في تشخيص هو الأخطر من نوعه منذ اندلاع الصراع المسلح، كشفت ورقة تحليلية صادرة عن المنظمة الإفريقية الأوروبية للعمل الإنساني والتنمية ، عن بنية تحالف ثلاثي خفي يجمع بين ( العسكر والأيديولوجيا والتواطؤ الحزبي ) كمحرك أساسي يقود السودان نحو نقطة الدمار واللاعودة . الورقة توصّف الحرب الحالية بمعركة وجودية تهدف إلى إعادة صياغة هوية الدولة واختطاف شرعيتها لصالح مثلث مصالح يجمع بين "السلاح ، والانتهازية السياسية ، والأيديولوجيا الراديكالية" .
وإن كان المجتمع الدولي - عبر ما يُعرف بـ "الآلية الثلاثية" المؤلفة من الاتحاد الأفريقي والهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنمية (إيغاد) وبعثة الأمم المتحدة - قد رحب سابقاً بجهود الحل السياسي ودعا إلى تشكيل حكومة مدنية ذات مصداقية ، فإن الواقع الذي تكشفه الورقة التحليلية يؤكد أن المأساة السودانية تتعمق تحت وطأة تحالف داخلي خبيث . ففي الوقت الذي تحمل فيه الآلية الدولية المؤسسة العسكرية "مسؤولية الانخراط بحسن نية" لتسليم السلطة لمدنيين ، نجد أن هذه القيادة العسكرية قد تخلت كلياً عن هذه المسؤولية .
يحلل التقرير الضلع الأول لهذا التحالف ، وهو قيادة عسكرية تخلت عن عقيدتها المهنية لتتحول إلى نخبة اقتصادية مغلقة ، ترى في استمرار دوي المدافع ستاراً يحمي شبكات معقدة من المصالح المالية غير المشروعة. بالنسبة لهذه النخبة ، فإن السلام يمثل تهديداً وجودياً لأنه يعني بالضرورة الخضوع للمساءلة وفك الارتباط بين السلطة والثروة ، مما يجعل من الحرب الدائمة خياراً وحيداً للبقاء .
هذا التحول ليس جديداً في السلوك السياسي السوداني ، فالتاريخ يشهد على تحالفات عسكرية ومدنية متغيرة . فقد عرف السودان تشكيل تحالفات معارضة عريضة كالتجمع الوطني الديمقراطي و"قوى الإجماع الوطني" التي ضمت 17 حزباً ، لكن هذه التحالفات كانت تبنى غالباً على "الحد الأدنى من التوافق" ومواقف "براغماتية وقتية" ، مما يجعلها سهلة التفكك . اليوم ، تحول المؤسسة العسكرية إلى كيان اقتصادي حربي صرف .
أما الضلع الثاني ، فيتمثل في قوى مدنية تقليدية استمرأت دور (المحلل السياسي) للعسكر ، إذ وفرت هذه الأحزاب غطاءً هشاً للانقلاب والحرب ، طمعاً في العودة إلى المشهد عبر البوابات الخلفية ( الهبوط الناعم) و(المفاوضات السرية ) ، مما تسبب في إرباك القوى الثورية الحقيقية وتشتيت المشروع المدني الوطني . هذا المشهد من الانقسام والمواقف الانتهازية ليس بغريب على الساحة السودانية . فحتى ائتلافات المعارضة التاريخية مثل "ائتلاف الحرية والتغيير" تقزّم دوره مع خلافات مكوناته ، وانقسمت القوى المدنية بين من يؤيد التفاوض مع العسكر عبر "الحرية والتغيير -التوافق الوطني"، ومن يعارضه ضمن "مجموعة المجلس المركزي" . وفي ظل هذا الفراغ والانقسام ، تبرز قوى جديدة تحاول ملء الفراغ ، مثل "تحالف قوى التغيير الجذري" بزعامة الحزب الشيوعي ، لكنها تصطدم بواقع تحالف النخب القديم الذي يستهلك الدولة ويعيد العجلة إلي الوراء .
الورقة تضع التحذير الأكبر أمام الضلع الثالث والأكثر فتكاً: هو ( التيار الإسلامي المتشدد ) . فهذا التيار يشارك في الحرب كوقود أيديولوجي يمنح القتل صبغة قدسية . ومن خلال خطابات التخوين وتجريم دعوات السلام ، يسعى هذا التيار لإعادة إنتاج ( مشروع التمكين والنهب ) الذي سقط شعبياً بثورة مشهودة ، مستخدماً الفوضى كأداة لفرض الهيمنة من جديد تحت مسميات الهوية والدين والسيادة . ويجد هذا التيار أرضاً خصبة في الفوضى والفراغ ، كما تظهر في أقاليم مثل شرق السودان ، حيث تبرز تحالفات إقليمية جديدة كميثاق "شرق السودان" الذي يضم فصائل مثل مؤتمر البجا وحركة تحرير شرق السودان . وعلى الرغم من إعلان هذه التحالفات المحلية أنها لن تنخرط في الحرب الدائرة بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع ، إلا أن بروزها يعكس تفتت سلطة الدولة المركزية وخلق ساحات جديدة يمكن للأيديولوجيا المتطرفة أن تملأها ، خاصة مع التقارير عن وجود معسكرات تدريب لحركات مسلحة سودانية بدعم إقليمي .
والمأساة الكبرى تكمن في أن ضحية هذا الخطاب التعبوي هو المجتمع السوداني بأكمله ، فبينما تضخ النخبة شعارات (الكرامة) و(الحرب المقدسة) يواجه السودانيون -بنـسـيـجـهـم الـمـتـسـامـح - أكبر موجة نزوح وانهيار اقتصادي في التاريخ الحديث ، مما يكشف الهوة السحيقة بين ادعاءات الأيديولوجيا وواقع المعاناة الإنسانية .
من هنا ندق جرس الإنذار الأخير : إن ما يواجهه السودان اليوم هو خطر داهم يستهدف تجريف فكرة (الدولة) من أساسها . إن الرهان على أنصاف الحلول مع هذا التحالف هو نوع من الانتحار الجماعي . لذا ، فإن الواجب الوطني والإنساني يحتم ضرورة استنفار الوعي الجمعي ( لتفكيك هذا المثلث المسموم والخبيث ) وكشف أطرافه . إن استقرار السودان لن يتحقق إلا بكسر هذه الحلقة المفرغة ، وفضح التواطؤ بين تجار الحروب ومنظري التطرف والمتواطئين . لقد آن الأوان لانتزاع الشرعية من أيدي من يستثمرون في جثث السودانيين ودمائهم ، وإعادتها إلى أصحابها الحقيقيين من المجتمع الحي ، فالبديل عن الوعي الحاد والتحرك الحاسم لتفكيك هذا التحالف هو التلاشي التام للسودان كدولة وكيان . إنها معركة الوعي أولاً .
للإطلاع على الورقة التحليلية ومصادرها الموثقة على الرابط: https://oaahd.com/lander؟p=16653https://oaahd.com/lander؟p=16653
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة