ظنّ المسؤول الكبير أن الهاتف يرنّ كعادته: مكالمة معايدة لطيفة، دعاء سريع، وكلمتان للاستهلاك الوطني. ضغط زر الإجابة وهو مبتسم ابتسامة محفوظة في الذاكرة الرسمية… لكن الابتسامة لم تعش طويلًا. على الطرف الآخر كان الصوت مرتجفًا، محمّلًا بكمية دراما تكفي لمسلسل هندى مدبلج و كامل في شهر واحد. قبل أن يكمل عبارة “كل سنة وأنتِ طيبة”، فوجئ بسيل من الشكوى العاطفية التي لا تقبل المقاطعة. كانت المتصلة في حالة تأثر قصوى، كأنها تجمع كل خيبات إعلام الانقلاب في حنجرتها. بدأت تحكي عن الظلم، عن الإجحاف، عن الوفاء الذي لا يُكافأ، وعن أناس “ظهروا فجأة” فوجدوا القنوات والملاحق الإعلامية تُفرش لهم بالسجاد الأحمر، بينما هي ما زالت جالسة في الصف الخلفي تلوّح بميكروفون قديم. ثم جاءت الجملة القاتلة، بصيغة لا تحتمل اللبس ولا المجاملة: “معقول يا ريس؟! يعملوا لهم قنوات، ويعينوا ملحقين، وأنا… أنا قاعدة؟!” هنا بدأ الهاتف يسخن، والصوت يعلو، والدموع تسبق الكلمات. حاول المسؤول أن يتدخل، أن يقول شيئًا حكيمًا من نوع “ننظر في الأمر”، لكن الموجة كانت أقوى. البكاء تحوّل إلى نشيج، والنشيج إلى صمت مفاجئ… ثم طُق… انقطع الخط. لاحقًا، تبيّن أن الإغماء كان حقيقيًا، وأن التأثر بلغ ذروته الوطنية. ولم تكن هذه نهاية القصة، إذ تكرر المشهد ذاته مع مسؤول آخر، هاتف آخر، وصمت أطول، وكأن الإغماء أصبح وسيلة اتصال بديلة. وهكذا تحوّلت مكالمات المعايدة إلى بلاغات درامية، وأصبح الهاتف أداة ضغط، لا للاتصال… بل للإغماء عند الحاجة. أما العبرة؟ في زمن “ام خنفر”، ليس المهم من وقف، ولا متى وقف، بل من أُغمي عليه أولًا.
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة