استاذنا فضيلي جمّاع والالتفاف على التأسيس: قراءة في خطاب "مدنية قرار الشعب"
28/12/2025 خالد كودي، نيروبي
كتب أستاذنا فضيلي جمّاع مقالًا بعنوان "ما تزال الشوارع حبلى بها: مدنية قرار الشعب" بتاريخ 20 ديسمبر 2025، وهو نصّ مشحون بعاطفة ثورية صادقة، ومشحذ باستدعاءات تاريخية كبرى تمتد من الثورة الفرنسية إلى تجربة جنوب أفريقيا، ومن رمزية تشي جيفارا إلى أخلاقيات النضال الشعبي. المقال يعكس إيمانًا عميقًا باستمرارية الثورة، وبقدرة الشارع على تجديد ذاته في مواجهة القمع والانكسار. غير أنّ قوة اللغة، وصدق الانحياز الأخلاقي، لا يكفيان وحدهما لتأسيس موقف سياسي قادر على مواجهة لحظة تاريخية معقّدة كتلك التي يعيشها السودان اليوم. فالإشكال لا يكمن في النوايا، بل في الإطار النظري الذي تُفهم من خلاله الثورة، والدولة، وطبيعة الصراع القائم. فبينما يستدعي المقال الثورات الكبرى بوصفها طاقة رمزية وأخلاقية، فإنه يتجاوز سؤال التأسيس: أيّ دولة نريد؟ وبأي قطيعة تاريخية يمكن بلوغها؟ ومن أي موقع اجتماعي تُخاض هذه المعركة؟ هذا الرد لا يُكتب من موقع الخصومة، بل من موقع التقدير العميق لأستاذنا فضيلي، ومن موقع الانحياز الجذري لفكرة الثورة بوصفها مشروع إعادة تأسيس شامل، لا مجرد استدعاء وجداني لانتفاضات سابقة. إنه دفاع عن الثورة بوصفها فعل بناء للدولة الجديدة، لا استعارة أخلاقية ولا نوستالجيا سياسية، ولا إعادة تدوير لخطاب لم يعد قادرًا على الإجابة عن أسئلة اللحظة التاريخية الراهنة.
أولاً: أي ثورة؟ سؤال المفهوم قبل الاحتفاء بالرمز يستهل الأستاذ فضيلي مقاله بمقولة لتشي جيفارا "لا يزال الأغبياء يتصورون أن الثورة قابلة للهزيمة" غير أن جيفارا نفسه، في نص أكثر راديكالية ووضوحاً، يقول: «الثورة ليست تفاحة تسقط عندما تنضج، بل عليك أن تجعلها تسقط" (تشي جيفارا، خطابات الثورة الكوبية، 1961) وهنا مكمن الخلاف الجوهري: الثورة ليست حالة وجدانية، ولا مجرد تدفق تاريخي تلقائي، ولا استمراراً رمزياً للهتاف. الثورة فعل قطيعة، وقرار سياسي، وإعادة تأسيس للسلطة، وللعقد الاجتماعي، وللدولة ذاتها. الثورة التي يدافع عنها هذا الرد ليست "ثورة شعارات"، ولا "ثورة مدنية" بالمعنى المخفف الذي تحوّل في الخطاب السوداني إلى بديل لغوي عن الدولة العلمانية، بل هي ثورة السودان الجديد كما صاغتها الحركة الشعبية لتحرير السودان منذ ثمانينيات القرن الماضي، وكما بلورتها اليوم: - وثيقة المبادئ فوق الدستورية - ميثاق تحالف تأسيس (نيروبي، 22 فبراير 2025 - الدستور الانتقالي لتحالف تأسيس (2025 هذه الوثائق لا تمثل تياراً سياسياً عابراً، بل تمثل برنامج الثورة نفسه: العلمانية، المواطنة المتساوية، اللامركزية الجذرية، العدالة التاريخية، تفكيك الدولة المركزية بدء بالجيش الغنصري، وحق تقرير المصير... أما "الثورة" التي يتحدث عنها الأستاذ فضيلي في مقاله هذا، فهي – مع كامل الاحترام – "ثورة" نخب حضرية فاشلة، منقوصة، ومحدودة الأفق، لا تتجاوز كونها انتفاضة شبيهة بانتفاضتي أكتوبر 1964 وأبريل 1985، واللتين نعرف جيداً ماذا أنجبتا: إعادة إنتاج الدولة نفسها، والطبقة نفسها، والامتيازات نفسها!
ثانيًا: التاريخ لا يعود إلى الوراء… لكن النخب تحاول تجميده يقول الأستاذ فضيلي إن التاريخ لا يسير في خط مستقيم، وهذه حقيقة جدلية لا خلاف حولها. غير أنّ الإشكال لا يكمن في تعرّجات التاريخ، بل في محاولات النخب الحاكمة ـ قديمها وجديدها ـ أن تُجمِّد هذا التاريخ عند لحظة تخدم امتيازاتها، وأن تحوّل السيرورة الثورية إلى دائرة مغلقة تعيد إنتاج ذات البنية السلطوية بأقنعة جديدة. فالنخب التي ترفع اليوم شعار "مدنية خيار/قرار الشعب" رغم اننا لا نعرف عن أي شعب يتحدثون، هي شعارات ليست بريئة ولا معزولة عن تاريخها القريب. هي ذاتها النخب التي: - سرقت ثورة ديسمبر لحظة انتصارها الأخلاقي، - فاوضت العسكر باسم الجماهير دون تفويض، - فرّغت مطلب العلمانية من مضمونه الجذري وحوّلته إلى شعار تجميلي، - زوّرت مطالب المهمّشين واختزلتها في شعارات وحدوية جوفاء، - وأعادت إنتاج السودان القديم بلغة حداثية ناعمة، دون المساس ببنية السلطة أو علاقات الامتياز إن تحويل "المدنية" إلى غاية نهائية، منفصلة عن سؤال الدولة والسلطة والعدالة التاريخية، ليس خطأً بريئًا في التقدير، بل مناورة سياسية واعية تهدف إلى تأجيل لحظة التأسيس الحقيقي، والالتفاف على سؤال: من يحكم؟ ولمصلحة من؟ وبأي شرعية تاريخية؟ وهنا تتجلى "راهنية" مقولة أنطونيو غرامشي في دفاتر السجن (1930 "تكمن الأزمة تحديدًا في أن القديم يحتضر، والجديد لا يستطيع أن يولد؛ وفي هذا الفراغ تظهر الأعراض المرضية" فالمدنية، حين تُفصل عن العلمانية، وعن تفكيك بنية الدولة الاستعمارية، وعن إعادة توزيع السلطة والثروة، تتحول إلى أحد تلك "الأعراض المرضية" التي تحدث عنها غرامشي: واجهة إصلاحية تُبقي جوهر الهيمنة كما هو! هذا ما أدركه الثوريون الأفارقة باكرًا. ففرانز فانون حذّر بوضوح في معذبو الأرض من أن النخب الوطنية التي ترث الدولة الاستعمارية دون تفكيكها تتحول إلى "بورجوازية كمبرادورية" لا تنتج تاريخًا جديدًا، بل تدير البؤس بلغة السيادة. يقول فرانتس فانون: "البرجوازية الوطنية، بدل أن تكون محرّك الأمة، تصبح وكيلًا محليًا للرأسمالية العالمي" ... ويمكن المقاربة! وكذلك أكّد توماس سانكارا أن الثورة ليست تغيير أشخاص بل تغيير علاقات، حين قال: "الثورة لا تعني أن تتغير الوجوه في القصر، بل أن تتغير طبيعة القصر نفسه" أما أميلكار كابرال، فقد ربط التحرر الحقيقي بتحرير الوعي قبل السلطة، محذرًا من أن النخب التي لا تقطع مع بنيتها الثقافية الاستعمارية ستعيد إنتاج القهر باسم الاستقلال- وثورة وثوار السودان الجديد لن يسمحوا بهذا! من هذا المنظور، فإن الإصرار على "مدنية" بلا علمانية، وبلا إعادة تأسيس للدولة، ليس سوى محاولة لتجميد التاريخ عند لحظة آمنة للنخب، ومنع انبثاق ما هو أخطر عليها: ثورة المهمّشين بوصفها سيرورة تاريخية لا يمكن احتواؤها أو التفاوض على جوهرها، والحاضر يكلم الغائب كما يقال! فالتاريخ، كما قال غرامشي، لا يتوقف… لكنه يعاقب أولئك الذين يحاولون حبسه داخل مصالحهم... ولا شنو؟
ثالثًا: لماذا تُعدّ المقارنة مع الثورة الفرنسية مقارنة مضلِّلة؟ يستدعي الأستاذ فضيلي الثورة الفرنسية بوصفها مرجعية أخلاقية وتاريخية، غير أن هذا الاستدعاء – على أهميته الرمزية – يأتي مبتورًا من سياقه الجذري، ويُفرغ الثورة الفرنسية من مضمونها الثوري الحقيقي. فالثورة الفرنسية لم تكن لحظة احتجاج أخلاقي، ولا انتفاضة شعبية عابرة، ولا محاولة إصلاح داخل بنية قائمة، بل كانت فعل قطيعة تاريخية شاملة مع نظام كامل من الامتيازات، والسلطات، وأنماط التفكير. لم تكن ثورة 1789 نداءً لتحسين الملكية، بل إعلانًا لموتها السياسي. لم تكن حركة إصلاح، بل عملية تأسيس عنيفة لمعنى جديد للسيادة، والمواطنة، والدولة. لقد قامت الثورة الفرنسية على أربع ركائز لا يمكن فصلها: ١/ إسقاط النظام الإقطاعي بوصفه بنية اقتصادية–سياسية؛ ٢/ نزع القداسة عن الكنيسة وفصلها عن الدولة؛ ٣/ إعادة تعريف الشعب باعتباره مصدر السيادة لا موضوعها؛ ٤/ وتأسيس مفهوم المواطنة المتساوية خارج الامتيازات الوراثية والدينية ولهذا قال المؤرخ الفرنسي فرانسوا فوريه (1927–1997): "الثورة الفرنسية لم تغيّر الحكّام فحسب، بل غيّرت معنى السلطة ذاتها." من هنا، فإن استدعاء الثورة الفرنسية لتبرير مشروع سياسي يسعى إلى الحفاظ على بنية الدولة القديمة، أو يتجنّب الحسم في مسألة العلمانية، أو يساوم على تفكيك الامتيازات التاريخية، هو قلبٌ للتاريخ لا استلهامٌ له. الثورة الفرنسية لم تكن "مدنية توافقية"، ولم تُدار بمنطق التسويات، بل كانت صراعًا وجوديًا على معنى الدولة نفسها. ولهذا لم تتردد في مواجهة من حاول الالتفاف على مسارها، بل أزاحتهم بقسوة حين رأت فيهم تهديدًا لولادة النظام الجديد... ولنسال المقصلة عن هذا! إن المقارنة الصحيحة ليست بين الثورة الفرنسية وما تسميه بعض النخب السودانية "مدنية الخيار"، بل بين الثورة الفرنسية ومشروع السودان الجديد بوصفه مشروعًا تأسيسيًا يسعى، مثلها، إلى: - تفكيك بنية الدولة القديمة، - إعادة تعريف المواطنة على أسس غير عرقية ولا دينية، - ترسيخ السيادة الشعبية، - وبناء دولة علمانية حديثة لا تُدار بالمواريث ولا بالوصايات أما المقارنة بين الثورة الفرنسية ومشروع إصلاحي يسعى فقط إلى تغيير الوجوه مع الإبقاء على البنية، فهي مقارنة تُسيء إلى الثورة الفرنسية قبل أن تخدم أي خطاب محلي. فالثورات، كما علّمنا التاريخ، لا تُقاس بنوايا أصحابها، بل بمدى قدرتها على كسر الاستمرارية وبناء قطيعة تاريخية. ومن دون هذه القطيعة، لا تكون "المدنية" سوى قناع جديد لسلطة قديمة.
رابعًا: فولتير، العلمانية، وخوف النخب من الضوء لم يكن فولتير (1694–1778) مجرّد ساخر لاذع أو ناقد أخلاقي للكنيسة، بل كان أحد أعمدة التأسيس الفلسفي للعلمانية الحديثة بوصفها شرطًا لتحرير الإنسان من هيمنة المقدّس حين يتحول إلى أداة سلطة. لقد أدرك فولتير، باكرًا، أن الخطر لا يكمن في الإيمان ذاته، بل في تحويله إلى جهاز قهر سياسي وأخلاقي. ولهذا قال عبارته الشهيرة التي تختصر جوهر مشروعه الفكري: "كل من يملك سلطة جعلك تؤمن بالعبث، يملك أيضًا سلطة أن يجعلك ترتكب الظلم." في هذه الجملة تتكثف فكرة العلمانية بوصفها تحرّرًا مزدوجًا: تحرّر السياسة من الابتزاز الديني، وتحرّر المواطن من الخضوع القسري لسلطات تزعم الحديث باسم السماء. فالعلمانية عند فولتير ليست عداءً للدين، بل تحصينًا للمجتمع من تحوّل الإيمان إلى أداة قهر، ومن تحوّل الدولة إلى كهنوت مقنّع. ومن هنا، فإن رفض النخب السودانية للعلمانية – واستبدالها بشعار غائم مثل "المدنية" ومحاولات تسويق "المدنية هذه" عبر ادباء كبار مثل استاذنا فضيلي جماع – ليس موقفًا أخلاقيًا ولا ثقافيًا، بل هو خيار سياسي واعٍ يهدف إلى الإبقاء على التحالف القديم بين السلطة والثروة والقداسة، "بدرجات ما" مع تغيير اللغة لا البنية. فالمدنية، حين تُفرَّغ من بعدها العلماني، تتحول إلى واجهة ناعمة لسلطة دينية–عسكرية مستترة، وتصبح وسيلة لإدامة الامتيازات لا لتفكيكها. إنها محاولة لترويض الثورة، لا لتحقيقها... ولهذا، فإن استحضار فولتير في السياق السوداني لا يكون بترديد اسمه، بل بالذهاب إلى جوهر مشروعه: تفكيك السلطة حين تستمد شرعيتها من الغيب، وفتح المجال العام أمام العقل، والمواطنة، والمساءلة. إن النخب التي تخشى العلمانية، إنما تخشى الضوء ذاته؛ لأن الضوء، حين يُسلَّط على البنية، يكشف من يملك السلطة، ومن يُقصى باسم الدين، ومن يعيش خارج التاريخ.
خامسًا: روسو والعقد الاجتماعي… أم الاحتيال على العقد؟ حين كتب جان جاك روسو (1712–1778) العقد الاجتماعي عام 1762، لم يكن بصدد تقديم وصفٍ تقني لإصلاح الدولة، ولا اقتراح تحسينات إدارية على نظام قائم، بل كان يعلن قطيعة جذرية مع فكرة السلطة الموروثة، ومع الدولة التي تُبنى على الامتياز، أو القداسة، أو الإكراه. عبارته الشهيرة: "الإنسان يولد حرًّا، لكنه في كل مكان مكبَّل بالأغلال" لم تكن توصيفًا أخلاقيًا، بل تشخيصًا سياسيًا لبنية الدولة غير العادلة. العقد الاجتماعي عند روسو ليس اتفاقًا بين حاكم ومحكوم، ولا تسوية بين نخب متصارعة، بل هو إعادة تأسيس شاملة للشرعية، تنقل السيادة من يد السلطة إلى الإرادة العامة، وتُخضع الدولة لإرادة المواطنين الأحرار والمتساوين. الدولة، في هذا المعنى، لا تسبق المجتمع، بل تُشتق منه. من هذا المنطلق، فإن الدعوة إلى "مدنية بلا علمانية" ليست فقط تناقضًا نظريًا، بل خرقٌ جوهري لفكرة العقد الاجتماعي نفسها. فالدولة التي تنحاز ثقافيًا أو دينيًا، أو تمنح امتيازًا لهوية بعينها، تُنكر مبدأ الإرادة العامة، وتحوّل العقد إلى أداة إقصاء بدل أن يكون أساسًا للمواطنة المتساوية. في السياق السوداني، يتجلى هذا الخرق بوضوح. فالدولة التي قامت منذ الاستقلال لم تُبنَ على عقد اجتماعي جامع، بل على تسوية نخبويّة أعادت إنتاج الامتيازات نفسها باسم الاستقلال، ثم باسم الهوية، ثم باسم الدين. ولهذا ظلّت فئات واسعة من الشعب خارج "العقد"، تُدار لا تُمثَّل، وتُضبط لا تُواطَن. إن مشروع السودان الجديد لا يستدعي روسو بوصفه مرجعًا أخلاقيًا فحسب، بل بوصفه أساسًا لإعادة التأسيس: دولة تُبنى من القاعدة إلى القمة، على مبدأ المواطنة المتساوية، والعلمانية، والاعتراف بالتعدد، لا على هندسة توافقات نخبوية تُدار من فوق. فالمدنية التي لا تُترجم إلى عقد اجتماعي جديد ليست سوى إعادة صياغة لغوية لعلاقات الهيمنة القديمة. والعقد الذي لا يضمن المساواة والكرامة والحقوق الكاملة لجميع المواطنين، ليس عقدًا اجتماعيًا، بل احتيالًا سياسيًا باسم الدولة وهكذا، فإن معركة السودان اليوم ليست معركة "انتقال" أو "إصلاح"، بل معركة تأسيس: تأسيس دولة جديدة، أو إعادة تدوير دولة قديمة بوجهٍ أكثر تهذيبًا.
سادساً: مونتيسكيو، لوك، هوبز… الثورة تعني التغيير - مونتيسكيو (1689–1755): فصل السلطات لمنع الاستبداد. - جون لوك (1632–1704): شرعية السلطة من رضى المحكومين. - توماس هوبز (1588–1679): الدولة نتاج عقد لا قداسة فيه. جميعهم يشتركون في فكرة واحدة: الثورة تعني تغيير البنية، لا ترقيعها.
سابعاً: جنوب أفريقيا… لم تتصالح مع الأبارتهايد الثورة في جنوب أفريقيا لم تنتصر لأنها "مدنية"، بل لأنها: أسقطت بنية الأبارتهايد، أعادت تعريف المواطنة، وواجهت الماضي عبر العدالة الانتقالية. نيلسون مانديلا لم يساوم على الأسس!
ثامناً: أمريكا، عن ثورة السود، وجيمس بالدوين جيمس بالدوين (1924–1987) قال: "ما يُطلب من السود دائماً هو الصبر، بينما لا يُطلب من الظلم أن يتوقف!" هذه هي بالضبط سردية النخب السودانية: الصبر، الواقعية، الإصلاح… أي كل شيء عدا التغيير الجذري!
تاسعاً: الثورة ليست انتفاضة… والثورة ليست نداءً أخلاقياً ثورة ديسمبر، كما عبّرت عنها مراكز قوى السودان القديم، ليست سوى انتفاضة. أما ثورة السودان الجديد فهي ثورة المهمشين، وتتقدم كل يوم، بمبادئ واضحة: العلمانية– الديمقراطية– اللامركزية– العدالة التاريخية–حق تقرير المصير-جيش وطني جديد واحد، لا جيش دولة قديمة
خاتمة: مع كامل الود لأستاذنا فضيلي جمّاع هذا الرد لا ينطلق من إنكار صدق أستاذنا فضيلي جمّاع، ولا من التقليل من إسهامه الثقافي المعروف، بل من اختلاف جذري معه في فهم معنى الثورة ولحظتها التاريخية. فالإشكال اليوم لا يكمن في النوايا ولا في البلاغة، بل في كيفية توظيف الأفكار والمفكرين لتجميل مواقف سياسية مترددة، أو لتبرير الهروب من استحقاق التأسيس. لقد اعتادت النخب السودانية، عبر تاريخها الطويل، أن تستعير أسماء الفلاسفة والثوار لا لتنجز قطيعة مع الواقع، بل لتحتمي بهم من مواجهة أسئلة التغيير الجذري. فتُستدعى الثورة الفرنسية دون علمانيتها، ويُستدعى روسو دون عقده الاجتماعي، ويُستدعى فولتير دون عدائه لتحالف الدين والسلطة. هكذا يتحول الفكر من أداة تحرير إلى قناع تحايلي لإعادة إنتاج الدولة القديمة بلغة جديدة. اللحظة الراهنة ليست لحظة تحسين شعارات ولا إعادة تدوير مفاهيم مألوفة. إنها لحظة تأسيس تاريخي لا تحتمل الالتفاف ولا التسويف. لحظة يُطلب فيها وضوح الموقف لا أناقة الخطاب، والاختيار لا المناورة. فالثورة ليست مجرد حضور في الشارع، ولا استدعاء لذاكرة ديسمبر بوصفها طقسًا وجدانيًا. الثورة، في معناها العميق، هي إعادة بناء الدولة من الأساس: دولة تقوم على العلمانية، والمواطنة المتساوية، والعدالة التاريخية، والاعتراف الكامل بتعدّد السودان وحق شعوبه في تقرير مصيرها. وثورة السودان الجديد لا تنتظر اعتراف النخب، ولا تصديقها، ولا رضاها. إنها تتقدّم لأن شروطها الموضوعية نضجت، ولأن زمن التحايل انتهى. هذا هو وقت التأسيس… ومن لا يجرؤ على دخوله، سيبقى أسير الماضي، مهما استعار من أسماء الفلاسفة، ولا شنو؟
النضال مستمر والنصر اكيد.
(أدوات البحث والتحرير التقليدية والإليكترونية الحديثة استخدمت في هذه السلسلة من المقالات)
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة