر التسريبات التي غيّرت مسار السياسة لم تأتِ من أفواه الأبرار. فضيحة ووترغيت، التي أطاحت بالرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون، اعتمدت على مصدر داخلي مدفوع بغضب شخصي وطموح مهني فاشل هل ألغى ذلك قيمة التسريب؟ بالطبع لا، بل غيّر التاريخ الأمريكي الأمر نفسه ينطبق على تسريبات إدوارد سنودن عام 2013. سنودن ليس “ملاكاً” في نظر حكومته، بل متهم بالخيانة وملاحق قضائياً، ومع ذلك كشفت تسريباته منظومة تجسس عالمية، وأجبرت دولاً على مراجعة قوانينها المتعلقة بالخصوصية وكذلك تسريبات ويكيليكس، التي خرجت من مصادر مثيرة للجدل، لكنها كشفت جرائم حرب وانتهاكات موثقة. لو طُبّق منطق “الطهارة”، لاعتُبرت كل هذه التسريبات صفراً في الشرق الأوسط، حيث تُدار السياسة في غرف مغلقة، كثير من المعلومات الحساسة تخرج من جلسات غير رسمية، أو لحظات تباهٍ، أو خوف من محاسبة قادمة. هنا تحديداً، لا تفقد المعلومة قيمتها لأنها صدرت من شخص غير موثوق، بل تكتسب خطورتها من ذلك بالذات؛ لأن المتباهِي لا يحتاط، والخائف يتكلم قبل فوات الأوان الصحافة الحقيقية لا تبحث عن “الصدق المعقّم” الذي يأتي ببدلة أنيقة وربطة عنق، بل عن الصدق الملطخ، الذي يتسرب رغم محاولات الإخفاء. رفض التسريب بحجة أخلاق ناقله ليس دفاعاً عن المهنية، بل تواطؤ مع الصمت، وتخلٍّ طوعي عن أحد أهم أدوار الصحافة: كشف ما لا يُراد له أن يُكشف السياسة ليست صلاة في معبد، بل ساحة صراع ومستنقع مصالح. من يطالب فيها بطهارة مطلقة، إنما يطلب المستحيل، أو يتذرع به ليتجنب مواجهة الحقيقة ولو كان في هذا المنطق ذرة فهم، لأدرك أصحابه أن العفن أحياناً يكون الدليل الوحيد على وجود شيء حيّ تحته
ولعل الهجاء القديم، بحدّته وذكائه، أقدر على تلخيص هذا الموقف من كثير من التحليل المعاصر- لو كان يُلغى الحقُّ من أفواهِهم لاندثرَ التاريخُ وانمحى القِدَما في النهاية، الصحافة ليست مهنة من يخاف الرائحة، بل مهنة من يشمّها، ويتتبع مصدرها، ويكشفها للناس فالحقيقة، مهما جاءت متسخة، تبقى أصدق وأقوى من أي “صفر” يُمنح لها باسم الطهارة الأكاديمية.
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة